بنيوية الأزمة في الحزب الديمقراطي ويساره وصعود المستقلين كبديل
الخريطة السياسية الأميركية المتغيّرة
تعيش الولايات المتحدة الأميركية اليوم حالة فريدة وغير مسبوقة من التناقض السياسي البنيوي؛ فبينما تبدو البلاد مدفوعة نحو استقطاب حاد وعميق يظهر في أعلى مستوياته، فإن عدداً أقل من الأميركيين باتوا يرغبون في الانتماء الفعلي أو الارتباط العضوي بالأحزاب السياسية التقليدية الرئيسة.
إن هذا التناقض يغذيه نظام انتخابي يعتمد على الآليات الجغرافية؛ حيث تسير «حرب إعادة ترسيم الدوائر الانتخابية» (Gerrymandering) على قدم وساق، دافعة بالولايات والمقاطعات نحو فرز ميكانيكي صارم بين ولايات «حمراء» (جمهورية مغلقة) وأخرى «زرقاء» (ديمقراطية مغلقة). ومع ذلك، فإن هذا الفرز المصطنع من الأعلى لا يعكس حقيقة ما يحدث في الأسفل؛ فالقواعد الشعبية بدأت تنفضّ بشكل جماعي من حول الحزبين الكبيرين، كاشفة عن فجوة هائلة بين النخبة الحزبية والمجتمع.
ظاهرة «المستقلين الجدد»: الكتلة الحرجة التي تعيد رسم الخارطة
تُظهر أحدث بيانات استطلاعات الرأي القومية (التي أجربت بصياغة وتتبع مشتركين بين CNN وSSRS) تحولاً تاريخياً في بنية الهوية السياسية للأميركيين، متمثلاً في صعود فئة «المستقلين الجدد».
1. ذروة عددية غير مسبوقة وانزياح ديموغرافي:
أعلن قرابة نصف الأميركيين (47%) أنهم لا يعتبرون أنفسهم جزءاً من أي من الحزبين الكبيرين. وهذه النسبة هي النسبة الأعلى التي يتم قياسها وتسجيلها خلال عقد من الزمان، وتكاد تلامس الذروة التاريخية المطلقة التي سُجلت في عام 2015 حين بلغت 48%. ولفهم أبعاد هذا التحوّل، لا بد من الإشارة إلى أن نسبة المستقلين التي شهدت قفزة نوعية بنحو 10 نقاط مئوية كاملة منذ نهاية الولاية الرئاسية الأولى لدونالد ترامب، كانعكاس لرغبة واعية في النأي بالنفس عن معارك الحزبين.
2. التراجع الحزبي والتعادل الحرج:
تنعكس أزمة الانفضاض الشعبي في تراجع نسب الهوية الحزبية الصافية؛ إذ لم يعد الديمقراطيون يمثلون سوى 27% من السكان، بينما يمثل الجمهوريون 26% منهم. وحتى عندما يتم فحص «المستقلين المائلين» (المستقلون الذين يميلون نسبياً لأحد الطرفين عند الضغط عليهم)، يظل المشهد منقسماً بالتساوي تقريباً: 39% يميلون للديمقراطيين، و37% يميلون للجمهوريين، بينما يرفض 25% منهم الميل مطلقاً. ومنذ عام 2021، لم يستطع أي حزب تحقيق ميزة تمثيلية مستدامة، ما يعني أن البلاد تعيش في حالة شلل حزبي متعادل وتعتمد كلياً على كتلة المستقلين المتأرجحة.
وبينما تتجاوز نسب التسجيل للتصويت 80% لدى الديمقراطيين والجمهوريين، فإن 67% فقط من المستقلين مسجلون للتصويت، و25% منهم فقط يبحثون بانتظام عن الأخبار السياسية. إنهم قوة كامنة، محبطة، وتتحرك بدافع رد الفعل وليس الولاء الحزبي
3. سوسيولوجيا المستقلين: شباب، مدنيون ومنفصلون عن اللعبة:
هؤلاء المستقلون ليسوا كتلة أيديولوجية متجانسة في «الوسط» بالمعنى الكلاسيكي، بل يتمايزون ديموغرافياً وسلوكياً عن الحزبيين التقليديين.
كتلة شابة: تتميز بكونها أكثر شباباً بشكل ملحوظ؛ إذ إن 63% من المستقلين هم تحت سن الخمسين، مقارنة بـ 52% لدى الديمقراطيين، و38% فقط لدى الجمهوريين الهرمين سوسيولوجياً.
أقل دخلاً وأكثر تمدناً: يميل المستقلون إلى السكن في المدن والمناطق الحضرية بنسبة (40%). كما أن دخلهم يميل إلى الانخفاض، إذ تعيش قرابة نصف أسر هذه الكتلة على دخل سنوي يقل عن 50 ألف دولار.
الافتراق والتعالي عن السياسة الرسمية: السمة الأبرز لهذه الكتلة هي «الافتراق التام» عن اللعبة السياسية. وبينما تتجاوز نسب التسجيل للتصويت 80% لدى الديمقراطيين والجمهوريين، فإن 67% فقط من المستقلين مسجلون للتصويت، و25% منهم فقط يبحثون بانتظام عن الأخبار السياسية. إنهم قوة كامنة، محبطة، وتتحرك بدافع رد الفعل وليس الولاء الحزبي.
أزمة الحزب الديمقراطي ومعضلة الجناح التقدمي (اليسار)
في مقابل صعود المستقلين، يواجه الحزب الديمقراطي، وبشكل أكثر عمقاً جناحه التقدمي ويساره، أزمة وجودية حادة تتجاوز حسابات المقاعد والأرقام الانتخابية. إنها أزمة «هوية اجتماعية» وبنية طبقية؛ فالأفكار لا تحلق في الفراغ الاجتماعي، والتحول الذي أصاب الحزب الديمقراطي ويساره له شكل سوسيولوجي واضح: لقد انتقل مركز ثقل السياسة التقدمية الأميركية تاريخياً من نقابات العمال والكادحين إلى شريحة المهنيين والموظفين الحاصلين على تعليم جامعي نخبوي (The Professional-Managerial Class).
1. الانفصال الطبقي عن الواقع الاقتصادي:
باتت الكوادر التي تدير ماكينة الحزب الديمقراطي والجناح التقدمي - من ناشطين وموظفي حملات ومانحين وكُتّاب ومصممي سياسات - تنتمي إلى طبقة ميسورة ومؤمّنة اقتصادياً. بالنسبة إلى هذه الشريحة المهنية المتعلمة، يمثل «البقاء الاقتصادي» مشكلة تم حلها مسبقاً بفعل التعليم والدخل المرتفع.
ونتيجة لذلك، تحولت السياسة في نظرهم من معركة مادية قاسية على «الأجور وقيمة الإيجار وتكلفة الرعاية الصحية» إلى مسألة «قيم وتعبير ثقافي وأسلوب حياة».
عندما تأتي حركة يقودها أصحاب الشهادات العليا والنخب الأكاديمية لتقدم للطبقة العاملة معارك ثقافية من جهة، وبيروقراطية تكنوقراطية مقيدة ومبرمجة من جهة أخرى، فلا ينبغي لها أن تصاب بالدهشة حين ترى العمال يهاجرون ككتلة تصويتية نحو اليمين
يمثل هذا التحول قطيعة صامتة وخيانة غير معلنة لإرث الاشتراكية الديمقراطية الأميركية واليسار التقدمي القديم. إن قادة الحركات التاريخية الكبرى لم يمنهجوا الفقر أو ينظروا إليه من وراء شاشات أو من داخل أروقة السمينارات والأبحاث الجامعية المرفهة، بل عاشوا في قلب الطبقة العاملة وكانت بوصلتهم هي «التضامن العضوي اليومي» لا الإحسان الفوقي. وعندما يتوقف قادة الحركة وحملتها عن مشاطرة الجماهير شروط عيشهم المادي، تنقطع قنوات المحاسبة التحتية، وتنجرف الأجندة تلقائياً لتلبي هواجس واهتمامات الطبقة المرفهة.
2. تسييد المعارك الرمزية وإهمال الهياكل العمالية:
يتقن اليسار «المهني» الأكاديمي الحالي لغة قاعات السمينارات والمصطلحات التفكيكية المعقدة، وتبعاً لذلك، فهو يضع على رأس أولوياته قضايا اللغويات، والتمثيل البصري، والاعتراف الرمزي بالهويات. وفي مقابل هذا التضخم في المعارك الرمزية والهوياتية، يصمت الحزب ويساره صمتاً مريباً ومخزياً عن القضايا الهيكلية الصلبة، وفي مقدمتها تراجع «الكثافة النقابية» (Union Density).
إن نسبة العمال المنخرطين في النقابات في أميركا هبطت تاريخياً لتصل إلى حدود 10% فقط من إجمالي القوة العاملة، بعد أن كانت في منتصف القرن العشرين تتجاوز 30%. هذا الانهيار البنيوي يعني تجريد العامل الأميركي من مظلته الحمائية وقدرته على المساومة الجماعية من أجل أجر عادل أو تأمين صحي شامل.
ومع ذلك، يهرب اليسار المهني من هذه المعركة؛ لأن إعادة بناء الحركة النقابية تتطلب تنظيماً صبوراً ومضنياً على الأرض بين فئات عمالية لا تلتقي بها الطبقة المهنية في معازلها الاجتماعية والجامعية. لقد باتت القضايا التي تُصوّر وتسوّق جيداً في حملات جمع التبرعات الرقمية وتستقطب المانحين الأثرياء، تزاحم وتطرد القضايا الهيكلية التي تملك القدرة على تعديل ميزان القوى الاقتصادي الفعلي في البلاد.
3. الحرب الثقافية كبديل بائس عن الأطروحة الاقتصادية:
لقد فكك الكاتب توماس فرانك في كتابه الشهير «ما الخطب مع كانساس؟» المعضلة متسائلاً عن سبب تصويت أبناء الطبقة العاملة ضد مصالحهم الاقتصادية وانجرافهم نحو اليمين الشعبوي. غير أن السؤال الأعمق والأجدر بالتدبر اليوم هو: لماذا توقف الحزب الديمقراطي ويساره عن تقديم أي مشروع أو بديل اقتصادي حقيقي وجاذب يجعل هؤلاء العمال يصوتون له؟
عندما تأتي حركة يقودها أصحاب الشهادات العليا والنخب الأكاديمية لتقدم للطبقة العاملة معارك ثقافية من جهة، وبيروقراطية تكنوقراطية مقيدة ومبرمجة من جهة أخرى، فلا ينبغي لها أن تصاب بالدهشة حين ترى العمال يهاجرون ككتلة تصويتية نحو اليمين أو يلوذون بمربع المستقلين والمقاطعين. والأدهى من ذلك، أن اليسار المهني يميل إلى تفسير هذا الهروب العمالي باعتباره نتاجاً لـ«الوعي الزائف» أو نقص المعرفة لدى العمال، وهو ما يكرس التعالي الطبقي والفوقية الأكاديمية ويعمق الفجوة.
4. الفوقية الأخلاقية وتحول البنية المؤسسية:
تتبنى النخب الديمقراطية والتقدمية اليوم نبرة أخلاقية وعظية حادة، حيث يتم التعامل مع الاختلاف السياسي أو عدم الإلمام بالمصطلحات الحديثة لا كوجهة نظر، بل كـ «نقص في التنوير أو جهل يتطلب التقويم». الناشط الجامعي، الواثق من صحة آرائه المبلورة داخل بيئات متجانسة تشبهه، يخلط بين فعل «الإقناع السياسي المتبادل» وفعل «التصحيح التربوي والتهذيب»، وهذا الأسلوب يمثل سمّاً زعافاً لأي حركة جماهيرية تبتغي التمدد الأفقي؛ فالاحترام السياسي يقتضي مقابلة الناس كأنداد وشركاء، لا كتلاميذ في فصل دراسي.
هذه الفوقية واكبتها قفزة في شكل المؤسسات اليسارية نفسها؛ إذ تم استبدال الأدوات الكلاسيكية لقوة الطبقة العاملة - كالفروع النقابية المحلية والأحزاب الجماهيرية التي كانت بمثابة «مدارس تضامن» يتعلم فيها المختلفون كيف يتكتلون خلف مصلحة مشتركة - بشكل مؤسسي جديد. هذا الشكل هو «المنظمات غير الربحية لحشد التأييد» (Advocacy Nonprofits) وحملات القضايا المحددة المموّلة. هذه الكيانات تُدار بواسطة خريجي الجامعات النخبوية، وتُموّل من شبكات ومؤسسات المانحين الأثرياء، وبالتالي باتت تخضع لآليات محاسبة صاعدة نحو المموّل والأطراف المانحة، بدلاً من أن تحاسَب هبوطاً أمام قواعدها الشعبية وأعضائها.
مأزق الانتخابات النصفية والتحوّل المطلوب
يتلخص المشهد الداخلي الأميركي في هذا المنعطف الدقيق، وقبيل خوض غمار الانتخابات النصفية، في حقيقة بنيوية: إن أي حركة سياسية يغدو بقاؤها معتمداً على المانحين الأثرياء وشبكات التمويل النخبوية، ستعمد - بدافع غريزة البقاء الذاتي واللاشعوري - إلى تقليص سقوف طموحاتها وبرامجها لتلائم حدود ما يمكن لهؤلاء المانحين تحمله واحتواؤه.
أول طموح شعبي وجذري يتم التضحية به على مذبح هذا التحالف هو مطلب «إعادة توزيع الثروة وإعادة هيكلة السلطة الاقتصادية»، إذ لن يقوم مانح كبير أو مؤسسة تمويلية بتمويل حركة سياسية تهدف في جوهرها إلى تقليص نفوذهم الطبقي والاقتصادي
وأول طموح شعبي وجذري يتم التضحية به على مذبح هذا التحالف هو مطلب «إعادة توزيع الثروة وإعادة هيكلة السلطة الاقتصادية»، إذ لن يقوم مانح كبير أو مؤسسة تمويلية بتمويل حركة سياسية تهدف في جوهرها إلى تقليص نفوذهم الطبقي والاقتصادي. ونتيجة لذلك، تتلاشى المطالب الهيكلية الكبرى، ولا يتبقى لليسار والحزب الديمقراطي سوى الانكفاء على المعارك الرمزية والثقافية والهوياتية الآمنة التي لا تهدد مصالح رأس المال.
إن اليسار القديم والتقدمية الكلاسيكية ركّزا على بناء مؤسسات تملكها وتديرها الطبقة العاملة؛ أما اليسار «المهني» الجديد فقد برع في بناء مؤسسات «تَملك» وتصادر هي صوت الطبقة العاملة وتتحدث بالنيابة عنها.
إن الخروج من هذا المأزق التاريخي لا يكمن في إقصاء المتعلمين أو المهنيين من الساحة السياسية، بل في إعادة تسييس وإرساء الحركة التقدمية داخل أغلبية الطبقة العاملة، وإعادة الاعتبار لمنظم النقابات العمالية الميداني وجعله في مركز صناعة القرار صنواناً لمدير الاتصالات والعلاقات العامة.
وما لم ينتقل مركز ثقل الحزب الديمقراطي والسياسة الأميركية برمتها ليعود إلى الفئات الاجتماعية التي يدّعي الحزبان تمثيلها وخدمتها، فإن المشهد سيستمر في إنتاج ذات الدوران المفرغ: نخب حزبية تخلط بين مصالحها الضيقة وقضايا الأغلبية الكاسحة، وقواعد شعبية تفرّ باطراد نحو مربع «المستقلين والمقاطعين» هرباً من استقطاب حزبي عقيم لم يعد يعبر عن معاركهم الحقيقية من أجل الحياة والكرامة.