egypt-finances-and-private-sector

هل التمويل المصرفي في مصر يدعم الدور الذي تريده الدولة للقطاع الخاص؟

تؤكد الحكومة المصرية، منذ سنوات، أن القطاع الخاص سيكون المحرك الرئيس للاستثمار والنمو الاقتصادي، وتسعى إلى رفع مساهمته إلى 65% من إجمالي الاستثمارات المنفذة، مقابل تقليص الدور المباشر للدولة في النشاط الاقتصادي. لكن تحقيق هذا الهدف لا يتوقف على السياسات المعلنة وحدها، بل يعتمد أيضاً على قدرة القطاع الخاص على الوصول إلى التمويل.

في الاقتصاد المصري، حيث يشكل القطاع المصرفي المصدر الرئيس للائتمان، يوفر توزيع التمويل بين الحكومة والقطاع الخاص مؤشراً مهماً على مدى اتساق أدوات السياسة الاقتصادية مع أهدافها. فهل تعكس بنية التمويل المصرفي الدور الذي تقول الدولة إنها تريد للقطاع الخاص أن يؤديه؟

أولاً: هل اقترب القطاع الخاص من الدور الذي تستهدفه الدولة؟

تشير بيانات وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي إلى أن مساهمة القطاع الخاص شهدت تحسناً خلال العام المالي 2024-2025، إذ بلغت استثماراته المنفذة 1.396 تريليون جنيه من أصل 2.626 تريليون جنيه، أي ما يعادل 53.2% من إجمالي الاستثمارات، في مقابل 46.8% للاستثمارات العامة.

egypt-finance-01

وعلى الرغم من أن القطاع الخاص بات ينفذ أكثر من نصف الاستثمارات في الاقتصاد المصري، فإنه لا يزال بعيداً من النسبة التي تستهدفها الحكومة، إذ تبلغ الفجوة 11.8 نقطة مئوية. 

لا تعني هذه الفجوة أن السياسة الحكومية أخفقت بالضرورة، لكنها تشير إلى أن القطاع الخاص لم يصل بعد إلى الموقع الذي تريده له الدولة بوصفه القائد الرئيس للاستثمار. 

لكن الاستثمار لا يقاس بحجمه فقط، بل أيضاً بقدرته على الوصول إلى التمويل. وإذا كان القطاع الخاص هو من يُفترض أن يقود النمو الاقتصادي، فمن الطبيعي أن ينعكس ذلك في توزيع الائتمان المصرفي.

ثانياً: هل يعكس توزيع الائتمان المصرفي هذا التوجّه؟

في مصر، حيث يشكّل القطاع المصرفي المصدر الرئيس لتمويل النشاط الاقتصادي، يوضح تتبع الائتمان إلى أين تتجه الموارد المالية التي يعتمد عليها كل من القطاعين العام والخاص في تمويل أنشطتهما. وتظهر بيانات البنك المركزي المصري أن الحكومة لا تزال تستحوذ على النصيب الأكبر من الائتمان المحلي. فقد ارتفع صافي الائتمان المحلي من 10.9 تريليون جنيه في نهاية حزيران/يونيو 2024 إلى 14.87 تريليون جنيه في نهاية حزيران/يونيو 2025، بزيادة بلغت نحو 3.88 تريليون جنيه خلال عام واحد. لكن هذا التوسع لم يتوزع بالتساوي بين مختلف القطاعات.

egypt-finance-02

ويعني ذلك أن نحو ثلثي الائتمان المحلي يذهب إلى الحكومة، في مقابل أقل من ربع التمويل لقطاع الأعمال الخاص، على الرغم من أن السياسة الاقتصادية تعوّل على هذا القطاع لقيادة الاستثمار خلال المرحلة المقبلة.

ولا يقتصر هذا النمط على حجم الائتمان القائم، بل يظهر أيضاً في كيفية توزيع التمويل الجديد. فمن أصل 3.879 تريليون جنيه أضيفت إلى الائتمان المحلي خلال العام المالي 2024-2025، حصلت الحكومة على نحو 2.211 تريليون جنيه، أي 57% من إجمالي الزيادة، بينما حصل قطاع الأعمال الخاص على 975 مليار جنيه فقط، بما يعادل 25.1%.

تشير هذه البيانات إلى أن الحكومة تستحوذ على الحصة الأكبر من الائتمان المصرفي. لكن هل تقتصر هذه النتيجة على مؤشر الائتمان المحلي، أم أنها تظهر أيضاً في مؤشرات تمويل أخرى؟

ثالثاً: لا يحصل القطاع الخاص الا على ربع التسهيلات الائتمانية

تظهر بيانات التسهيلات الائتمانية أن الصورة لا تختلف كثيراً. ففي نهاية كانون الأول/ديسمبر 2025، بلغ إجمالي التسهيلات الائتمانية التي قدمتها البنوك العاملة في مصر 10.512 تريليون جنيه، حصل القطاع الحكومي منها على 5.499 تريليون جنيه، أي 52.3% من الإجمالي، فيما بلغت حصة قطاع الأعمال الخاص 2.649 تريليون جنيه، أو 25.2%. أما النسبة المتبقية فتوزعت بين القطاع العائلي والعالم الخارجي.

egypt-finance-03

وعلى الرغم من اختلاف المنهجية بين الائتمان المحلي والتسهيلات الائتمانية، يقود المؤشران إلى النتيجة نفسها: تستحوذ الحكومة على الحصة الأكبر من التمويل المصرفي، بينما يحصل قطاع الأعمال الخاص على نحو ربع التمويل فقط.

إذاً، لا يقتصر تركّز التمويل الحكومي على مؤشر واحد، بل يتكرر في أكثر من مقياس. لكن هل يعود ذلك إلى محدودية الموارد المتاحة لدى البنوك أصلاً؟

رابعاً، هل تفتقر البنوك إلى الموارد لتمويل القطاع الخاص؟

لا تدعم بيانات الودائع والسيولة هذا التفسير. فقد واصل الجهاز المصرفي توسيع قاعدته التمويلية خلال الربع الأول من عام 2026، إذ ارتفع إجمالي ودائع العملاء من 15.767 تريليون جنيه في نهاية كانون الأول/ديسمبر 2025 إلى 16.884 تريليون جنيه بنهاية آذار/مارس 2026، بزيادة بلغت 1.117 تريليون جنيه خلال ثلاثة أشهر فقط، وبمعدل نمو 7.1%.

egypt-finance-04

وفي الوقت نفسه، احتفظ الجهاز المصرفي بمستويات مرتفعة من السيولة. فقد بلغ متوسط السيولة بالعملة المحلية 42.3%، فيما بلغت السيولة بالعملات الأجنبية 73.4% بنهاية آذار/مارس 2026، ما يشير إلى استمرار قدرة البنوك على توفير التمويل.

egypt-finance-05

وتشير هذه المؤشرات إلى أن الجهاز المصرفي لم يكن يعاني من نقص في الموارد أو السيولة خلال الفترة محل الدراسة، بل واصل تعزيز قاعدته التمويلية. وبالتالي، لا يبدو أن محدودية التمويل الموجّه إلى القطاع الخاص يمكن تفسيرها بضعف قدرة البنوك على الإقراض.

وإذا كانت الموارد متوافرة، فإن السؤال لا يعود متعلقاً بقدرة البنوك على منح الائتمان، بل بالجهة التي استفادت من هذا التوسع في التمويل.

خامساً، كيف وظّفت البنوك مواردها؟ 

تكشف بيانات أكبر البنوك العاملة في السوق أن التوسع في موارد الجهاز المصرفي ترافق مع توسع في الإقراض. فقد ارتفعت نسبة القروض إلى الودائع لدى أكبر 10 بنوك من 67.3% في نهاية كانون الأول/ديسمبر 2025 إلى 69.9% بنهاية آذار/مارس 2026، كما ارتفعت لدى أكبر 5 بنوك من 70.6% إلى 74% في خلال الفترة نفسها، ما يشير إلى أن البنوك استخدمت جزءاً أكبر من ودائعها في منح الائتمان.

egypt-finance-06

لكن هذا التوسع في الإقراض لم ينعكس في زيادة الوزن النسبي لقروض القطاع الخاص، بل حدث العكس. فقد انخفضت حصة قطاع الأعمال الخاص من إجمالي القروض لدى أكبر 10 بنوك من 35.9% إلى 34.2%، كما تراجعت لدى أكبر 5 بنوك من 31.9% إلى 30.4% خلال الربع الأول من عام 2026.

وتتسق هذه النتائج مع ما أظهرته بيانات الائتمان المحلي والتسهيلات الائتمانية، إذ تشير جميعها إلى النتيجة نفسها: توسّع النشاط الإقراضي لم يرافقه تحول في توزيع التمويل لصالح القطاع الخاص.

سادساً: كيف تنعكس هذه المؤشرات على بيئة عمل القطاع الخاص؟

تكتسب هذه النتائج أهمية أكبر عند وضعها في سياق البيئة الاقتصادية التي يعمل فيها القطاع الخاص. ففي الوقت الذي ظل نصيبه من التمويل المصرفي محدوداً، استمرت تكلفة الاقتراض عند مستويات مرتفعة، ما يزيد كلفة تمويل الاستثمارات الجديدة بالنسبة إلى الشركات.

وفي الوقت نفسه، واصل مؤشر مديري المشتريات (PMI) للقطاع الخاص غير النفطي تسجيل مستويات دون 50 نقطة لأشهر عدّة متتالية، بما يعكس استمرار ضعف النشاط الاقتصادي، وتراجع الطلبيات الجديدة والإنتاج والتوظيف.

ويكتسب هذا الأداء أهمية خاصة لأنه يتعلق بالقطاع الخاص غير النفطي، الذي يمثل الجزء الأكبر من النشاط الاقتصادي والتشغيل في مصر.

ولا تثبت هذه المؤشرات أن محدودية التمويل المصرفي هي السبب المباشر في ضعف أداء القطاع الخاص، لكنها تكشف تزامن ثلاثة اتجاهات: مساهمة القطاع الخاص في الاستثمار لا تزال دون المستوى الذي تستهدفه الحكومة، وحصته من التمويل المصرفي لا تزال محدودة، فيما يواصل القطاع الخاص غير النفطي تسجيل أداء ضعيف.

ومن هنا، لا يقتصر تقييم دور القطاع الخاص على حجم استثماراته، بل يشمل أيضاً مدى حصوله على التمويل الذي يمكّنه من أداء الدور الذي تطلبه منه الدولة. وإذا كان الائتمان هو الوقود الذي يسمح للشركات بالاستثمار والتوسع، فلا يكفي أن تعلن الدولة أنها تريد للقطاع الخاص أن يقود الاستثمار، بل ينبغي أن تعكس أدوات التمويل هذا الخيار أيضاً.

    حسن البربري

    محاسب ومناضل عمالي اشتراكي، مؤسس مبادرة مستشارك النقابي لتكون حلقة وصل بين الطبقة العاملة والسياسة، والمدير التنفيذي لمركز المنتدي المصري لعلاقات العمل سابقاً.