730 ألف لبناني هاجروا منذ انهيار 2019، فمن سيعيد إعمار لبنان؟
وجد تحليل أجراه الاقتصادي شربل نحاس، بالاستناد إلى بيانات عبور الحدود الصادرة عن الأمن العام اللبناني، أن عدد اللبنانيين الذين غادروا البلاد ولم يعودوا بين كانون الثاني/يناير 2020 ونيسان/أبريل 2026 بلغ 729,062 شخصاً.
لطالما حذّر نحاس من أن حجم أزمة 2019 وإنكار النخبة والزعماء اللبنانيين سيؤديان إلى تبدّد المجتمع. وبعد 6 سنوات على بداية الأزمة، ثبتت صحة تحذيراته، وإن كان ذلك على غير ما يتمنى، إذ غادر ما يعادل 20% من اللبنانيين البلاد بصورة نهائية.
الهجرة سمة بنيوية في الاقتصاد السياسي اللبناني، الذي يصدّر الناس والمهارات، ثم يعتمد على التحويلات المالية التي يرسلونها من الخارج. لكن بعد انهيار 2019، تسارعت الهجرة على نحو هائل من حيث الوتيرة والحجم.
تعنّت النخبة اللبنانية ورفضها إعادة هيكلة الاقتصاد، وخصوصاً بعد عام 2019، حوّل المجتمع إلى متغيّر للتكيّف مع الأزمة بحسب نحاس. ولتفادي المساس بشبكة المصالح الاقتصادية القائمة، تشرف الدولة على تفريغ المجتمع خدمة للاقتصاد.
1. إلى أي حدّ تسارعت هجرة اللبنانيين بعد 2019؟
بلغ صافي خروج اللبنانيين 185,581 شخصاً بين عامي 2014 و2019. أما بين كانون الثاني/يناير 2020 ونيسان/أبريل 2026، فقد بلغ 729,062 شخصاً، أي إن صافي الهجرة إلى الخارج ازداد نحو 4 أضعاف خلال فترة أطول بقليل.
فعلياً، غادر ما يعادل 20% من اللبنانيين البلاد منذ انهيار 2019. ويشكّل هذا النزوح الجماعي صدمة ديموغرافية كبرى ستترك نتائج بعيدة المدى على الاقتصاد والمجتمع وقدرة الدولة على التعافي.
احتُسب هذا الرقم عبر طرح عدد اللبنانيين الذين سُجّل دخولهم إلى البلاد من عدد الذين سُجّل خروجهم منها. فالزيارات العادية، مثل السفر لقضاء العطلات أو للسياحة، تتعادل عادة عند عودة المسافرين: خروج واحد ودخول واحد يتركان أثراً صافياً يساوي صفراً. لذلك، يلتقط الاختلال التراكمي حالات الخروج التي لم تقابلها عودة مسجّلة خلال الفترة، ما يجعله أفضل مقياس متاح لصافي الهجرة.
2. أي الأزمات أنتجت أكبر موجات الخروج؟
يكشف التسلسل السنوي أن الهجرة حدثت في موجات متكررة. ففي عام 2020، بلغ صافي الخروج 7,793 شخصاً، حين كبحت قيود جائحة كوفيد-19 حركة السفر. أما السنوات الثلاث التي شهدت أكبر موجات هجرة فكانت 2021 و2023 و2024، وقد أنتجت مجتمعة 75% من إجمالي صافي الخروج بعد الانهيار.
أخفت إغلاقات الاقتصاد والنقل بسبب الجائحة في عام 2020 الآثار المباشرة للانهيار المالي، واحتجاز الودائع، وانفجار مرفأ بيروت. وعندما أُعيد فتح الاقتصادات وعودة نشاطات السفر في عام 2021، تبلورت قرارات المغادرة المؤجلة في ظل انهيار الأجور، ورفع الدعم، ونقص الوقود، وانقطاع الكهرباء، وهي أعباء اضطرت الأسر إلى تعويضها عبر إنفاق متصاعد من مدخراتها.
تتطلب الهجرة تأشيرات، وعروض عمل، ومدخرات، وتخطيطاً أسرياً، لذلك يظهر أثر الأزمات في بيانات الهجرة غالباً خلال السنوات اللاحقة. بحلول عامي 2023 و2024، كانت الخسائر المصرفية غير المعالجة، والتدهور الاقتصادي المستمر، واندلاع الحرب بين إسرائيل ولبنان في 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023، قد بددت آمال التعافي وزادت المخاوف من تصعيد العدوان الإسرائيلي. وقد سجّل هذان العامان عجزين شبه متطابقين في حركة الهجرة، إذ واصل تراكم الأضرار دفع الناس إلى مغادرة البلاد.
3. كيف تحولت المغادرة إلى استراتيجية لبقاء الأسر؟
فكّك الانهيار الأسس المادية التي كانت تسمح للأسر بالبقاء. أصبحت المدخرات غير قابلة للوصول، وخسرت الأجور معظم قدرتها الشرائية، وانهارت خدمات أساسية مثل الكهرباء والرعاية الصحية والنقل والتعليم، قبل أن تعود متاحة بكلفة باهظة وعبر القطاع الخاص.
وبحسب البنك الدولي، عمدت السلطات اللبنانية إلى تعميق الانكماش الاقتصادي وإطالة أمده بصورة متعمدة. وقد خفّض تراجع فرص العمل الكلفة البديلة للمغادرة، إذ أصبحت حتى الوظائف منخفضة الأجر في الخارج أكثر جاذبية من البطالة في الداخل. وبحسب منظمة العمل الدولية وإدارة الإحصاء المركزي في لبنان، ارتفع معدل البطالة من 11.4% في عامي 2018 و2019 إلى 29.6% في كانون الثاني/يناير 2022، فيما بلغت بطالة الشباب 47.8%.
أصبحت الهجرة وسيلة للحصول على الدخل والخدمات في الخارج، وضمان بقاء المعالين الذين ظلوا في لبنان، بالتزامن مع ارتفاع نسبة الفقر بين اللبنانيين إلى 33% في عام 2022.
وفيما تحصر السلطات خطابها بالحرب بوصفها أصل جميع مشكلات لبنان، تبقى الأزمة الاقتصادية المحرّك الأساسي للهجرة. ففي استطلاع أجراه «اراب بارومتر» عام 2024، صرح 38% من المستطلعين إنهم يفكرون في الهجرة، وذكر 72% منهم أن دوافعهم اقتصادية.
4. كيف تحولت الهجرة إلى شريان اقتصادي؟
عَلِق لبنان في حلقة مفرغة من خسارة السكان بسبب الهجرة التي تزيد اعتماده على العملات الأجنبية التي يرسلونها. وقد بلغت تحويلات المغتربين 6.6 مليارات دولار في عام 2023، أي ما يعادل نحو 33% من الناتج المحلي الإجمالي.
ولا تتوزع هذه التحويلات بالتساوي، إذ تبيّن أن الأسر الأعلى دخلا تستفيد من الحصة الأكبر منها. وتتدفق هذه الأموال داخل الاقتصاد عبر الاستهلاك والطلب على السلع المستوردة.
تمر التحويلات عبر ملاك العقارات، والمتاجر، والمدارس الخاصة، والمستشفيات، وأصحاب المولدات، والتجار، فيما تحقق الدولة إيرادات عبر فرض ضرائب غير متناسبة على الاستهلاك. وهكذا تُبقي هذه الأموال الاقتصاد موصولاً بأجهزة الإنعاش، رغم عدم استدامته، وعلى حساب المجتمع الذي يغادر أفراده لإبقائه قائماً.
تعمل هذه الآلية أيضاً بوصفها صمام تنفيس للتوترات الاجتماعية التي ينتجها الاقتصاد السياسي اللبناني. فالاقتصاد الذي يحرّكه، بصورة غير متناسبة، الاستهلاك والتجارة والريع لا يستطيع خلق وظائف كافية لسكان البلد. وتخفف الهجرة الكلفة الاجتماعية المباشرة لتراجع الدولة عن دورها في تقديم الخدمات الأساسية، ما يقلل الضغط على المؤسسات السياسية لبناء ظروف تسمح للناس بالبقاء.
لكن حين يغادر اللبنانيين يأخذون معهم قدراتهم الإنتاجية، وهي قدرات ضرورية لأي تعافٍ مستقبلي، ويتركون البلد أكثر فقراً واعتماداً على بضع مئات من الدولارات يرسلها المهاجر إلى أسرته.
5. من سيبقى لإعادة بناء لبنان؟
تتحدث الحكومة اللبنانية عن الحرب الجارية بوصفها أصل كل الشرور في لبنان، متجاهلة 3 سنوات من الانهيارات المتواصلة التي سبقتها. صحيح أن الحرب فاقمت أزمات لبنان، لكن إنهائها وإعادة بناء المنازل المدمرة لن يعكسا الهجرة إلى الخارج، بل سيعيدان من بقي إلى الظروف نفسها التي دفعت الناس إلى المغادرة أصلاً.
يقدّر البنك الدولي أن التعافي وإعادة الإعمار بعد حرب 2023-2024 يحتاجان إلى 11 مليار دولار. أما التقديرات الأولية للمجلس الوطني للبحوث العلمية، التي تغطي الشهر الأول من حرب 2026، فتقدّر الخسائر المباشرة بملياري دولار إضافيين.
انكمش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنحو 40% بين عامي 2019 و2025، ومن المتوقع أن ينكمش بنسبة إضافية تتراوح بين 7% و10% في عام 2026. كما وجد البنك الدولي أن الاستثمار تراجع من متوسط بلغ 25.9% من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بين عامي 2011 و2018 إلى 6.1% فقط من الناتج المحلي الإجمالي بين عامي 2019 و2023. وبينما تتحدث الحكومة عن تبدية الأمن وجذب الاستثمارات مقابل تنازلات سياسية، يبقى السؤال: أي قوة عاملة ستجعل هذه الاستثمارات ممكنة؟
لا تكشف بيانات الأمن العام أعمار الذين غادروا أو مهنهم. لكن من المنطقي الافتراض أن نسبة كبيرة من 729,062 مهاجر كانوا من الشباب أو أصحاب المهارات العالية، لأنهم الأقدر على العثور على فرص عمل في الخارج وتأمين شروط المغادرة.
إعادة الإعمار ليست مسألة مال فقط، بل مسألة من سيبقى لمعالجة المرضى، وتعليم الطلاب، وبناء البنية التحتية، وإدارة المؤسسات، والعمل في الإنتاج. كان النظام اللبناني سعيداً بمشاهدة هؤلاء يغادرون، بل يتباهى أحياناً بانتشار اللبنانيين في الخارج. لكن التبديد القسري للسكان اللبنانيين سيثبت أنه العقبة الأصعب أمام إعادة الإعمار، وربما أكثر صعوبة من التعامل مع الاضطرابات الجيوسياسية في المنطقة أو الوصول إلى التمويل.