كيف تنجو النيوليبرالية من انهياراتها وتحوّل كل أزمة إلى تقشّف جديد؟
في كل مرّة يهتزّ فيها النظام الاقتصادي العالمي تحت وطأة أزمة جديدة، يُفترض منطقياً أن تبدأ مراجعة عميقة للمسارات التي قادت إلى هذا الاهتزاز. غير أن ما تكشفه التجارب المتعاقبة، منذ الأزمة المالية عام 2008، مروراً بجائحة كوفيد-19، وصولاً إلى أزمات الديون والتضخّم وتداعيات الحروب، هو مسار مختلف تماماً؛ فلا مراجعة حقيقية لجوهر الوصفة النيوليبرالية، بل إعادة تدويرها وتكثيفها في لحظات الانكسار نفسها.
لا تكمن المفارقة في وقوع الأزمات بحد ذاتها، بل في كيفية توظيفها. فبدلاً من أن تفضي الصدمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية إلى قطيعة مع منطق السوق المنفلت وتعزيز دور الدولة الاجتماعية، تتحول، في كثير من الحالات، إلى ذريعة لإعادة فرض الوصفة ذاتها: خصخصة أوسع، وتقشف أعمق، وتحرير أكبر للأسواق، حتى في السياقات الأكثر حاجة إلى الحماية الاجتماعية.
فكيف تتحوّل الأزمات إلى آليات لإعادة إنتاج النموذج الاقتصادي نفسه الذي أسهم في صنعها؟ وكيف تنجح النيوليبرالية، على الرغم من إخفاقاتها المتكرّرة، في إعادة تثبيت نفسها بوصفها «الحل الوحيد الممكن»، عبر أدوات خطابية ومؤسساتية وسياسية تجعل من الاستثناء قاعدة، ومن الطوارئ سياسة دائمة؟
الأزمة كآلية حكم: من 2008 إلى مختبر اليونان
قد تكون الأزمة المالية العالمية في عام 2008 من الأمثلة الأبرز على نجاح النيوليبرالية في تخطّي إخفاقاتها. ولفهم ما جرى بعد الأزمة، لا يكفي التعامل معها بوصفها حدثاً اقتصادياً ظرفياً، بل ينبغي وضعها في سياق أوسع من التحوّلات البنيوية التي شهدتها الرأسمالية العالمية.
الأزمة، وفق أدبيات الاقتصاد السياسي النقدي، ليست انقطاعاً عن النظام، بل لحظة تكشف آليات اشتغاله العميقة وقدرته على إعادة إنتاج نفسه. في هذا الإطار، يمكن الاستناد إلى مقاربة ديفيد هارفي، الذي يرى أن النيوليبرالية ليست مجرد سياسة اقتصادية، بل مشروع سياسي طبقي يهدف إلى إعادة توزيع الثروة والسلطة نحو الأعلى، ولا سيما لصالح رأس المال المالي، عبر توسيع أدوات السوق وتقليص دور الدولة الاجتماعية.
النيوليبرالية ليست مجرد سياسة اقتصادية، بل مشروع سياسي طبقي يهدف إلى إعادة توزيع الثروة والسلطة نحو الأعلى، ولا سيما لصالح رأس المال المالي، عبر توسيع أدوات السوق وتقليص دور الدولة الاجتماعية
تتجلّى هذه الآلية بوضوح في 3 محطات متباعدة زمنياً، لكنها متشابهة بنيوياً: أزمة الديون السيادية في اليونان منذ عام 2010، وتداعيات حزم التحفيز التي أعقبت جائحة كوفيد-19، وسياسات صندوق النقد الدولي تجاه الدول المديونة بعد عام 2022. ففي كلّ محطة يتكرّر التسلسل نفسه: تدخل استثنائي لاحتواء الصدمة، يعقبه تحويل كلفة هذا التدخل إلى عجز في المالية العامة، يُستخدم لاحقاً ذريعة لفرض سياسات تقشف تتجاوز في آثارها حجم الأزمة الأصلية.
في أيار/مايو 2010، خصّص الاتحاد الأوروبي والبنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي، عبر هيئة «الترويكا»، أول برنامج إنقاذ لليونان. وتبعت ذلك حزم إنقاذ إضافية بين عامي 2012 و2018، ليبلغ إجمالي القروض المصروفة فعلياً نحو 289 مليار يورو. وتوزّعت هذه المبالغ على 3 برامج رئيسة: نحو 73 مليار يورو في البرنامج الأول (2010-2011)، و153.8 مليار يورو في البرنامج الثاني (2012-2015)، و61.9 مليار يورو في البرنامج الثالث (2015-2018). ومع كل مرحلة، كانت الشروط تزداد صرامة، من الخصخصة وإعادة هيكلة القطاع العام إلى تقليص الإنفاق الاجتماعي وإصلاحات سوق العمل.
وأدى ذلك إلى ارتفاع الدين العمومي إلى نحو 180% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما تجاوزت نسبة اليونانيين الذين يعيشون تحت خط الفقر 36% عام 2014، وقفز معدل البطالة من أقل من 10% قبل الأزمة إلى نحو 25% في ذروة الأزمة. ولم تكن هذه النتائج أثراً جانبياً للوصفة، بل كانت جوهرها: تحويل أزمة سيولة مصرفية إلى مناسبة لإعادة تشكيل بنية الدولة الاجتماعية من جذورها.
وتندرج هذه النتائج ضمن ما يُعرف في أدبيات الاقتصاد السياسي بـ«رأسمالية الأزمات»، حيث لا تُفهم الأزمات بوصفها فشلاً عرضياً في النظام، بل باعتبارها جزءاً من دورة داخلية لإعادة الهيكلة وإعادة إنتاج شروط التراكم. وبذلك، تتحول الأزمات إلى فرص لإعادة تشكيل الاقتصادات والسياسات العامة وفق قواعد أكثر انضباطاً للسوق وأقل توفيراً للحماية الاجتماعية.
تأميم الخسائر وخصخصة المجتمع
لم تكن الأزمة المالية العالمية عام 2008 مجرد انهيار واسع في أسواق المال أو لحظة ارتباك عابرة في النظام الرأسمالي، بل شكّلت نقطة انعطاف أعادت من خلالها القوى الاقتصادية الكبرى والمؤسسات المالية الدولية صياغة قواعد اللعبة الاقتصادية على نطاق عالمي. ففي الوقت الذي ضُخّت فيه تريليونات الدولارات لإنقاذ البنوك والمؤسسات المالية في دول الشمال، فُرضت على دول الجنوب، وحتى على اقتصادات أوروبية مثقلة بالديون، حزم تقشّف وإصلاحات هيكلية أكثر صرامة، كرّست منطق تقليص دور الدولة وتحرير الأسواق.
ويكشف هذا التفاوت في إدارة الأزمة عن بنية غير متكافئة لتوزيع السلطة الاقتصادية عالمياً. فبينما جرى «تأميم الخسائر» في المراكز المالية الكبرى عبر تدخلات نقدية ومالية غير مسبوقة، تم في المقابل خصخصة الكلفة الاجتماعية في الأطراف، حيث تحوّلت الأزمة إلى فرصة لإعادة فرض وصفات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، من خلال سياسات تقشّف شملت خفض الدعم الاجتماعي، وتجميد الأجور، وتحرير أسعار الخدمات العامة، وإعادة هيكلة القطاع العام.
لا تُفهم الأزمات بوصفها فشلاً عرضياً في النظام، بل باعتبارها جزءاً من دورة داخلية لإعادة الهيكلة وإعادة إنتاج شروط التراكم
ولا يقتصر هذا التحوّل على المؤسسات المالية الدولية أو الحكومات، بل يمتد أيضاً إلى البنوك المركزية، التي أدّت دوراً حاسماً في إدارة أزمتي 2008 وكوفيد-19. فسياسات التيسير الكمي لم تكن مجرد أدوات نقدية لضبط التضخم أو دعم السيولة، بل شكلت آلية واسعة لإعادة توزيع الثروة نحو الأسواق المالية، عبر رفع أسعار الأصول، بما جعل الانتعاش المالي منفصلاً إلى حد كبير عن الواقعين الاجتماعي والاقتصادي.
ومثلت جائحة كوفيد-19 اختباراً استثنائياً لهذا المنطق. فمع توقف النشاط الاقتصادي عالمياً وتعطّل سلاسل التوريد، اضطرت الحكومات والبنوك المركزية إلى التخلي مؤقتاً عن كثير من المسلمات النيوليبرالية التي دعت لعقود إلى تقليص دور الدولة والانضباط المالي الصارم. وبحسب صندوق النقد الدولي، بلغ حجم الدعم المالي الذي ضخّته الحكومات حول العالم نحو 16 تريليون دولار بحلول نيسان/أبريل 2021، فيما توسّعت ميزانيات البنوك المركزية بنحو 10 تريليونات دولار عبر برامج شراء الأصول وضخ السيولة.
وفي الوقت نفسه، قدم صندوق النقد الدولي تمويلات طارئة لنحو 86 دولة بقيمة تجاوزت 110 مليار دولار خلال عامي 2020 و2021.
بدا الأمر حينها وكأنه إعلان ضمني عن حدود النموذج القائم، إذ عادت الدولة إلى واجهة المشهد بوصفها المنقذ الأخير للاقتصاد والمجتمع. غير أن هذه العودة كانت مؤقتة أكثر منها تحولاً بنيوياً. فما إن انحسرت الأزمة الصحية، حتى عادت المؤسسات المالية الدولية والأسواق إلى التركيز على أولويات خفض العجز واستدامة الدين والانضباط المالي.
وسرعان ما تحولت النفقات الاستثنائية التي فرضتها الجائحة إلى مبرّر جديد للمطالبة بإجراءات تقشّفية وإصلاحات هيكلية في الكثير من الدول، ولا سيما في الجنوب العالمي. وهكذا، لم تؤدِ الجائحة إلى مراجعة النموذج النيوليبرالي بقدر ما وفرت له فرصة جديدة لإعادة إنتاج نفسه بأدوات مختلفة؛ إذ استُخدمت الأموال العامة مجدداً لاحتواء الأزمة، قبل أن يُطلب من المجتمعات لاحقاً تحمّل كلفة هذا الاحتواء.
وفي هذا السياق، يطرح الاقتصاد السياسي النقدي أطروحة أكثر جذرية، مفادها أن النظام المالي العالمي لا يعمل وفق منطق السوق الحرة كما تفترض النظرية الاقتصادية، بل وفق منطق «سوق مُدارة سياسياً»، تُنقذ فيها الدولة رأس المال المالي في أوقات الأزمات، فيما تُنقل كلفة هذا الإنقاذ لاحقاً إلى المجتمع والدولة نفسها.
وتقدم الأرجنتين مثالاً آخر على هذا المسار الطويل. فبين انهيار عامي 2001 و2002، الذي شهد عجزاً عن سداد الديون وانهيار نظام الربط النقدي، وبين عودة البلاد إلى واجهة أزمات الديون بعد عام 2008، يتضح أن برامج «الإنقاذ» لم تكن أدوات للخروج من الأزمة بقدر ما كانت آليات لإعادة إنتاجها. فبحسب تقارير صندوق النقد الدولي، أدت البرامج المتتالية إلى تراكم الديون وتعميق الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية بدلاً من معالجتها، فيما أعادت شروط التمويل اللاحقة فرض إصلاحات هيكلية في سوق العمل والإنفاق العام والحماية الاجتماعية، الأمر الذي عمّق الركود ووسّع الفوارق الاجتماعية.
وبذلك، لم يعد الدين العام مجرد أداة للتمويل، بل تحول إلى أداة للحوكمة الاقتصادية، تُحدد من خلالها أولويات الدول، بحيث تصبح خدمة الدين أولوية تتقدّم على الإنفاق الاجتماعي، ما يعيد تشكيل الدولة من دولة اجتماعية إلى «دولة مدينة» تخضع لإيقاع الأسواق المالية.
وفي هذا السياق، أصبحت «الثقة الائتمانية» ومعايير الأسواق المالية الدولية، بعد عام 2008، المحدد الأساسي للسياسات الاقتصادية، بدلاً من الاحتياجات الاجتماعية أو أولويات التنمية الداخلية. وهكذا دخلت دول عديدة في حلقات متكررة من الاقتراض والتقشف وإعادة الاقتراض، ضمن دورة مغلقة تعيد إنتاج الأزمة.
سياسات التيسير الكمي لم تكن مجرد أدوات نقدية لضبط التضخم أو دعم السيولة، بل شكلت آلية واسعة لإعادة توزيع الثروة نحو الأسواق المالية، عبر رفع أسعار الأصول، بما جعل الانتعاش المالي منفصلاً إلى حد كبير عن الواقعين الاجتماعي والاقتصادي
وهو ما يعني أن الأسواق المالية لم تعد مجرد وسيط اقتصادي، بل أصبحت فاعلاً سياسياً يفرض قيوده على السياسات العامة عبر ما يُعرف بـ«تسعير المخاطر السيادية»، حيث تتحوّل وكالات التصنيف الائتماني وأسواق السندات إلى أدوات ضغط تحدد سقف الإنفاق الاجتماعي وحدود الخيارات الاقتصادية للدول.
وتكشف هذه التحوّلات عن انتقال تدريجي من اقتصاد قائم على الإنتاج إلى اقتصاد يغلب عليه الطابع المالي، حيث تصبح الأرباح المتأتية من المضاربة والديون أكثر أهمية من الاستثمار في الإنتاج الحقيقي. وفي هذا السياق، تتحوّل وكالات التصنيف الائتماني إلى مؤشرات تراقبها الحكومات باستمرار خشية ارتفاع كلفة الاقتراض أو تراجع الثقة المالية، وهو ما يفسّر استمرار ضعف النمو واتساع التفاوتات الاجتماعية على الرغم من الضخ الهائل للسيولة.
وتفسر القراءة الماركسية للنيوليبرالية ما يبدو تناقضاً بين التقشف وتشجيع الاستهلاك القائم على الدين. فبحسب روبرت برينر، ارتبط تباطؤ الربحية في القطاعات الإنتاجية منذ سبعينيات القرن الماضي بتزايد توجّه رأس المال نحو الأنشطة المالية بحثاً عن عوائد أعلى، فيما يشرح ديفيد هارفي هذا التحوّل بمفهوم «الإصلاح الزمكاني»، أي تأجيل أزمات التراكم عبر التوسّع المالي والائتماني بدلاً من معالجتها جذرياً.
وفي هذا الإطار، لا تُوجَّه القروض وبرامج الإنقاذ نحو بناء قدرات إنتاجية محلية، بل نحو دعم الاستهلاك والاستيراد المموّلين بالدين، بالتوازي مع تقليص الإنفاق على الصناعة والبنية التحتية والحماية الاجتماعية. ومن هذا المنظور، لا يمثل الجمع بين التقشف والتوسع الائتماني تناقضاً، بل آلية تسمح بالحفاظ على الطلب وخلق مجالات جديدة للربح المالي، من دون المساس بالبنية القائمة للاقتصاد العالمي.
الدول العربية: التقشف بعنوان «الإصلاح»
في السياق العربي، لا تظهر النيوليبرالية باعتبارها لحظة صادمة مرتبطة بأزمة بعينها، بل كمسار طويل من «الإصلاحات المتتالية» التي تتجدّد مع كل أزمة، من دون أن تغيّر جوهر النموذج الاقتصادي القائم. فبدلاً من أن تكون الأزمات لحظات للمراجعة، تتحوّل إلى فرص لإعادة تفعيل الوصفات نفسها، ولكن تحت عناوين أكثر قابلية للتسويق السياسي، مثل «التحديث الاقتصادي» أو «تعزيز النمو» أو «تحسين مناخ الاستثمار».
وفي مصر، شكّل اتفاق عام 2016 مع صندوق النقد الدولي نقطة تحول واضحة في هذا المسار، إذ ارتبط تحرير سعر الصرف ورفع الدعم عن الطاقة ببرنامج واسع لإعادة ضبط المالية العامة. وأسهمت هذه السياسات في خفض العجز المالي، لكنها جاءت بكلفة اجتماعية مرتفعة، إذ رافقها ارتفاع حاد في معدلات التضخم، وتراجع ملموس في القدرة الشرائية، وهو ما يعكس نمطاً متكرّراً في الاقتصادات التي تعتمد على «التصحيح المالي» بوصفه المدخل الرئيسي لتحقيق الاستقرار.
لم يكن تعويم العملة مجرد إجراء تقني لضبط سوق الصرف، بل أداة لإعادة توزيع الكلفة الاقتصادية للأزمة، إذ انتقلت آثار التصحيح المالي من مستوى الدولة إلى مستوى المجتمع، في صورة تضخم مرتفع وانكماش في القيمة الحقيقية للأجور
وكان تعويم الجنيه المصري أحد أبرز أدوات هذا التحول، إذ انتقلت السياسة النقدية من تثبيت نسبي لسعر الصرف إلى تركه لقوى العرض والطلب. وأدى ذلك إلى هبوط حاد في قيمة الجنيه، الذي فقد نحو نصف قيمته خلال أشهر قليلة، لينتقل من نحو 8.8 جنيهات للدولار قبل التعويم إلى قرابة 18 جنيهاً في المرحلة الأولى، قبل أن يواصل مساراً من التراجع مع كل موجة جديدة من الضغوط النقدية والاقتراض الخارجي. وترافق هذا الانخفاض مع موجة تضخم تجاوزت 30% عام 2017، انعكست مباشرة على أسعار الغذاء والخدمات الأساسية، وأدت إلى تآكل حاد في القدرة الشرائية للفئات الوسطى والفقيرة.
بهذا المعنى، لم يكن تعويم العملة مجرد إجراء تقني لضبط سوق الصرف، بل أداة لإعادة توزيع الكلفة الاقتصادية للأزمة، إذ انتقلت آثار التصحيح المالي من مستوى الدولة إلى مستوى المجتمع، في صورة تضخم مرتفع وانكماش في القيمة الحقيقية للأجور.
وفي تونس، اتخذ هذا المسار طابعاً متدرجاً لكنه متواصلاً منذ عام 2011، مع دخول البلاد في سلسلة من برامج التفاوض مع صندوق النقد الدولي، التي ارتبطت جميعها تقريباً بإعادة هيكلة المالية العامة. وشملت هذه البرامج تقليص كتلة الأجور في الوظيفة العمومية، التي تُعد من الأعلى نسبياً في المنطقة، وإصلاح منظومة الدعم، والضغط باتجاه خفض عجز الموازنة. وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن الدين العمومي في تونس ارتفع من نحو 40% من الناتج المحلي الإجمالي قبل عام 2011 إلى أكثر من 80% في السنوات الأخيرة، ما جعل خدمة الدين أحد أكبر بنود الإنفاق العام، في مقابل تراجع نسبي في الاستثمار العمومي والبنية التحتية والخدمات الأساسية.
أما في الأردن، فقد جاء مسار «الإصلاح الاقتصادي» ضمن سلسلة طويلة من الاتفاقيات مع صندوق النقد الدولي بدأت منذ تسعينيات القرن الماضي، لكنها تسارعت بصورة واضحة بعد عام 2008، ثم مع تداعيات الأزمة السورية وجائحة كوفيد-19. وشملت هذه البرامج تحرير الأسعار، ولا سيما في قطاع الطاقة، وإعادة هيكلة الدعم، وتوسيع القاعدة الضريبية عبر الضرائب غير المباشرة التي أثقلت كاهل الأسر. وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن الدين العام الأردني ارتفع إلى نحو 90% من الناتج المحلي الإجمالي في السنوات الأخيرة، ما جعل المالية العامة رهينة بصورة متزايدة لشروط التمويل الخارجي، مع تقلص هامش السياسات الاجتماعية المستقلة.
في النهاية، ما يتكرّر عبر مختلف السياقات، من اليونان إلى الأرجنتين، ومن مصر إلى تونس والأردن، ليس مجرد تشابه في السياسات، بل ثبات منطق واحد: حماية رأس المال من كلفة أزماته عبر تحميلها لمن لا صوت لهم في صنع القرار. وهذا الثبات ليس قانوناً اقتصادياً حتمياً، بل خياراً سياسياً يُعاد إنتاجه في كل دورة، عبر قرارات تتخذها مؤسّسات نافذة وتُفرض باعتبارها الخيار الوحيد الممكن.
وبذلك، لا تعود النيوليبرالية مجرد خيار اقتصادي بين بدائل متعددة، بل بنية حكم عالمية تعيد إنتاج نفسها عبر الأزمات بدلاً من أن تتآكل بها، فتحول الاستثناء إلى قاعدة، والتقشف إلى لغة مشتركة لإدارة العالم في زمن اللا إستقرار.