lebanon damaged atm

التهام المصارف الرقمية اللبنانية لطرائِدها اليافعة
أبطال الديجيتال

يتميّز لبنان بمناخه المعتدل وتنوّعه الحضاري واقتصاده الحرّ وحالياً بقطاعه المصرفي المفلس. والعجب هنا هو قدرة هذا الاقتصاد على الصمود حتى الآن والعيش مع تناقضاته كافة في ظل قطاع مصرفي يراكم خسائر تتجاوز 70 مليار دولار (عقيقي، 2024) بالإضافة إلى فجوة بين التزامات الودائع والأصول القابلة للاسترداد تُقدّر بين 37 مليار و80 مليار دولار (بلومبرغ الشرق، 2026) من دون إنجاز أي إعادة هيكلة بعد نحو 7 سنوات من التعثر الأول عن السداد. ومع ذلك، تنخرط المصارف عينها في حملة توسعية، مروجةً لفتح حسابات من دون تعقيدات وإصدار بطاقات متعدّدة العملات مقرونة ببرامج مكافآت وخصومات على خدمات ومنتجات لشريحة ديمغرافية شابة لم تملك في معظم الحالات أي وديعة قبل الأزمة.

وهذا ليس تناقضاً بل في اعتقادي استراتيجية رُسمت عن سابق تصور وتصميم، ولها أسباب وتداعيات كثيرة لن يسمح هذا المقال بتسليط الضوء عليها جميعها، إنما ينصبّ الإدعاء الرئيس لهذا المقال في أن المنصات المصرفية الرقمية في لبنان لا ينبغي قراءتها على أنها تحديث تكنولوجي لعلاقة قائمة مع العملاء بل بكونها بناءً لقاعدة عملاء موازية للعملاء الذين أخذوا نصيبهم من التفليسة الكبرى. تستقطب هذه المنصات المصرفية الرقمية شريحة جديدة من العملاء الجُدد وتتسم بكونها منفصلة عن مصارفها الأم المفلسة سيميائياً وتجريبياً إنما ليس قانونياً.

والحجج الأبرز لهذه النقلة المصرفية هي ثلاث. أولاً، تعمل المنصّات المصرفية الرقمية كأدوات لإصلاح الشرعية العُرفية من خلال التمويه إسمياً على أنها خدمة جديدة وعصرية. وثانياً، تعمل كأدوات تُخفي الموقع المادي للمواجهة مع المودعين حيث أن القضاء، وهو المضمار الرئيس لتحصيل الحقوق، رفع يديه أمام لوبي المصارف، أقله في ما يخص الودائع العالقة. ثالثاً وأخيراً، تعمل «البنوك الديجيتال» كبنى تحتية تُعيد إعمار نموذج إيرادات المصرف التي لطالما تمحورت حول الريع المعاملاتي وائتمان الاستهلاك بدلاً من الوساطة الادخارية بهدف الاستثمار الإنتاجي. 

نظامان نقديان لا يلتقيان

منذ أواخر عام 2019، ميّز مصرف لبنان بين الأموال المودعة أو المحوّلة من الخارج بعد اندلاع الأزمة وتلك التي كانت محتجزة قبلها. وما بدأ كتدبير محاسبي مؤقت سرعان ما تحوّل إلى انقسام دائم في الفضاء النقدي. فقد أصبحت أرصدة الدولار لما قبل الأزمة، والتي تُعرف عامياً بـ«اللولار»، فئة من المطالبات الخاضعة لقيود غير رسمية على حركة رأس المال لم تُقرّ بقانون قط، ولا يمكن استردادها إلا عبر تعاميم متتالية صادرة عن البنك المركزي وبأسعار صرف تقل كثيراً عن سعر السوق. وبحلول نهاية عام 2024، سحب نحو 431,448 مودعاً ما مجمله 3.24 مليارات دولار بموجب التعميمين 158 و166 (Al Sayed, 2025)، وهو رقم يقيس حجم الترشيد والتقنين لا حجم الاسترداد الفعلي.

في المقابل، تتداول «الدولارات الطازجة» (الفريش) بحرية تامة فهي قابلة للسحب، وللتحويل إلى الخارج، ومتحرّرة من التزامات القطاع التاريخية. وهكذا أصبحت هناك عملتان تتشاركان الاسم نفسه أما التمييز بينهما ليس نقدياً بل قانوني، وهو ينعكس مباشرة على التمييز بين فئتين من العملاء. وتكمن تبعات هذين التصنيفين بالإقرار بأن المؤسسات المصرفية فقدت هيبتها على الأقل - وليس بالضرورة قوتها أو جبروتها - التي بنتها تاريخياً حتى ما قبل قيام لبنان الكبير. ولهذا تبعات تنظيمية. 

خفّضت قيمة الأموال القديمة وبُطئت حركة تدفّقها، بينما تركت الأموال الجديدة تتحرّك بحرية، وباتت المنصّات المصرفية الرقمية القناة التي تمر عبرها هذه الأموال

مبدئياً، تُميّز النظرية التنظيمية بين تحديات الشرعية التي يمكن معالجتها عبر الإدارة الرمزية وتلك التي تتطلّب إعادة هيكلة جوهرية (Ashforth and Gibbs, 1990؛ Suchman, 1995). أما الحالة اللبنانية فتتماهى بصورة لا تدع مجالاً للشك مع الفئة الثانية إذ لم يعانِ القطاع من عارضٍ يمس سمعته، بل من فشل هيكلي تم التثبت من أسبابه بوضوح ودراسته باستفاضة. 

يوثق مسح لملكية المصارف في لبنان أجراه الاقتصادية جاد شعبان (2016) أحد جوانب هذا المشهد، على الرغم من أنه يقيس نفوذ البنوك عبر الأسهم المملوكة والمقاعد في مجالس الإدارة المصرفية من العائلات السياسية ويستبدل تحليل العلاقة بين السلطتين الاقتصادية والسياسية بقائمة من العلاقات الشخصية من جهة، وأنه من جهة أخرى كرّس إطار «رأسمالية المحاسيب» التي تبنتها بعض التيارات بعد عام 2019 لتبرئة المصرفيين وتبني الرواية التي تُسند أسباب الأزمة إلى ديون الدولة فقط (طرابلسي، 2023).

غير أن التحليل التاريخي لمؤسسات القطاع المصرفي الذي يقدمه هشام صفي الدين في كتابه «دولة المصارف» يمنح أرضية أكثر إقناعاً لعلاقة الدولة والمصارف. فمصرف لبنان الذي منذ تأسيسه اعتُبر حينها ذروة السيادة الاقتصادية والمالية، قد خضع لترتيبات حوكمة تلبي متطلبات السلطة السياسية وأرباح القطاع المصرفي بدلاً من خضوعه لقوى السوق أو المصلحة الوطنية في حين قدم خدماته لأوليغارشية من المصرفيين المحليين بدلاً من كبح جماحها. 

نظمت المصارف نفسها بالفعل ضمن لوبي ضاغط، وأمنت السرية المصرفية، وشهدت فشل مشاريع بنوك التنمية، كما منعت أي إصلاح من شأنه الإخلال بالنظام الحر الذي يدعم نفوذها. وأدى ذلك إلى قيام مصرف مركزي يفتقر إلى أي تفويض تنموي، وجعل من القطاع المالي نفسه المؤسسة المنظمة لاقتصاد يرجّح القطاع الخدمي على غيره من القطاعات الاخرى، وهو اقتصاد دافعت بنوكه منذ ذلك الحين عنه وحاربت أي فرض للضرائب على أرباحها وريوعها وفوائدها.

وحينما تكون إعادة الهيكلة الجوهرية غير ممكنة أو غير مرغوب فيها، تسيطر الإدارة الرمزية لتصبح الخيار التلقائي والوحيد. وهنا تحديداً تُفتح الساحة لدخول المصارف الرقمية.

ويكشف مسار الاستجابة التشريعية منطق هذه الاستراتيجية بمزيد من الوضوح. فقد أقر البرلمان قانون إعادة تنظيم المصارف في 31 تموز/يوليو 2025، غير أن أحكامه المتعلقة بتوزيع الخسائر أُحيلت إلى أداة تشريعية متممة، وهي ما يُعرف بـ«قانون الفجوة» الذي وافق عليه مجلس الوزراء في كانون الأول/ديسمبر 2025 وأحاله إلى البرلمان. وقد وصف المحلّلون مسودة القانون بأنها تعترف بالخسائر من دون أن تُحدد المسؤولية عنها (Debs, 2025؛ The Policy Initiative, 2025). وبموجب هذا الإطار التوجيهي، يُسقف السداد النقدي عند 100 ألف دولار تُصرف على مدى 4 سنوات، بينما تُحوّل الأرصدة المتبقية إلى أدوات مالية طويلة الأجل ومنخفضة العائد، مع إعادة تقييم بعض الحسابات المحوّلة من الليرة بعد تشرين الأول/أكتوبر 2019 بسعر 30 ألف ليرة للدولار وهو سعر يقل كثيراً عن سعر السوق (The Policy Initiative, 2025).

وُظّف الدهاء للتنصّل من مسؤولية تذويب كتلة الودائع السابقة للأزمة، وترافق مع فرز للأرصدة المتكوّنة قبل وبعد تشرين الأول/أكتوبر 2019 (The Policy Initiative, 2025). هكذا خفّضت قيمة الأموال القديمة وبُطئت حركة تدفّقها، بينما تركت الأموال الجديدة تتحرّك بحرية، وباتت المنصّات المصرفية الرقمية القناة التي تمر عبرها هذه الأموال.

الغفران عبر إعادة تشكيل الهوية

أغلقت المصارف الكثير من مكاتبها في المناطق اللبنانية، لا سيما العاصمة بيروت، كما سرّحت الكثير من موظّفيها، لإعادة ترتيب بيتها الداخلي بعد الأزمة. واللافت أن المصارف التي صمدت باتت تحاول تلميع صورتها واجتذاب شريحة من العملاء الجُدد عبر منصات رقمية مستحدثة، غير المحافظ المالية، مثل Suyool وWhish Money. 

على سبيل المثال، أطلق بنك عودة منصة «نيو» (Neo)، التي سُوّقت بوصفها أول بنك رقمي في لبنان، وبنيت على منصة طوّرتها شركة «كودبيس تكنولوجيز» (Codebase Technologies) ومقرها الإمارات. تُوفر المنصة حسابات مزدوجة العملة، وبطاقات افتراضية ومادية، وتحويلات بين الأفراد عبر رموز الاستجابة السريعة (QR)، بالإضافة إلى خدمات الإيداع والسحب من دون استخدام البطاقة عبر شبكة أجهزة الصراف الآلي التابعة للبنك (Pathe, 2024). كذلك الأمر بالنسبة لبنك بيبلوس الذي طرح تطبيق «بي أوه 2» (BO2) في شباط/فبراير 2025، مُضيفاً لاحقاً محافظ متعددة العملات منها العربية والأجنبية ببطاقة واحدة (The Bulletin, 2025؛ Famagusta Gazette, 2025). ويَعِدُ كِلا التطبيقين بإتمام إجراءات الانضمام وفتح الحساب في غضون دقائق معدودة باستخدام الهاتف ووثيقة الهوية الوطنية فقط ومن دون الحاجة لزيارة الفرع (راجع شروط الخدمة على روابط هذه المنصات).

الشريحة التي يجري استقطابها لا تملك أي ذاكرة تجريبية عن تجربة ما قبل الأزمة، فهي لم تقف في طوابير الانتظار، ولم تحمل أي رصيد مجمّد يخضع للتقاضي. وبالتالي، فإن علاقتها بالمؤسسة تبدأ بعد القطيعة

إن اختيار هذه المسميات ليس أمراً عارضاً فاسم «نيو» (Neo) يعني «الجديد»، واسم «بي أوه 2» (BO2) يرمز إلى رقم إصدار أو نسخة ثانية. وكلا الاسمين يُشيران إلى قطيعة واستمرارية جديدة لم تخضع لها المؤسسة الأم في واقع الأمر. وبهذا يُعاد إنتاج مفردة «الفريش» (الطازجة) التي تُهيمن على النظام النقدي، ولكن على مستوى الهوية التجارية هذه المرة.

الحركة الإجرائية الأساسية هنا هي إقحام هوية منفصلة بين العميل والمؤسسة في الدرجة الأولى. فمستخدِم تطبيق «نيو» يتعامل مع تطبيق واجهة برمجية، ومركز اتصالات يعمل على مدار الساعة، وشبكة صراف آلي شريكة. أما كلمة «عودة» فلا تظهر إلا في عبارة فرعية ثانوية. كذلك الأمر مع المنصات المصرفية اللبنانية الأخرى. وبذلك، تصبح «المنصة» هي النموذج الذهني للعميل عن الطرف المقابل في التعامل، بينما يظل الطرف المقابل قانونياً هو البنك بحد ذاته بكل التزاماته غير المحسومة وبموقعه الراهن ضمن نظام إعادة الهيكلة المعلق.

عموماً، يؤدي الاقتصاد السياسي لمنصات التقنية المالية، أو ما يعرف بالـFintech، دور إعادة الوساطة وليس إلغاؤها (Langley and Leyshon, 2020)، إذ تبقى البنية التحتية المؤسسية القائمة مستمرة وتصبح المنصة موقعاً يحشر نفسه بين العميل والمؤسسة المصرفية. وفي الحالة اللبنانية، يكتسب هذا المنطق إحاطة مضافة كون المنصة لا تكتفي بإعادة تنظيم العلاقة فحسب، بل تغسلها من عارها. بالإضافة إلى ذلك، تقدّم سرديات الشمول المالي الرقمي بانتظام حلولاً تقنية لمشكلات هي في جوهرها مشكلات متعلقة بإعادة التوزيع (Gabor and Brooks, 2017). وتُعد الحالة اللبنانية نموذجاً أكثر حرفية لذلك، إذ يُقدَّم الحل التقني من الفاعلين أنفسهم المسؤولين عن المشكلة التوزيعية. والمضحك هنا أنني أعني التوزيع بشكل قانوني أي إعادة ما نُهب وليس إعادة توزيع المال بهدف بسط العدالة الاجتماعية في المجتمع.

يبدو أن هذه الوساطة تمتد لكل الأجيال ولاسيما الأجيال الشابة. والدليل الأكثر صراحةً على الاستهداف الجيلي هو توسيع نطاق هذه المنتجات لتشمل القاصرين. إذ تروّج البنوك الديجيتال لـ «حسابات فرعية» وبطاقات مخصصة للمراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين 11 و17 عاماً، مع توفير ميزات تمويل من الوالدين، ومتابعة فورية للإنفاق، وصلاحيات التحكم والتجميد عن بُعد، ناهيك عن توسع «ترينداتهم» على فضاءات تطبيقات التواصل الاجتماعي، التي تهيّأ خريجي الثانويات للحصول على جوائز لأفضل دعاية تنتجها لجان حفلات التخرج (Neo Prom Challenge, 2026). فالطفل اللبناني الذي يبلغ من العمر 11 عاماً في عام 2026، كان في الرابعة من عمره في تشرين الأول/أكتوبر 2019. أما الذين يواصلون دراستهم الجامعية فهم معفيين من الرسوم الشهرية مثلاً. ولذا، فإن برامج الولاء، وأميال السفر، وتوفير العملات الأجنبية عند الإنفاق بالبطاقة، والخصومات تخاطب ذاتاً استهلاكية لا ذاتاً مدخرة.

يُمارَس هذا الاستبدال الجيلي بوصفه استراتيجية قائمة بذاتها. إن الشريحة التي يجري استقطابها لا تملك أي ذاكرة تجريبية عن تجربة ما قبل الأزمة، فهي لم تقف في طوابير الانتظار، ولم تحمل أي رصيد مجمّد يخضع للتقاضي. وبالتالي، فإن علاقتها بالمؤسسة تبدأ بعد القطيعة، وهي بذلك من منظور المؤسسة علاقة طبيعية. وبينما تتطلّب الثقة مع المودع الأكبر سناً استعادةً وإصلاحاً، وهي مهمة مكلفة وقد تكون مستحيلة، فإن الثقة مع المستخدم الأصغر سناً تتطلّب التأسيس والإنشاء فحسب.

زوال أسطورة شبّاك المصرف

بين عامَي 2019 و2022، تحوّل فرع المصرف إلى الساحة المادية الرئيسة للصراع التوزيعي في لبنان، أو على الأقل بالنسبة إلى بعض مجموعات الحراك المناهض للمصارف والمتضرّرين الأساسيين. ففي آب/أغسطس 2022، احتجز بسام الشيخ حسين موظفي فرع مصرفي في بيروت خلال مواجهة استمرت 7 ساعات، وغادر بحوزته 35 ألف دولار من أمواله الخاصة (Homsi, 2022). وفي 14 أيلول/سبتمبر 2022، دخلت سالي حافظ فرع بنك لبنان والمهجر (بلوم) في منطقة السوديكو مسلحة بمسدس لعبة، برفقة ناشطين من جمعية «صرخة المودعين»، وسحبت نحو 13 ألف دولار لعلاج أختها من مرض السرطان، وقد بُثت هذه العملية ببث حي ومباشر (CNN, 2022؛ Jansen, 2022). ومنذ بدأ الحراك عموماً أصرت جمعية مصارف لبنان إلى إغلاق فروع المصارف لأجل غير مسمى متعلّلة بوجود خطر على الموظفين في الكثير من المحطات (راجع رسالة الماجستير الخاصة بي عن المصارف كحركة مضادة للثورة).

لم تكن هذه الحوادث عمليات سطو بالمعنى التقليدي للكلمة، ولم يُنظر إليها شعبياً على هذا النحو. استند المحامون المرتبطين بالحركة إلى المادة 184 من قانون العقوبات، التي تُجيز ارتكاب الجريمة دفاعاً عن النفس أو المال، وصوّروا قيود رأس المال غير الرسمية (الكابيتال كونترول القسري) على أنها ممارسة للعنف الإجرائي الذاتي (Jansen, 2022). وجاءت الاستجابة القضائية متأرجحة ومزدوجة بالقدر نفسه حيث أُفرج عن حافظ بكفالة رمزية مع منع من السفر لمدة 6 أشهر (Chehayeb, 2022).

يُؤطر القطاع المصرفي هذه التحولات تحت مسمى «التسهيل والراحة»، غير أنها تُمثل إعادة تشكيل للجغرافيا السياسية للمظالم، على عكس التعبير عن المظلمة الموجّهة ضد تطبيقٍ ذكي لا يجد مكاناً يصل إليه

الأسس الأهم تحليلياً لهذه الأحداث لا تكمن في مدى قانونيتها أو أخلاقيتها، بل في منطقها المكاني. إذ تتطلب المواجهة والاحتجاج وجود مكان تتجسد فيه المؤسسة مادياً ومحلياً ممثلةً في مديرٍ، أو موظف شباك، أو خزينة، أو نافذة خدمة على الأقل. لقد أتاح الفرع مساحةً ملموسةً يمكن التوجه إليها والمطالبة فيها، محولاً بذلك المطالبة المالية إلى مواجهة مباشرة ووجهاً لوجه يمكن فيها قلب موازين القوى والتفاوت ولو لبرهة وجيزة. 

تُلغي المنصة الرقمية هذه المواجهة وتحدّ عمليات الإيداع والسحب عبر الآلات باستعمال قسائم مُنشأة بوساطة التطبيق، وتُوجّه خدمات الدعم إلى مركز اتصالات، بينما لا يتطلب فتح الحساب أي زيارة للفرع على الإطلاق — بل إن المواد الترويجية الخاصة بهذه التطبيقات نفسها تُشير إلى أن العملاء لن يعودوا بحاجة إلى زيارة الفروع لإجراء عملياتهم.

يُؤطر القطاع المصرفي هذه التحولات تحت مسمى «التسهيل والراحة»، غير أنها تُمثل في الوقت نفسه وبصورة متزامنة إعادة تشكيل للجغرافيا السياسية للمظالم على عكس التعبير عن المظلمة الموجّهة ضد تطبيقٍ ذكي لا يجد مكاناً يصل إليه أو يحارب فيه. ومسار التصعيد الناتج عن الشعور بالإحباط إلى المواجهة المباشرة الذي كان يمتد من شبابيك السحب إلى مكتب المدير شخصياً استُبدل بدوره برقم انتظار عند الاتصال بخدمة العملاء أو بتذكرة دعم داخل التطبيق. وبذلك، لا تُعد الواجهة البرمجية مجرد قناة أقل تكلفة فحسب، بل قناة غير قابلة للمواجهة.

وهنا تلزم الإشارة إلى تحفظين أساسيين: أولهما، أن موظفي الفروع كانوا أنفسهم أجراء يتقاضون رواتب ويتحملون المخاطر المادية لقرارات اتُخذت من الأعلى، ومن ثم فإن إبعادهم عن خط المواجهة يُعد مكسباً لا يُستهان به. وثانيهما، متعلق بالرقمنة القطاعية التي تُحركه دوافع مستقلة تتعلق بالكلفة والمنافسة. ومن ثم، فإن الطرح المُقدم هنا لا يفترض أن الاستغناء عن الفروع قد صُمّم كتدبير لمواجهة الاحتجاجات، بل إن نتائجه التوزيعية والسياسية في السياق اللبناني تُعد نتائج منهجية، ومن الواضح أنها محبذة من المؤسسات التي تبنتها.

من حارسٍ للأمانات إلى جابٍ للرسوم، وأحياناً الصرافة؟ 

تكشف الملفات الوظيفية لحسابات المصرف الرقمي عن دلالات لافتة، إذ تُركز الحملات التسويقية على استقبال رواتب القطاع الخاص، وتلقي التحويلات الدولية، وتمويل الحساب عبر بطاقات صادرة عن بنوك أخرى، وإجراء التحويلات بين الأفراد، وتسديد الفواتير، والتسوق عبر الإنترنت، والإنفاق أثناء السفر. وفي المقابل، تظهر المنتجات الادخارية بصورة هامشية جليّة، إذ لا تُشكل الفوائد إن جرى ذكرها أساساً جوهر الطرح التسويقي.

ويتقاطع هذا مع بنية دخل الأسر اللبنانية، إذ يُشكّل المغتربين والتحويلات الخارجية نحو ثلث الناتج المحلي الإجمالي وفق معظم التقديرات، ومع ذلك لا تتعامل المصارف إلا مع أقل من 5% من هذه التدفقات، بينما تستوعب شركات تحويل الأموال والقنوات غير الرسمية الحصة المتبقية (Tager, 2026). كما أصبحت طبيعة العمل أكثر هشاشة ولا تتمتع باستقرار، حيث باتت الترتيبات غير المنتظمة والقطاع غير الرسمي هما الأصل وليس الاستثناء (Zoughaib & Maktabi, 2024). وقد صُنّف العمل عبر المنصات الرقمية في لبنان بأدنى مستويات الحماية فلم تُسجل أي من المنصات الست الكبرى المشمولة بالدراسة أي نقطة في أي من المبادئ الخمسة للعمل العادل (Maktabi et. al, 2023).

يُعاد تشكيل البنك ليتحول من حارس ومؤتمن على المدخرات إلى مشغّل لطريق مأجور يُحَبس فيه المرور ببدل، ويُعد هذا تحولاً مألوفاً في أدبيات «الأمولة»، حيث تُصاغ الحياة المعاملاتية للأسر لتصبح موقعاً مباشراً للتراكم الرأسمالي

وبناءً عليه، فإن عملاء الحسابات الرقمية الجديدة الذين تُوجه إليهم هذه الخدمات، هم أفراد يتلقون أموالاً بصورة غير منتظمة تنفق بسرعة كالموظفين بأجر، أو الفريلانسرز (ذوي الأعمال الحرة)، أو متلقو التحويلات الخارجية. ومن ثم، فإن الحساب يُعدّ معبراً وقناة للأموال لا مستودعاً أو خزيناً لها.

عندما يتحول الحساب المصرفي إلى مجرد معبر وممر للأموال، يصبح استخلاص الإيرادات مرتهناً بالتدفقات المالية وحركتها. وتُفصح جدول الرسوم والعمولات المعلنة عن طبيعة هذا النموذج بوضوح: رسوم بطاقات شهرية، وعمولات مقطوعة على استخراج كشوفات الحسابات، وهوامش أرباح على تحويل العملات، بما في ذلك رسوم التحويل الديناميكي للعملات عند السحب من الخارج. في المقابل، يروج تطبيق «نيو» لخفص التكاليف في رسوم الصرف بالمقارنة مع البدائل الأخرى، وهو طرح تسويقي يفترض سلفاً وجود عميل يرى أن السعر الحاسم والبارز بالنسبة إليه هو فارق سعر الصرف، وليس الفائدة.

وبذلك، يُعاد تشكيل البنك ليتحول من حارس ومؤتمن على المدخرات إلى مشغّل لطريق مأجور يُحَبس فيه المرور ببدل (جابي رسوم). ويُعد هذا تحولاً معروفاً ومألوفاً في أدبيات «الأمولة» (Financialisation)، حيث تُصاغ الحياة المعاملاتية للأسر لتصبح موقعاً مباشراً للتراكم الرأسمالي (Van der Zwan, 2014؛ Langley, 2008)، وتتأتى عوائد الوساطة المالية بشكل متزايد من موقع المؤسسة داخل البنية التحتية لسبل الدفع، بدلاً من التحول في آجال الاستحقاق الذي كان يُبرر وجودها في النموذج الكلاسيكي.

بالنسبة إلى الائتمان فلم يُعاوِد صدوره على نطاق واسع، إذ اختفت قروض الإسكان عملياً، وظل الإقراض الاستهلاكي هامشياً، كما أن ما تُجريه المصارف من إقراض يتسم بانتقائية عالية — فيستهدف ذوي الدخل المرتفع، وأصحاب الضمانات الكبيرة، وذوي أشكال المخاطر المنخفضة، وبأسعار فائدة على الدولار تتراوح بين 12% و14% (Younes, 2026). غير أن الأرضية التنظيمية أخذت تتشكل؛ ففي 21 أيار/مايو 2026، اعتمد مصرف لبنان 3 قرارات تهدف إلى إدماج المؤسسات المالية، وهيئات الائتمان المتناهي الصغر، ومنافذ الائتمان ضمن إطار موحد بوصفها «شركات تمويل»، وذلك بغرض صريح يتمثل في إعادة فتح سوق الائتمان (Younes, 2026).

إن اتجاه مسار التطور يبدو جلياً في المنتجات المدمجة بالفعل داخل هذه المنصات حيث يروّج تطبيق «نيو» مثلاً لبطاقة ائتمانية مرتبطة بنظام مكافآت، مع الإشارة إلى إطلاق منتجات تأمين (Pathe, 2024)، في حين بدأت شركات التمويل الاستهلاكي غير المصرفية بقبول طلبات القروض عبر الإنترنت وقنوات التواصل الاجتماعي. وعلى هذا، فإن ما يُعاد بناؤه ليس إلا جهازاً لائتمان التجزئة الموجه للاستهلاك الفوري كالسفر، والكترونيات، والأثاث، وأسلوب الحياة، بدلاً من التوجيه نحو الاستثمار الإنتاجي.

إن الدلالات النظرية هنا ليست جديدة، ولكنها تكتسب حدة بالغة في السياق المحلي؛ إذ يصف لازاراتو (2012) علاقة الدائن والمدين بأنها تقنية لإنتاج نمط محدّد من الفاعلين، نمطٍ يضبط الالتزامُ سلوكَه المستقبلي. وفي السياق نفسه، تصف سوديربرغ (2014) التوسع المنهجي في منح الائتمان لفئات لا تستطيع أجورها تحمله بأنه نمط من أنماط الحوكمة وإدارة أسلوب الحياة، وليس فشل في السوق.

وفي بلدٍ هاجر منه أكثر من 700 ألف شخص بحثاً عن فرصٍ أفضل ولم يعودوا إليه منذ عام 2020، آخذين مهم قوةً إنتاجيةً حقيقية من اقتصادٍ بات يعيش على تحويلات المغتربين (الجرماني، 2026) ناهيك عن تحوّل الاقتصاد إلى اقتصاد مدولرٍ تام بحلول عام 2022 (World Bank Group, 2023)، وقد انكمشت فيه القاعدة الإنتاجية بشدة، فإن إعادة إدخال الائتمان الاستهلاكي السلس لشريحة من أصحاب الدخل غير المنتظم لا يعني تحويل المدخرات إلى استثمارات، بل إنها تُحوّل الدخل المستقبلي المتقلب إلى إيرادات بنكية حاضرة. ولعل ملاحظة المستخدم بأن هذه العملية تعمل بمثابة فخ لم يعد يتطلب حتى بطاقة ائتمانية، تُعد ملاحظة في محلها، إذ أصبحت البطاقة اليوم مجرد سطر برمجي في تطبيق مثبت بالفعل على الهاتف المحمول، يفصله 3 نقرات فقط عن وديعة الراتب التي سيُسحب منها.

عالم جديد ينتظر أبطاله

تُستوعَب المنصات المصرفية الرقمية، التي تتكاثر اليوم في لبنان على أتم وجه، بوصفها آلية لاستمرارية المؤسسة تحت قناع تجديدها، إذ تُتيح لمصارف لم تُعَد هيكلتها، ولم تُخضع لتدقيق جنائي يحاسبها، ولم تُعِد للمودعين مدخراتهم، أن تستقطب قاعدة عملاء لا تُشكل أي من هذه الحقائق بالنسبة إليها خبرةً معاشة. وهي بذلك تنقل العلاقة مع العميل من موقع مادي تجسّدت فيه المظالم، ويُمكن فيه التعبير عنها، إلى واجهة برمجية تعجز فيها المظلمة عن التحقق. كما أنها تُعيد تشكيل اقتصاديات البنك حول الاستخلاص المعاملاتي والائتمان الاستهلاكي المستقبلي، بدلاً من التوسّط المالي لتحويل المدخرات إلى استثمار إنتاجي.

لا يتطلب أي من هذا وجود مؤامرة، بل يقتضي فقط أن يَجد قطاع يعاني عجزاً، لا سبيل شرعياً لحله لدى شريحة مجتمعية ما، أن من العقلاني إعداد شريحة أخرى لاستغلالها، وأن تصادف التكنولوجيا المتاحة للقيام بذلك إزالةَ آخر موقع مادي كان يمكن للشريحة الأولى أن تجعل صوتها فيه مسموعاً ومؤثراً. وإنّ «قانون معالجة الفجوة المالية»، حال إقراره بجوهره الحالي، سيكتمل به مفاعيل شطب قاعدة الودائع القديمة وتمديدها عبر عقود طويلة، في مقابل ضم القاعدة الجديدة في غضون 5 دقائق عبر صورة شخصية كالـSelfie وبطاقة هويّة. 

لا تزال البيانات حول التوزيع الجيلي، وملفات الدخل، والسلوك المعاملاتي لحملة الحسابات عبر المنصات الرقمية في لبنان، غير متاحة للعلن حتى الآن. كما يغيب التحليل المستقل لإيرادات الرسوم والعمولات التي تولدها هذه المنصات بالمقارنة مع دخل الوساطة المتبقي للقطاع. وإلى أن تتوفر هذه البيانات، يظل الطرح المُقدم هنا تفسيراً لاستراتيجية مرئية المعالم أكثر منه قياساً لآثارها، على الرغم من قناعتي أن الاستراتيجية ذاتها ليست محل شك.

فهل ستُرجع المصارف صدارة ما انتزع منها سابقاً وتتقلد أوسمة أبطال الديجيتال أمام الأجيال القادمة؟

    داني يونس

    باحث في العلوم الاجتماعية، يركز على علاقات العمل والحركات الاجتماعية وقضايا التعليم.