tunisia wall - leftist party

تحوّلات الدولة والمجتمع في تونس
ماذا بقي من اليسار؟

  • ارتبط اليسار التونسي أكثر بإنتاج النخب المتعلمة منه بإنتاج الطبقات العاملة الصناعية، ولذلك ظل منذ البداية حاملاً لتوتر داخلي بين الخطاب الراديكالي وقاعدته الاجتماعية الفعلية.
  • ترتبط أزمة اليسار التونسي بأزمة الطبقة الوسطى التي صنعته تاريخياً. فهذه الطبقة لم تفقد جزءاً من استقرارها الاقتصادي فحسب، بل أيضاً صورتها القديمة عن نفسها، باعتبارها حاملة لمشروع الحداثة والتقدم والعقلانية. 
  • لم يسقط اليسار خارج التاريخ، بل سقط داخل التحولات الكبرى التي مست العالم كله: تفكك الطبقات التقليدية، صعود الفردانية، تراجع الأحزاب الجماهيرية، وتحول السياسة إلى فضاء إعلامي وثقافي سريع الإيقاع. 

لم يكن اليسار في تونس نتاجاً مباشراً للتحولات الصناعية الكلاسيكية التي أنتجت الحركات الاشتراكية الأوروبية، ولا تعبيراً عضوياً عن تشكل بروليتاريا صناعية واسعة قادرة على إنتاج وعي طبقي متماسك ومستدام. فمنذ بداياته الأولى، ظهر اليسار التونسي داخل فضاء مختلف تاريخياً وسوسيولوجياً؛ فضاء تشكل عند تقاطع الدولة الحديثة، والتعليم، والإدارة الاستعمارية، والنخب الحضرية الصاعدة. وهذه المفارقة تكاد تكون مركزية لفهم أزمة اليسار التونسي اليوم: فبينما نشأ اليسار الأوروبي من قلب المصنع، ومن التناقضات الاجتماعية التي ولدتها الرأسمالية الصناعية، نشأ اليسار التونسي أساساً من المدرسة والجامعة والإدارة الحديثة، أي من داخل جهاز الدولة نفسه، أو من الهوامش التي أنتجتها عملية التحديث السلطوي. لقد كان يساراً مرتبطاً أكثر بإنتاج النخب المتعلمة منه بإنتاج الطبقات العاملة الصناعية، ولذلك ظل منذ البداية حاملاً لتوتر داخلي بين الخطاب الراديكالي وقاعدته الاجتماعية الفعلية.

لم تُدخِل التجربة الاستعمارية الفرنسية أنماطاً جديدة من الإدارة والاقتصاد فحسب، بل أسّست أيضاً فضاءً ثقافياً وسياسياً جديداً تشكّلت داخله مفاهيم الحداثة والعقلانية والحقوق والسياسة. وفي هذا السياق، لم يكن تشكّل اليسار منفصلاً عن بروز فئات متعلّمة جديدة نشأت داخل المدرسة الحديثة، وداخل الإدارة، والمهن الحرة، والجامعة. لقد ارتبط اليسار منذ بداياته المبكرة بالمدن الكبرى، والطبقات الوسطى الصاعدة التي استفادت نسبياً من التعليم والتحديث، أكثر ممّا ارتبط بالعالم الريفي أو العمال اليدويين. وحتى عندما تبنّى خطاباً ماركسياً جذرياً، ظل حاملو هذا الخطاب في أغلب الأحيان أبناء الطبقة الوسطى المتعلمة، أو الشرائح الصاعدة منها، لا الطبقات الشعبية الدنيا بالمعنى الكلاسيكي.

ومع بناء الدولة الوطنية بعد الاستقلال، تعزّز هذا المسار أكثر. فالدولة البورقيبية، على الرغم من سلطويتها، فتحت إمكانيات واسعة للصعود الاجتماعي عبر التعليم والتوظيف العمومي والتوسع البيروقراطي. وأدّى تعميم التعليم وخلق جهاز إداري حديث إلى إنتاج طبقة وسطى جديدة من الموظفين والمعلمين والطلبة والإطارات، وهي الفئات التي ستصبح الحاضنة الأساسية لليسار التونسي. بذلك، كان اليسار جزءاً من دينامية التحديث التي قادتها الدولة الوطنية، حتى عندما دخل في صراع معها. فهو لم يتشكل خارج مشروع الدولة الحديثة، بل من داخله جزئياً، ومن تناقضاته أيضاً. ولذلك حمل اليسار التونسي، منذ الستينيات والسبعينيات، مزيجاً معقداً من الراديكالية السياسية والاندماج الثقافي في نموذج الدولة الوطنية.

في هذا السياق تحديداً ستبرز الحركات اليسارية الراديكالية، وعلى رأسها حركة «آفاق» والتيارات الماركسية المختلفة داخل الجامعة والنقابات. فقد مثلت الجامعة التونسية فضاءً حاسماً لإنتاج الوعي اليساري، لا لأنها كانت مركزاً لتداول الأفكار الماركسية والبنيوية والثالثية، بل لأنها جسّدت صعود طبقة وسطى متعلمة تحمل طموحات اجتماعية وسياسية جديدة. كانت تلك الحركات تعبيراً عن أزمة التحديث السلطوي أكثر مما كانت امتداداً لصراع طبقي صناعي بالمعنى الأوروبي. ولهذا السبب، ظل اليسار التونسي مرتبطاً بقوة بالمجال الثقافي والفكري والنقابي، أكثر من ارتباطه بالبنية الاقتصادية المباشرة للمجتمع.

غير أن المفارقة الكبرى تكمن في أن الشروط الاجتماعية التي سمحت تاريخياً ببروز اليسار التونسي هي نفسها التي بدأت تتآكل تدريجياً مع التحولات النيوليبرالية التي عرفتها تونس منذ الثمانينيات. فمنذ بداية برامج الإصلاح الهيكلي، وتراجع دور الدولة الاجتماعي، وانكماش القطاع العمومي، وتفكك آليات الحماية الاجتماعية، بدأت الطبقة الوسطى التي شكلت القاعدة السوسيولوجية لليسار تدخل في مسار طويل من الهشاشة والانحدار. فقد التعليم تدريجياً وظيفته التقليدية كوسيلة مضمونة للصعود الاجتماعي، وتراجعت قدرة الدولة على استيعاب خريجي الجامعات داخل الإدارة والوظيفة العمومية. وهكذا، تحولت قطاعات واسعة من أبناء الطبقة الوسطى المتعلمة إلى فئات هشة تعيش البطالة أو العمل غير المستقر أو الهجرة أو الإقصاء الرمزي.

لكن تآكل الطبقة الوسطى لم يؤد فقط إلى أزمة اجتماعية، بل أعاد تشكيل الحقل السياسي والثقافي نفسه. فاليسار الذي كان يستند تاريخياً إلى فضاءات جماعية مثل النقابات والجامعة والتنظيمات الطالبية بدأ يفقد تدريجياً قواعده التقليدية. ومع صعود الفردانية النيوليبرالية، وتفكك الأطر الجماعية القديمة، تراجع الخطاب الاجتماعي الشامل لصالح أشكال أكثر تفككاً من الالتزام السياسي. ولم يعد الفاعل اليساري التقليدي، المرتبط بالنقابة أو الحزب أو الجامعة، يحتل الموقع المركزي نفسه داخل المجال العام. بل ظهرت أنماط جديدة من النشاط السياسي والثقافي أكثر ارتباطاً بمنظمات المجتمع المدني، والحقوق الفردية، وشبكات المناصرة العابرة للحدود.

هنا بالذات تتجلى إحدى التحولات الأكثر عمقاً داخل اليسار التونسي المعاصر: انتقاله التدريجي من خطاب العدالة الاجتماعية والصراع الطبقي إلى خطاب الحقوق والحريات الفردية. وليس المقصود هنا وجود قطيعة تامة بين المجالين، بل تغير في مركز الثقل السياسي والثقافي. فمع تراجع القواعد الاجتماعية التقليدية، وجد جزء مهم من اليسار نفسه أقرب إلى النخب الثقافية الحضرية، وإلى فضاءات حقوق الإنسان، والحريات الفردية، والسياسات الهوياتية، أكثر من ارتباطه بالمسألة الاجتماعية بمعناها الواسع. لقد أصبح اليسار، إلى حد ما، أكثر نخبوية وأكثر تمركزاً داخل المدن الكبرى والفضاءات الثقافية والإعلامية، وأقل قدرة على بناء امتداد شعبي واسع داخل الفئات المتضررة من التحولات الاقتصادية.

غير أن هذه المفارقة تكشف أيضاً حدود النيوليبرالية ذاتها. فبينما ساهمت في تفكيك البنى الاجتماعية التي استند إليها اليسار تاريخياً، أنتجت في الوقت نفسه أشكالاً جديدة من التفاوت والهشاشة والغضب الاجتماعي. ولكن لم تُترجم هذه التناقضات بالضرورة إلى صعود يسار اجتماعي جديد، بل غالباً ما تحوّلت إلى احتجاجات متفرقة، أو إلى أشكال من العزوف السياسي، أو إلى صعود خطابات محافظة وشعبوية. وهنا يبرز السؤال المركزي الذي يواجه اليسار التونسي اليوم: كيف يمكن إعادة بناء مشروع سياسي واجتماعي في مجتمع تفكّكت طبقته الوسطى، وتراجعت فيه الأطر الجماعية التقليدية، وأصبحت فيه الفردانية والهشاشة واللايقين جزءاً من التجربة اليومية؟

اليسار التونسي وتشكّل القاعدة الوسطى المتعلّمة

لا يمكن فهم تاريخ اليسار التونسي من دون فهم العلاقة العضوية التي ربطته بالطبقة الوسطى المتعلّمة، لا باعتبارها قاعدة اجتماعية احتضنته، بل باعتبارها الفضاء الذي صاغ ثقافته السياسية، ولغته، وتمثلاته للدولة والمجتمع والحداثة. لم يكن اليسار في تونس مجرد تيار إيديولوجي مستورد من التجارب الماركسية العالمية، بل كان تعبيراً عن تشكل فئة اجتماعية جديدة ظهرت مع توسع التعليم، وبناء الإدارة الحديثة، وصعود الجامعة، وتنامي الوظيفة العمومية. ولذلك فإن الكثير من خصائص اليسار التونسي، بما في ذلك قوته وحدوده وتناقضاته، كانت في العمق انعكاساً لبنية هذه الطبقة الوسطى نفسها. لقد نشأت الطبقة الوسطى التونسية الحديثة داخل مشروع الدولة الوطنية بعد الاستقلال. إذ لم تكن الدولة مجرد جهاز سياسي، بل كانت أيضاً أداة ضخمة لإعادة إنتاج المجتمع: المدرسة، الجامعة، الإدارة، الصحة، القطاع العمومي، كلها مؤسسات صنعت مسارات صعود اجتماعي جديدة. أبناء الريف والفئات الشعبية الذين دخلوا المدرسة والجامعة، وتحولوا إلى معلمين وموظفين وإطارات ومحامين وأساتذة، وجدوا أنفسهم داخل عالم جديد قائم على فكرة الاستحقاق والكفاءة والتعليم. ومن داخل هذا العالم بالذات تبلورت الثقافة السياسية اليسارية الحديثة.

منذ بداية برامج الإصلاح الهيكلي، وتراجع دور الدولة الاجتماعي، وانكماش القطاع العمومي، وتفكك آليات الحماية الاجتماعية، بدأت الطبقة الوسطى التي شكلت القاعدة السوسيولوجية لليسار تدخل في مسار طويل من الهشاشة والانحدار

ولهذا السبب، حمل اليسار التونسي منذ البداية خصائص الطبقة الوسطى التي أنتجته. فقد كان يساراً شديد الارتباط بفكرة الدولة الحديثة، حتى عندما عارضها سياسياً. فالدولة بالنسبة إليه لم تكن مجرد جهاز قمع أو أداة هيمنة طبقية، بل كانت أيضاً أفقاً للتحديث والعقلنة والإدماج الاجتماعي. ولذلك ظل جزء كبير من اليسار التونسي مؤمناً، بشكل ضمني أو صريح، بفكرة الدولة المركزية القوية القادرة على إنتاج العدالة الاجتماعية عبر التعليم والخدمات العمومية والتخطيط الاقتصادي. وحتى أكثر التيارات راديكالية لم تكن تتخيل التغيير خارج أفق الدولة الحديثة، بل كانت تطمح غالباً إلى «السيطرة» عليها أو إعادة توجيهها، لا إلى تجاوزها جذرياً. كما طبعت الطبقة الوسطى ثقافة اليسار من حيث لغته وعلاقته بالسياسة. فاليسار التونسي كان، إلى حد بعيد، يساراً «ثقافياً» و«مدرسياً»، تشكل داخل الجامعة والنقاشات الفكرية والنصوص النظرية أكثر مما تشكل داخل التجارب اليومية للعمل الصناعي أو الحياة الشعبية المباشرة. ولذلك اتسم خطابه بكثافة نظرية عالية، وبميل إلى التجريد الفكري والإيديولوجي، وبإيمان قوي بدور الوعي والثقافة والتعليم في التغيير الاجتماعي. وقد بدا ذلك واضحاً خصوصاً داخل الحركات الطالبية الماركسية في السبعينيات، حيث أدّت القراءة والنقاش الفكري والانخراط النظري دوراً مركزياً في تشكيل الهوية السياسية.

غير أن هذا الارتباط بالثقافة الوسطى المتعلّمة حمل داخله أيضاً حدوداً بنيوية. على الرغم من دفاعه المستمر عن «الشعب» و«الطبقات الشعبية»، ظل اليسار في جزء كبير منه منفصلاً عن التجارب الاجتماعية اليومية للفئات الأكثر هشاشة. لقد كان قريباً من المعلمين، والأساتذة، والطلبة، والنقابيين، وبعض موظفي الدولة، لكنه أقل تجذراً داخل الأحياء المهمشة أو الاقتصاد غير المنظم أو العالم الريفي. ولذلك بقي حضوره أقوى داخل الفضاءات التي تنتج الرمز والخطاب، الجامعة، النقابة، الصحافة، الثقافة ، أكثر من حضوره داخل الفضاءات التي تنتج الكتلة الاجتماعية الواسعة. وهنا تحديداً ظهرت إحدى أهم مفارقات اليسار التونسي. فمن جهة، رفع خطاباً راديكالياً ضد التفاوت والهيمنة والسلطوية، لكنه من جهة أخرى ظل حاملاً لجزء من الثقافة الاجتماعية للطبقة الوسطى: الإيمان بالكفاءة، والحداثة، والدولة، والعقلانية، وحتى نوع من التعالي الثقافي تجاه الفئات الشعبية أحياناً. ولذلك لم يكن غريباً أن يبدو اليسار في كثير من اللحظات أقرب إلى نخبة ثقافية معارضة منه إلى حركة اجتماعية جماهيرية.

كما أن علاقة اليسار بالطبقة الوسطى جعلته شديد الحساسية تجاه التحولات التي أصابت هذه الفئة. فحين كانت الطبقة الوسطى تعيش حالة توسع وصعود اجتماعي خلال الستينات والسبعينات، عرف اليسار بدوره صعوداً قوياً داخل الجامعة والنقابة والثقافة. وحين بدأت هذه الطبقة تدخل تدريجياً في أزمة منذ الثمانينيات، بدأت أزمة اليسار تظهر بوضوح. فقد التعليم قدرته على ضمان الصعود الاجتماعي، وتقلصت الوظيفة العمومية، وتحولت الجامعة من فضاء لإنتاج النخب إلى فضاء للبطالة والهشاشة. أي أن الشروط الاجتماعية التي سمحت لليسار بالانتشار بدأت تتفكك تدريجياً. لكن الأخطر من ذلك أن النيوليبرالية لم تُضعف فقط الوضع الاقتصادي للطبقة الوسطى، بل غيّرت ثقافتها نفسها. فالطبقة الوسطى التي كانت تؤمن بالمشروع الجماعي، والدولة، والترقي عبر التعليم والعمل العمومي، أصبحت أكثر فردانية وهشاشة وقلقاً. لقد انتقلت من ثقافة الاستقرار والصعود إلى ثقافة النجاة الفردية: الهجرة، العمل الموازي، العقود المؤقتة، التعليم الخاص، والدروس الخصوصية. وهذا التحول انعكس مباشرة على اليسار، لأن جزءاً كبيراً من ثقافته السياسية كان قائماً على وجود فئات تمتلك حداً أدنى من الاستقرار يسمح لها بالانخراط في العمل الجماعي والنقابي والسياسي.

ومن هنا يمكن فهم لماذا تحوّل اليسار تدريجياً من مشروع اجتماعي يسعى إلى إعادة تنظيم المجتمع إلى فضاء ثقافي وحقوقي أكثر منه قوة جماهيرية. فمع تراجع الاستقرار الاجتماعي للطبقة الوسطى، تراجع أيضاً الإيمان بالفعل الجماعي طويل المدى، وصعدت بدلاً منه أشكال أكثر فردانية من الالتزام السياسي. وأصبح اليسار أكثر حضوراً داخل الفضاءات الثقافية والإعلامية والحقوقية، وأقل حضوراً داخل الحقول الاجتماعية المباشرة. كما أن هذا التحول كشف تناقضاً آخر داخل ثقافة اليسار نفسه. فبينما ظل يحمل خطاباً اجتماعياً نقدياً تجاه النيوليبرالية، أصبح جزء مهم من ممارسته الفعلية مرتبطاً بقيم الطبقات الوسطى الحضرية الجديدة: الحريات الفردية، السياسات الثقافية، أنماط العيش، وقضايا الاعتراف الرمزي. أي أن اليسار لم يعد يتحرك فقط حول سؤال إعادة توزيع الثروة، بل أيضاً حول أسئلة الهوية والثقافة والذات الفردية. وهذا لا يعني أن هذه القضايا بلا أهمية، لكنه يكشف كيف أعادت التحولات الاجتماعية تشكيل أولويات اليسار نفسه.

ولهذا تبدو أزمة اليسار التونسي اليوم مرتبطة بأزمة الطبقة الوسطى التي صنعته تاريخياً. فهذه الطبقة لم تفقد فقط جزءاً من استقرارها الاقتصادي، بل فقدت أيضاً صورتها القديمة عن نفسها، باعتبارها حاملة لمشروع الحداثة والتقدم والعقلانية. ومع تفكك هذا الأفق، فقد اليسار بدوره كثيراً من يقينه التاريخي ومن قدرته على تخيل مشروع جماعي واضح. ولذلك فإن السؤال حول مستقبل اليسار في تونس يبدو، في العمق، سؤالاً حول مستقبل الطبقة الوسطى نفسها: هل ما تزال قادرة على إنتاج أفق جماعي جديد، أم أنها تحولت إلى فئة تعيش الهشاشة والخوف والانكفاء الفردي؟

النيوليبرالية وتفكّك الحاضنة الاجتماعية لليسار

لم تؤدِّ النيوليبرالية في تونس إلى إعادة هيكلة الاقتصاد أو تقليص دور الدولة الاجتماعي فحسب، بل ساهمت في إعادة تشكيل المجال السياسي ذاته، بما في ذلك الشروط الاجتماعية التي كانت تسمح لليسار بالوجود والانتشار. غير أن خصوصية الحالة التونسية تكمن في أن اليسار لم يكن يمتلك أصلاً قاعدة اجتماعية صلبة ومتماسكة بالمعنى الذي عرفته الأحزاب الاشتراكية الأوروبية المرتبطة بالطبقات العمالية الصناعية. فمنذ نشأته الحديثة، ظل اليسار في تونس فضاءً سياسياً وثقافياً أكثر منه قوة اجتماعية مستقلة. لقد تحرك غالباً داخل هوامش الدولة الحديثة ومؤسساتها، أو خلف الفضاء النقابي الذي مثله الاتحاد العام التونسي للشغل، من دون أن ينجح في بناء امتداد جماهيري واسع ومنظم خارج هذه الوسائط. ولهذا السبب، فإن أزمة اليسار اليوم لا يمكن فهمها باعتبارها مجرد نتيجة لتراجع الأحزاب أو ضعف القيادات، بل باعتبارها نتيجة لتفكك المجالات التي كان يجد فيها حضوره الرمزي والتنظيمي. فاليسار التونسي كان تاريخياً أقرب إلى تجمع لحساسيات فكرية ونقابية وطالبية وثقافية مختلفة، أكثر من كونه كتلة اجتماعية مستقرة. وقد تمركز أساساً داخل الجامعة، وقطاع التعليم، وبعض النقابات المهنية، والأوساط الثقافية والإعلامية، بينما ظل حضوره محدوداً داخل الفئات الشعبية الهشة أو الاقتصاد غير المنظم أو المناطق الداخلية المهمشة. وحتى حين رفع خطاب العدالة الاجتماعية والصراع ضد الرأسمالية، كان يفعل ذلك من داخل فضاءات مرتبطة نسبياً بالدولة الحديثة: المدرسة، الجامعة، الوظيفة العمومية، والنقابة.

مع تراجع الاستقرار الاجتماعي للطبقة الوسطى، تراجع أيضاً الإيمان بالفعل الجماعي طويل المدى، وصعدت بدلاً منه أشكال أكثر فردانية من الالتزام السياسي. وأصبح اليسار أكثر حضوراً داخل الفضاءات الثقافية والإعلامية والحقوقية، وأقل حضوراً داخل الحقول الاجتماعية المباشرة

وفي هذا السياق تحديداً جاءت التحولات النيوليبرالية لتضرب ليس فقط البنية الاقتصادية، بل الوسط الاجتماعي والثقافي الذي كان يمنح اليسار جزءاً من معناه. فمنذ الثمانينيات، ومع برامج الإصلاح الهيكلي، بدأت الدولة تتخلى تدريجياً عن دورها التقليدي كضامن للإدماج الاجتماعي. تقلص التوظيف العمومي، تراجعت الخدمات الاجتماعية، وتآكلت القدرة الرمزية للتعليم باعتباره أداة للترقي الاجتماعي. ولم يكن ذلك مجرد تحول اقتصادي، بل تحول في طبيعة العلاقة بين الأفراد والدولة والمستقبل نفسه. فالفئات التي كانت تجد في المدرسة والجامعة والإدارة العمومية أفقاً للاستقرار أصبحت تواجه البطالة والهشاشة والعمل المؤقت والهجرة القسرية. غير أن المفارقة الأساسية تكمن في أن هذه الأزمة لم تؤدِّ إلى صعود يسار اجتماعي جديد، بل ساهمت جزئياً في إضعاف ما تبقى من حضوره. لم تنتج النيوليبرالية الفقر أو التفاوت فقط، بل أنتجت أيضاً تفككاً عميقاً للأطر الجماعية التي تسمح بتحويل المعاناة الاجتماعية إلى فعل سياسي منظم. لقد أعادت تشكيل الأفراد باعتبارهم ذواتاً معزولة، تعيش القلق والمنافسة واللايقين بشكل فردي، لا كجزء من جماعة اجتماعية متماسكة. وهنا تحديداً تكمن إحدى أهم أزمات اليسار التونسي: فهو وجد نفسه يواجه مجتمعاً تغيرت داخله شروط التنظيم والالتزام والتمثيل.

فالجامعة التي كانت تاريخياً فضاءً أساسياً لإنتاج النخب اليسارية تحولت تدريجياً إلى فضاء للهشاشة والبطالة المؤجلة، والنقابة نفسها فقدت جزءاً من قدرتها على تأدية دور الحاضنة الاجتماعية الموحدة. أما الاتحاد العام التونسي للشغل، الذي ظل يمثل المجال الأوسع الذي يتحرك داخله جزء مهم من اليسار، فقد أصبح بدوره يعيش تناقضات معقدة بين دوره الاجتماعي، ووظيفته التفاوضية، وتشابكه مع الدولة، وتنوع قواعده الداخلية. ولذلك ظل اليسار في كثير من الأحيان مختبئاً داخل البنية النقابية أكثر من ظهوره كقوة مستقلة قادرة على بناء مشروع سياسي واجتماعي واسع. كما أن طبيعة الفئات التي ظل اليسار قريباً منها ساهمت بدورها في تعميق هذه الأزمة. فالقواعد الأقرب إليه، الأساتذة، الطلبة، المثقفون، وبعض موظفي القطاع العمومي ، هي نفسها الفئات التي تعرضت بقوة لمسارات الانحدار الاجتماعي وفقدان الاستقرار. لكنها في الوقت نفسه فئات لا تمتلك دائماً القدرة على إنتاج أشكال تعبئة جماهيرية واسعة، خصوصاً في ظل صعود الاقتصاد غير المنظم، وتفكك العمل المستقر، واتساع الفوارق بين المركز والهوامش. وهكذا أصبح اليسار يتحرك داخل فضاءات محدودة نسبياً، ذات كثافة رمزية وثقافية عالية، لكنها ضعيفة الامتداد الاجتماعي.

ومن هنا يمكن فهم التحول التدريجي الذي عرفه جزء من اليسار نحو المجالات الحقوقية والثقافية والرمزية. فمع تراجع القدرة على بناء مشروع اجتماعي جامع، أصبح الدفاع عن الحريات الفردية، وحقوق الإنسان، وقضايا الجندر، والسياسات الثقافية، مجالاً أساسياً لإعادة إنتاج الشرعية السياسية والأخلاقية. ولم يكن هذا التحول مجرد انحراف عن «القضية الاجتماعية»، بل نتيجة مباشرة لتحول بنية المجتمع نفسه. فحين تتفكك الروابط الجماعية التقليدية، يصبح الفرد هو مركز السياسة الجديدة، لا الطبقة أو الجماعة المنظمة. لكن هذا الانتقال كشف أيضاً حدود اليسار المعاصر. ففي الوقت الذي راكم فيه حضوراً مهماً داخل الفضاء الثقافي والحقوقي والإعلامي، فقد تدريجياً قدرته على تمثيل الغضب الاجتماعي الواسع الناتج عن البطالة والتفاوت والتهميش. لقد أصبح اليسار قادراً على إنتاج لغة نقدية قوية حول السلطة والهيمنة والحقوق، لكنه أقل قدرة على تحويل هذه اللغة إلى قوة اجتماعية منظمة. ولذلك يبدو اليوم حاضراً بكثافة داخل الخطاب والثقافة والرموز، لكنه أكثر هشاشة داخل المجال الاجتماعي المباشر.

ولعل أخطر ما أنتجته النيوليبرالية في هذا السياق هو تحويل الأزمة الاجتماعية نفسها إلى تجربة فردية. فالعاطل عن العمل، أو المدرس المرهق، أو الموظف الذي فقد قدرته الشرائية، أو الشاب الذي يحلم بالهجرة، يعيش أزمته غالباً بوصفها فشلاً شخصياً أو مأزقاً فردياً، لا كتعبير عن بنية اجتماعية أوسع. وهنا يفقد اليسار أحد شروطه الأساسية: القدرة على تحويل المعاناة الفردية إلى وعي جماعي ومشروع سياسي. لهذا لا تبدو أزمة اليسار في تونس أزمة تنظيمات فقط، بل أزمة عالم اجتماعي كامل كان يسمح بوجود فكرة «اليسار» ذاتها. لم تُضعف النيوليبرالية الأحزاب والنقابات فحسب، بل أعادت تشكيل معنى السياسة والعمل والاستقرار والجماعة. ولذلك يجد اليسار نفسه اليوم أمام مفارقة عميقة: فكلما اتسعت آثار الأزمة الاجتماعية، تراجعت في المقابل الشروط التي تسمح بتحويل هذه الأزمة إلى قوة سياسية جماعية منظمة.

من اليسار الاجتماعي إلى اليسار الحقوقي

إنّ أكثر ما يكشف أزمة اليسار التونسي اليوم ليس فقط ضعفه الانتخابي أو تشتته التنظيمي، بل تحوله العميق من قوة تدّعي تمثيل المسألة الاجتماعية إلى نخبة حقوقية مندمجة بالكامل داخل المنظومة النيوليبرالية التي تزعم نقدها. فجزء واسع من اليسار، خصوصاً بعد الثورة، لم يعد يتحرك داخل فضاء الصراع الاجتماعي بقدر ما أصبح يتحرك داخل فضاء المجتمع المدني الممول، حيث تُستبدل السياسة بالمناصرة، والتنظيم بالمشروع، والمناضل بالخبير، والصراع الطبقي بالتقارير والورشات والشبكات العابرة للحدود. لقد فقد اليسار تدريجياً علاقته باللغة التي كانت تمنحه معنى تاريخياً: لغة العمل، والعدالة الاجتماعية، والسيادة الاقتصادية، والصراع ضد التفاوت، ليعتنق بدلاً منها قاموساً ليبرالياً ناعماً يدور حول الحوكمة والإدماج والتمكين والمواطنة وبناء القدرات. والمفارقة هنا ليست فقط في تغير اللغة، بل في تغير الموقع الاجتماعي والسياسي نفسه. فاليسار الذي كان يفترض أن يكون في مواجهة البنية النيوليبرالية، أصبح جزءاً من أجهزتها الأخلاقية والثقافية. فبدل أن ينتج تنظيماً اجتماعياً قادراً على تحويل الغضب إلى قوة سياسية، اندمج في اقتصاد المنظمات والتمويلات الدولية، حيث تُقاس الفاعلية بعدد المشاريع والتقارير والشراكات، لا بالقدرة على بناء امتداد اجتماعي فعلي. لقد صار جزء من اليسار يعيش داخل عالم منفصل تماماً عن المجتمع الذي يدّعي الدفاع عنه: فنادق الندوات، اللغة الإنجليزية المؤسساتية، المشاريع الممولة، المؤشرات، الفئات المستهدفة، وورشات المناصرة. أي أن اليسار الذي كان يفترض أن يفضح علاقات الهيمنة، أصبح يعيش من داخل مؤسسات إعادة إنتاجها الرمزية.

أصبح اليسار قادراً على إنتاج لغة نقدية قوية حول السلطة والهيمنة والحقوق، لكنه أقل قدرة على تحويل هذه اللغة إلى قوة اجتماعية منظمة. ولذلك يبدو اليوم حاضراً بكثافة داخل الخطاب والثقافة والرموز، لكنه أكثر هشاشة داخل المجال الاجتماعي المباشر

لقد تحوّل الفقر، داخل هذا الخطاب الجديد، من نتيجة مباشرة لعلاقات اقتصادية وسياسية إلى مجرد «هشاشة». وتحولت البطالة من سؤال مرتبط بخيارات التنمية والتوزيع إلى «إقصاء اجتماعي». أما الاستغلال، فقد اختفى تقريباً من اللغة السياسية، ليحل مكانه خطاب أخلاقي وإنساني منزوع الصراع. وهكذا جرى تفكيك المسألة الاجتماعية نفسها وتحويلها إلى ملف تقني تديره الجمعيات والخبراء والممولون. فبدل الحديث عن الرأسمالية والتبعية والتقشف، أصبح الحديث يدور حول الحوكمة الجيدة والإدماج والمشاركة. لم يعد اليسار يسمي النظام الذي ينتج البؤس، بل يكتفي بإدارة نتائجه الإنسانية. وهنا بالضبط تكمن خطورة التحول الحقوقي داخل جزء من اليسار التونسي. فالمشكلة ليست في الدفاع عن الحريات الفردية أو حقوق النساء أو الأقليات أو حرية الضمير؛ فهذه قضايا أساسية داخل أي أفق تحرري. لكن الإشكال يبدأ حين تتحول هذه القضايا إلى بديل كامل عن المسألة الاجتماعية، وحين يصبح الدفاع عن الحقوق الفردية منفصلاً عن شروط العيش المادية نفسها. فالحرية، داخل هذا المنظور، تُختزل في الاعتراف القانوني والثقافي، بينما يتم تجاهل البنية الاقتصادية التي تسحق الأفراد يومياً. يصبح المواطن حامل حقوق مجرد، لا جسداً يعيش البطالة والتهميش والديون والهجرة القسرية وانهيار الخدمات العمومية.

لقد أنتج هذا التحول يساراً جديداً شديد الاغتراب عن المجتمع. يساراً يتحدث لغة لا تشبه اللغة اليومية للفئات الشعبية، ويخوض معاركه داخل الفضاءات الثقافية والإعلامية والحقوقية أكثر مما يخوضها داخل مواقع العمل أو الأحياء أو النقابات. إنه يسار قادر على كتابة بيانات ممتازة عن الجندر والتنوع والمواطنة، لكنه عاجز عن تنظيم إضراب فعلي، أو بناء قاعدة اجتماعية مستقرة، أو تحويل الغضب الاقتصادي إلى مشروع سياسي. ولذلك يبدو حضوره اليوم أقوى داخل الندوات الدولية والمنصات الرقمية منه داخل المجتمع نفسه. بل إن جزءاً من هذا اليسار أصبح ينظر ضمنياً إلى الفئات الشعبية بعين الريبة والتفوق الأخلاقي. فحين فشل في بناء امتداد اجتماعي حقيقي، لجأ إلى تفسير ذلك عبر اتهام المجتمع نفسه: الشعب «محافظ»، «رجعي»، «غير حداثي»، أو «غير واعٍ». تحوّل العجز السياسي إلى احتقار ثقافي مبطن تجاه الفئات التي لم تعد تستجيب لخطابه. وهنا تكشف الأزمة وجهها الطبقي الحقيقي: لم يعد جزء من اليسار يرى نفسه داخل المجتمع، بل فوقه، باعتباره نخبة أخلاقية وثقافية تحتكر تعريف التقدم والحداثة.

كما أن اندماج اليسار داخل اقتصاد التمويل الدولي غيّر علاقته بالزمن السياسي نفسه. فالحركات الاجتماعية التقليدية كانت تتحرك بمنطق التراكم والصراع والتنظيم الطويل، أما المنظمات الحقوقية فتتحرك بمنطق المشروع قصير المدى: تمويل، أهداف، نتائج، تقييم، ثم الانتقال إلى ملف آخر. وهكذا أصبحت السياسة نفسها خاضعة لإيقاع السوق والتمويل، لا لإيقاع البناء الاجتماعي طويل النفس. ولم يعد المطلوب إنتاج حركة جماهيرية، بل إنتاج «أثر» قابل للقياس داخل تقرير. وفي هذا السياق، تحولت مفاهيم مثل «المجتمع المدني» و«الانتقال الديمقراطي» إلى نوع من الأيديولوجيا الجديدة التي أخفت السؤال الاجتماعي الحقيقي. فبدل مساءلة النموذج الاقتصادي، جرى التركيز على إصلاح المؤسسات والإجراءات والقوانين. وبدل الحديث عن إعادة توزيع الثروة أو السيادة الاقتصادية، أصبح الحديث يدور حول الشفافية، والحكم الرشيد، والتشاركية. أي أن اليسار قبل ضمنياً بقواعد اللعبة النيوليبرالية، واكتفى بالمطالبة بجعلها أكثر «أخلاقية» و«شمولاً».

ولهذا يمكن القول إن جزءاً مهماً من اليسار التونسي لم يُهزم فقط من الخارج، بل أعاد إنتاج هزيمته من الداخل حين تخلى عن موقعه كقوة اجتماعية لصالح موقع جديد: وسيط ثقافي وحقوقي داخل النظام النيوليبرالي العالمي. لقد انتقل من محاولة تغيير المجتمع إلى محاولة إدارة تناقضاته بأقل قدر من العنف الرمزي. ومن خطاب التحرر إلى خطاب التكيّف. ومن الصراع إلى الخبرة. إن أخطر ما في هذا التحول أنه جعل اليسار يفقد وظيفته التاريخية الأساسية: ربط الحرية بالعدالة الاجتماعية. فحين تُفصل الحقوق عن الاقتصاد، والحريات عن شروط العيش، والسياسة عن الصراع الاجتماعي، تتحول الديمقراطية نفسها إلى شكل فارغ يمكن أن يتعايش بسهولة مع البطالة والتفاوت والتهميش. وهكذا أصبح جزء من اليسار يدافع عن حرية الفرد داخل مجتمع يُسحق فيه هذا الفرد اقتصادياً كل يوم، من دون أن يمتلك أي مشروع فعلي لمواجهة البنية التي تنتج هذا السحق.

ظهور «اليسار الجمالي»: السياسة بوصفها أسلوب حياة

لم يعد جزء مهم من اليسار التونسي يعيش السياسة باعتبارها صراعاً حول المجتمع، بل باعتبارها تموقعاً ثقافياً وأخلاقياً داخل المجتمع. وهنا تحديداً يمكن فهم ما يمكن تسميته بـ«اليسار الجمالي»، ذلك الشكل من اليسار الذي تتحول فيه السياسة تدريجياً من مشروع جماعي للتغيير إلى أسلوب حياة، ومن رؤية اجتماعية إلى هوية رمزية، ومن تنظيم مادي للصراع إلى إعادة إنتاج مستمرة للعلامات والإشارات والرموز التي تمنح الإحساس بالانتماء إلى معسكر «التقدم» و«الحداثة» و«الوعي». فالالتزام هنا لا يُقاس بقدرته على إنتاج قوة اجتماعية أو تغيير فعلي في موازين القوى، بل بمدى الانسجام مع مجموعة من الأكواد الثقافية واللغوية والجمالية التي تمنح صاحبها شرعية أخلاقية داخل الفضاء اليساري نفسه. لقد أصبح جزء من اليسار، خصوصاً داخل الأوساط الحضرية والثقافية والجامعية، يتحرك داخل منطق قائم على التماثل الرمزي أكثر من التفكير السياسي. ولم يعد المهم بناء خطاب اجتماعي قادر على اختراق المجتمع، بل إعادة إنتاج العلامات الصحيحة: اللغة الصحيحة، القضايا الصحيحة، المواقف الصحيحة، وحتى الشكل الصحيح للغضب. وهكذا تتحول السياسة إلى نوع من الأداء الثقافي، حيث يصبح المطلوب أولاً أن تبدو يسارياً، لا أن تنتج فعلاً سياسياً قادراً على التأثير. إننا أمام يسار يجد جزءاً متزايداً من معناه في الصورة التي يقدمها عن نفسه، لا في علاقته الفعلية بالمجتمع.

تحوّل العجز السياسي إلى احتقار ثقافي مبطن تجاه الفئات التي لم تعد تستجيب لخطابه. وهنا تكشف الأزمة وجهها الطبقي الحقيقي: لم يعد جزء من اليسار يرى نفسه داخل المجتمع، بل فوقه، باعتباره نخبة أخلاقية وثقافية تحتكر تعريف التقدم والحداثة

ولم يأتِ هذا التحول من فراغ، بل يعكس أزمة أعمق مرتبطة بفقدان اليسار التونسي لمرجعيته الاجتماعية القديمة. فحين تراجعت الجامعة كفضاء لإنتاج الفعل السياسي الجماعي، وتآكلت النقابة، وانكمشت الحركات الطالبية، وفقدت الأحزاب اليسارية قدرتها على التنظيم والتأطير، لم يختفِ اليسار تماماً، بل أعاد إنتاج نفسه داخل الحقول الثقافية والرمزية. أي أنه انتقل من السياسة باعتبارها تنظيماً اجتماعياً إلى السياسة باعتبارها حساسية ثقافية. ومن هنا أصبح الفن، والموسيقى البديلة، والسينما، والمقاهي الثقافية، ووسائل التواصل الاجتماعي، واللغة اليومية، وحتى طريقة اللباس والحديث، جزءاً من تعريف الانتماء اليساري ذاته. لكن المفارقة أن هذا اليسار، كلما فقد قدرته على إنتاج أفكار اجتماعية كبرى، ازداد تعلقاً بالرموز. فحين يعجز عن بناء مشروع اقتصادي أو اجتماعي واضح، يعوض ذلك بالمبالغة في إنتاج العلامات الأخلاقية والجمالية التي تؤكد انتماءه إلى «المعسكر الصحيح». وهنا تتحول الإيديولوجيا نفسها إلى مجرد ديكور ثقافي. لا تعود الماركسية أو العدالة الاجتماعية أو التحرّر مفاهيم لتحليل الواقع وتغييره، بل تصبح مفردات تُستعمل لإثبات النقاء الرمزي والتميّز الثقافي داخل فضاء مغلق على نفسه.

ولعل أخطر ما في هذا التحول هو أن جزءاً من اليسار لم يعد يخجل أصلاً من التخلي عن الإيديولوجيا. بل صار بعض رموزه أو المقربين منه يتباهون بذلك، باعتبار أن «الأفكار الكبرى انتهت»، وأن «البراغماتية» و«القيم الإنسانية» و«الحريات الفردية» أهم من الصراعات الإيديولوجية القديمة. غير أن هذا التبجح بالتخلص من الإيديولوجيا يخفي في الحقيقة خضوعاً كاملاً لإيديولوجيا أخرى أكثر قوة وهيمنة: الإيديولوجيا النيوليبرالية نفسها، التي نجحت في تحويل السياسة إلى إدارة تقنية وأخلاقية للمجتمع بدل أن تبقى مجالاً للصراع حول الثروة والسلطة والمعنى. فحين يعلن بعض اليساريين أنهم تجاوزوا الإيديولوجيا، فإنهم لا يخرجون من السياسة، بل ينتقلون ببساطة من إيديولوجيا الصراع الاجتماعي إلى إيديولوجيا التكيّف الثقافي. يصبح المهم هو الظهور بمظهر المتسامح، الحداثي، المنفتح، الكوني، لا مساءلة البنية الاقتصادية والسياسية التي تنتج التفاوت والتهميش. وهكذا يتحول اليسار تدريجياً إلى فضاء أخلاقي أكثر منه فضاءً سياسياً: فضاء يصنف الناس وفق درجة «تقدمهم» الثقافي، لا وفق موقعهم داخل علاقات القوة الاجتماعية.

ومن هنا أيضاً يمكن فهم الطابع النخبوي المتزايد لهذا اليسار الجمالي. فهو، على الرغم من حديثه المستمر باسم «التحرر»، يعيد في كثير من الأحيان إنتاج شكل جديد من التمايز الطبقي والثقافي. إذ يصبح امتلاك اللغة الصحيحة، والرموز الصحيحة، والمراجع الثقافية المناسبة، شرطاً ضمنياً للانتماء إلى هذا العالم. ولذلك يبدو أحياناً منفصلاً تماماً عن التجارب اليومية للفئات الشعبية، التي لا تجد نفسها داخل هذا الخطاب المشبع بالإشارات الثقافية والرمزية. فالعامل، أو العاطل، أو الموظف المنهك، لا يرى بالضرورة نفسه داخل معارك تدور أساساً حول التموقع الثقافي والاعتراف الرمزي.

لقد أصبح جزء من اليسار التونسي يعيش داخل فضاء مغلق من إعادة إنتاج الذات. يردد الشعارات نفسها، يستحضر الرموز نفسها، يعيد تدوير المواقف الأخلاقية نفسها، من دون أن يطرح بجدية سؤال: لماذا لم يعد المجتمع يصغي إليه؟ وبدل مواجهة هذا السؤال سياسياً، يميل أحياناً إلى تفسير عزلته عبر اتهام المجتمع نفسه بالمحافظة واللاوعي والرجعية والشعبوية. أي أن الأزمة تتحول من أزمة يسار عاجز عن فهم المجتمع إلى أزمة مجتمع لا يرتقي، في نظره، إلى مستوى «وعيه». في هذا المعنى، يبدو اليسار الجمالي تعبيراً عن لحظة تاريخية فقد فيها اليسار ثقته بقدرته على تغيير الواقع، فعوض ذلك بالاستثمار المكثف في الرموز والصور والهوية الثقافية. لم يعد يطمح إلى الهيمنة الاجتماعية، بل إلى التفوق الأخلاقي. لم يعد يسعى إلى تنظيم الجماعات، بل إلى إنتاج دوائر من الاعتراف المتبادل داخل الفضاء الثقافي والإعلامي. وهنا تصبح السياسة نوعاً من المسرح الرمزي: المهم أن تظهر في الجانب الصحيح من التاريخ، حتى لو فقدت القدرة على التأثير في مجراه.

ولا يعني ذلك أن كل اليسار التونسي قد تحول إلى هذا الشكل، ولا أن القضايا الثقافية والحقوقية بلا أهمية. لكن المشكلة تبدأ حين يصبح الرمز بديلاً عن المشروع، وحين تتحول الهوية السياسية إلى مجرد أسلوب عيش، وحين تُختزل الممارسة النضالية في استعراض دائم للنقاء الأخلاقي والجمالي. ففي هذه اللحظة، يفقد اليسار وظيفته التاريخية الأساسية: أن يكون قوة قادرة على ربط الفكر بالمجتمع، والحرية بالعدالة، والثقافة بالصراع الاجتماعي الفعلي. لذلك فإن «اليسار الجمالي» ليس مجرد انحراف ثقافي عابر، بل علامة على أزمة أعمق: أزمة يسار فقد قاعدته الاجتماعية، وفقد ثقته بالإيديولوجيا، وفقد قدرته على إنتاج أفق جماعي، فلم يبق له سوى الصورة. صورة المناضل، وصورة المثقف، وصورة التقدمي، وصورة المختلف. لكن السياسة التي تتحول إلى صورة فقط، سرعان ما تفقد قدرتها على تغيير أي شيء خارج المرآة التي تتأمل نفسها فيها. 

خاتمة

لا تبدو أزمة اليسار في تونس اليوم مجرد أزمة تنظيمات فقدت قدرتها على التعبئة أو أحزاب عجزت عن تجديد خطابها، بل تكشف عن تحوّل أعمق أصاب معنى السياسة نفسه داخل المجتمع التونسي. فالمفارقة الأساسية لا تكمن في تراجع اليسار فقط، بل في أن اللحظة التي اتسعت فيها التفاوتات الاجتماعية، واشتدت فيها الهشاشة، وانهارت فيها وعود الصعود الاجتماعي، هي نفسها اللحظة التي فقد فيها الخطاب اليساري قدرته على التحول إلى قوة اجتماعية واسعة. وكأن المجتمع الذي صار ينتج يومياً أسباب الغضب والاحتقان، لم يعد ينتج في المقابل الأشكال السياسية القادرة على تأطير هذا الغضب ومنحه أفقاً جماعياً. لقد كشفت العقود الأخيرة أن النيوليبرالية لم تكن مجرد سياسة اقتصادية، بل عملية عميقة لإعادة تشكيل الذات والعلاقات الاجتماعية والزمن السياسي نفسه. فهي لم تُضعف الدولة الاجتماعية فقط، بل أعادت صياغة الفرد باعتباره مشروعاً شخصياً دائم القلق، يعيش داخل منافسة مستمرة، ويقيس وجوده بقدرته على النجاة الفردية لا بالانتماء إلى جماعة أو قضية مشتركة. وفي مجتمع من هذا النوع، يصبح الفعل الجماعي أكثر هشاشة، وتصبح السياسة نفسها مهددة بالتحول إلى إدارة تقنية للأزمات أو إلى استعراض أخلاقي ورمزي بلا امتداد اجتماعي فعلي.

لم يعد المهم بناء خطاب اجتماعي قادر على اختراق المجتمع، بل إعادة إنتاج العلامات الصحيحة: اللغة الصحيحة، القضايا الصحيحة، المواقف الصحيحة، وحتى الشكل الصحيح للغضب. وهكذا تتحول السياسة إلى نوع من الأداء الثقافي، حيث يصبح المطلوب أولاً أن تبدو يسارياً، لا أن تنتج فعلاً سياسياً قادراً على التأثير

وتكمن الخطورة في الفراغ الذي يتركه هذا الضعف. فحين يتراجع خطاب العدالة الاجتماعية والتنظيم الجماعي، لا يختفي الغضب، بل يعاد توجيهه نحو أشكال أخرى: الشعبوية، العدمية السياسية، الحنين السلطوي، أو الانكفاء الفردي. أي أن الأزمة الاجتماعية لا تنتج تلقائياً وعياً تحررياً، بل قد تتحول إلى مادة خام لأشكال جديدة من الهيمنة والخوف وإعادة إنتاج السلطة. ومن هنا تبدو هشاشة اليسار جزءاً من هشاشة أوسع تمس المجال الديمقراطي نفسه. مع ذلك، فإن اختزال أزمة اليسار في «الخيانة» أو «الانحراف» أو «الابتعاد عن الشعب» يبقى تفسيراً تبسيطياً. فاليسار لم يسقط خارج التاريخ، بل سقط داخل التحولات الكبرى التي مست العالم كله: تفكك الطبقات التقليدية، صعود الفردانية، تراجع الأحزاب الجماهيرية، وتحول السياسة إلى فضاء إعلامي وثقافي سريع الإيقاع. ولذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد: كيف يستعيد اليسار أشكاله القديمة؟ بل: هل ما تزال تلك الأشكال نفسها ممكنة أصلاً داخل مجتمع أعادت النيوليبرالية تشكيل بنيته العميقة؟

ربما تكمن المشكلة في أن جزءاً من اليسار ما يزال يبحث عن المجتمع الذي عرفه سابقاً: الجامعة كفضاء للتسييس، النقابة كإطار جامع، الطبقة الوسطى كحامل للاستقرار والتقدم، والدولة كأداة ممكنة لإعادة التوزيع. لكن المجتمع التونسي اليوم يتحرك داخل منطق مختلف تماماً: اقتصاد هش، عمل متقطع، هجرة جماعية، فضاءات رقمية، انعدام يقين دائم، وانهيار متواصل لفكرة المستقبل نفسها. أي أن الأزمة لم تعد فقط أزمة توزيع للثروة، بل أزمة معنى وانتماء وزمن. لهذا، فإن مستقبل اليسار لن يتحدد بقدرته على تكرار لغته القديمة أو الاكتفاء بالنقد الأخلاقي للنيوليبرالية، بل بقدرته على فهم التحولات الجديدة التي مست الحياة اليومية ذاتها: كيف يعيش الناس الخوف؟ كيف يعيدون اختراع التضامن؟ كيف يفكرون في العمل، والهجرة، والكرامة، والاستقرار؟ وكيف يمكن تحويل هذه التجارب المتناثرة إلى أفق سياسي جديد لا يكتفي بالدفاع عن الماضي، ولا يذوب أيضاً داخل الليبرالية الحقوقية أو الشعبوية الغاضبة؟ فالمجتمعات لا تموت حين تختفي الأحزاب، بل حين تفقد القدرة على تخيل مستقبل جماعي. وربما تكون هذه، في النهاية، المعضلة الحقيقية التي يواجهها اليسار التونسي اليوم: ليس فقط كيف يعود إلى المجتمع، بل كيف يعيد إلى المجتمع نفسه القدرة على الحلم بما هو أكثر من مجرد النجاة الفردية.

    فؤاد غربالي

    أستاذ علم الاجتماع ، تونس