cairo

بين الخلجنة ومحاولات محو الهوية
القاهرة أم إيجيبت؟

القاهرة مدينة نابضة، وتحكي شوارعها تاريخاً يمتد لأكثر من 1,000 عام. تجاوزت دورها كعاصمة سياسية، وتحوّلت إلى ذاكرة حيّة ومتحف مفتوح. تعاقبت عليها العصور الفاطمية والأيوبية والمملوكية والخديوية والملكية، وخلّفت نسيجاً عمرانياً فريداً. وصفها نزار الصياد، أستاذ التخطيط العمراني في جامعة بيركلي، بأنها «مدينة سينمائية»، إذ تتجسّد في شوارعها القديمة ومقاهيها طبقات متراكمة من التاريخ والسياسة والثقافة. كما ألهمت عدداً من كبار الأدباء، بينهم نجيب محفوظ في ثلاثيته الشهيرة، ويحيى حقي في «قنديل أم هاشم»، وسعد مكاوي في «السائرون نياماً»، وخيري شلبي في «صحراء المماليك». ويعتبر الباحث في تاريخ مصر الإسلامية حسن حافظ أن القاهرة القديمة مدخل أساسي لفهم تاريخ مصر والبناء عليه.

تواجه القاهرة اليوم تحوّلاً جذرياً يهدّد هويتها التاريخية. يرتبط هذا التحوّل بنموذج تنموي نيوليبرالي يخدم طبقة جديدة يطلق عليها المصريون اسم «أهل إيجيبت»، ويستعير ملامح من النموذج الخليجي القائم على أنماط استهلاك كثيفة. ويتجاوز مفهوم «الخلجنة» التغيير المعماري والتحديث الحضري. فهو يشير إلى عملية اقتصادية وثقافية تعيد تشكيل النسيج العمراني والذاكرة الجمعية للمدينة. تدفع هذه العملية القاهرة نحو نموذج يشبه مولاً مفتوحاً أو كمباونداً ضخماً يخدم شرائح محدّدة من المستهلكين. كما تخدم رأس المال الخليجي الذي يموّل عدداً كبيراً من المشاريع العقارية، ورجال الأعمال المحليين الذين يشاركون في بنائها وإدارتها.

تحظى القاهرة التاريخية بقيمة عمرانية موثقة. أدرجتها اليونيسكو عام 1979 ضمن قائمة التراث العالمي، بوصفها واحدة من أقدم المدن الإسلامية التي حافظت على نسيج عمراني متصل عبر العصور. كما جذبت الرحّالة والمستشرقين منذ القرن التاسع عشر، وظهرت في أعمال التصوير الفوتوغرافي والفن التشكيلي.

ويشير المؤرّخ الفرنسي أندريه ريمون، في أبحاثه عن القاهرة العثمانية، إلى أن التركيبة العمرانية للمدينة تشكّلت عبر تراكمات اجتماعية واقتصادية امتدّت قروناً. وتتداخل فيها البيوت والأسواق وأضرحة الأولياء والمدارس الدينية ضمن نسيج واحد. لذلك تكتسب كل حارة وضريح وسبيل قيمتها من علاقتها بما يحيط بها من مساكن وأسواق ومسارات حركة. ويؤدّي شق طريق سريع أو إقامة برج زجاجي وسط هذا النسيج إلى تفكيك هذه العلاقات وتغيير طابع المدينة التاريخي.

الجذور الاقتصادية والاجتماعية للتحوّل العمراني ومحو الهوية

لفهم أبعاد «الخلجنة» والتحوّل نحو نمط «إيجيبت»، يجب العودة إلى الجذور الاقتصادية التي دفعت هذا المسار منذ عام 2016. تزامن ذلك مع تطبيق برامج الإصلاح الاقتصادي المدعومة من صندوق النقد الدولي ودول الخليج. واتجهت الاستثمارات بدرجة كبيرة نحو الخدمات والعقارات، ولا سيما المولات التجارية والمدن الجديدة، إلى جانب مشاريع تطوير المناطق التاريخية التي افتقرت إلى الاعتبارات الفنية والتاريخية والتنموية.

يعكس هذا المسار نمطاً من اقتصاد الريع العقاري، يقوم على تحويل العقار والخدمات الترفيهية الفاخرة إلى محركات للنمو، ويعطي الأولوية لتحقيق أرباح سريعة. وفي هذا السياق، تعرّضت أصول تاريخية للإزالة بعدما أصبحت عائقاً أمام الاستخدامات الجديدة للأرض. وأصبحت جرافات الهدم إحدى أدوات تنفيذ هذا التحوّل.

تواجه القاهرة اليوم تحوّلاً جذرياً يهدّد هويتها التاريخية. يرتبط هذا التحوّل بنموذج تنموي نيوليبرالي يخدم طبقة جديدة يطلق عليها المصريون اسم «أهل إيجيبت»، ويستعير ملامح من النموذج الخليجي القائم على أنماط استهلاك كثيفة

وفق تقارير حقوقية وبيانات صادرة عن محافظة القاهرة، صدرت خلال عام 2021 قرارات بإزالة نحو 2,760 مدفناً قرب ميدان السيدة عائشة. كما شهدت جبانة القاهرة التاريخية، المدرجة على قائمة اليونيسكو للتراث العالمي، إزالة آلاف القبور بين عامي 2021 و2024. وطالت عمليات الهدم مدافن شخصيات تركت أثراً في الوجدان المصري والعربي، بينها أحمد شوقي، ومحمود سامي البارودي، والإمام ورش (عثمان بن سعيد القبطي المصري). وفي صحراء المماليك، أو القرافة الشرقية، تضرّر شارع قنصوه التاريخي. كما هُدمت أجزاء من مدافن الأميرة نازلي سليم، ورجل الصناعة أحمد عبود باشا، ورئيس الوزراء حسن باشا صبري، والمفكّر أحمد لطفي السيد.

تقول السلطات إن هذه العمليات تهدف إلى إنشاء محاور مرورية جديدة، منها محاور الحضارات والفردوس وياسر رزق وصلاح سالم، وتسهيل الوصول إلى العاصمة الإدارية الجديدة. ويترافق ذلك مع تحويل أجزاء من المناطق التاريخية إلى مساحات استهلاكية وترفيهية تضمّ مطاعم ومقاهي تحاكي النمط الخليجي. وتعيد هذه المشاريع ترتيب أولويات المدينة، فتعطي مساحة أكبر للطرق السريعة والمراكز التجارية على حساب أجزاء من التراث العمراني والإنساني.

ويكتسب هذا التحوّل بعداً قانونياً ومؤسسياً. تدخل القرافة ضمن القاهرة التاريخية المسجّلة على قائمة التراث العالمي منذ عام 1979. كما تخضع للحماية بموجب قانون البناء المصري رقم 119 لعام 2008، وقانون تنظيم هدم المباني والمنشآت غير الآيلة للسقوط والحفاظ على التراث المعماري رقم 144 لعام 2006. لذلك أثارت عمليات الإزالة جدلاً داخل المؤسّسات المصرية نفسها.

وكشفت أستاذة العمارة والتخطيط العمراني في جامعة القاهرة سهير حواس، في حوار مع صحيفة «الشرق الأوسط» في 24 آب/أغسطس 2023، أن 17 مقبرة على الأقل مسجّلة رسمياً ضمن قوائم الحماية الصادرة عن الجهاز القومي للتنسيق الحضاري. وتساءلت عن المنفعة العامة التي يمكن أن تبرر خسارة تراث وطني لا يعوض. وفي أيلول/سبتمبر 2023، ناقشت لجنة التراث العالمي التابعة لليونيسكو، خلال اجتماعها في الرياض، احتمال نقل القاهرة التاريخية إلى قائمة التراث العالمي المهدّد بالخطر. وفي تشرين الأول/أكتوبر 2024، أصدرت نقابة المهندسين المصريين بياناً أعربت فيه عن أسفها لما تتعرّض له معالم القاهرة التاريخية من هدم، ومنها قبة «نام شاز قادين» في قرافة الإمام الشافعي، ودعت الجهات الرسمية إلى وقف أعمال الهدم والإنصات إلى أهل الخبرة.

وبرّر مسؤولون في محافظة القاهرة بعض قرارات الإزالة بأسباب فنية وأمنية. وأشاروا إلى ارتفاع منسوب المياه الجوفية وتهديده أساسات عدد من المقابر القديمة. كما قالوا إن أجزاء من جبانة القرافة تحوّلت إلى مناطق معزولة يصعب ضبطها أمنياً وتشهد ممارسات غير قانونية.

وفي الوقت نفسه، قرّرت محافظة القاهرة وقف الدفن في مقبرتي الإمام الشافعي والسيدة نفيسة، ونقل رفات المتوفين إلى مقابر «الخالدين» في منطقة عين الصيرة، في محاولة لاحتواء الغضب المجتمعي الذي أثارته عمليات الهدم. ويكشف التراجع الجزئي عن تضارب في طريقة تعامل أجهزة الدولة مع هذا الإرث. تتخذ جهة قرارات بالهدم، فيما تتراجع جهات أخرى عن بعض الإجراءات تحت ضغط الاعتراضات الشعبية أو الدولية. ويشير ذلك إلى غياب رؤية موحّدة توازن بين التوسّع العمراني وحماية التراث.

ويتزامن هذا التحوّل العمراني مع تغيرات اجتماعية شهدها المجتمع المصري خلال العقد الأخير. فقد برزت طبقة اجتماعية جديدة راكمت ثرواتها من المضاربة في العملة والبورصة، وأعمال السمسرة، وريع العقارات، إلى جانب أنشطة تجارية غير مشروعة قانونياً. ومكّنها ذلك من تبني أنماط استهلاك ومعيشة جديدة. ويسكن جزء منها في الغيتوهات المنتشرة في الصحراء، بعيداً عن قلب المدينة ومشكلاته.

وتشكّل هذه الشريحة أحد المستهلكين المستهدفين بنمط «إيجيبت». فهي تعتمد على محاور مرورية سريعة تربط تجمعات مثل التجمع الخامس والشيخ زايد ومدينتي والرحاب بقلب القاهرة ومناطق الأعمال والاستهلاك. ويدفع هذا النموذج باتجاه مدينة تعطي أولوية متزايدة لحركة السيارات والطرق والمراكز التجارية.

ويظهر استلهام النموذج الخليجي أيضاً في تصريحات سابقة لرجل الأعمال الإماراتي محمد العبار حول تحويل وسط البلد إلى نموذج قريب من «دبي داون تاون». ويقوم هذا التصوّر على إدخال كتل عمرانية وناطحات سحاب زجاجية إلى مناطق تحمل بصمات عصور وتفاعلات اجتماعية متعددة.

ويحمل التحوّل العمراني بعداً سياسياً أيضاً. فقد انتقل جزء من الثقل الإداري والمالي من وسط القاهرة إلى العاصمة الإدارية الجديدة. وكان وسط المدينة أحد أبرز فضاءات التجمع الاجتماعي والسياسي خلال ثورة كانون الثاني/يناير 2011. ويكتسب هذا الانتقال دلالة إضافية مع تصريحات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في 4 تموز/يوليو 2026، خلال افتتاح مبنى الأوكتاغون في العاصمة الجديدة، حين ربط نقل المؤسسات الاستراتيجية، ومنها وزارة الدفاع، بتجنّب تكرار ما حدث في كانون الثاني/يناير 2011.

بهذا المعنى، يرتبط التغير العمراني بإعادة تنظيم المجال العام أيضاً. وتتحوّل اعتبارات الأمن، وحركة السيارات، وتدفق رأس المال إلى عناصر أساسية في تخطيط المدينة، فيما تتراجع مكانة السكان والذاكرة العمرانية في ترتيب الأولويات.

تجارب عربية بين الهدم والإحياء والتناقض

حتى لا يُفهم من هذا النقد أن ثمة رفضاً مطلقاً لأي استثمار خليجي في التراث العمراني، تزخر المنطقة العربية نفسها بنماذج قدّمت مساراً مغايراً لما يجري في القاهرة. وأبرزها تجربة جدة التاريخية في السعودية. تضم منطقة البلد التاريخية أكثر من 600 مبنى تراثي، وأُدرجت رسمياً في قائمة اليونيسكو للتراث العالمي عام 2014. واعتمد برنامج جدة التاريخية، التابع لوزارة الثقافة بالشراكة مع شركة تطوير البلد، إحدى شركات صندوق الاستثمارات العامة، نهج الترميم وإعادة التأهيل. وقد أُعيد ترميم نحو 120 مبنى تاريخياً حتى الآن وفق أفضل ممارسات الحفاظ على التراث العمراني. كما تحوّلت المنطقة إلى منصّة حيّة للفعاليات الثقافية والفنية، مثل موسم رمضان ومهرجان البحر الأحمر السينمائي. ويثبت هذا النموذج أن الاستثمار في الهوية يمكن أن يكون رافداً اقتصادياً.

يتزامن هذا التحوّل العمراني مع تغيرات اجتماعية شهدها المجتمع المصري خلال العقد الأخير. فقد برزت طبقة اجتماعية جديدة راكمت ثرواتها من المضاربة في العملة والبورصة، وأعمال السمسرة، وريع العقارات

وتبرز في المنطقة نماذج عربية أخرى، منها مشروع تجديد سوق واقف في الدوحة، الذي حافظ على النسيج التجاري والاجتماعي التقليدي للمدينة. يعود تاريخ السوق إلى أكثر من 100 سنة، وكان مركزاً تجارياً رئيسياً في الدوحة لبيع الصيد والصوف والأغنام والتوابل والأقمشة الآتية من الهند وإيران وأفريقيا. وبعد حريق كبير عام 2003 دمّر جزءاً منه، فقرّرت الحكومة القطرية ترميمه بالكامل وفق طرازه التقليدي القديم.

ويبرز أيضاً حي الفهيدي في الإمارات العربية المتّحدة. يعود تاريخ الحي إلى أواخر القرن التاسع عشر، وتحديداً إلى نحو عام 1890، حين كانت دبي تشهد ازدهاراً تجارياً بفضل مينائها على خور دبي. وجذب ذلك تجاراً من مناطق مختلفة، أبرزهم تجار فرس قدموا من إقليم «بستك» في جنوب إيران، وهو ما يفسّر تسمية الحي في البداية بـ«البستكية». وفي تسعينيات القرن الماضي، ومع موجة التحديث العمراني السريع التي شهدتها دبي، أصبح الحي مرشّحاً للهدم وإقامة مبانٍ حديثة مكانه. لكن جهات ثقافية ومهتمين بالتراث مارسوا ضغطاً على الحكومة، فقررت بلدية دبي في أواخر التسعينيات إعلانه منطقة تراثية محمية. ومنذ ذلك الحين، انطلقت مشاريع ترميم منظمة حافظت على الطابع الأصلي للمباني. وتحوّل الحيّ إلى مركز ثقافي يضم متحف دبي داخل حصن الفهيدي، ومركز الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم للتواصل الثقافي، ومعارض فنية ومقاهي تراثية، إلى جانب فعاليات ثقافية تُقام فيه سنوياً.

وسبقت هذه التجارب العربية بعقود تجارب أوروبية أرست المبدأ نفسه من زوايا مختلفة. فقد نشر الباحث الإيطالي فيليبو دي بييري، من جامعة بولونيا التقنية، ورقة بحثية في أيلول/سبتمبر 2004 عن خطة تطوير مدينة بولونيا الإيطالية. وكانت البلدية قد وضعت منذ سبعينيات القرن الماضي خطة رائدة لترميم مركزها التاريخي. وقامت الخطة على الإبقاء على السكان الأصليين وأصحاب الحرف داخل المباني المرممة، ومنع نزوحهم من المدينة، للحفاظ على الحي التاريخي بوصفه نسيجاً اجتماعياً حياً، وليس واجهة معمارية مخصصة للزائرين.

وعلى نحو موازٍ، اختارت مدينة إدنبرة الاسكتلندية الفصل جغرافياً بين مدينتها القديمة ومدينتها الجديدة منذ القرن الثامن عشر. واستوعبت المدينة الجديدة المجاورة متطلبات التوسع والبنية التحتية الحديثة، فيما حافظت المدينة القديمة على نسيجها العمراني ووظيفتها الأصلية، من دون أن تخترقها طرق سريعة أو جسور ضخمة. وأصبح الموقعان معاً مسجلين ضمن قائمة اليونيسكو للتراث العالمي.

وتكشف هذه التجارب الخليجية والأوروبية مجتمعة تناقضاً لافتاً. يُستدعى النموذج الخليجي في القاهرة لتبرير محو الطابع التاريخي عبر الهدم والاستبدال بكتل خرسانية حديثة، فيما اختارت مدن خليجية نفسها، عندما استثمرت في تراثها التاريخي، مسار الترميم والإحياء، وجعلت من الأصالة نفسها سلعة سياحية وثقافية مرتفعة القيمة. فكيف يمكن تفسير هذا التناقض مع ما سبق ذكره عن محاولات «خلجنة» القاهرة؟

تكمن الإجابة في أن «الخلجنة» قرار سياسي مرتبط بأزمة اقتصادية تشمل التضخّم والديون الداخلية والقروض الخارجية، ووصلت إلى مستويات يصعب حلّها على المدى القريب. وقد دفعت هذه الأزمة الطبقة الحاكمة في مصر إلى رسملة القاهرة عمرانياً. وما يُطبق في القاهرة اليوم لا يعكس بالضرورة تجربة خليجية أصيلة في التعامل مع التراث، وإنما يعكس قراراً سياسياً مصرياً يوظّف رأس المال الخليجي ضمن منطق ريعي عقاري يدر أرباحاً سريعة وضخمة. وينعكس ذلك في تصريحات رجل الأعمال الإماراتي محمد العبار عن الاستثمار في منطقة وسط البلد وتحويلها إلى نموذج يحاكي دبي، في وقت تقدم فيه المنطقة نفسها نماذج بديلة أثبتت جدواها الاقتصادية والثقافية معاً.

بين الضرورة الاقتصادية والحفاظ على الأصالة

يواجه القاهرة اليوم تحدٍ يتعلق بكيفية تحقيق تنمية مستدامة تحترم تاريخ المدينة وهويتها وتستثمر في أصالتها. وتحتاج أي رؤية مستقبلية لتنمية سياحية حقيقية إلى تجاوز منطق اقتصاد المولات، واعتماد مقاربة تحافظ على التراث، وتشرك المجتمع، وتعزّز القيمة الثقافية للمدينة.

ويشكّل الحفاظ على النسيج العمراني التاريخي للقاهرة، بما يشمل مقابرها وجباناتها وأحياءها القديمة، ركيزة أساسية لأي خطّة تنموية. ويمكن اعتماد استراتيجيات لإعادة تأهيل المباني التاريخية واستخدامها، وتحويل بعضها إلى متاحف صغيرة أو مراكز ثقافية مع الحفاظ على طابعها المعماري الأصيل. ويسهم هذا المسار أيضاً في خلق فرص عمل للسكّان المحليين وتعزيز الاقتصاد المحلي.

يرتبط التغير العمراني بإعادة تنظيم المجال العام أيضاً. وتتحوّل اعتبارات الأمن، وحركة السيارات، وتدفق رأس المال إلى عناصر أساسية في تخطيط المدينة، فيما تتراجع مكانة السكان والذاكرة العمرانية في ترتيب الأولويات

يمكن، على سبيل المثال، إعادة إحياء منطقة القرافة التاريخية وتحويلها إلى متحف مفتوح يروي حكايات التاريخ والتراث. ويمكن تطوير مسارات وبرامج سياحية ثقافية تحكي تاريخ الشخصيات المدفونة فيها، على غرار تجربة الصوت والضوء في مناطق الأهرامات والمعابد المصرية القديمة، إلى جانب توفير خدمات سياحية تتناسب مع أصالة المكان وتاريخه.

وتكتسب هذه المقاربة مشروعيتها الاقتصادية أيضاً. فوفق تقرير لليونيسكو نُشر ضمن سلسلة Cutting Edge بعنوان Bringing Cultural Tourism Back in the Game في 20 نيسان/أبريل 2023، تمثل السياحة الثقافية نحو 40% من إجمالي السياحة العالمية، وتعد من أسرع قطاعات صناعة السياحة نمواً.

ويمكن تطبيق المنطق نفسه على شارع المعز لدين الله الفاطمي وامتداداته، بحيث تصبح القرافة التاريخية ومحيطها جزءاً من مسار سياحي متكامل يربط بين قلعة صلاح الدين وشارع المعز والقرافة الشرقية. وتقدم تجربة بولونيا الإيطالية نموذجاً على إمكانية تحويل الحي التاريخي إلى متحف مفتوح، مع إبقاء السكان والتجارة والحرف التقليدية جزءاً من نسيجه الحي.

ويطرح ذلك سؤالاً أساسياً عن تنمية السياحة في القاهرة: كيف يمكن تطوير المدينة، ومن يدير هذا التطوير؟

لقد تغيرت آليات جذب السياح عالمياً. وتوسّعت السياحة الترفيهية إلى جانب السياحة الثقافية والمتحفية وزيارة الأماكن الأثرية. وأصبح السائح يبحث أيضاً عن المطاعم والمقاهي والبارات والخدمات الترفيهية بعد زيارة المواقع الأثرية. لذلك يحتاج قطاع السياحة في مصر إلى مواكبة هذه التحولات، مع الحفاظ على الهوية التاريخية والبصرية للقاهرة.

وتصلح مناطق مثل وسط البلد وشارع المعز والحسين والغورية والدرب الأحمر والحلمية والسيدة عائشة للتطوير الخدمي، عبر إنشاء بازارات ومطاعم ومقاهٍ وبارات تلبي احتياجات الزوار. ويجب أن يحافظ هذا التطوير على الأثر وطابعه الثقافي والمعماري، وأن يبرز رمزيته التاريخية بدل تحويل المباني التراثية إلى قاعات للأفراح والمناسبات العامة.

تبرير الحكومة للهدم وإخفاء الوجه القبيح

كان لا بد من عرض الحجج والمبررات التي يسوقها المدافعون عن سياسة الهدم. وهي حجج تحمل في ظاهرها قدراً من الوجاهة، لكنها تخفي جوانب أخرى من القضية.

يرى المسؤولون في محافظة القاهرة، كما ذُكر سابقاً، أن جزءاً كبيراً من المقابر المُزالة تضرّر بفعل ارتفاع منسوب المياه الجوفية، ما بات يهدّد أساساتها بالانهيار. كما يعتبرون أن بقاءها على هذه الحال يشكّل خطراً على سلامة الزائرين. ويشيرون أيضاً إلى أن مناطق واسعة من جبانة القرافة تحوّلت، بفعل غياب الرقابة الأمنية لعقود، إلى ملاذ لممارسات «غير قانونية وغير أخلاقية» يصعب ضبطها. ويستدعي ذلك، في نظرهم، تدخلاً عاجلاً لإعادة تنظيم المنطقة.

ويضيف أنصار هذا الطرح بعداً اقتصادياً. فمنذ عام 2016، تمرّ مصر بأزمة هيكلية في العملة الصعبة، دفعتها إلى فتح الباب أمام استثمارات خليجية ضخمة لتمويل مشروعات البنية التحتية والإسكان. ويرى هؤلاء أن تأخير هذه المشروعات أو وقفها بحجة الحفاظ على التراث قد يبطئ وتيرة النمو المطلوبة، في بلد يواجه ضغطاً سكانياً وديموغرافياً متزايداً.

أما من الناحية السياحية، فيرى مؤيدو هذا التوجه أن تحديث صورة القاهرة وتزويدها بمرافق مطابقة للمعايير العالمية يشكل شرطاً أساسياً لجذب السياح، خصوصاً مع المنافسة بين وجهات مثل دبي والدوحة.

لكن هذه الحجج تضع الهدم والتطوير والحفاظ على التراث في مواجهة بعضها بعضاً. في حين تظهر تجارب أخرى إمكانية معالجة تلف المباني وتحديث المرافق وجذب السياح عبر الترميم المدروس. فقد أثبتت تجربة جدة التاريخية ذلك، كما قدّمت مدينة بوردو الفرنسية نموذجاً آخر من خلال اعتماد حوافز ضريبية وشراكات بين القطاعين العام والخاص لتشجيع ملاك المباني التاريخية على ترميمها بأنفسهم.

ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى المياه الجوفية والممارسات غير القانونية باعتبارهما أيضاً نتيجة لسوء إدارة تاريخية للمنطقة. فقد تراكم ضعف الصيانة والاهتمام طوال عقود. ولا يبرّر ذلك اختيار الهدم والبيع لصالح مشروعات عقارية جديدة بوصفه الحل الأسهل والأكثر ربحية.

بين متطلبات السوق السياحي والحفاظ على الجوهر التاريخي

يكمن التحدي في إيجاد توازن بين متطلبات السوق السياحي الحديث والحفاظ على الجوهر التاريخي والمعماري للمدينة. وتقوم التنمية الحقيقية على الاستثمار في أصالة المكان وحماية قيمته. تكمن قيمة القاهرة في طبقاتها التاريخية وتنوّعها الثقافي، وليس في قدرتها على محاكاة نموذج استهلاكي غريب عن هويتها.

ويتطلّب ذلك الاستعانة بخبراء في التخطيط والتطوير العمراني والسياحي، يمتلكون رؤية تحافظ على التراث وتُدخل عناصر خدمية حديثة تتكامل معه. وتحتاج القاهرة إلى تطوير يعزّز هويتها كمتحف مفتوح للعالم، ويحميها من التحوّل إلى مركز تجاري ضخم يخدم شرائح محدّدة من الطبقة البورجوازية.

ما يُطبق في القاهرة اليوم لا يعكس بالضرورة تجربة خليجية أصيلة في التعامل مع التراث، وإنما يعكس قراراً سياسياً مصرياً يوظّف رأس المال الخليجي ضمن منطق ريعي عقاري يدر أرباحاً سريعة وضخمة

وتتطلّب هذه الرؤية سياسات عامة تتجاوز الحلول الاقتصادية الترقيعية، وتعتمد استراتيجية شاملة للاستدامة الثقافية والعمرانية. كما تستدعي إشراك المجتمع المدني والخبراء، ووضع قيمة التراث في صميم أي خطة تنموية مستقبلية. ويمكن ترجمة هذه الرؤية عملياً إلى مجموعة من السياسات المستفيدة من التجارب الإقليمية والدولية السابقة. 

أولاً، تشكيل هيئة مستقلة لإعادة تأهيل القرافة التاريخية على غرار برنامج جدة التاريخية، والاستفادة من تجربة بولونيا الإيطالية في إشراك السكان وأصحاب الحرف في القرار. وتضم الهيئة أثريين ومهندسي ترميم وممثلين عن الأسر المالكة للمقابر، وتكون قراراتها ملزمة، بدلاً من تشكيل لجان تُحل من دون معرفة ما خلصت إليه.

ثانياً، معالجة مشكلة المياه الجوفية من خلال مشروعات للصرف والعزل الهندسي. فمعالجة المشكلة الفنية أقل كلفة من فقدان أصل تاريخي لا يعوض.

ثالثاً، ربط القرافة ومحيطها بمسار سياحي ثقافي متكامل مع شارع المعز والحسين والغورية. وتتولى إدارته هيئة تنمية سياحية متخصصة توازن بين الخدمات الترفيهية الحديثة والحفاظ على الطابع الأثري للمباني، وتتجنب تحويلها إلى قاعات ودور للمناسبات. ويمكن الاستفادة هنا من تجربة إدنبرة، التي وجّهت التوسع الحضري الحديث نحو منطقة جديدة متاخمة، وحافظت على النسيج العمراني للمدينة القديمة من دون اختراقه بمحاور مرورية جديدة.

رابعاً، سنّ تشريع يُلزم بإجراء مراجعة أثرية مستقلة قبل إصدار أي قرار بالهدم داخل نطاق القاهرة التاريخية المسجلة لدى اليونيسكو، بما يحول دون تعرضها لخطر التصنيف ضمن التراث العالمي المهدد بالخطر.

خامساً، إشراك المجتمع المدني وأصحاب الحرف التقليدية في عوائد أي تطوير سياحي، بما يجعل سكان الأحياء التاريخية شركاء في التنمية ومستفيدين من عوائدها.

يبقى نجاح هذه السياسات مرهوناً بتوافر إرادة سياسية تتعامل مع التراث بوصفه ثروة وطنية استراتيجية، وليس عبئاً يعطل مشروعات المرور والتوسع العمراني. ويختصر مستقبل القاهرة التاريخية الصراع بين رؤيتين للتنمية: رؤية تراهن على استنساخ نموذج نيوليبرالي استهلاكي عابر، ورؤية تعتبر أصالة المكان نفسها أحد أثمن الاستثمارات التي تملكها القاهرة في القرن الحادي والعشرين.

    إيهاب نبيل

    باحث دكتوراه، حاصل على ماجستير في التاريخ.