إليسا والرأسمالية العاطفية العربية
صناعة القلب المكسور
لم تكن الكوفية الفلسطينية، التي وصلت إلى خشبة المسرح الروماني بقرطاج مساء 15 أغسطس/آب 2026، مجرد قطعة قماش ألقاها متفرّج باتجاه فنانة. تحوّلت الكوفية في لحظات قليلة إلى اختبار رمزي لعلاقة الفن العربي المعاصر بالسياسة والذاكرة الجماعية والقضايا، التي ادّعت الأغنية العربية طوال عقود تمثيلها أو الانخراط فيها. أعادت إليسا الكوفية نحو الجمهور من دون أن تحوّل اللحظة إلى موقف تضامني واضح، فانفجرت على شبكات التواصل الاجتماعي موجة من الانتقادات والأسئلة. واكتسبت الحادثة كثافتها الدلالية بصرف النظر عمّا إذا كانت الفنانة قد فهمت تماماً ما أُلقي إليها، وعمّا إذا كان فعلها مقصوداً سياسياً أو مجرد ارتباك عابر، فقد حمّل الجمهور حركة صغيرة معنى يفوقها بكثير، وكشف ذلك فجأة عن المسافة التي تفصل توقّعاً سياسياً لا يزال قائماً تجاه «الفنان العربي» عن بنية جديدة للنجومية تشكّلت أصلاً على أساس مختلف.
وشكّلت الليلة نفسها، بالمعيار التجاري والجماهيري، نجاحاً باهراً يزيد المفارقة وضوحاً: نفدت التذاكر بسرعة، وارتفعت الأسعار في السوق الموازية، وامتلأ المسرح بجمهور جاء ليستعيد أغنيات يحفظها منذ عقدين وأكثر. وقدّم الموقع الرسمي لمهرجان قرطاج إليسا بوصفها «ملكة الإحساس»، محدّداً مركز تجربتها في قدرتها على التعبير عن درجات الحب المختلفة؛ وهي تسمية تحمل، من زاوية سوسيولوجية، دلالة أعمق مما يبدو للوهلة الأولى. فقد تجاوزت إليسا الغناء عن الحب فحسب، لتبني على امتداد ربع قرن تقريباً واحدة من أكثر العلامات التجارية العاطفية نجاحاً في العالم العربي: الخيانة، والهجر، والانتظار، والضعف، والاعتماد العاطفي، واستعادة الكرامة، والانفصال، والبدء من جديد. وصار «الإحساس» نفسه اختصاصاً فنياً، وسوقاً، وهوية قابلة للتعرّف والاستهلاك.
ومن هنا، قد يكون من الخطأ اختزال واقعة الكوفية في سؤال أخلاقي بسيط من قبيل: هل إليسا مع فلسطين أم ضدها؟ ويصبح السؤال الأكثر إثارة: أي نوع من الفنانين أنتجته الصناعة الثقافية العربية خلال العقود الثلاثة الأخيرة، وأي نوع من الجمهور أنتجته معها؟ وما الذي حدث للأغنية العربية حتى أصبح بإمكان فنان أن يحتل مساحة وجدانية هائلة في الحياة اليومية لملايين العرب، من دون أن يقوم حضوره أساساً على تمثيل سردية جماعية أو قضية عامة؟ تمثّل إليسا واحدة من أكثر التعبيرات اكتمالاً عن تحوّل أوسع بدأ منذ التسعينيات، أكثر مما تمثّل استثناءً شخصياً، حين دخلت الثقافة العربية طوراً جديداً من إعادة تنظيم العلاقة بين السوق والإعلام والجسد والموسيقى والعاطفة.
إليسا تنتمي زمنياً وبنيوياً إلى تلك الموجة التي تشكّلت في نهاية التسعينيات على أنقاض نظام موسيقي أقدم. وأصبحت الأغنية هنا تدعو المستمع أكثر فأكثر إلى السكن داخل ذاته، أكثر مما تطلب منه أن يسكن حكاية وطن أو أمة أو قضية
مثّلت التسعينيات لحظة إعادة تركيب للاقتصاد السياسي للثقافة العربية، تجاوزت كونها مجرد عقد موسيقي ظهرت فيه أصوات جديدة. خرجت المنطقة من الثمانينيات مثقلة بتراجع المشاريع القومية، وانهيار المعسكر الاشتراكي، وأزمات المديونية، وبرامج الإصلاح الهيكلي، وتراجع قدرة الدولة على احتكار الفضاء الثقافي والإعلامي. وجاءت حرب الخليج عام 1991 لتؤكد انتقالاً إضافياً في مركز الثقل الاقتصادي والإعلامي نحو دول الخليج، بينما كان لبنان يخرج من حربه الأهلية، ويعيد تقديم بيروت باعتبارها مختبراً للصورة والإعلان والموضة والترفيه العربي. وفي الوقت نفسه، دخل البث الفضائي بقوة إلى المنزل العربي، واتسعت الملكية الخاصة لوسائل الإعلام اللبنانية، ثم تحوّلت LBCI وFuture TV وغيرهما إلى منصات عابرة للحدود تعيد تنظيم المجال البصري العربي. وتجاوز نجاح المغني، منذ ذلك الحين، ارتباطه بصوته أو ألبومه، ليرتبط بقدرته على الظهور المستمر، وتداول صورته، وصناعة «ستايل» شخصي يمكن التعرف إليه من الرباط إلى الرياض.
وأخذت الأغنية نفسها تتغير داخل هذا التحوّل: بقيت الأغنية السياسية والتراثية والطربية حاضرة، فيما تحرّك مركز الصناعة تدريجياً نحو أغنية أقصر وأكثر قابلية للبث، مرتبطة بالفيديو كليب، والإعلان، والجسد، والموضة، ونجومية فردية تُدار باحتراف. وهذا بالضبط هو العالم الذي دخلته إليسا؛ فقد بدأت من «استوديو الفن» عام 1992، ثم أصدرت ألبومها الأول عام 1998، أي إنها تنتمي زمنياً وبنيوياً إلى تلك الموجة التي تشكّلت في نهاية التسعينيات على أنقاض نظام موسيقي أقدم. وأصبحت الأغنية هنا تدعو المستمع أكثر فأكثر إلى السكن داخل ذاته، أكثر مما تطلب منه أن يسكن حكاية وطن أو أمة أو قضية.
وأتاحت الشركات الكبرى، التي أعادت هندسة السوق، هذا التحوّل. وتمثّل روتانا المثال الأكثر وضوحاً: نشأت عام 1987 داخل اقتصاد الكاسيت، ثم تحوّلت، بعد ارتباطها برأس المال السعودي، إلى مجموعة سمعية بصرية إقليمية ضخمة تتجاوز وظيفة شركة التسجيل التقليدية. أسّست روتانا نموذجاً تُربط فيه الموسيقى بالفضائيات والفيديو كليب والتوزيع والحفلات وبقطاعات اقتصادية أخرى، بحيث أصبح مسار الفنان نفسه قابلاً للإدارة بمنطق الاستثمار، والعقد، والقيمة السوقية، والانتقال بين المنتجين. وتغلغل رأس المال في شكل الأغنية نفسها، لا في علاقة خارجية بها فحسب، وإنما أيضاً في مدتها، وصورتها، وهندسة الجسد الذي يؤديها، والجمهور المستهدف، والإيقاع القابل للتكرار، وحتى نوع المشاعر الأكثر قابلية للبيع. ومن هذه الزاوية، تتجاوز قراءة إليسا تاريخ الموسيقى وحده، لتدخل فيما يمكن تسميته الرأسمالية العاطفية العربية.
ولا تعني الرأسمالية هنا أنها «تبيع الحب» بطريقة سطحية، بل تعيد تنظيم الطريقة التي نتخيل بها الحب، ونعيشه، ونصف آلامه، ونقيّم علاقاتنا. وتجاوزت العاطفة، في المجتمعات الاستهلاكية الحديثة، وقوعها خارج السوق، لترتبط بالصورة، والجسد، والاستهلاك، والعلاج النفسي، والخطاب عن تطوير الذات، والبحث عن السعادة، والاختيار بين الشركاء. وتتعلم الذات الحديثة أن تتعامل حتى مع حميميتها باعتبارها مشروعاً: عليها أن تعرف ما تستحقه، وأن تضع حدوداً، وأن تغادر «العلاقة السامة»، وأن تتعافى، وأن تعيد بناء نفسها، ثم أن تكون مستعدة لاختيار جديد.
وتكتسب أغاني إليسا هنا معناها الاجتماعي الأعمق: يدور قاموسها العاطفي حول دورة كاملة من الاستثمار والخسارة والانكسار وإعادة ترميم الذات، أكثر مما يدور حول «الحب» وحده. وتبدو العاشقة في هذا العالم ذاتاً تدخل العلاقة، وتتعرض للأذى، وتحاسب الآخر، وتقارن ما أعطته بما حصلت عليه، وتكتشف أنها «تستحق أكثر»، ثم تخرج من العلاقة لتعيد بناء قيمتها؛ أكثر مما تبدو المرأة التي تنتظر قدراً رومانسياً واحداً حتى نهايته. وتحوّل الحزن نفسه إلى مادة كثيفة للاستهلاك، بدل أن يبقى نقيضاً للسوق: نشتري الأغنية التي تقول ألمنا بالنيابة عنا، ونستمع إليها بعد الانفصال، ونرسلها إلى شخص، ونستعمل مقطعاً منها في قصة على إنستغرام، ونحوّل التجربة الخاصة إلى رموز قابلة للتداول. وهكذا يتحوّل القلب المكسور من مأساة حميمة إلى صناعة ثقافية كاملة.
وتصبح المقارنة مع الرومانسية العربية السابقة ضرورية بذلك، من دون الوقوع في حنين ساذج. فلم يقع الحب عند أم كلثوم وعبد الحليم ووردة ونجاة خارج الاقتصاد ولا خارج الصناعة الثقافية، لكنه تشكّل داخل نظام زمني وأخلاقي مختلف، حيث شكّل الانتظار والوفاء والبعد والتضحية والاستمرار عناصر مركزية في السردية الرومانسية. وتنتمي الأغنية الجديدة، في المقابل، إلى مجتمع يتسارع فيه الزمن، وتتوسع فيه الفردانية، وتصبح فيه الخيارات — أو على الأقل خيالات الاختيار — أكثر كثافة. ولذلك، لم تعد المأساة الأساسية دائماً استحالة الوصول إلى الحبيب، بل صارت سوء الاختيار، وعدم التكافؤ، والإهمال، والخيانة، وفقدان تقدير الذات. وانتقل السؤال تدريجياً من «هل سيعود؟» إلى «لماذا أقبل بمن لا يعرف قيمتي؟».
وليست إليسا، بالطبع، مسؤولة عن هذا التحوّل، بل تمثّل أحد أكثر مراياه كثافة. وتنبع قوة تجربتها تحديداً من قدرتها على التقاط لغة عاطفية كانت تتشكّل في المجتمع، ثم إعادتها إليه بصورة موسيقية قابلة للتكرار والاستهلاك. ولا تعمل الرأسمالية العاطفية بالإكراه؛ إذ تكمن قوتها في أنها تجعل منتجاتها تبدو تعبيراً أصيلاً تماماً عن أكثر أعماقنا خصوصية. نستمع إلى أغنية فنشعر أنها «تتكلم عنا»، في حين تكون اللغة التي نتكلم بها عن أنفسنا قد تشكّلت هي الأخرى داخل السينما والتلفزيون والإعلانات والأغاني وبرامج العلاقات والمنصات الرقمية. ويختلط الحقيقي بالمصنوع هنا إلى درجة يستحيل معها الفصل بينهما.
وتكشف حادثة الكوفية في قرطاج، بذلك، عن تناقض أكبر من الحادثة نفسها. واجه رمزان أحدهما الآخر للحظات على الخشبة: الكوفية بوصفها ذاكرة سياسية جمعية، وإليسا بوصفها واحدة من أنجح أيقونات اقتصاد المشاعر الفردية العربي. ولا يعني هذا استحالة اجتماع الاثنين، ولا أن أغنية الحب أقل قيمة من الأغنية السياسية؛ فقد كشف الاحتكاك القصير بينهما أن النظام الثقافي العربي نفسه قد تغيّر: أصبح الفنان قادراً على تمثيل أحزان الملايين من دون أن يمثّل بالضرورة قضاياهم الجماعية، وأصبحت السوق قادرة على بناء تضامن شديد الكثافة حول جرح عاطفي فردي، بينما بقيت العلاقة بالجروح السياسية أكثر اضطراباً وتعقيداً.
من هنا تنطلق إشكالية هذا المقال: كيف انتقلت الأغنية العربية، منذ التسعينيات، من اقتصاد رمزي تشابكت فيه العاطفة الفردية بقوة مع سرديات الجماعة، إلى صناعة إقليمية ضخمة تجعل الذات الحميمة أحد أهم أسواقها؟ وكيف أصبحت إليسا إحدى العلامات الأبرز لهذا التحوّل؟ ويعني تتبّع مسيرتها، في الوقت نفسه، تتبّع ثلاثة تحوّلات مترابطة: انتقال مركز القوة في الصناعة الثقافية نحو رأس المال الخليجي؛ وصعود بيروت والفضائيات والفيديو كليب بوصفها أجهزة لصناعة النجومية العربية الجديدة؛ وتشكّل ذات عاطفية عربية جديدة، أكثر فردانية وأكثر وعياً بجراحها، لكنها أيضاً أكثر استعداداً لأن تستهلك هذه الجراح في شكل أغنية وصورة وحفلة وذكرى. ويصبح «القلب المكسور»، عند هذا التقاطع تحديداً، أكثر من استعارة رومانسية، وإنما نافذة لفهم الاقتصاد السياسي للمشاعر في العالم العربي المعاصر.
رأس المال الخليجي وإعادة تشكيل السوق الموسيقية العربية
يتجاوز صعود رأس المال الخليجي في المجال الموسيقي العربي مجرد توسع مالي في قطاع ترفيهي واعد، ليمثّل انتقالاً في مركز السلطة داخل الحقل الثقافي نفسه. وتتجاوز المسألة اليوم من يموّل الألبوم أو يشتري حقوق توزيعه، لتطال من يمتلك القدرة على تحديد شروط الظهور، ومدى الانتشار، وإيقاع الحضور، وحدود المخاطرة المسموح بها للفنان. وبهذا المعنى، تمثّل «دخول» الخليج سوق الموسيقى العربية أقل ما حدث في التحوّل الحاسم الذي وقع منذ التسعينيات، إذ أصبح جزء متزايد من السوق يُعاد تنظيمه انطلاقاً من منطق رأسمالي خليجي يربط الثقافة بالاستثمار، والنجومية بالأصول، والجمهور بالسوق.
الريع النفطي لم يبق محصوراً في الاقتصاد الطاقي، بل أسّس لتراكم مالي سمح ببروز رساميل تبحث عن مجالات جديدة لتدوير الفائض وتحويله إلى نفوذ. وتتقاطع، في هذه النقطة تحديداً، دراسات الدولة الريعية مع الاقتصاد السياسي للإعلام
وتكمن خصوصية هذا التحوّل في أن الريع النفطي لم يبق محصوراً في الاقتصاد الطاقي، بل أسّس لتراكم مالي سمح ببروز رساميل تبحث عن مجالات جديدة لتدوير الفائض وتحويله إلى نفوذ. وتتقاطع، في هذه النقطة تحديداً، دراسات الدولة الريعية مع الاقتصاد السياسي للإعلام: فحين تتجاوز الرساميل حدودها الوطنية وتتجه إلى قطاعات الاتصالات والبث والترفيه، فإنها لا تشتري شركات فحسب، بل تشتري القدرة على إعادة ترتيب المجال الرمزي. ولذلك، شكّل الاستثمار في الموسيقى والفضائيات جزءاً من استراتيجية أوسع لإعادة توطين مركز القرار الثقافي العربي داخل فضاء خليجي يملك رأس المال، حتى مع بقاء جزء مهم من العمل الإبداعي والتقني متركزاً في بيروت والقاهرة.
وأنتجت هذه البنية الجديدة مفارقة لافتة: احتفظت المدن التاريخية للثقافة العربية برأسمالها البشري والرمزي، بينما انتقلت السيطرة على البنية التحتية للانتشار إلى مراكز تمويل أخرى. وبقيت القاهرة خزاناً للأصوات والملحنين والكتّاب، ورسّخت بيروت موقعها كمختبر للصورة والإعلان والتلفزيون، لكن القدرة على تحويل الفنان المحلي إلى نجم عربي لم تعد تُنتَج حصرياً داخل هاتين المدينتين، بل صارت تتطلب الدخول في شبكة مالية وإعلامية واسعة، تمتلك وسائل التسجيل والتوزيع والبث والترويج. وهكذا أُعيد تعريف معنى المركز والهامش: فلم يعد المركز بالضرورة المكان الذي تُنتج فيه الأغنية، بل المكان الذي يملك شروط عبورها إلى السوق. وفي هذا الإطار، تكتسب تجربة روتانا دلالتها الحقيقية، لا من كونها شركة ناجحة أو من العدد الكبير للفنانين الذين ارتبطوا بها، بل من كونها جسّدت انتقال الصناعة الموسيقية العربية إلى نموذج التركّز الرأسمالي. فحين تجمع مؤسسة واحدة بين التعاقد مع الفنان، والإنتاج، والتوزيع، والقنوات الموسيقية، والترويج، والحفلات، فإنها لا تعمل كوسيط بين الفنان والجمهور، بل تصبح هي البيئة التي يتشكّل داخلها الاثنان معاً. وهنا تتحوّل الشركة من فاعل اقتصادي ضمن السوق إلى بنية تحدد قواعد السوق ذاتها.
ويترتب عن هذا التحوّل تغيّر في ميزان القوى بين الفنان والمؤسسة. وكان الفنان، في النموذج الأقدم، خصوصاً إذا امتلك اسماً راسخاً، قادراً بدرجة أكبر على التفاوض انطلاقاً من رأسماله الفني وعلاقته المباشرة مع الجمهور. أما في الصناعة المتكاملة رأسياً، فلا تتحدد قيمة الفنان فقط بما يملكه من موهبة أو رصيد رمزي، بل بمدى قابليته للإدماج داخل منظومة متشابكة من المنصات والعقود والحقوق والترويج. ويصبح الفنان أقل استقلالاً كلما زادت حاجته إلى البنية التي تمنحه حضوراً مرئياً أكبر، بينما تزداد قوة الشركة كلما استطاعت أن تستبدل فرداً بآخر من دون أن يتعطل النظام ككل. ومن هنا، لا يعود الفنان «صاحب مشروع» بالمعنى الكامل، بل يتحوّل تدريجياً إلى أصل قابل للإدارة؛ ويُفهم «الأصل» هنا بمعناه الاقتصادي والثقافي معاً: اسماً، وصورة، وصوتاً، وجمهوراً، وقابلية للإعلان، وقيمة يمكن تعظيمها أو إعادة توجيهها. ويغيّر هذا التحوّل حتى معنى النجاح: فلم يعد لحظة استثنائية تنتجها أغنية كبرى، بل صار مساراً قابلاً للقياس والإدارة من خلال عدد مرات الظهور، والتغطية التلفزيونية، ومبيعات الألبوم، والحضور في الحفلات، والجاذبية الإعلانية، والقدرة على الاحتفاظ بجمهور عابر للحدود.
والأهم أن تركّز الملكية لا يبقى خارج العمل الفني، إذ تفرض كل صناعة شكلها على السلعة التي تنتجها. وحين تُدار الموسيقى داخل مؤسسات تحتاج إلى دوران سريع، وجمهور واسع، وعائد متكرر، فإنها تميل إلى تفضيل ما هو أكثر قابلية للتداول. ويتجاوز تفسير اختصار الأغنية، وزيادة كثافة اللازمة، وتبسيط البنية اللحنية، والاعتماد على صورة بصرية قوية، فكرة التطور الجمالي التلقائي وحده، ليشكّل أيضاً استجابة لشروط اقتصادية جديدة تجعل القابلية للبث وإعادة الاستخدام شرطاً من شروط القيمة. وبهذا المعنى، تتجاوز الأغنية العربية إنتاجها داخل الاستوديو وحده، لتُنتَج داخل شبكة كاملة من الحسابات السابقة على الاستماع: ما اللهجة التي تتجاوز الحدود بسهولة؟ وما الموضوع الذي يمكن أن يفهمه جمهور من بلدان مختلفة؟ وما الصورة التي تصلح للتلفزيون؟ وما نوع الشخصية الفنية القابلة للتسويق؟ ويظهر هنا أثر الرأسمالية الإقليمية في أكثر المناطق حميمية من العمل الفني، إذ تصبح الاختيارات التي تبدو جمالية بحتة، في جزء منها، إجابات عن سؤال السوق.
ولا يعني هذا أن الشركات «تفرض» ذوقاً موحداً على جمهور سلبي، فالعلاقة أكثر تعقيداً: تراقب الصناعة ما ينجح، ثم تضخّمه، ثم تعيد عرضه بكثافة حتى يتحوّل النجاح السابق إلى معيار لإنتاج نجاح جديد. وبذلك يدخل الجمهور نفسه في حلقة دائرية: يختار من بين خيارات جرى ترتيب درجة ظهورها مسبقاً، ثم تُستخدم استجابته لتبرير إنتاج المزيد من الصيغ نفسها. وهنا لا يكون الذوق مفروضاً بالكامل ولا حراً بالكامل، بل ناتجاً عن تفاوض غير متكافئ بين العرض، والتكرار، والاعتياد، والرغبة. ومن هذه الزاوية، يصبح صعود نجوم بعينهم نتيجة لبنية أكثر مما هو معجزة فردية، إذ لا تبحث الصناعة الحديثة فقط عن الصوت الأفضل، بل عن الشخصية الأكثر قابلية للاستمرار داخل دورة إنتاجية طويلة. ولذلك، اكتسبت النجومية العربية، منذ التسعينيات، خصائص مختلفة: استقرار الصورة، ووضوح الهوية، وقابلية التصنيف، والتكرار المحسوب لعناصر معينة من الشخصية الفنية. ولم يعد المطلوب من الفنان أن يفاجئ دائماً، بل أن يكون معروفاً بما يكفي كي لا يربك السوق، ومتجدداً بما يكفي كي لا يفقد الانتباه.
ويمكن وضع إليسا هنا تحديداً في سياقها، من دون اختزالها في نموذج تجاري. وتنبع أهميتها من ظهورها في لحظة أصبحت فيها الصناعة قادرة على تحويل الخصوصية الفنية إلى هوية قابلة للاستثمار. ولم يُصنع ما سيصبح لاحقاً «عالم إليسا» من الخارج فقط، بل تطوّر داخل بنية تعرف كيف تحوّل التكرار إلى علامة، والعاطفة إلى تخصص، والجمهور إلى قاعدة مستقرة. ولذلك، لا يمثّل الانتقال من روتانا إلى الرأسمالية العاطفية انتقالاً بين موضوعين منفصلين؛ بل ينقل السؤال من مسألة مَن يملك وسائل إنتاج الأغنية إلى سؤال أكثر عمقاً: ماذا يحدث حين تصبح هذه الوسائل قادرة على تنظيم المشاعر التي تتداولها الأغنية نفسها؟
صناعة الجسد والنجمة العربية الجديدة
لا يكفي تفسير صعود بيروت في صناعة البوب العربي بعبارات من قبيل «الانفتاح اللبناني» أو «جرأة المجتمع»، فهذه الصفات لا تفسّر كيف استطاع بلد صغير خرج عام 1990 من حرب أهلية مدمّرة أن يصبح خلال عقد واحد من أهم مصانع الصورة والنجومية في المنطقة. ويبدأ التفسير الأجدى من بنية مادية محددة: امتلك لبنان، قبل الحرب، تقاليد تلفزيونية وتجارية وإعلانية مبكرة، ثم أنتجت الحرب نفسها فضاءً إعلامياً خاصاً ومجزّأً، قبل أن تأتي التسوية السياسية وإعادة الإعمار لتعيد تنظيمه. وصدر عام 1994 قانون المرئي والمسموع، الذي نظّم قطاعاً كانت المحطات غير المرخصة قد تكاثرت فيه خلال الحرب. وبعد عامين، بدأت LBCI وFuture TV بثهما الفضائي، فتحوّلت بيروت عملياً من سوق تلفزيونية لبنانية محدودة إلى مركز إنتاج يستطيع مخاطبة عشرات الملايين خارج الحدود. وتكتسب هذه النقلة أهميتها من أن لبنان لم يكن يبدأ من الصفر، إذ بدأ التلفزيون فيه منذ عام 1959 بتمويل خاص، ثم ظهر «تلفزيون الشرق» عام 1962 بمساهمة من شبكة ABC الأميركية. والأهمّ أن العلاقة بين التلفزيون وصناعة المغني كانت قد ترسّخت مبكراً عبر برامج اكتشاف المواهب والمنوعات؛ فحتى ماجدة الرومي مرّت عبر «استوديو الفن» عام 1974، قبل أن يصبح البرنامج لاحقاً أحد أهم أجهزة اكتشاف الفنانين اللبنانيين. ولم تخترع التسعينيات، بذلك، العلاقة بين الشاشة والموسيقى، بل غيّرت حجمها ووظيفتها: كان ما يُعرف بجهاز وطني لصناعة الشهرة، فأصبح مع القمر الصناعي جهازاً إقليمياً لإنتاج النجومية.
لا يعني هذا الانتقال أن الفرد العربي أصبح أقل إحساساً بمحيطه، ولا أن الأغنية القديمة كانت سياسية دائماً، بل يعني أن الصناعة الثقافية باتت أكثر قدرة على فصل المعاناة عن شروطها الاجتماعية، وإعادة تقديمها في صورة تجربة شخصية قابلة للإدارة
وتظهر هنا خصوصية لبنان بالمقارنة مع مصر والخليج. فقد امتلكت القاهرة السوق الأكبر والتقاليد الموسيقية والسينمائية الأثقل، ولذلك ظلّ الفنانون اللبنانيون أنفسهم يلجؤون إليها لبناء شرعية عربية أوسع. أما الخليج فامتلك الموارد المالية المتنامية التي ستسمح لاحقاً بتوسع شبكات مثل روتانا. وقدّمت بيروت شيئاً آخر: بنية وسيطة تجمع التلفزيون الخاص، وشركات الإعلان، والمخرجين، والمصورين، ومصممي الأزياء، وصناعة الجمال، والفنانين، ضمن مساحة جغرافية صغيرة وشديدة الاتصال بالخارج. ولذلك، لم تُلغِ بيروت القاهرة أو تحلّ محل الخليج، بل تخصصت تدريجياً في إنتاج الصورة التي تستطيع الرساميل والقنوات توزيعها عربياً. وتكشف الدراسات عن الصناعة اللبنانية أن لبنان نفسه أصبح موقعاً مفضلاً لتصوير الفيديو كليب، ليس فقط لفنانيه، بل لفنانين عرب يعملون مع مخرجين وفرق إنتاج لبنانية.
يمكن رؤية هذا التحوّل في أسماء محددة. تجاوز جيل التسعينيات، الذي ضمّ نوال الزغبي ونجوى كرم ثم ديانا حداد وإليسا، حدود السوق اللبنانية. ومع بداية الألفية، اتضح النموذج أكثر مع هيفاء وهبي ونانسي عجرم. ولم يكن المشترك بين هؤلاء مجرد الجنسية، بل ظهور نوع جديد من المسار المهني يقوم على التداخل بين الأغنية والتلفزيون والفيديو كليب والصحافة والإعلان. وأصبحت المخرجة نادين لبكي، في هذه البيئة، جزءاً من صناعة النجمة نفسها؛ فلم يكتفِ فيديو «أخاصمك آه» لنانسي عجرم عام 2003 بتقديم أغنية ناجحة، بل أعاد تركيب شخصية نانسي بصرياً داخل مشهد النادلة/المقهى، وساهم في نقلها إلى مرتبة النجمة العربية الواسعة الانتشار. ولم يعد المخرج يوثّق المغنية وهي تؤدي أغنيتها، بل صار يساهم في اختراع الشخصية التي سيعرفها الجمهور. وتُظهر حالة نانسي عجرم بصورة أوضح أن المسألة كانت اقتصاداً للصورة، لا مجرد تطوّر جمالي. فبعد نجاحها الإقليمي، دخلت في شراكة إعلانية مع Coca-Cola لتصبح وجهاً للعلامة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ثم ارتبطت أيضاً بحملة لمجوهرات Damas. بل تداخل الإعلان والفيديو كليب إلى درجة أن أغنيات بعينها أصبحت تتحرك بين الاثنين. ويصعب هنا تحديد أين تنتهي الأغنية وأين يبدأ الإعلان: يبيع الوجه نفسه الألبوم والمشروب والمجوهرات ونمط الحياة. ولم تعد النجمة صاحبة منتج ثقافي واحد، بل أصبحت هي المنصة التي تنتقل عبرها منتجات متعددة.
شكّل التلفزيون البنية التي تجعل هذه الدورة ممكنة. ففي مطلع الألفية، كانت القنوات الموسيقية المتخصصة تمنح بعض الفيديو كليبات التابعة لشركات الإنتاج عرضاً حصرياً قبل توزيعها على قنوات أخرى، وكانت روتانا تيفي، مثلاً، تعمل أداة ترويج مباشرة لفناني روتانا. وتصف مصادر الصناعة اللبنانية، في تلك الفترة، العلاقة المميزة بالتلفزيون باعتبارها عنصراً حاسماً في نجاح المغني، لا إضافة ثانوية إلى مساره. وبحلول 2009، كان الفضاء العربي يضم أكثر من 70 قناة موسيقية، بينها روتانا وروتانا كليب، ومزيكا، وغيرها. وعند هذه النقطة، لم يعد الفيديو كليب إعلاناً عن الأغنية، بل أصبحت الأغنية نفسها، جزئياً، المادة التي تتيح استمرار اقتصاد الصورة. ولعل المثال الأكثر دلالة على قدرة بيروت على التصدير ليس الفيديو الكليب منفرداً، بل «ستار أكاديمي»؛ فقد حوّل البرنامج، الذي أنتجته LBC، بيروت إلى مكان يأتي إليه شبان وشابات من دول عربية مختلفة لكي يتعلموا الغناء والرقص والأداء والموضة واللياقة أمام عشرات الكاميرات، بينما يتابعهم الجمهور العربي ويصوّت لهم. وكان البرنامج أشبه بمصنع مكثّف للنجومية الجديدة: لم يكن السؤال من يملك أجمل صوت فقط، بل من يستطيع إدارة جسده وشخصيته وعلاقته بالكاميرا والحضور اليومي. وهكذا، لم تعد بيروت تصدّر نجمات لبنانيات فحسب، بل أصبحت تصدّر قواعد النجومية نفسها.
ولذلك، ينبغي التعامل بحذر مع فكرة «تحرير الجسد»؛ فلم يكن الذي حدث انتقالاً بسيطاً من المحافظة إلى الحرية، بل انتقل الجسد إلى مركز عملية إنتاج القيمة. وتؤكد دراسة أجراها توماس أندرو غايتنز، بعنوان «الصور الضارة: تحليل محتوى الفيديو كليبات اللبنانية الرائجة»، وتناولت الفيديو كليب اللبناني بين 1990 و2020، أن حضور النساء ازداد بقوة بين الفترتين اللتين قارنت بينهما، لكن ازدياد الحضور ترافق أيضاً مع ارتفاع تشييء أجسادهن، ومع اقتراب الإنتاج اللبناني تدريجياً من الجماليات شديدة الجنسنة المرتبطة تاريخياً بـ MTV الأميركية. ويعني هذا أن اتساع مرئية المرأة لم يتساوَ بصورة آلية مع اتساع استقلالها؛ فقد فتح فرصاً مهنية جديدة، لكنه فرض في الوقت نفسه أشكالاً جديدة من العمل على الجسد.
وتصبح إليسا، عند هذا المستوى، حالة أكثر إثارة من مجرد الحديث عن جمالها أو تغيّر مظهرها. فقد بدأت من «استوديو الفن» عام 1992، أي من أحد الأجهزة اللبنانية التقليدية لاكتشاف المواهب، ثم دخلت السوق في نهاية العقد في اللحظة التي كانت فيها بنيته قد تغيّرت جذرياً. ولم يعد المطلوب للحفاظ على موقعها صوتاً يمكن التعرف إليه فقط، بل صار إدارة استمرارية مرئية تمتد سنوات: الوجه، والشعر، والوزن، والأزياء، وجلسات التصوير، وأغلفة الألبومات، والفيديو كليبات، والإطلالات التلفزيونية. ولا يمثّل الجسد هنا شيئاً «تبيعه» الفنانة ببساطة، بل أداة إنتاج تحتاج إلى عمل دائم؛ مورداً مهنياً تتحدد قيمته بقدرته على البقاء معروفاً، وعلى أن يكون في الوقت نفسه قابلاً للتجديد. وتكمن هنا خصوصية التجربة اللبنانية: فلم تصبح بيروت مؤثرة لأنها كانت «أكثر غربية» من بقية المنطقة، بل لأنها نجحت في تركيب منظومة لم تكن عناصرها مجتمعة بالكثافة نفسها في مركز عربي آخر: إرث تلفزيوني خاص، وخبرة إعلانية، ومخرجون وتقنيون، وصناعة موضة وجمال، وهامش واسع نسبياً للتجريب البصري، ورساميل وشبكات خليجية، وسوق فضائية ألغت عملياً صغر السوق اللبنانية. ولذلك، تجاوز المنتج الحقيقي لهذه المنظومة الأغنية والفنانة معاً: فقد أنتجت نموذجاً للنجومية يمكن تصديره. ومنذ ذلك الحين، لم يعد السؤال في الصناعة العربية من يستطيع أن يغني فقط، بل من يستطيع أن يتحوّل إلى صورة قابلة للدوران من بيروت إلى كامل المجال العربي.
صناعة القلب المكسور
لا تمثّل «صناعة القلب المكسور» مجرد استعارة لوصف كثافة الحزن في أغاني إليسا، بل مدخلاً إلى تحوّل أعمق أصاب البنية العاطفية للمجتمعات العربية منذ الثمانينيات. فلم يدخل الحزن الأغنية العربية مع إليسا؛ كان في قلب الطرب قبلها بعقود. لكن تغيّر المعنى الاجتماعي للحزن: من ذات تتألم بسبب الغياب والقدر واستحالة الوصال، إلى ذات تفحص علاقتها، وتقيس ما أعطته وما تلقته، وتكتشف أنها «اختارت خطأ»، ثم تحاول الانسحاب وإعادة ترتيب نفسها. ويقف وراء هذا التحوّل تاريخ اجتماعي واقتصادي كامل، يرتبط بصعود الطبقات الوسطى المتعلمة من جهة، وبإعادة تشكيلها تحت ضغط النيوليبرالية من جهة أخرى. ولم تكن المنطقة العربية، منذ الثمانينيات، تدخل ببساطة مرحلة «تحرر الفرد»، بل كانت تدخل زمناً تتراجع فيه، بدرجات متفاوتة، الضمانات التي ربطت التعليم بالترقي، والعمل بالاستقرار، والدولة بالحماية الاجتماعية. وأعادت الخصخصة، وتحرير الأسواق، وتوسّع القطاع الخاص والخدمات، والهجرة، وارتفاع كلفة السكن، والبطالة بين المتعلمين، ثم هشاشة العمل، تشكيل الطبقة الوسطى. وفي الوقت نفسه، ازداد التعليم الجامعي، واتسع عمل النساء، وتأخر الزواج، وتكاثفت المدن، ثم جاءت الفضائيات والإنترنت لتضع أمام الفرد نماذج متزايدة للحياة والنجاح والجمال والحب. ونشأ بذلك تناقض حاسم: اتسعت التطلعات الفردية في اللحظة نفسها التي أصبحت فيها شروط تحقيقها أكثر هشاشة.
لا تكمن جدّة «القلب المكسور» في أنه يتألم أكثر من قلب الأغنية القديمة، بل في أنه مطالب بأن يكون منتجاً حتى وهو مكسور: أن يحوّل جرحه إلى معرفة، وخسارته إلى درس، وانهياره إلى إعادة استثمار في ذاته
تشكّل هذه المفارقة أحد المفاتيح لفهم الرأسمالية العاطفية العربية. فلا تعمل النيوليبرالية فقط حين تخصخص مؤسسة أو تحرّر سعراً؛ إذ تعمل أيضاً حين يصبح الفرد مسؤولاً بصورة متزايدة عن إدارة المخاطر التي كانت تُفهم سابقاً باعتبارها اجتماعية. فعليك أن تجعل نفسك قابلاً للتشغيل، وأن تطوّر مهاراتك، وأن تستثمر في جسدك، وأن تخطط لمستقبلك، وأن تتحمل نتائج اختياراتك. وينتقل المنطق نفسه، شيئاً فشيئاً، إلى المجال الحميم: عليك أن تختار الشريك الصحيح، وأن تعرف «قيمتك»، وأن تضع «حدودك»، وأن تتخلص من «العلاقات السامة»، وأن تستثمر في نفسك، وإن انهارت العلاقة فعليك أن تتعافى وتخرج منها أكثر قوة. وتصبح الذات التي تدير مسارها المهني بوصفه مشروعاً مدعوّة أيضاً إلى إدارة قلبها بوصفه مشروعاً. وتصبح أغاني إليسا هنا تحديداً أكثر دلالة من مجرد كونها أغنيات عن الحب، إذ تتكرر عبر مسيرة طويلة شخصية عاطفية تمنح نفسها بكثافة، وتنتظر، وتكتشف عدم التكافؤ، وتتعرض للخذلان، وتعيد تقييم العلاقة، ثم تحاول استرداد نفسها. وفي «عايشالك»، نكاد نكون أمام ذات تجعل الآخر مركز استثمارها العاطفي؛ وفي «بستناك»، يتحوّل الانتظار إلى تجربة كاملة للذات؛ بينما تتقدم في أغنيات أخرى مفردات الخيانة والندم والانسحاب واستعادة الكرامة. ولا تسير الأغاني وفق تطوّر خطي واحد، لكنها ترسم مجتمعة خريطة شديدة الدلالة: لم يعد الحب فقط سؤال «هل سيعود الحبيب؟»، بل أصبح أيضاً سؤال «ماذا فعلت هذه العلاقة بي؟».
ويُعدّ هذا التحوّل جوهرياً. فقد كانت قيمة الحب، في جزء مهم من المخيال الطربي السابق، تُقاس بالقدرة على البقاء وفياً له على الرغم من الألم؛ إذ شكّل طول الانتظار دليلاً على عمق العاطفة، ومنح الاستمرار في الحب على الرغم من استحالته المعاناةَ نبلاً أخلاقياً. أما الذات العاطفية المعاصرة، فتواجه معياراً مختلفاً: لماذا تستمر في علاقة لا تمنحها ما تستحق؟ ومتى يتحوّل الوفاء إلى إهدار للذات؟ ومتى يصبح الانسحاب أكثر عقلانية من الصبر؟ ولم يختفِ الحنين والانتظار من الأغنية، بل دخلا في منافسة مع قاموس جديد قوامه القيمة الشخصية، والاختيار، والتوازن، والحدود، والقدرة على المغادرة. ويمكن هنا فهم «القلب المكسور» باعتباره صناعة. فليست السلعة هي الحزن نفسه؛ إذ لا تحتاج الخيبة إلى شركة إنتاج كي توجد. وتنتج الصناعة، بدل ذلك، البنية التي تجعل الخيبة قابلة للتفسير والتداول وإعادة الاستخدام في بناء الذات، إذ توفّر السيناريو: أحببتُ كثيراً، وأعطيتُ أكثر مما ينبغي، ولم يقدّرني الآخر، فانكسرتُ، ثم اكتشفتُ قيمتي، فبدأتُ أستعيد نفسي. وما إن يتكرر هذا السيناريو عبر الأغنية والفيديو كليب والبرامج والمنصات وخطابات التنمية الذاتية، حتى يكفّ عن الظهور كمنتج ثقافي، ليصبح طريقة تبدو «طبيعية» لفهم التجربة.
وتلتقي هنا صناعة الموسيقى بالثقافة العلاجية النيوليبرالية. فلم يعد الجرح شيئاً ينبغي فقط احتماله، بل أصبح مادة ينبغي العمل عليها: ينبغي فهمه، وتسميته، واستخراج «درس» منه، وتحويله إلى فرصة للنمو. وبذلك يتغيّر حتى معنى التعافي: فلا يشفي الزمن وحده القلب، بل يتعيّن على الفرد أن يعمل على نفسه. وتختصر هذه العبارة البسيطة انتقالاً تاريخياً مهماً: أصبحت الذات، في الوقت نفسه، العامل، ومادة العمل، والمدير الذي يراقب النتيجة. ولا يعفيها الانهيار العاطفي من واجب الإنتاج؛ إذ عليها أن تنتج من خسارتها نسخة أفضل من نفسها. وتكتسب هذه العملية كثافة خاصة لدى النساء، إذ تعيش المرأة العربية المنتمية إلى الشرائح الوسطى اليوم عند تقاطع أوامر اجتماعية تبدو أحياناً متعارضة: أن تنجح دراسياً ومهنياً، وأن تحافظ على جسدها وصورتها، وأن تكون مستقلة اقتصادياً وعاطفياً، وأن تختار جيداً، وأن تحقق في الوقت نفسه الاعتراف الاجتماعي الذي ما زال الزواج والأسرة من أهم مصادره. ولم يختفِ النظام القديم حين ظهر الفرد الجديد، بل تراكم الاثنان فوق بعضهما. ولذلك، لا تتحمل المرأة فقط العمل العاطفي التقليدي المطلوب للحفاظ على العلاقة، بل أُضيف إليه عمل جديد: العمل على الذات بعد انهيار العلاقة.
من هنا، يمكن قراءة الكثافة النسائية الملحوظة في جمهور إليسا، ومنها جمهور قرطاج، بحذر يتجنّب تحويل المشاهدة إلى إحصاء. فلا تكمن أهميتها في أن «النساء أكثر رومانسية»، وهي مقولة فقيرة سوسيولوجياً، بل في أن هذا الخطاب يلتقي مع تجربة اجتماعية موزّعة بصورة غير متساوية بين الجنسين. إذ دخلت النساء التعليم والعمل والاستهلاك والفضاء العام بكثافة أكبر، لكن هذه الاستقلالية لم تُلغِ توقعات الزواج والجمال والأمومة والاستقرار. وأصبحت المرأة أكثر قدرة على قول «أنا»، لكنها أصبحت كذلك أكثر مطالبة بأن تجعل هذه الـ«أنا» ناجحة. ولذلك، يمكن لأغنية عن الخذلان أن تتجاوز قصة الرجل الذي رحل، لتلامس سؤالاً أوسع: كيف أحافظ على قيمتي عندما يفشل جزء من المشروع الذي بنيت عليه صورتي عن نفسي؟ وتصبح حفلة إليسا، هنا، حدثاً اجتماعياً مثيراً للاهتمام، إذ لا تحضر آلاف النساء اللواتي يردّدن معاً كلمات عن الانتظار والخيانة والندم والفقد بالضرورة لأنهن يعشن القصة نفسها؛ بل يجمعهن امتلاك قاموس عاطفي مشترك. وتتحوّل التجربة التي يُفترض أن تكون فردية إلى طقس جماعي، لكن المفارقة أن هذا الطقس الجماعي يحتفل بذات شديدة الفردنة: أنا التي أحببت، وأنا التي تألمت، وأنا التي أستحق، وأنا التي ينبغي أن أستعيد نفسي. ولا تُلغي الجماعة هنا الفرد؛ بل تجتمع حول سرديات فرديته.
وتكمن هنا إحدى مفارقات الرأسمالية العاطفية: فهي تنتج تجارب جماعية هائلة حول خطاب يتمحور بصورة متزايدة حول الذات. إذ يشتري ملايين الأشخاص الأغنية نفسها، أو يشاهدون الفيديو نفسه، لكي يجد كل واحد منهم فيه «قصته الخاصة». ومن هنا تأتي القوة الاقتصادية للقلب المكسور: يتكرر الألم بلا نهاية لأن المستهلك لا يشتري قصة إليسا بقدر ما يستخدم إليسا لإعادة سرد قصته. ويصبح المنتج الثقافي مرآة شخصية مصنّعة على نطاق جماهيري. لكن الحالة العربية تضيف تعقيداً يمنع اختزالها في نسخة محلية من الفردانية الغربية، إذ لم تختفِ العائلة، ولم يفقد الزواج مركزيته، وما زالت الجماعة تراقب السمعة والمسار والاختيارات، خصوصاً لدى النساء. ولذلك، تنشأ ذات هجينة: تريد الحب بوصفه اختياراً حراً، لكنها تعرف أن نجاحه يحمل قيمة اجتماعية؛ وتريد الاستقلال، لكنها تخشى الوحدة؛ وتؤمن بأن عليها الانسحاب من العلاقة المؤذية، لكنها تعيش في محيط ما زال يمنح الاستقرار الزوجي وزناً رمزياً كبيراً. ويتشكّل «القلب المكسور» العربي تحديداً داخل المسافة بين اتساع الفردانية واستمرار الجماعة.
وتكمن هنا الأهمية السوسيولوجية لإليسا. فهي لم تخترع هذه الذات، ولم تفرض النيوليبرالية عبر أغانيها، ولا ينبغي تحميل الموسيقى سببية لا تملكها. لقد التقطت الصناعة الثقافية، بدل ذلك، تحوّلاً اجتماعياً قائماً، وكثّفته، ومنحته لغة وصورة وإيقاعاً، ثم أعادته إلى الجمهور في صورة يمكن التعرف إليها واستهلاكها. ولذلك، لا تمثّل «صناعة القلب المكسور» تجارة بالحزن فحسب، بل جزءاً من اقتصاد أوسع لإعادة ترتيب الذات: اقتصاد يعلّم الفرد أن الخسارة لا ينبغي أن توقف مشروعه، بل أن تصبح مادة جديدة لاستئنافه. وهكذا يتّضح الرابط الأعمق بين إليسا والزمن النيوليبرالي: ففي الاقتصاد، يُطلب من الفرد أن يتحمّل المخاطرة ويعيد تأهيل نفسه بعد كل إخفاق؛ وفي الحياة العاطفية، يتعلّم أن يعيد تعريف الخيبة بوصفها خبرة، والانفصال بوصفه قراراً، والتعافي بوصفه عملاً، والذات بوصفها رأسمالاً ينبغي حمايته. ولذلك، لا تكمن جدّة «القلب المكسور» في أنه يتألم أكثر من قلب الأغنية القديمة، بل في أنه مطالب بأن يكون منتجاً حتى وهو مكسور: أن يحوّل جرحه إلى معرفة، وخسارته إلى درس، وانهياره إلى إعادة استثمار في ذاته. ولعل هنا تحديداً توجد الصيغة الأكثر اكتمالاً للرأسمالية العاطفية العربية: حين لا يكتفي السوق بأن يمنحنا الأغنية التي نبكي عليها، بل يشارك في تعليمنا كيف نفهم بكاءنا، وكيف نعيد ترتيب أنفسنا بعده، ثم كيف نعود إلى السوق والحب والحياة باعتبارنا نسخة جديدة من المشروع نفسه.
حين يصبح القلب آخر حدود السياسة
لا تمثّل الرأسمالية العاطفية مجرد طور جديد في تاريخ الأغنية العربية، ولا مجرد سوق اكتشف أن الحب والخيانة والانفصال مواد مربحة، بل جزء من إعادة ترتيب أوسع للمجتمعات العربية، انتقل فيها مركز الثقل تدريجياً من السؤال عمّا يحدث لنا إلى السؤال عمّا يحدث لي. ولا يعني هذا الانتقال أن الفرد العربي أصبح أقل إحساساً بمحيطه، ولا أن الأغنية القديمة كانت سياسية دائماً، بل يعني أن الصناعة الثقافية باتت أكثر قدرة على فصل المعاناة عن شروطها الاجتماعية، وإعادة تقديمها في صورة تجربة شخصية قابلة للإدارة: جرح ينبغي فهمه، وعلاقة ينبغي تقييمها، وخسارة ينبغي تجاوزها، وذات ينبغي ترميمها. وتكمن المفارقة في أن هذا التحوّل يحدث في واحدة من أكثر مناطق العالم امتلاءً بالألم الجماعي. فمنذ الثمانينيات، عاشت المنطقة الحروب الأهلية والاجتياحات والاحتلالات والحصار والعقوبات والتهجير، وانهيار دول، واتساع الفوارق الاجتماعية، وتراجع الطبقات الوسطى، وهشاشة العمل، والهجرة الجماعية. ومن بيروت وبغداد إلى دمشق وغزة والخرطوم، لم يكن العنف حدثاً استثنائياً خارج الحياة اليومية، بل أصبح جزءاً من الزمن الاجتماعي لأجيال كاملة. ومع ذلك، لم تجعل الصناعة الثقافية التجارية التي توسّعت خلال الحقبة نفسها هذا الألم الجماعي بالضرورة مركز سرديتها، بل بنت بالتوازي معه اقتصاداً بالغ الضخامة للألم الخاص.
تتجاور في المدن العربية هشاشة الطبقات الوسطى مع ازدهار خطابات تطوير الذات، والعناية بالنفس، والعلاقات السامة، والحدود، والاستحقاق، والتعافي. وليس ذلك لأنها خدعة كاملة، بل لأنها تمنح الفرد أدوات حقيقية للبقاء في عالم تزداد صعوبة تغييره
وليست هذه مصادفة، إذ لا تعيد النيوليبرالية تنظيم توزيع الثروة فقط، بل تعيد توزيع المسؤولية عن المعاناة. فحين يصبح العاطل مسؤولاً عن تحسين «قابليته للتشغيل»، والفقير مطالباً بإدارة موارده بكفاءة، والمنهك مطالباً بالعناية بنفسه، تتحوّل مشكلات لها جذور بنيوية إلى اختبارات للكفاءة الفردية. ويستطيع المنطق نفسه أن يعمل داخل الحميمية: تصبح الخيبة مشكلة في الاختيار، والألم مسألة حدود نفسية، والانهيار فرصة للتعلّم، والنجاة مشروعاً شخصياً. وهكذا، لا تختفي المعاناة، بل تُخصخص: يُعاد فصلها عن العالم الذي أنتجها، وإيداعها داخل الفرد، ثم يُطلب منه أن يديرها. ومن هنا تكتسب صناعة القلب المكسور معناها السياسي، فهي لا تنزع السياسة من الأغنية عبر الرقابة أو المنع، بل بطريقة أكثر نعومة: عبر إعادة توزيع قابلية الأشياء للغناء. ويصبح من الممكن بناء صناعة كاملة حول المرأة التي لا يقدّرها حبيبها، بينما يصعب على السوق نفسه أن يمنح الاستمرارية ذاتها للمرأة التي ينهار أمانها الاجتماعي، أو تفقد قدرتها على السكن، أو تواجه هشاشة العمل، أو تعيش آثار الحرب والهجرة. فالأولى قابلة للتعميم على ملايين المستهلكين من دون تهديد أحد؛ أما الثانية فتقود سريعاً إلى أسئلة عن السلطة والثروة والدولة والحرب والعدالة. وهنا تكمن قوة نزع التسييس: ليس في إسكات الألم، بل في اختيار الألم الذي يمكن سماعه باستمرار.
ولذلك، ينبغي عدم النظر باستخفاف إلى الأغنية العاطفية أو إلى جمهورها النسائي. فلا تكمن المسألة في أن الحب «موضوع سطحي» مقابل قضايا سياسية «جادة»؛ فالحميمية نفسها سياسية، لأن النساء يتحمّلن بصورة غير متكافئة آثار البطالة، والهجرة، وتأخر الزواج، والعمل غير المرئي، وهشاشة الحماية الاجتماعية، والتحولات التي أصابت الأسرة. لكن الرأسمالية العاطفية تفعل شيئاً دقيقاً بهذا الواقع: تنتزع الجرح من شبكة العلاقات التي أنتجته، ثم تعيده إلى المرأة بوصفه سؤالاً عن ذاتها. فبدل السؤال: ما الذي يحدث للمجتمع بحيث أصبحت العلاقات نفسها أكثر هشاشة؟ يتقدّم سؤال آخر: لماذا أقبل أنا بعلاقة لا تمنحني ما أستحق؟ وتصبح «إعادة ترتيب الذات»، هنا، الوجه الحميم لإعادة ترتيب المجتمع. فحين تتراجع القدرة على تغيير العالم، تتضخم الدعوة إلى تغيير النفس. وحين يبدو المستقبل الجماعي مسدوداً، تصبح الذات آخر مساحة يُعتقد أن الفرد يستطيع السيطرة عليها: جسده، وعلاقاته، وصحته النفسية، وصورته، واختياراته. ولذلك، تتجاور في المدن العربية بصورة لافتة هشاشة الطبقات الوسطى مع ازدهار خطابات تطوير الذات، والعناية بالنفس، والعلاقات السامة، والحدود، والاستحقاق، والتعافي. وليس ذلك لأنها خدعة كاملة، بل لأنها تمنح الفرد أدوات حقيقية للبقاء في عالم تزداد صعوبة تغييره. وتبدأ المشكلة عندما تتحوّل النجاة الفردية من حق إلى بديل عن السؤال الجماعي.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة إليسا بوصفها أكثر تعقيداً من مجرد «مطربة للحزن». فهي تنتمي إلى صناعة أتقنت تحويل الجرح إلى قصة ذاتية مكتملة: حب، وخيبة، ووعي، وانسحاب، وإعادة بناء. وتستطيع هذه السردية أن تمنح المستمعة لغة ضرورية للاعتراف بألمها، لكنها تفعل ذلك غالباً داخل أفق تكون فيه الذات هي نقطة البداية والنهاية. ويكاد العالم الخارجي يختفي، بينما يصبح القلب مسرح الصراع الكبير. وليست هذه خصوصية إليسا وحدها، بل إحدى العلامات الأعمق لتحوّل الثقافة الجماهيرية العربية: انتقل جزء من دراما المجتمع إلى داخل النفس. ولعلّ هذا ما يجعل العودة إلى مشهد الكوفية في قرطاج أكثر دلالة في نهاية التحليل مما كانت عليه في بدايته. فالسؤال الأقل أهمية هو ما إذا كانت إليسا رأت الكوفية، أو فهمت الإشارة، أو كان ينبغي عليها أن تتصرف بطريقة أخرى. ويعيدنا اختزال المسألة في موقف الفنانة، للمفارقة، إلى المنطق نفسه الذي يجعل كل شيء مسألة فردية. والأهمّ أن نتأمل ما حدث للكوفية حين دخلت فضاءً صُمم أصلاً لتداول نوع آخر من الألم.
لم تكن الكوفية، في تلك اللحظة، مجرد قطعة قماش أُلقيت على المسرح. فقد حملت معها إلى فضاء الحب الخاص تاريخاً كاملاً من الفقد لا يمكن اختزاله في علاقة بين شخصين: أرضاً، وبيوتاً، وموتى، ونازحين، وحصاراً، وذاكرة جماعية. ودخلت علامة الألم السياسي إلى مسرح أتقنت الصناعة فيه تحويل الألم إلى تجربة حميمة قابلة للغناء والتماهي والاستهلاك. ولذلك، ربما كانت لحظة ارتباك أكثر منها لحظة إدانة. فلا تكمن القضية في أن القلب المكسور أقل حقيقة من الوطن المكسور؛ إذ كلاهما حقيقي. ويبقى السؤال: كيف وصلنا إلى زمن أصبحت فيه الثقافة الجماهيرية العربية أكثر قدرة على منح القلب المكسور لغةً وصورةً وصناعةً ونجوميةً وسوقاً، بينما يبدو الوطن المكسور أحياناً كأنه يقتحم المسرح من خارجه؟ وعند هذه النقطة، تصبح الكوفية سؤالاً موجّهاً إلينا جميعاً، لا إلى إليسا وحدها: ماذا حدث لمجتمعات عرفت طويلاً كيف تغني جراحها الجماعية، حتى صار على السياسة أن تُلقى من الجمهور إلى خشبة المسرح كي تستعيد مكاناً بين الأغاني؟
الإحالات
Abu-Lughod, Lila. Veiled Sentiments : Honor and Poetry in a Bedouin Society. Berkeley : University of California Press, 1986.
Boltanski, Luc, and Ève Chiapello. Le nouvel esprit du capitalisme. Paris : Gallimard, 1999.
Frishkopf, Michael, ed. Music and Media in the Arab World. Cairo : American University in Cairo Press, 2010.
Hochschild, Arlie Russell. The Managed Heart : Commercialization of Human Feeling. Berkeley: University of California Press, 1983.
Illouz, Eva. Consuming the Romantic Utopia : Love and the Cultural Contradictions of Capitalism. Berkeley : University of California Press, 1997.
Illouz, Eva. Cold Intimacies : The Making of Emotional Capitalism. Cambridge : Polity Press, 2007.
Illouz, Eva. Why Love Hurts : A Sociological Explanation. Cambridge : Polity Press, 2012.
Joseph, Suad, ed. Intimate Selving in Arab Families: Gender, Self, and Identity. Syracuse, NY: Syracuse University Press, 1999.
Kraidy, Marwan M., and Joe F. Khalil. Arab Television Industries. London : Palgrave Macmillan, 2009.
Schielke, Samuli. Egypt in the Future Tense: Hope, Frustration, and Ambivalence before and after 2011. Bloomington: Indiana University Press, 2015.