الدولة تنتج العشوائيات في العالم العربي
مدن خارج المدينة
لم تعد العشوائيات في العالم العربي مجرد أحزمة إسمنتية فقيرة تنمو عند أطراف المدن، أو بقايا مؤقتة لهجرة ريفية لم يكتمل استيعابها، أو علامات على تأخّر عمراني يُفترض أن يزول مع تقدّم التنمية. إنها إحدى أكثر الصيغ دلالة على الكيفية التي بُنيت بها المدينة العربية الحديثة، وطبيعة الدولة التي حكمتها، والحدود الاجتماعية التي رسمتها سياسات الأرض والسكن والتخطيط بين من يملكون الحق في المدينة ومن لا يملكون سوى البقاء على هامشها. فالعشوائيات، في جانب كبير منها، نتاج سياسات صنعت ندرة الأرض، ورفعت كلفة السكن القانوني، وركّزت الاستثمارات في فضاءات محدّدة، وتركت ملايين السكان يبحثون بصورة فردية عن حلول لأزمة جماعية لم يكونوا مسؤولين عن صنعها.
تبدو المفارقة أكثر وضوحاً حين نلاحظ أن العالم العربي أصبح حضرياً قبل أن ينتج تفكيراً سياسياً جدياً في المدينة. ففي عام 1950، لم تكن في المنطقة سوى مدينتين يتجاوز عدد سكان كل منهما مليون نسمة، بينما كان متوقعاً أن يصل عددها إلى 31 مدينة بحلول عام 2025، وأن يعيش أكثر من ثلثي سكان المنطقة في المدن بحلول منتصف القرن الحالي. ومع ذلك، ظل العمران في معظم السياسات العمومية مسألة تقنية تخصّ الطرقات والبناء والشبكات، فيما جرى تهميش أبعاده السياسية المتصلة بتوزيع الثروة والسلطة والاعتراف. توسّعت المدن أسرع من قدرة مؤسّساتها على دمج سكانها، وأسرع من استعداد النخب الحاكمة للاعتراف بهم مواطنين لهم حقوق مكانية، عوض التعامل معهم كأعداد ينبغي إسكانها أو مراقبتها أو نقلها.
ظل العمران في معظم السياسات العمومية مسألة تقنية تخصّ الطرقات والبناء والشبكات، فيما جرى تهميش أبعاده السياسية المتصلة بتوزيع الثروة والسلطة والاعتراف
من هنا، ينبغي قلب السؤال التقليدي: عوض السؤال عن أسباب عجز الدولة عن منع العشوائيات، يمكن البحث في الكيفية التي تحوّلت بها إلى وسيلة غير معلنة لإدارة التحضّر من دون تحمل كلفته الاجتماعية والسياسية. كيف أمكن للدولة أن تخطّط للمراكز التجارية والمناطق السياحية والمدن الجديدة والواجهات البحرية والأحياء المغلقة، فيما قدّمت التوسع الشعبي باعتباره فوضى خارجة عن إرادتها؟ وكيف أصبحت اللاقانونية وصفاً يُلصق بمساكن الفقراء، فيما قامت مشاريع كبرى على الاستثناءات وتغيير صبغة الأراضي وتطويع مخطّطات التهيئة لمصلحة المستثمرين؟ تكشف هذه المفارقة توزيعاً سياسياً متفاوتاً للحق في مخالفة القانون: تُشرعن استثناءات الأقوياء باسم الاستثمار، وتُجرّم استثناءات الفقراء باسم النظام العمراني.
يساعد مفهوم «إنتاج الفضاء» عند هنري لوفيفر على فهم المدينة بوصفها نتاجاً لعلاقات القوة التي تحدد مواقع السكن والعمل والحركة والظهور. ويبيّن ديفيد هارفي كيف تعمل المدينة أيضاً كآلية لاستيعاب فائض رأس المال وإعادة توزيع الموارد لمصلحة فئات بعينها. من هذا المنظور، يشكل الحي العشوائي الوجه الآخر للاقتصاد الرسمي، إذ يوفر سكناً منخفض الكلفة للعمّال الذين تحتاج إليهم المدينة، فيما تتحمّل الأسر جزءاً كبيراً من كلفة إعادة إنتاج حياتها. وتظهر هنا إحدى الوظائف البنيوية للعشوائيات في المدينة الرأسمالية.
ولا يفترض إسناد إنتاج العشوائيات إلى الدولة وجود مخطّط مركزي لبنائها. فهي تُنتج عبر السياسات والامتناع عن السياسات معاً: غياب السكن الاجتماعي، وتعقيد إجراءات الترخيص، واحتكار العقار، وضعف السلطات البلدية، والتفاوت في توزيع البنية الأساسية، والتسامح الانتقائي مع المخالفات. وقد بينت أنانيا روي أن «اللانظامية» أسلوب من أساليب الحكم، لأن الدولة تحدّد أي مخالفة يمكن تسويتها، وأي حي يمكن الاعتراف به، وأي سكان يمكن ترحيلهم، لتصبح العشوائية تعبيراً عن حضور متقطع وانتقائي للدولة. ويظهر تقرير الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية عن السكن غير الرسمي في المنطقة العربية ارتباط هذه المستوطنات بأزمة مستمرة في توفير السكن الملائم والميسور، وضعف البنية الأساسية، وغموض الحدود القانونية للأحياء، وتفاوت الوصول إلى الخدمات. كما تشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن قرابة مليار إنسان يعيشون عالمياً في الأحياء الفقيرة أو المستوطنات غير الرسمية، وقد يصل العدد إلى 3 مليارات بحلول عام 2050 إذا استمرت السياسات القائمة. وتضع هذه الأرقام التجربة العربية ضمن مسار أوسع تحوّل فيه السكن إلى سلعة، والأرض إلى أصل مالي، والمدينة إلى مجال للاستثمار على حساب وظيفتها كفضاء للعيش المشترك.
وتكشف المدينة أيضاً مفارقة سياسية أعمق. فالفضاء الذي لم يحظَ بتفكير سياسي جدي من الدولة العربية أصبح من أبرز مجالات منازعتها. خرجت الانتفاضات من الشوارع والساحات والأحياء الشعبية وهوامش العواصم والمدن الداخلية: من سيدي بوزيد إلى شارع الحبيب بورقيبة، ومن أحياء القاهرة الشعبية إلى ميدان التحرير، ومن درعا وضواحي دمشق إلى ساحات بغداد وبيروت ومدن السودان. وقد جعل التقارب المكاني بين البطالة والثراء، والأحياء المحرومة والواجهات الاستهلاكية، والخطاب الرسمي عن التحديث والخبرة اليومية بالإقصاء، التفاوت مرئياً وقابلاً للتحول إلى غضب جماعي.
هنا تكمن إشكالية هذا المقال: كيف أسهمت سياسات الدولة، التي همّشت المدينة كفضاء للمواطنة، في تحويلها إلى أحد أهم فضاءات المنازعة السياسية؟ وكيف أنتجت، باسم التنظيم والتحديث، هوامش حضرية تحوّلت لاحقاً إلى مختبرات للاحتجاج وشبكات للتضامن وفضاءات لاكتساب ما يسميه آصف بيات «فن الحضور»؟ فالذين حُرموا من المدينة المخطّطة أعادوا بناء أجزاء منها بأنفسهم: أقاموا المساكن، ومدّوا الخدمات، وخلقوا الأسواق، وصنعوا شبكات المعونة والحماية، ثم طالبوا بحقوقهم من داخل واقع مادي ساهموا في إنجازه.
ومن هنا تأتي عبارة «مدن خارج المدينة لتصف سكاناً موجودين داخل الاقتصاد الحضري وخارج عقده السياسي: تحتاج المدينة إلى عملهم وتستفيد من مساكنهم منخفضة الكلفة، فيما تنتقص من حقوقهم وتتعامل مع وجودهم أحياناً بوصفه تشوهاً عمرانياً أو مشكلة أمنية. إنهم قوة عمل ومستهلكون ومحكومون داخل المدينة، ومواطنون ناقصو الحقوق في علاقتهم بها. بهذا المعنى، تكشف العشوائيات جانباً أساسياً من حقيقة المدينة العربية: تحديث من دون مساواة، وتحضّر من دون مواطنة، واستثمار من دون عدالة مكانية. وما يبدو من أعلى فوضى من الإسمنت والطرقات الضيّقة، يظهر من أسفل كنظام اجتماعي نشأ لتعويض قصور السياسات العامة. لذلك ينقل المقال السؤال من كيفية إدخال العشوائيات إلى المدينة إلى مساءلة المدينة نفسها: أي مدينة بُنيت، ولمن، وبأي ثمن، ومن تقرر أن يبقى خارج أسوارها غير المرئية؟
اختراع المدينة العربية
يصعب الحديث عن «المدينة العربية» بصيغة المفرد إلا بوصفها أداة تحليلية مؤقتة. فالمدن التي تُدرج تحت هذا الاسم تنتمي إلى تواريخ إمبراطورية واستعمارية واقتصادية شديدة الاختلاف؛ فالقاهرة ليست بيروت، والجزائر ليست عمّان، والرباط ليست الرياض، وتونس ليست دبي. بعضها تشكل داخل مراكز إمبراطورية قديمة، وبعضها أعيد بناؤه تحت الاستعمار، وبعضها نما حول جهاز الدولة الوطنية، فيما انفجر بعضها ديمغرافياً بفعل الريع النفطي أو تحوّل إلى منصة مالية وعقارية عابرة للحدود. لذلك يشير مفهوم «المدينة العربية» هنا إلى اشتراك نسبي في مسائل تاريخية وسياسية، من بينها ثقل السلطة المركزية، وهشاشة الاستقلال البلدي، وامتداد آثار التخطيط الاستعماري، والتفاوت الحاد في توزيع الأرض والخدمات، والتحضر السريع الذي ارتبط في كثير من الحالات بإعادة تشكيل الدولة والمجتمع والاقتصاد أكثر من ارتباطه بتصنيع عميق.
هنا يكمن أحد الفوارق الأساسية بين المسار الحضري العربي والمسار الأوروبي الكلاسيكي. ففي أوروبا، وعلى الرغم من تنوّع التجارب، ارتبطت المدينة الحديثة تاريخياً بالتصنيع، وتمركز العمل المأجور، ونشوء الطبقات العمالية، وإعادة تنظيم الإنتاج والنقل والسكن حول المصنع والسوق الوطنية. أما في جانب واسع من العالم العربي، فقد سبق التحضرُ التصنيعَ أو تطور باستقلال نسبي عنه. توسّعت القاهرة والدار البيضاء والجزائر وبيروت بفعل تمركز الإدارة والخدمات والتعليم والتجارة والنقل، وتفكك البنى الريفية، وسياسات نزع الملكية، والهجرة الداخلية، والحروب، وأزمات الزراعة، وتضخم أجهزة الدولة. فنشأ تحضر لم تقابله قاعدة إنتاجية قادرة على استيعاب موجات السكان، فأنتج مدناً كبيرة وكثيفة، من دون أن توفر لجميع سكانها عملاً مستقراً أو موقعاً متساوياً في المجال الحضري.
إن «اختراع المدينة العربية» عملية تاريخية متراكبة: صنفها الاستعمار وقسمها، وجعلتها الدولة الوطنية واجهة للسيادة، ثم أعادت النيوليبرالية تشكيلها بوصفها أصلاً مالياً ومنصة للاستثمار
سبقت المدن العربية الحديثة الحقبة الاستعمارية بقرون. وقد بيّنت أعمال أندريه ريمون، وإيرا لابيدوس، وأبراهام ماركوس، وجانيت أبو لغد أن المدن العثمانية والمغاربية والمشرقية امتلكت أنماطاً معقدة من التنظيم والحكم والاقتصاد، وأن الأسواق والأوقاف والطوائف المهنية والأحياء والمؤسسات الدينية والروابط الأهلية أنتجت نظماً حضرية خاصة بها. ومن هنا جاء نقد أبو لغد لفكرة «المدينة الإسلامية»، التي تحوّلت في بعض الأدبيات الاستشراقية إلى نموذج جامد يختزل مدناً متعددة في خصائص مورفولوجية ثابتة، مثل الأزقة الضيقة والسوق والمسجد والحارة. أدى هذا الاختزال إلى تحويل التاريخ إلى جوهر ثقافي وتهميش علاقات القوة والتحولات الاقتصادية والتفاوتات الداخلية. فالمدينة تُفهم من خلال تنظيم الأرض والسلطة والتجارة والجباية والحركة، لا من خلال عقيدة سكانها وحدها.
أحدثت اللحظة الاستعمارية قطيعة نوعية بإعادة تعريف المدينة بوصفها موضوعاً للمعرفة والتصنيف والتدخل. أعاد الاستعمار ترتيب المجال وفق ثنائيات حادة: صحي ومَرضي، منظم وفوضوي، أوروبي وأهلي، حديث وتقليدي. وأظهرت زينب تشيليك في دراستها للجزائر، وغويندولين رايت في أعمالها عن العمران الاستعماري الفرنسي، وبول رابينوف في تحليله للحداثة الاستعمارية، أن التخطيط أدى وظيفة حكم إلى جانب وظيفته العمرانية. فالطرق الواسعة أتاحت الرؤية والمراقبة والتدخل العسكري، فيما أعادت التقسيمات العمرانية تصنيف السكان ضمن تراتبية سياسية وعرقية. وفي القاهرة، يبين تيموثي ميتشل كيف صنع الاستعمار مفهوم «الفوضى» بوصفه نقيضاً يحتاج إلى النظام، واستخدم الخريطة والإحصاء والتخطيط لإنتاج واقع أكثر قابلية للحكم.
بهذا المعنى، صُنعت المدينة الحديثة عبر علاقات الهيمنة بقدر ما صُنعت عبر الإسمنت. جرى الفصل بين المركز والهامش، والمدينة الجديدة والقديمة، والسكان المرغوب فيهم ومن يُنظر إليهم باعتبارهم مشكلة. واتخذت هذه القطيعة بعداً معرفياً أيضاً، حين احتكرت الإدارة الاستعمارية حق تعريف ما هو حضري أو غير حضري، وقانوني أو عشوائي، وتراثي أو قابل للهدم. هكذا أُعيد تشكيل المدينة باعتبارها موضوعاً بيروقراطياً يخضع للتصنيف والضبط.
ورثت الدولة الوطنية بعد الاستقلال مؤسسات التخطيط وخرائط السيطرة وثقافة المركزية، إلى جانب تصوّر أبوي للمدينة بوصفها مجالاً ينبغي تحديثه من أعلى. سعت دول ما بعد الاستعمار إلى جعل العاصمة واجهة للسيادة والتنمية، فوسعت الإدارات، وبنت أحياء جديدة، وأنشأت مشاريع إسكان وطرقات ومؤسسات عمومية. وفي المقابل، استمرت التفاوتات بين العاصمة والأقاليم، وبين المدينة الرسمية والمدينة الشعبية. وظل التخطيط أداة لإظهار قوة الدولة الوطنية في كثير من الحالات، فيما بقيت المواطنة المكانية موزعة على نحو غير متكافئ.
يساعد هنري لوفيفر على قراءة هذا المسار من خلال مفهوم الفضاء بوصفه منتجاً اجتماعياً وسياسياً. فالمدينة الوطنية تشكلت أيضاً عبر توزيع الحق في الأرض والسكن والحركة. كما يوضح ديفيد هارفي دور العمران في تثبيت رأس المال وإعادة توزيع الفائض، وهو ما يساعد على فهم تحوّل المدينة العربية منذ الثمانينيات والتسعينيات إلى حقل متزايد الأهمية للاستثمار العقاري. ففي المرحلة النيوليبرالية، تراجعت بعض وظائف الدولة في السكن والخدمات، فيما أُعيد توجيه تدخلها نحو تسهيل الاستثمار، وتحرير الأرض، وبناء البنية الأساسية المربحة، وتمكين المطورين العقاريين.
ظهرت بذلك مرحلة جديدة اتسمت بالواجهات البحرية، والمدن الجديدة، والمراكز التجارية، والأحياء المغلقة، والمشاريع العملاقة. حلل ياسر الششتاوي دبي بوصفها مدينة للمشهد والفرجة، وقرأ أحمد كنا المدينة الخليجية باعتبارها «شركة»، فيما بيّن إريك دينيس ومنى أباظة كيف أعيد تشكيل القاهرة تحت ضغط المضاربة والخصخصة والاستهلاك. وفي بيروت، أظهرت منى فواز كيف يعتمد التخطيط النيوليبرالي على الاستثناءات، إذ تُطوّع القواعد للمشاريع الكبرى فيما تطبق بصرامة أكبر على الفئات الأضعف.
وتُنتج المدينة العربية المعاصرة اليوم عبر شبكة تجمع أجهزة الدولة ورأس المال العقاري والمؤسسات المالية والشركات العابرة للحدود. وقد جعل ذلك تدخل الدولة أكثر انتقائية: قوية في حماية الاستثمار، وأضعف في ضمان السكن؛ حاضرة في نزع الملكية، ومحدودة في توفير النقل والخدمات؛ قادرة على إعادة تصميم مراكز المدن، فيما تبقى هوامشها خارج أولويات التخطيط. هكذا أعاد التحول النيوليبرالي تركيب وظائف الدولة داخل المدينة بدل أن يؤدي إلى اختفائها منها.
إن «اختراع المدينة العربية» عملية تاريخية متراكبة: صنفها الاستعمار وقسمها، وجعلتها الدولة الوطنية واجهة للسيادة، ثم أعادت النيوليبرالية تشكيلها بوصفها أصلاً مالياً ومنصة للاستثمار. وبين هذه المراحل استمر الصراع على من يحق له السكن في المدينة، والتخطيط لها، والظهور في مركزها، والاستفادة من مواردها. لذلك يقود السؤال عن ماهية المدينة العربية إلى سؤال أكثر تحديداً: من يمتلك القدرة على تسميتها وتنظيمها وتوزيع مواردها؟ فالمدينة إحدى الآلات التي تُنتج عبرها التفاوتات الاجتماعية، وتتحول من خلالها علاقات القوة إلى حجارة وطرقات وحدود يومية.
إنتاج الهامش عبر العشوائيات
لا يُعرَّف الهامش الحضري بموقعه على أطراف المدينة بقدر ما يُعرَّف بنوعية العلاقة التي تربط سكانه بمؤسسات الدولة والسوق والقانون. فقد يقع الحي العشوائي قرب مركز العاصمة ويندمج في شبكات العمل والنقل والاستهلاك، فيما يظل سكانه محرومين من السكن والخدمات والحماية بوصفها حقوقاً مستقرة. بهذا المعنى، يشير الهامش إلى وضع اجتماعي وسياسي يدمج السكان في الاقتصاد ويقصيهم جزئياً من المواطنة. تحتاج المدينة إليهم لتشغيلها، فيما يظل وجودهم مؤقتاً في نظر التخطيط، وناقص الشرعية في نظر القانون، وقابلاً لإعادة التفاوض حين تتغير قيمة الأرض.
من هذا المنظور، تمثل العشوائيات إحدى الصيغ التي أُدير بها التحضر في العالم العربي. فالدولة لم توفر السكن الملائم للفئات التي جذبتها المدن أو دفعتها الأزمات الزراعية والبطالة والحروب إلى الهجرة، وتركت في الوقت نفسه مجالاً لاستقرارها خارج الأطر الرسمية. اشترى السكان أراضي مقسمة خارج المخططات، وبنوا فوق أراضٍ زراعية أو عمومية، ووسعوا مساكنهم تدريجياً من دون تراخيص كاملة. وانتقلت بذلك مساحة واسعة من مسؤولية إنتاج المدينة إلى الأسر، التي موّلت الأرض والبناء وربط الشبكات وابتكرت وسائل النقل والخدمات، فيما احتفظت الدولة بسلطة الاعتراف بما أنجزته أو رفضه.
العشوائيات تستوعب النمو السكاني وقوة العمل من دون تمويل واسع للسكن الاجتماعي، وتخفض كلفة الأجور عبر نقل جزء من كلفة السكن والخدمات إلى الأسر، كما تفتح مجالاً للحكم عبر التسويات الجزئية
لذلك، لا ينشأ الحي العشوائي في فراغ مؤسساتي. فالدولة تحضر في تصنيف الأراضي، وندرة الترخيص، وقرارات مدّ الماء والكهرباء، وغض الطرف عن البناء، وحملات الهدم، والتسويات الانتقائية. ويتشكل الحي داخل هذا التناوب بين التسامح والمنع: قد تستمر المخالفة عقوداً، ثم تستعيد الإدارة صرامة القانون عندما تصبح الأرض جذابة للاستثمار أو يُعاد تعريف الحي بوصفه خطراً أمنياً. يتحول القانون هنا إلى مورد سياسي يُفعَّل بدرجات متفاوتة بحسب السكان والمواقع والمصالح.
تقدم القاهرة مثالاً واضحاً. فقد توسع البناء غير الرسمي فوق الأراضي الزراعية المحيطة بالكتلة العمرانية، في وقت وجّهت فيه الدولة جزءاً متزايداً من استثماراتها نحو المدن الصحراوية الجديدة. حالت أسعار السكن المرتفعة، وبعد مواقع العمل، وضعف النقل والخدمات دون انتقال معظم السكان إليها، فيما وفرت الأحياء غير الرسمية قرباً نسبياً من الأسواق وفرص العمل وشبكات العائلة. ونشأت داخل هذه الأحياء سوق عقارية لها منطقها الخاص: يقسم ملاك الأراضي قطعهم، وتُبنى المساكن طابقاً بعد آخر بحسب دخل الأسرة، ثم تتوسع حولها الورش والمتاجر وخدمات النقل وغيرها.
تعتمد القاهرة اقتصادياً على هذه المناطق في الوقت الذي تحرمها من الشرعية العمرانية. فهي تؤوي قطاعات واسعة من العمال والحرفيين والموظفين ومقدمي الخدمات الذين يعجزون عن تحمل كلفة المدينة الرسمية. وحين نُقل سكان بعض المناطق المصنفة «خطرة» إلى مجمعات سكنية جديدة، تجاوز أثر العملية تحسين المساكن؛ إذ أبعدت السكان عن مصادر الرزق، وفكّكت شبكات اقتصادية واجتماعية، وربطتهم بنظام سكني أكثر انتظاماً وأشد هشاشة من حيث تأمين الدخل. وهكذا قد تتحوّل إعادة الإسكان إلى أداة لإعادة ترتيب السكان مكانياً وسلوكياً من دون معالجة أسباب التهميش.
ويظهر منطق مشابه في المغرب. فقد ارتبط نمو مدن الصفيح بالتصنيع المحدود، والهجرة الريفية، وارتفاع أسعار الأرض الحضرية، وعجز السكن الاجتماعي عن استيعاب الفئات ذات الدخل الضعيف. واستمر التسامح مع كثير من هذه الأحياء لفترات طويلة لأنها وفرت سكناً رخيصاً قرب مناطق العمل، وشكلت أيضاً مجالاً للوساطة بين السكان والسلطات المحلية. فالحصول على الماء أو الكهرباء، أو إدراج الأسرة في لوائح إعادة الإسكان، أو الحصول على قطعة أرض أو شقة، كان يمر أحياناً عبر المنتخبين والأعيان والجمعيات والوسطاء.
ومع ارتفاع قيمة العقارات وتزايد القلق الأمني، أصبحت إزالة الصفيح أيضاً أداة لإعادة تنظيم المجال والسكان. ولم يؤدِ نقل الأسر إلى الضواحي البعيدة بالضرورة إلى إنهاء الهامشية، إذ قد تحصل الأسرة على مسكن أكثر صلابة مقابل خسارة القرب من العمل والأسواق والنقل وشبكات التضامن. وينتقل التهميش عندها من هشاشة المبنى إلى كلفة الحركة والمديونية وضعف الفرص. فالهامش لا تحدده مادة البناء، وإنما موقع السكان داخل توزيع الموارد وقدرتهم على الوصول إلى المدينة.
أما بيروت، فتُظهر مساراً آخر لإنتاج الهامش، ارتبط بالحرب والنزوح والطائفية وتعدد السلطات المتحكمة في المجال إلى جانب الفقر وأزمة السكن. توسعت الضواحي الجنوبية ومناطق أخرى عبر موجات من النزوح الداخلي في ظل غياب سياسة إسكانية شاملة، وتعدد الجهات التي تقدم الخدمات والحماية. وتقاطع دور الدولة مع أدوار البلديات والأحزاب والتنظيمات الدينية وشبكات القرابة ومزودي الخدمات، ما أنتج نمطاً من السيادة المجزأة يحصل فيه السكان على الموارد عبر الانتماء والوساطة أكثر مما يحصلون عليها بوصفهم مواطنين متساوين.
وتبرز المفارقة بوضوح في التفاوت بين إعادة إعمار وسط بيروت، القائمة على تثمين عقاري واسع، وبين استمرار مناطق السكن الشعبي في استيعاب النازحين والفئات غير القادرة على دخول السوق النظامية. ولم تكن المدينة النيوليبرالية قادرة على العمل من دون هذه الهوامش، إذ يحتاج المركز المالي والتجاري إلى عمال البناء والخدمات والنقل والحراسة والعمل المنزلي، من دون أن ينتج لهم سكناً قريباً وميسوراً. وبذلك يُعاد إدماج الفئات الفقيرة في مواضع منخفضة الكلفة وعالية الهشاشة.
حاجة الدولة إلى العشوائيات هي حاجة بنيوية وليست قراراً معلناً. لأن العشوائيات تستوعب النمو السكاني وقوة العمل من دون تمويل واسع للسكن الاجتماعي، وتخفض كلفة الأجور عبر نقل جزء من كلفة السكن والخدمات إلى الأسر، كما تفتح مجالاً للحكم عبر التسويات الجزئية. فحين لا يكون الحق مضموناً، يتحول توصيل الماء أو منح رخصة أو الوعد بالتسوية إلى فرصة للوساطة وبناء الولاءات. ويتحول الانتظار نفسه إلى تقنية للحكم؛ إذ ينتظر السكان الاعتراف بالحي، أو تسجيل العقار، أو الربط بالصرف الصحي، أو إدراج أسمائهم في برامج إعادة الإسكان.
ويظهر عنف هذه البنية في الحياة اليومية بقدر ما يظهر في لحظات الهدم والإخلاء: وقت مهدور، ومياه غير منتظمة، ومخاطر صحية، وخوف من فقدان البيت، وعجز عن التخطيط للمستقبل. بهذا المعنى، تصبح العشوائيات نظاماً لتوزيع عدم اليقين بين السكان، يوفر للمدينة قوة العمل والسكن منخفض الكلفة، ويبقي سكانه في وضع قانوني وسياسي قابل للضبط. والهامش، في النهاية، هو إحدى الطرق التي تستوعب بها المدينة سكانها من دون أن تمنحهم حقاً كاملاً فيها.
أمننة المدينة: بزوغ الدولة العقابية
تتجاوز أمننة المدينة في العالم العربي زيادة أعداد الشرطة وتكثيف الحواجز والكاميرات، لتطال الطريقة التي تصوغ بها الدولة «المسألة الحضرية» نفسها. فعندما تعجز السياسات الاقتصادية عن توفير العمل والسكن والنقل والخدمات، يعاد ترميز نتائج هذا العجز أمنياً: يتحول الفقر إلى قابلية للجنوح، والبطالة إلى قابلية للتطرف، والتجارة غير النظامية إلى اعتداء على النظام العام، والحي الشعبي إلى «بؤرة» تستدعي الاختراق والمراقبة. بهذا المعنى، تصبح الدولة العقابية إحدى وسائل إدارة فشل الدولة الاجتماعية وحجب أسبابه السياسية.
تظهر هنا إحدى الوظائف السياسية للأمننة: حماية انتظام النظام الاقتصادي عبر تجريم أشكال الاعتراض عليه، وتتقاطع هذه الدولة العقابية مع «سياسات الموت» من خلال التوزيع غير المتكافئ للتعرض للمرض والإصابة والموت
وتقوم هذه الدولة على مفارقة مركزية: تتراجع قدرتها أو إرادتها في ضمان الحق في المدينة، وتتوسع قدرتها على ضبط المطالبة به. فهي أقل حضوراً في بناء المساكن الميسرة وخلق فرص العمل وتحسين المرافق، وأكثر حضوراً في منع التظاهر، وإزالة الباعة، ومراقبة الساحات، وتنظيم تنقل الشباب، وإخلاء الأحياء التي ترتفع قيمة أراضيها. لذلك لا ينبغي الحديث عن «انسحاب الدولة» في المرحلة النيوليبرالية، بل عن إعادة توزيع وظائفها، من الإنفاق الاجتماعي نحو الإنفاق الأمني، ومن إدارة السكان عبر الاندماج إلى إدارتهم عبر المخاطر، ومن حماية المجتمع إلى حماية نمط معين من توزيع الملكية والثروة والفضاء.
ولا تتوزع هذه السياسة بالتساوي داخل المدينة. فالفضاء الحضري يتشظى إلى مناطق متفاوتة الحماية والاشتباه: تُؤمّن المراكز المالية والمناطق السياحية والأحياء المغلقة لضمان انسياب الاستثمار والاستهلاك، فيما تخضع الأحياء الشعبية والعشوائية لمنطق أمني يقوم على المداهمات والتفتيش والتوقيف الاستباقي. تطالب الدولة بحماية بعض السكان، فيما تتعامل مع آخرين باعتبارهم مصدر الخطر الذي ينبغي حماية المدينة منه. بذلك يتحول الأمن من منفعة عمومية إلى سياسة فرز بين فئات تحظى بالحماية وأخرى تتعرض للتضييق والعنف وعدم اليقين.
وتعمل الدولة العقابية أيضاً من خلال تفاصيل الحياة اليومية، عبر وثائق الهوية، ونقاط التفتيش، والمحاضر، والغرامات، والتراخيص، ومنع الإشغال، والتهديد بالهدم، والاحتجاز القصير، والمراقبة المستمرة. وتتبدى الدولة هنا من خلال احتكاكات متفرقة تضع سكان الهامش في مواجهة دائمة مع الموظفين والأعوان والشرطة والوسطاء. وقد تبقى نتيجة المخالفة معلقة لسنوات؛ يُتسامح مع بناء أو نشاط، ثم يُعاد تجريمه عندما تتغير قيمة المكان أو موقعه داخل الخطط الاستثمارية. وتمنح قابلية القانون للتفعيل الانتقائي الدولة سلطة إضافية، إذ تُبقي الأفراد في انتظار التسوية أو الاستثناء أو الحماية.
في القاهرة، تكثفت هذه العلاقة مع تحول العشوائيات والأحياء الشعبية إلى موضوع مركزي في خطاب «استعادة هيبة الدولة». مثّل حصار إمبابة في التسعينيات لحظة كاشفة، إذ قُدّم الحي بوصفه مجالاً انسحبت منه السيادة واحتلته جماعات تهدد الدولة، بدل قراءته من خلال نقص السكن والتشغيل والخدمات. اختزل هذا التوصيف حياً كثيفاً ومعقداً في صورة أمنية واحدة، وحوّل التدخل إلى استعراض للقدرة على السيطرة. واستعادت المداهمة، رمزياً، ملكية الدولة للحي، وأعادت تعريف سكانه باعتبارهم جماعة ينبغي إخضاعها.
وتعمق هذا المنطق لاحقاً مع إعادة ترتيب المجال القاهري. فالطرق الجديدة، وإزالة الأسواق غير المنظمة، ونقل سكان بعض المناطق المصنفة خطرة، وتقييد استعمال الميادين، تؤدي وظيفة سياسية إلى جانب وظيفتها العمرانية، إذ تنتج مدينة أكثر قابلية للرؤية والمراقبة وأقل قابلية للتجمع غير المنضبط. كما يؤدي نقل سكان حي مركزي إلى مجمع سكني بعيد إلى تفكيك اقتصادات محلية وشبكات قرابة وتضامن، وربط الأسر بعناوين ووحدات وخدمات أكثر قابلية للإحصاء والتنظيم الإداري. عندها تتحول إعادة الإسكان إلى أداة لإعادة هندسة السكان، عبر فصلهم عن مواقع العمل، وتفتيت كثافتهم السياسية، وإخضاع حياتهم لنظام جديد من الإيجار والصيانة والمراقبة.
ويكشف المغرب بدوره تداخل سياسات إزالة العشوائيات مع بناء سلطة أمنية وإدارية على السكان. فقد حملت برامج محاربة مدن الصفيح وعوداً بالكرامة والسكن اللائق، وفي الوقت نفسه حولت الأسر إلى وحدات تُحصى وتُصنّف ويُتحقق من أهليتها للاستفادة. وأصبح إدراج الاسم في اللوائح أو استبعاده منها مورداً للسلطة والوساطة، فيما أتاح نقل السكان إلى هوامش جديدة تحرير أراضٍ أعلى قيمة وإعادة تنظيم مناطق عُدّت غير قابلة للضبط. وقد يترافق تحسين المسكن مع إبعاد السكان عن مصادر الدخل، ورفع كلفة النقل، وزيادة المديونية، وإضعاف الشبكات الاجتماعية، فيصبح السكن أكثر نظامية والحياة الاقتصادية أكثر هشاشة.
ويظهر الوجه العقابي لهذه الإدارة بصورة أوضح عندما تتحول المطالب المجالية إلى احتجاجات سياسية. ففي مدن الريف، عبّرت مطالب الصحة والعمل والجامعة والبنية الأساسية عن اعتراض على تاريخ من التوزيع غير المتكافئ للموارد والاعتراف. وأعادت السلطة صياغة النزاع باعتباره تهديداً للأمن والوحدة والنظام. عندها تتجاوز العقوبة فعل الاحتجاج لتطال قدرة مكان مهمش على إنتاج خطاب سياسي مستقل، وتتحول الأحكام الثقيلة والانتشار الأمني والملاحقة الإعلامية إلى رسالة موجّهة للجماعة بأكملها عن كلفة المشاركة السياسية.
وفي تونس، ارتبط بناء الدولة الحديثة منذ وقت مبكر بمراقبة الفضاء الحضري وبالانضباط السياسي، ثم عمّق التحول النيوليبرالي التناقض بين التراجع الاجتماعي والتوسع العقابي. تركز الاستثمار والعمل والبنية الأساسية في الساحل والعاصمة، فيما بقيت المدن الداخلية والأحياء الشعبية أمام بطالة مرتفعة وخدمات متدهورة. وكشفت ثورة 2010–2011 البعد السياسي لهذه الخريطة الحضرية، حين انتقل الاحتجاج من فضاءات داخلية مهمشة إلى مراكز السيادة في العاصمة، وأظهرت كيف يمكن للحرمان من الموارد أن يتحول إلى تحدٍّ جماعي للدولة.
واستمرت البنية العقابية بعد الثورة، وأُعيد تنشيطها كلما تحولت الأزمة الاجتماعية إلى احتجاج. ففي أحياء مثل التضامن ودوار هيشر والسيجومي، يُقرأ تجمع الشباب غالباً من زاوية الأمن قبل العمل أو الحق في الفضاء العام. تصبح الشوارع ليلاً مجالاً للانتشار الشرطي، وتُصنّف الاحتجاجات على الأسعار والبطالة وعنف الشرطة باعتبارها أعمال شغب. ويعيد ذلك إنتاج دائرة مغلقة: تولد البطالة هشاشة اجتماعية، وتنتج الهشاشة توتراً واحتجاجاً، ثم يُستخدم الاحتجاج لتبرير مزيد من الرقابة والقوة. وهكذا تتحول نتائج الأزمة إلى أدلة على خطورة السكان المتضررين منها.
وتتجاوز العقوبة التدخل الأمني المباشر. فعندما يُجرّم الاعتصام بسبب تعطيل الإنتاج، أو يُلاحق المحتجون على التلوث والماء بتهم عرقلة السير والعمل، يصبح القانون أداة لحماية انتظام الاقتصاد من المطالب الاجتماعية. تُقدَّم حرية حركة السلع والاستثمارات كضرورة غير قابلة للتفاوض، فيما تُقيَّد حركة المحتجين ووجودهم في الفضاء العام. وتظهر هنا إحدى الوظائف السياسية للأمننة: حماية انتظام النظام الاقتصادي عبر تجريم أشكال الاعتراض عليه.
وتتقاطع هذه الدولة العقابية مع «سياسات الموت» من خلال التوزيع غير المتكافئ للتعرض للمرض والإصابة والموت. فالعيش قرب المصبات الملوثة، أو في مبنى مهدد بالسقوط، أو من دون صرف صحي، أو في منطقة يصعب وصول الإسعاف إليها، يرتبط بقرارات تحدد أين تُستثمر الموارد وأي حياة تحظى بالحماية الوقائية. وعندما يحتج السكان على هذه الشروط، قد يتعرضون لعنف إضافي باسم الأمن، فتُفرض عليهم كلفة الخطر وكلفة مقاومته معاً.
لقد أصبحت المسألة الحضرية في العالم العربي مجالاً أمنياً لأن المدينة تكشف التناقضات التي ينتجها النظام الاقتصادي: مجمعات مترفة بجوار مساكن غير قانونية، وطرق سريعة تعبر أحياء محرومة من الخدمات، ومراكز استهلاكية تحيط بها بطالة شبابية واسعة. تجعل هذه المجاورة اللامساواة مرئية، وتحول الشارع إلى فضاء للمقارنة والغضب والتنظيم. لذلك تمتد السياسات الأمنية إلى ضبط إمكانية تحول التجربة اليومية للظلم إلى فعل جماعي.
ويكشف بزوغ الدولة العقابية، في هذا السياق، محدودية قدرة الدولة على إنتاج القبول بقدر ما يعكس قدرتها على الضبط. فمع تراجع قدرتها على دمج السكان عبر الحقوق، تتوسع أدوات الرقابة والإخضاع؛ ومع تراجع قابلية المدينة للعيش، تتزايد قابليتها للمراقبة. ومع ذلك، لا تنهي الأمننة السياسة، وإنما تعيد إنتاجها في صورة أكثر توتراً. قد تبدو المدينة المحكومة بالحواجز والمداهمات والاعتقال صامتة، لكن هذا الصمت يخفي نزاعاً اجتماعياً أُعيدت صياغته أمنياً، وتحول معه حق السكان في المدينة إلى اختبار دائم لقدرة الدولة على إخضاعهم.
التفاوض من أسفل: صناعة الذات في المدينة الهامشية
تتخذ القدرة على الفعل في الأحياء الهامشية أشكالاً تتجاوز المقاومة الصريحة والمستمرة للدولة، كما يتجاوز سكان العشوائيات صورة الضحايا المنتظرين للتدخل العمومي. فالعلاقة بين الطرفين تقوم على تفاوض متقطع تتداخل فيه الطاعة والمراوغة، والوساطة والاحتجاج، والاستفادة من المؤسسات والالتفاف على قواعدها. وتتشكل الذات السياسية في الحي الهامشي يومياً، عبر محاولات تثبيت البيت وربطه بالماء والكهرباء، والحصول على وثيقة إدارية، وحماية نشاط اقتصادي غير مرخص، وتجنب المداهمة، والاستعانة بوسيط قادر على مخاطبة الموظف أو الشرطة. تصبح السياسة بذلك جزءاً من تدبير الحياة اليومية، ومن المهارات التي يكتسبها السكان للتعامل مع سلطة تمنحهم حقوقاً جزئية وتبقي وجودهم قابلاً للتفاوض.
تُظهر أحياء القاهرة الجديدة، بالمعنى المستخدم لوصف التوسعات الشعبية غير الرسمية، حضور الدولة داخل الحي بصورة مجزأة: في نقطة الشرطة، وموظف الحي، ومحصل الكهرباء، والمدرسة العمومية، والمنتخب المحلي، والمخبر، وصاحب النفوذ، وفي شبكات القادرين على تحويل الطلب الفردي إلى استثناء إداري. وقد يحصل الساكن على الخدمة عبر ملف قابل للتفاوض، أو صلة قرابة، أو دفع مقابل، أو اللجوء إلى شخصية محلية، أو التلويح باحتجاج جماعي. وتُختبر الدولة هنا كمجموعة من الأبواب متفاوتة القابلية للفتح، تبعاً للغة المستخدمة والوسيط والتوقيت.
الاستيلاء التدريجي على الأرض، وإضافة طابق غير مرخص، ومد كابل كهرباء، وتنظيم خط نقل غير رسمي، وفتح محل داخل مسكن، كلها وسائل يثبت بها السكان وجودهم المادي في المدينة. يسبقون الخريطة الرسمية إلى إنتاج واقع يصعب إلغاؤه
وتشكل هذه الممارسات سياسة يومية بحد ذاتها. فالاستيلاء التدريجي على الأرض، وإضافة طابق غير مرخص، ومد كابل كهرباء، وتنظيم خط نقل غير رسمي، وفتح محل داخل مسكن، كلها وسائل يثبت بها السكان وجودهم المادي في المدينة. يسبقون الخريطة الرسمية إلى إنتاج واقع يصعب إلغاؤه، ومع ازدياد كثافة الحي وعدد سكانه وورشاته ومتاجره ترتفع كلفة هدمه، ويتحول الأمر الواقع إلى مورد تفاوضي. وهكذا تُكتسب المواطنة أيضاً عبر تراكم الاستعمال: السكن الطويل، ودفع الفواتير، وتسجيل الأطفال في المدارس، والمشاركة في الانتخابات، والمطالبة بتعبيد الطريق. ويتحول الزمن نفسه إلى حجة، إذ يصبح استمرار المخالفة مؤشراً على قبول ضمني من الدولة، وتغدو الخدمة الجزئية أساساً للمطالبة باعتراف أوسع.
مع ذلك، لا يقود هذا التفاوض بالضرورة إلى التحرر. فهو يوسع هامش الحركة أمام السكان، لكنه يبقيهم معتمدين على الوسطاء. يستطيع النائب أو الموظف أو زعيم العائلة أو رجل الأعمال المحلي حل مشكلة الماء أو وقف قرار إزالة، مقابل تحويل الحق إلى منّة مرتبطة بالولاء أو الصمت أو المشاركة الانتخابية. ويُعاد بذلك تشكيل الخضوع داخل المساومة. كما تتوزع فرص الوصول إلى الخدمات بصورة غير متكافئة؛ فمن يملك شبكة علاقات أقوى يتقدم، فيما يبقى الأضعف خارج التسوية. لذلك تجمع «السياسة من أسفل» بين المبادرة الشعبية والزبائنية، وبين التضامن والإقصاء، وبين المطالبة الجماعية بالحق والامتياز الشخصي.
ويتضح هذا الالتباس أكثر في الاقتصاد غير الرسمي والأسواق السوداء. تعتمد الأحياء الهامشية على شبكة واسعة من الأنشطة، من البناء غير المرخص والنقل العشوائي والتجارة في الشارع وإعادة بيع السلع والورش المنزلية والعمل اليومي، وصولاً أحياناً إلى السرقة والاتجار في المواد المحظورة والمخدرات. تختلف هذه الأنشطة جذرياً في طبيعتها، لكن كثيراً منها ينشأ في ظل غياب العمل المستقر والحماية الاجتماعية، ويشترك في الاعتماد على تفاوض مستمر مع السلطات المحلية حول حدود المسموح والممنوع.
يعرف البائع المتجول متى ينسحب قبل وصول الشرطة، ويعرف صاحب الورشة بمن يستعين لتجنب الإغلاق، وقد يدفع سائق النقل غير النظامي مقابلاً ضمنياً أو صريحاً للاستمرار. وفي الأسواق غير القانونية الأكثر عنفاً، قد تنشأ تفاهمات بين شبكات محلية وأفراد من أجهزة الأمن ووسطاء يوفرون المعلومات أو الحماية. وتسمح درجات متفاوتة من غض النظر والانتقائية والتواطؤ باستمرار بعض هذه الأسواق، فيما يُطبق القانون بصورة متفاوتة على الفاعلين. فقد تُفكك شبكة وتُترك أخرى، أو يُلاحق صغار الباعة فيما تبقى مستويات أعلى خارج المتابعة. عندها تصبح الملاحقة أداة لإعادة ترتيب السوق وضبط الفاعلين بقدر ما تكون أداة لمنعه.
ويؤدي الاقتصاد غير الرسمي وظيفة اجتماعية مهمة في ظل البطالة وضعف الحماية. فهو يستوعب قطاعات واسعة من الشباب الذين تعجز المؤسسات العامة والشركات النظامية عن تشغيلهم، ويوفر سلعاً وخدمات رخيصة لسكان لا تتناسب دخولهم مع الأسعار الرسمية. ويخفف بذلك جزءاً من الضغط الاجتماعي، كما يعفي الدولة من بناء منظومة شاملة للتشغيل والحماية. لهذا تتعامل السلطات معه بمرونة متقلبة: تتسامح معه حين يساهم في الاستقرار، وتهاجمه حين يحتل فضاءً ترتفع قيمته، أو يخل بالتوازنات المحلية، أو يتحول إلى مصدر للتعبئة. ويتشكل الحكم هنا من مزيج من السماح والقمع يضمن استمرار الحياة من جهة، واستمرار قابلية الفاعلين للضبط من جهة أخرى.
وقد تمتد هذه العلاقة إلى الاقتصاد الأسود، بما فيه تجارة المخدرات، التي قد تخلق دخلاً وشبكات حماية وسلطات محلية في مناطق يعاني فيها العمل الرسمي من الانهيار، بالتوازي مع ما تنتجه من عنف ومديونية وتدمير للأجساد. وقد تتعامل الدولة مع هذه الشبكات بصورة انتقائية، مستفيدة أحياناً من وجودها كمبرر للمداهمة والمراقبة أو كمصدر للمعلومات والنفوذ. كما يمكن أن تؤثر شبكات الجريمة في أشكال التضامن داخل الحي، وتعيد توجيه بعض الشباب نحو منافسة داخل أسواق خطرة. يلتقي الاقتصاد الأسود بالحكم هنا بوصفه بيئة قابلة للاستعمال في توزيع العقاب، وصناعة المخبرين، وضبط مسارات التعبئة المحتملة.
وفي المقابل، يعيد سكان المدينة الهامشية تفسير الوصمة المفروضة عليهم وصياغة علاقتهم بالمكان. فالحي الذي تصفه الخطابات الرسمية بأنه فضاء للفوضى قد يتحول لدى سكانه إلى مصدر للانتماء والخبرة والكرامة. وتتكون الذات عبر معرفة المكان والقدرة على التحرك فيه، والتمييز بين الجهات النافذة، وبناء الثقة، وحماية الأسرة، وتدبير المخاطر، ومواجهة الإهانة. وتتجسد الكرامة في ممارسات يومية، مثل رفض تفتيش مهين، أو مساندة جار مهدد بالإخلاء، أو جمع المال لعائلة، أو الدفاع عن شاب أمام الشرطة، أو تنظيم احتجاج على نقص الماء والنقل.
ومن هنا ترتبط لحظات الانتفاض بالممارسات اليومية التي سبقتها. فالقدرة على إغلاق الطريق، أو تعبئة الحي، أو توفير الطعام للمحتجين، أو حماية المتظاهرين، تتكئ على شبكات تشكلت سابقاً حول الزواج والجنازات والعمل والخدمات والوساطة والنزاعات المحلية. ويحدث الانتقال من التفاوض الفردي إلى الفعل الجماعي حين يفقد الوسيط قدرته على حل المشكلة، أو تُغلق قنوات المساومة، أو تتجاوز الإهانة حدود الاحتمال. عندها قد يتحول الطريق من مساحة للتجارة غير الرسمية إلى موقع للاعتصام، وشبكة حل المشكلات إلى شبكة تعبئة، والطلب الفردي إلى مطلب عام.
يجري التفاوض من أسفل داخل علاقات الهيمنة ويعيد تشكيلها في الوقت نفسه. فهو يوسع هامش الحياة أمام السكان وقد يرسخ اعتمادهم على الوسطاء، كما يساعد الدولة على الحفاظ على السلم الاجتماعي ويمنح السكان في الوقت نفسه خبرات تنظيمية قد تتحول إلى احتجاج. تكمن قوة المدينة الهامشية في هذا التناقض: فهي تنتج خضوعاً مرناً لا يلغي القدرة على الفعل، وفاعلية لا تقود دائماً إلى التحرر. وفي المسافة بين الامتثال والرفض، يصنع السكان ذواتهم كفاعلين يتعلمون كيف يعيشون داخل النظام، وكيف يفاوضونه، وكيف يتجاوزونه عندما تصبح شروط العيش غير قابلة للتفاوض.
في النهاية، تكشف العشوائيات في العالم العربي عن الطريقة التي تُوزَّع بها الحقوق وتُدار بها اللامساواة داخل المدينة. فقد تشكلت هذه الفضاءات في ظل تراجع سياسات السكن والعمل والخدمات، وصعود سوق عقارية حوّلت الأرض إلى أصل مالي، فيما تولت الأسر بنفسها كلفة بناء مساكنها وتدبير شروط بقائها. ثم عادت الدولة إلى هذه الهوامش عبر أدوات التنظيم والضبط والأمن. بهذا المعنى، تكشف العشوائيات عن عقد حضري غير معلن يسمح للفقراء بالإقامة والعمل والتفاوض، من دون أن يحوّل ذلك إلى حقوق مستقرة. فهم يساهمون في إنتاج ثروة المدينة، فيما يبقى وجودهم عرضة لإعادة التفاوض حين ترتفع قيمة الأرض أو يتوتر النظام العام.
لهذا، فإن السياسات التي تكتفي بإزالة العشوائيات أو نقل سكانها قد تغيّر شكل الهامش من دون أن تعالج شروط إنتاجه. فقد ينتقل التهميش من هشاشة المسكن إلى كلفة النقل، أو المديونية، أو البعد عن مصادر العمل والخدمات. وتستمر بذلك البنية نفسها في موقع جديد، طالما بقي توزيع الأرض والموارد والحقوق على حاله.
وتكتسب هذه الهوامش أهمية سياسية تتجاوز موقعها في التخطيط العمراني. فالأحياء التي تبدو صامتة تختزن خبرات يومية في التفاوض والمراوغة والاعتماد المتبادل، وقد تتحول إلى شبكات احتجاج عندما تنسد قنوات الوساطة. وما تصفه الدولة بـ«الفوضى» يمكن أن يكون تعبيراً سياسياً لم يجد مؤسسات تستوعبه أو تعترف به.
من هنا، يرتبط إصلاح المدينة بإعادة النظر فيمن يملك حق التخطيط وتحديد أولويات الاستثمار وتوزيع الموارد. والسؤال الذي ينبغي أن يسبق أي مشروع عمراني هو: كيف نمنع المدينة من الاستمرار في إنتاج الهامش؟ من دون مواجهة هذا السؤال، ستتغير أشكال العشوائيات فيما تستمر وظيفتها في استيعاب الفقر، وتأجيل الصراع، وتحويل اللامساواة إلى جغرافيا يومية تبدو طبيعية ومستقرة.