الشيوعية لعصرٍ يناهض التأسيسية
- تراجع الشيوعية لم ينتج من سقوط صلاحيتها كأفق للتحرر، بل من هزيمة الحركة العمالية وصعود النيوليبرالية وتفكك الفاعل التاريخي القادر على حمل مشروعها.
- التخلي عن اليوتوبيا الشيوعية بحجة «الواقعية» يحوّل النضال إلى مطالب جزئية بلا أفق؛ فيما تكمن وظيفتها في ربط صراعات الحاضر بإمكان تغيير جذري كامن داخله.
ألهمني كتاب المُنَظِّر الماركسي البريطاني رالف ميليباند «الاشتراكية لعصر شكاك»1 عنوان هذا المقال، وكذلك هدفه. فكما سعى ميليباند في كتابه إلى الدفاع عن الاشتراكية في لحظة انهيار الاتحاد السوفياتي واندثار الكتلة الشرقية، أسعى هنا إلى الدفاع عن الشيوعية، أيضاً في واحدة من أضعف لحظاتها، إيماناً مني ليس فقط بأنها خيار ممكن، بل كذلك بأنها – كيوتوبيا تحررية – قادرة على إحداث قطيعة نوعية مع الهيكل الطبقي-الاستغلالي لعلاقات الإنتاج الاجتماعية.
ولقناعتي أن اليوتوبيا مكون جوهري في أي مشروع تحرّري جذري، فلن أصوغ دفاعي عن الشيوعية في شكل ترديد المحفوظات المعهودة عن شكل المجتمع الشيوعي المنتظر، ليس فقط لأنها استهلكت من كثرة ما تردّدت، ولكن كذلك لأني أرى بذل الجهد في رسم تفاصيل الشيوعية اجتراءً على التاريخ الذي سيحدد بنفسه، عبر مساراته المتفردة، تفاصيل شكل مجتمع حطم الأسس المادية لاستغلال الإنسان لأخيه الإنسان.
العمل المجدي فعلاً هنا هو التأسيس الفلسفي لمشروعية، بل ومركزية، اليوتوبيا الشيوعية كأفق ناظم للمسعى الإنساني للانعتاق في عصر تفاقم الأزمة البنيوية للرأسمال. أبدأ طرحي بالتدقيق في المنهج الذي اتبعه ميليباند للدفاع عن الاشتراكية. فأنا أظن أنه – أعني منهج ميليباند – يكشف فقدان هذا الأخير اليقين بيوتوبية الهدف الشيوعي. ربما نتج هذا عن الطبيعة المأساوية للحظة التي كتب فيها كتابه. فلا ننسى أنه كتب «الاشتراكية لعصر شكاك» في غمرة انهيار الاشتراكية المتحققة بالفعل. وربما نتج عن تأثره الواضح بالنزعة التحليلية للفلسفة الأنغلوسكسونية التي لا تعترف باليوتوبيا وتستند إلى إمبريقية إجرائية فجة. لكن النتيجة، في كل الأحوال، كانت تقزيماً للمثل الاشتراكي حتى لا يتجاوز سقفاً ربما ظن ميليباند أنه من غير المسموح تجاوزه. فوفقاً للكاتب، التغيير الاشتراكي لن يتم عبر ثورة، بل عبر انتخابات برلمانية تقليدية، ومؤسسات السلطة الاشتراكية لن تكون مجالس العمال القاعدية، بل حكومة مشكلة من الأغلبية البرلمانية، والاقتصاد الاشتراكي لن يكون مؤمماً بشكل كامل، بل ستظل مشاريع رأسمالية كثيرة قائمة، والإنسان في المجتمع الاشتراكي لن يكون أكثر اكتمالاً، بل سيظل كالإنسان الحالي بعيوبه ونقائصه.
لن أخوض سجالاً نقدياً مع ميليباند بصدد أطروحاته تلك عن الاشتراكية. لكن الأكيد أن منهج تخفيض الأسقف الذي يتبناه، والذي يؤدّي إلى تطويح اليوتوبيا خارج النافذة، ليس مجدياً لإحياء الاشتراكية كمثل أعلى يعتنقه البشر ويسعون إلى تحقيقه. فتخفيض الأسقف هو الوجه الآخر لقبول القواعد التي وضعها الخصم لخوض الصراع، بينما الشيوعية في جوهرها طموح إلى كسر القواعد وإعادة تكوينها من أسفل لأعلى. كذلك، وعلى الوجه المقابل، فإن طمس يوتوبية الشيوعية – كهدف نهائي مثالي – يثلم النصل الثوري للانتقال الشيوعي بتقزيمه التحرر الشامل للإنسانية إلى حزمة إجراءات عملية.
لا تهمني هنا الصورة التي يرسمها ميليباند للاشتراكية، على بؤسها الإجرائي، بقدر ما يهمني استنادها إلى فقدان ثقة عميق في اليوتوبيا الاشتراكية-الشيوعية. إذ صدَّر الكاتب كتابه بتحذير يؤكد على الصعوبة الفائقة لإقناع الناس «بنظام جديد للأشياء»؛ تحذير منقول عن كتاب «الأمير» لنيكولو مكيافيللي: «ينبغي أن نضع في الاعتبار أنه ما من أمر أشقّ تنفيذاً، ولا أشدّ ضبابية من حيث إمكان نجاحه، ولا أخطر من ناحية التصدّي له، من الشروع في إقامة نظام جديد للأشياء. ذلك أن من يسعى إلى التغيير يجد أعداءً في كل من ينتفعون بالنظام القديم، ولا يجد في كل من قد ينتفعون بالنظام الجديد سوى أنصار فاتري الحماسة. وينبع هذا الفتور، من ناحية، من خشيتهم خصومهم الذين تقف القوانين في صفهم، ومن ناحية أخرى، من نزوع البشر إلى عدم التصديق؛ فهم لا يؤمنون حقاً بشيء جديد حتى يختبروه بأنفسهم».2
«فتور الحماسة» هو مظهر المسألة. أما منبعها فهو الخشية من جبروت الخصم وعدم إيمان الناس بشيء جديد «حتى يختبروه بأنفسهم». هنا يصبح السؤال عن علاقة المعرفة المباشرة باليوتوبيا ضرورياً. فهل يتطلب الاعتقاد في يوتوبيا ما اختبار الناس لها بأنفسهم؟ أم أن الأدق القول – بالعكس – إن الإيمان اليوتوبي بطبيعته يفترض عدم اختبار الوعي للشرط اليوتوبي؟ فاليوتوبيا بالتعريف هي ما لم يتحقق بعد؛ هي الخيال البشري وقد تجاوز اللحظة الراهنة محلقاً في آفاق مستقبل ممكن. إن افتقار ميليباند إلى الإيمان بقوة اليوتوبيا، أي افتقاره إلى الاعتراف بإمكانية تجاوز الراهن، يعطل فهمه لمدى تأثير المثل الأعلى بعيد المنال على مجريات الأمور في اللحظة الراهنة. وهذا بالضبط ما دفعه إلى تهذيب الفكرة الاشتراكية بحيث تقبل بالملكية الخاصة لوسائل الإنتاج وبالمجالس البرلمانية البرجوازية وبالتغيير الانتخابي، أي بحيث تصبح لا يوتوبية!
لكن دعنا من ميليباند وأسقفه المنخفضة وكفره باليوتوبيا، ولنبحث في إمكانية التأسيس المادي التاريخي ليوتوبيا شيوعية. نلاحظ هنا خلطاً هاماً. إذ يعتقد كثيرون أن كارل ماركس وفريدريك إنغلز، بنقدهما الحاسم للاشتراكيات اليوتوبية، من روبرت أوين إلى هنري دو سان سيمون إلى شارل فورييه، رفضا اليوتوبيا من حيث المبدأ. لكن الحقيقة عكس ذلك. فمؤسسا الشيوعية العلمية لم ينكرا، في نقدهما للاشتراكيات اليوتوبية، ضرورة اليوتوبيا، بل إن موقفهما من اليوتوبيات السابقة عليهما هو بالضبط موقفهما من ديالكتيك هيغل: قلب المفهوم ليقف على قدميه «حتى يتسنّى لنا»، حسب كلام ماركس، «اكتشاف اللُّب العقلاني الكامن في القشرة الصوفية». فبعدما كانت اليوتوبيا تمريناً ذهنياً محضاً يؤديه المثقف النقدي عبر معارضة الواقع بمثل أعلى، أصبحت إمكانية واقعية يمكن فحص احتمالاتها وإعطائها دفعة بإصاخة السمع لإيقاع الجدل المادي التاريخي. فالفارق بين أي شيوعية أخرى وبين شيوعية ماركس وإنجلز هو أن الأخيرة، وإن كانت يوتوبية من حيث تضادها مع الواقع الراهن، فهي على الوجه المقابل مادية تاريخية من حيث أن النقيض الشيوعي هو في الأصل إمكانية كامنة داخل الرأسمالية يمكن أن تتحقق على يد فاعل تاريخي ينتخبه الشرط الواقعي المادي ليلعب دور قابلة التاريخ.
فاليوتوبيون الأوائل، بحسب نقد ماركس وإنغلز، ظهروا في مرحلة كان فيها الصراع بين البرجوازية والبروليتاريا لم ينضج بعد. ولذلك لم يستطيعوا رؤية الطبقة العاملة باعتبارها الصانع التاريخي لتحرّرها الذاتي، بل كانوا يميلون إلى اختراع نموذج عقلاني أو أخلاقي للمجتمع الأفضل، ثم محاولة إقناع المجتمع – بل وأحياناً الحكام والأثرياء – بتبنيه، أو إقامة مستعمرات/تجارب نموذجية تثبت إمكانه. هنا يبرز الفارق الحاسم بين اليوتوبيا المثالية واليوتوبيا المادية: الفارق ليس بين أناس حالمين وأناس واقعيين؛ الفارق هو بين تصور الاشتراكية باعتبارها مشروعاً يصاغ فكرياً ثم يُقدَّم إلى المجتمع من خارجه، وبين تصورها باعتبارها نتيجة تنشأ من التناقضات الفعلية للرأسمالية والصراع الطبقي والنشاط الذاتي للطبقة العاملة.
نذكر أنفسنا هنا بإحدى أبجديات المنطق الديالكتيكي: تولد اللحظة «ب» من رحم تناقضات اللحظة «أ»، فتنفيها من دون أن تمحوها، وتهضم عناصر منها وتتمثلها، ثم تتجاوزها إلى تركيب جديد. وفقاً لهذا المنطق، لا تضع الشيوعية اليوتوبيا في معارضة مع المادية، بل تقرأ إمكانية اليوتوبيا من داخل قوانين حركة الموجود المادي نفسه. هذه هي اليوتوبيا بعدما تخلّصت من شرنقتها المثالية. ولذلك، فإن وظيفة اليوتوبيا الشيوعية – كوعي مادي تاريخي – هي توجيه الطبقات الثورية ناحية هدف إكمال إنسانية الإنسان. ويمكننا هنا الاجتراء على القول إنها – نعني اليوتوبيا – تلعب دوراً تطورياً مركزياً، بالمعنى الدارويني للكلمة. فهي تجسيد لغريزة التطلع البشري الجماعي – بالخيال والإرادة – إلى تجاوز ما هو واقع إلى ما هو ممكن، أي إلى اكتمال أكبر لإنسانية الإنسان من ناحيتي نزع صفة التناقض في العلاقات بين البشر وبعضهم البعض، وصفة الإهلاك في العلاقات بين البشر والطبيعة.
فلماذا إذاً انطفأ نور اليوتوبيا الشيوعية؟ ولماذا أزاحتها أيديولوجيات أخرى، كالأيديولوجيا الإسلامية مثلاً، عن موقع الصدارة؟ هل يمكن أن نجد إجابة هذه الأسئلة في مضمون الفكر في حد ذاته؟ بتعبير آخر: هل صعدت اليوتوبيا الإسلامية واندثرت اليوتوبيا الشيوعية لأن المضمون الإسلامي أكثر يوتوبية من المضمون الشيوعي؟ أم أن المسألة ليست في الفكر المجرد، بل في السياق الاجتماعي-التاريخي الذي غير التمثيلات الأيديولوجية لليوتوبيا من صورة إلى صورة؟
بالضبط. فإذا دققنا النظر في جدل العملية التاريخية بين منتصف السبعينيات وأوائل التسعينيات، سيتكشف لنا المسار الذي أفضى إلى تعطيل اليوتوبيا الشيوعية. فأولاً تلقت الحركة العمالية والتحررية بعامة في منتصف السبعينيات ضربات قاصمة ومنيت بهزائم كبرى في المراكز الرئيسية للرأسمالية العالمية. وثانياً تبلورت على خلفية تلك الهزيمة مشاريع برجوازية هجومية جديدة تجسدت في وصول كل من مارغريت تاتشر ورونالد ريغان إلى السلطة بأجندات تفكيك كامل لمنظومة دولة الرفاهة الكينزية. وثالثاً أدت تطورات النيوليبرالية بعد ذلك إلى تعميق أزمة دول الكتلة الشرقية، ثم إلى انهيارها الواحدة تلو الأخرى. ورابعاً أدى هذا الانهيار المدوّي للدول التي أسمت نفسها زوراً بالاشتراكية إلى صدمة أيديولوجية تمثلت في تدهور مصداقية اليوتوبيا الشيوعية على مستوى عالمي. وخامساً تعمّقت نتيجة لهذا كله عملية التحوّل النيوليبرالي العالمي، وهو تحول يتضمّن تركز تدوير الرأسمال في المجال المالي، وتدمير مراكز الخبرة والتأثير في الحركة العمالية العالمية، وتفكيك أشكال العمل التآزرية على اختلاف صياغاتها. وقد أدى هذا كله إلى أن أصبحت السمات السائدة للعصر الذي نطلق عليه اسم النيوليبرالية، أولاً انكماش المتن المُنتج لفائض القيمة لصالح الهامش غير المُنتج له (أي تزايد نسبة الرأسمال الوهمي إلى الرأسمال الفعلي3)، وثانياً تضخم العمل المضمون على حساب العمل غير المضمون (أي تزايد نسبة العمل المرن إلى العمل اللائق4).
ومع تراجع الرأسمال المنتج لصالح الرأسمال غير المنتج، وتراجع العمل اللائق لصالح العمل المرن، تعطلت الفاعلية التاريخية5 التي من المفترض أن تمثلها الطبقة العاملة العالمية. وأصبح السؤال المتكرر: هل اندثرت الطبقة العاملة؟ هل تغيرت بنيوياً إلى حد استحالة انصهارها في كتلة تاريخية كبرى تطرح مشروعاً تغييراً جذرياً؟ باختصار: هل يعد ما نشهده تعطلاً مؤقتاً أم موتاً دائماً؟
الحق أن مفاتيح الإجابة واضحة، وإن كانت الإجابة الفعلية لن تكشف عن نفسها مسبقاً، بل ستتجلّى خلال العملية التاريخية نفسها. ومفاتيح الإجابة هي أولاً أن اندثار الطبقة العاملة وهم لا أساس مادي له، فالواقع أن الطبقة العاملة العالمية، بكل التعريفات، تزيد عدداً ونسبةً6، وثانياً أن التغيير البنيوي في الطبقة العاملة لا يمنع، من حيث المبدأ، انصهار أغلبية الطبقة العاملة في كتلة تاريخية كبرى تنخرط في الصراع من أجل الهيمنة. ذلك أن أزمة الفاعلية التاريخية، كما تتجسد في انحسار الراية الشيوعية في أوساط العاملين بأجر، ليست أزمة نهائية، وإنما هي أزمة انتقال، طويلة الأجل، من أشكال تنظيم ووعي وحركة متناسبة مع الطور الكينزي للتراكم الرأسمالي، إلى أشكال تنظيم ووعي وحركة متناسبة مع الطور النيوليبرالي للتراكم الرأسمالي. لا يمكن لأحد أن يكتنه المدى الزمني للطور الانتقالي، لكن يمكن القول إن طبيعته هي تحسس الطبقة العاملة العالمية خطواتها على طريق إعادة إنتاج ذاتها كفاعل تاريخي يمكنه فك شفرة التغيير الجذري الجماهيري من أسفل.
هنا يطرح كثيرون أن أزمة الفاعلية التاريخية ينبغي أن تنعكس في خفض الراية الشيوعية. «فإذا كانت الطبقة العاملة تمر بدورة لا فاعلية تاريخية، فالأصوب أن نتوقف عن طرح الهدف الشيوعي طالما ظلت أداة تحقيقه معطلة»، وهكذا تصبح القاعدة: «لا تتحدث عن الشيوعية إلا في لحظة ثورية أو ما قبل ثورية، لأنك إن تحدثت عنها في لحظة هزيمة لن يسمعك أحد، بل ربما يتجنبك من كان مستعداً قبلاً لسماعك».
يقوم هذا الطرح على خلط بين الهدف وأدوات تنفيذ الهدف. نعم صحيح أنه عندما يتراجع وعي العاملين بأجر يصبح من الضروري بلورة مطالب تستجيب للوعي الراهن للعمال، وهي بالضرورة مطالب إصلاحية (أي بالتعريف جزئية وقصيرة الأجل). لكن هذا لا يعني مطلقاً إخفاء الهدف، ليس بصفته مهمة تستوجب التنفيذ في اللحظة الراهنة، لكن بصفته الأفق الاستراتيجي للحظة الراهنة؛ الأفق الذي تتحدد على أساسه التكتيكات المرحلية للنضال. إعلان الأفق/الهدف الشيوعي هنا ليس تبرئة للذمة، وإنما تحديداً للأساس الناظم للحركة التكتيكية اليومية، وربطاً بين الحاضر المعاش والمستقبل الممكن، وتحريضاً على التغيير الكيفي بمنطق «كن واقعياً واطلب المستحيل». فالحفاظ على جذوة المثل الشيوعي حية هو السبيل الوحيد إلى جعل الجزئي والمرحلي خطوة على طريق، وليس عقبة في طريق، التغيير الجذري المرجو.
تقف الشيوعية العلمية بإحدى قدميها في اللحظة الحاضرة، وتضع القدم الأخرى على عتبة اللحظة الممكنة. فهي لا تتنكب عن النضال الراهن لصالح الهدف اليوتوبي، ولا تنسى الهدف اليوتوبي في غمرة انغماسها في اللحظة الحاضرة. وإن اجتراحها لمكانتها في مراحل الهزيمة يأتي من إصرارها على اليوتوبيا في غمرة الضنك، وعلى الفعل في غمرة الانحسار. ولا يكون الإصرار على اليوتوبيا الشيوعية بالتكرار الممل لمظاهرها كما يتصورها متبنوها، بل بتمحيص الإمكانيات التغييرية الكامنة – التي لا يراها الناظر غير الواعي في لحظة التراجع – في قلب الواقع المهزوم. وهذا بالضبط هو الفارق بين اليوتوبيا المثالية واليوتوبيا المادية: الأولى تهندس واقع جديد من عندياتها، والثانية تستخرج الواقع الجديد من إمكانيات الحاضر. الأولى تكسب إلى صفها دراويش مؤمنين، زادوا أو نقصوا، والثانية تكسب إلى صفها قوى اجتماعية مؤهلة لحمل شعلة الانتقال التاريخي.
والحق يقال إن إصرار كثير من الشيوعيين على نفي يوتوبية الماركسية هو أحد أعراض موجة الفكرية اللا إنسانوية التي سبقت قليلاً، وتزامنت مع، صعود النيوليبرالية. وقد أفضت هذه الموجة – التي تعكس إصابة ماركسيين كثر بداء اليأس من إمكانية تَجَسُّد الفاعل التاريخي في الواقع الملموس – إلى هيمنة ما أسميه بالفكر الما بعدي (= ما بعد البنيوية، ما بعد الماركسية، ما بعد الكولونيالية، ما بعد الحداثة) على الأيديولوجيا في عصر الرأسمالية المتأخرة. والفكر الما بعدي في ظني علامة أزمة أكثر منه علامة صحة. فحتى الأسماء المعطاة للمدارس الفكرية – وكلها تشير لا إلى شيء محدد، بل إلى «ما بعد» شيء ما – تكشف مأزق هذا الفكر وهوانه. ولعل الجذر المشترك في كل المابعديات هو مبدأ مناهضة التأسيسية (anti-foundationalism) الذي تبنته التيارات اللاعقلانية الصاعدة في الفلسفة القارية7 بدءاً من النصف الثاني من القرن التاسع عشر، والذي أعادت تدويره التيارات الما بعدية الصاعدة في الفلسفة الغربية، ومنها الماركسية، بدءاً من سبعينيات القرن العشرين.
ترفض تيارات مناهضة التأسيسية اليوتوبيا من حيث المبدأ، وتحيل الشيوعية – التي لا زال يتبناها بعض أعداء التأسيسية – إلى حزمة إجراءات عملية (على غرار التفصيل الذي أورده ميليباند في كتابه)، يقاتل طارحوها لإثبات أنها لا تنطوي على سردية تغييرية كبرى كتلك التي تتبناها ماركسية ماركس الكلاسيكية. فالمواقع المختلفة التي يحتلها الفاعلون اعتباطية، وكل حقيقة تحمل موقفاً تفضيلياً لا يمكن إثبات أساسه، وكل مشروع تحرري هو تسلطي بالضرورة من حيث هو مشروع فعل، وغير ذلك من مقولات. وانطلاقاً من هذا كله، فالشيوعية من حيث هي مبدأ وحلم تمثل طغياناً فكرياً سينعكس لا محالة في صورة طغيان سياسي.
تستند كل تلك المقولات إلى موقف فلسفي مناهض للتأسيسية يصفه الفيلسوف الأميركي ريتشارد وينفيلد على النحو الآتي: «يذهب هذا الموقف إلى أن كل خطاب، وكل معرفة، وكل محاولة لإقامة أي معيار، سواء في النظرية أو الممارسة، تظل دائماً مرتهنة بأسس، ومستندة إلى معطيات من نوع أو آخر. غير أن هذه المعطيات نفسها عَرَضية؛ فمهما يكن مضمونها، فإنها لا تكتسب مكانتها إلا لأن من يتبناها يضفي عليها منزلة مميزة... ما إن ندرك هذه الحقيقة حتى يتبين لنا أن السعي إلى الحقيقة، والبحث عما هو صائب، والاحتكام إلى المعايير، والتمييز بين الرأي والمعرفة الحقة، وبين العرف وما هو عادل — كل هذه المساعي ليست في واقع الأمر سوى ممارسة لإرادة القوة. فنحن هنا إزاء أفراد أو جماعات يطرحون شيئاً ما بوصفه معياراً ذا صلاحية كونية، مع أنه في الحقيقة ليس سوى شيء اختاروه هم بأنفسهم، بفعل إرادي، إذ لا يستند إلى شيء آخر. فهو في نهاية المطاف اعتباطي، ولا أساس له سوى إصرارهم على تقريره... وما إن ندرك ذلك ونتخلى عن التظاهر الذي يحجب حقيقة ما يجري، حتى يصبح في وسعنا أن نفرض معاييرنا بلا ذرائع، وأن نُكره الآخرين على ابتلاعها، بدلاً من التظاهر بأن لها أي صلاحية في ذاتها. ويمكن القول إن هذه الممارسة المتسقة لإرادة القوة تقدم الوصفة الأيديولوجية للفاشية».
ترفض النزعة المناهضة للتأسيسية، ممثلة بالذات في تيار ما بعد الحداثة، أي طرح فلسفي ينطوي على ربط الراهن بالممكن على أسس مادية، وترى أن إرادة القوة – الاعتباطية تماماً والذاتية تماماً – هي الجسر الواصل بين هنا والآن وبين ما لم يتحقق بعد، وبهذا المعنى فإن اليوتوبيا خارج منظورها الفلسفي، بل إنها تعد جموحاً إرادوياً تطغى عبره الذات على الموضوع. من هذا المنطلق فإن إنقاذ اليوتوبيا الشيوعية على المستوى الفكري يتطلب إعادة بناء تأسيسية جديدة متحررة من الافتراضات المسبقة، أي مستندة فقط إلى جدل العملية التاريخية الخلاق الذي تتجسد فيه – بحسب تعبير هيغل – المسيرة العقلانية للتاريخ صوب تحرر الإنسانية الجذري. يتماس هذا، بل يشتبك اشتباكاً، مع تدشين أخلاقية مادية جديدة، ترفض من ناحية الأخلاقية النسبية النيتشوية، وترسي من ناحية أخرى أخلاقية مادية مرجعيتها هي المسعى الإنساني للتحرر من الاغتراب.
ما نطرحه هنا ليس وصفة جاهزة، بل وجهة واضحة، بتعبير آخر هو إشارة إلى اتجاه وليس تحديد مسبق لمسار. وتصبح هذه الإشارة ناقصة، ومضللة، إن لم نرفقها بالتأكيد أن جدل العملية التاريخية المؤدي إلى إعادة بناء تأسيسية مادية لن يقتصر أبداً على جانب الوعي، بل إنه سيأخذ شكل الممارسة التحررية التي تدرك تماماً أن الفكر والفعل وجهان لعملة واحدة.
- 1
رالف ميليباند، الاشتراكية لعصر شكّاك. ترجمة نوال لايقة. مراجعة غانم حمدون. الطبعة الأولى. دمشق: دار المدى للثقافة والنشر، 1998.
- 2
ميليباند، الاشتراكية لعصر شكاك. الصفحات التقديمية قبل الترقيم.
- 3
لا توجد إحصاءات مقارنة موثوقة عن الرأسمال الوهمي والرأسمال الفعلي. لكن يمكن استخدام ما يطلق عليه الرصيد المالي العالمي (Global Financial Stock)، وهو مجموع القيمة السوقية لأسهم الشركات والسندات والأذون الحكومية والسندات الخاصة والأوراق المالية المسيلة والقروض\الودائع على الصعيد العالمي، كمؤشر على حجم الرأسمال الوهمي؛ كذلك يمكن استخدام مؤشر التكوين الإجمالي لرأس المال الثابت (Gross Fixed Capital Formation) كمؤشر على حجم الرأسمال المنتج. فبينما زاد المؤشر الأول من 109% من إجمالي الناتج المحلي العالمي في 1980 إلى 359% منه في 2007، ظل المؤشر الثاني مراوحاً بين 24% و27.5% من إجمالي الناتج المحلي العالمي خلال الفترة نفسها. انظر: McKinsey Global Institute. USD 118 Trillion and Counting: Taking Stock of the World’s Capital Markets. 2005. انظر كذلك World Bank Group. Data Portal. Global Gross fixed capital formation. الخلاصة أن معدل تراكم الرأسمال الوهمي على الصعيد العالمي خلال العقود الأربعة أو الخمسة الأخيرة يتجاوز بعدة مرات تراكم الرأسمال المنتج.
- 4
العمل المرن (flexible work) هو العمل الفاقد لصفات الاستقرار والضمان والحماية، حيث تكون العلاقة التعاقدية بين الرأسمالي والعامل مؤقتة وفردية وبلا ضمانات تذكر. أما العمل اللائق (decent work) فهو مصطلح لمنظمة العمل الدولية، ومعناه العمل ذو العائد الجيد الذي تتوفر فيه ضمانات كافية للعامل إزاء صاحب العمل.
- 5
للأسف لا توجد في اللغة العربية كلمة مناظرة لكلمة agency الإنجليزية. وقد استخدما ’فاعلية‘، رغم عدم الدقة، على اعتبار أن هذه أفضل الخيارات.
- 6
وفق تعريف منظمة العمل الدولية للطبقة العاملة العالمية –وهو تعريف محافظ يستبعد العاطلين وكل من يعملون لأنفسهم في مشاريع صغيرة وقزمية، حتى لو كان عملهم هذا يعتمد كلية على رابطة تعاقدية مع الرأسمال الكبير– فإن الطبقة العاملة العالمية قد زادت بين 1991 و2025 من 1.07 بليوناً إلى 1.91 بليوناً، وقد انعكس هذا في ارتفاع نسبتها إلى إجمالي سكان العالم من 19.8% في 1991 إلى 23.2% في 2025، وفي ارتفاع نسبتها إلى إجمالي قوة العمل من 45.2% في 1991 إلى 51% في 2025. انظر(ILOEST database) ILO Modelled Estimates، موقع منظمة العمل الدولية.
- 7
القارية هنا ترجمة continental، ونرى أنها الترجمة الأنسب لأن تعبير ’فلسفة أوروبية‘ لا يفرق بين جناحي الفلسفة الأوروبية: الأنجلوسكسوني التحليلي والقاري الهرمنيوطيقي.