investing in faces

نموذج المراقبة ورأسمالية الإرهاب في إسرائيل
الاستثمار في الوجوه

عند مرور الفلسطينيين عبر أحد الحواجز العسكرية التابعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي المنتشرة بين مدن وقرى الضفة الغربية، والتي تضاعف عددها منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 ليصل إلى نحو 1,000 حاجز، يلتقط الجنود صوراً لوجوه المارّين بحجة الدواعي الأمنية. لكن هذه الممارسة لا تقتصر على كونها إجراءً عسكرياً احترازياً، بل تتداخل مع منطق الاستعمار الاستيطاني الذي يسعى إلى خفض كلفة السيطرة الاستعمارية وتحويلها إلى مصدر للربح. فالحواجز العسكرية، إلى جانب شبكات المراقبة من كاميرات وبوابات إلكترونية وأنظمة تعرّف بيومتري، ليست مجرد أدوات أمنية، بل تشكّل جزءاً من البنية الاقتصادية للمشروع الصهيوني، حيث تتقاطع التكنولوجيا مع رأس المال والمشروعية السياسية والدبلوماسية. وفي هذا السياق، لا تمثل استباحة حياة الفلسطينيين ممارسة قمعية فحسب، بل تتحول أيضاً إلى مختبر لتطوير تقنيات الضبط والمراقبة. تُسوَّق هذه التقنيات عالمياً باعتبارها ابتكارات تكنولوجية «مجرّبة ميدانياً»، ما يمنحها قيمة تجارية مرتفعة ويحوّلها إلى مصدر لتراكم الأرباح. وفي الوقت نفسه، تُوظَّف هذه الابتكارات دبلوماسياً لترسيخ صورة «إسرائيل» باعتبارها دولة تكنولوجية متقدّمة تنتمي إلى الغرب الحديث، ما يعزّز مشروعيتها السياسية ويكرّس ما يُعرف بـ«دبلوماسية السلاح».

 

لا تُعدّ أنظمة التعرّف إلى الوجوه المثال الوحيد الذي يكشف تداخل البعدين الأمني-العسكري والاقتصادي في المنظومة الاستعمارية الصهيونية. فآليات الضبط والمراقبة والقتل، بل والإبادة الموجّهة ضد الفلسطينيين، لا تُستخدم بوصفها أدوات للسيطرة فحسب، وإنما يجري تحويلها أيضاً إلى منتجات ومشروعات اقتصادية قابلة للتسويق والربح. وفي الوقت نفسه، تندرج هذه المنظومة ضمن سياق استعماري أوسع، يقوم على جعل المجتمعات «مقروءة» وقابلة للإدارة والسيطرة. فالمجتمعات التي تفتقر إلى البيانات والمعلومات تُعدّ، بالنسبة إلى الدول الاستعمارية، عائقاً أمام بسط الهيمنة وتحقيق أهدافها في النهب والسيطرة على الموارد. ومن هنا تلجأ هذه الدول إلى أدوات القوة والعنف لإنتاج المعرفة عن السكان وإخضاعهم؛ فيصبح الحاجز العسكري أداة للهيمنة المادية، فيما تؤدي الكاميرات، وأجهزة التنصّت، وأنظمة التتبع والمراقبة، دور أدوات لجمع البيانات وتحويل المجتمع إلى فضاء مكشوف وقابل للقراءة. وفي هذا الإطار، سعت إسرائيل إلى إحكام مراقبة الفلسطينيين وإبقائهم تحت الرصد الدائم، باعتبارهم «تهديداً أمنياً» مستمراً. ويعزّز هذا التوجه ما يوصف في الأدبيات بـ«الهوس الأمني» أو «القلق الوجودي» الذي رافق المشروع الصهيوني منذ نشأته، وأسهم في تكريس المراقبة والتتبع بوصفهما ركيزتين أساسيتين في بنية السيطرة الاستعمارية.

المراقبة والاستعمار والنيوليبرالية

يشهد قطاع الأمن توسعاً متزايداً يتجاوز المجال العسكري التقليدي ليتغلغل في مختلف جوانب السياسة العامة والحياة الاجتماعية، عبر مفاهيم فضفاضة تتسع باستمرار لتشمل أنشطة وسلوكيات الحياة اليومية. ونتيجة لذلك، بات من الطبيعي أن تستهدف الصناعات الأمنية الناشئة الفضاءات المدنية والمدن وسكانها. وفي هذا السياق، تشهد أسواق خدمات وتقنيات الأمن ازدهاراً غير مسبوق، إذ تُنقل أنظمة القيادة والسيطرة والاستهداف، التي طُوّرت أساساً لأغراض عسكرية، إلى الفضاءات المدنية وإلى البنى التحتية للحياة اليومية. ويقع هذا التحوّل في صلب النقاش عن «تمدين» الممارسات العسكرية والأمنية. ويتقاطع هذا المسار مع التحولات التي أنتجتها النيوليبرالية، وعمّقت التفاوتات الاجتماعية، وأعادت تشكيل المدن باعتبارها فضاءات للاستثمار والمنافسة، وفي الوقت نفسه مساحات تتطلب مستويات متزايدة من العسكرة والتحصين الأمني لحماية هذا النظام غير المتكافئ. ومن هنا، لم يعد ازدهار الصناعات الأمنية نتيجة للتهديدات الأمنية وحدها، بل أصبح جزءاً من الاقتصاد السياسي للنيوليبرالية نفسها، التي حوّلت المدن إلى مراكز رئيسية لتراكم رأس المال، وإلى مختبرات لتطوير وتسويق «الحلول» الأمنية الجديدة.

التقنيات التي أظهرت أخطاءً في التعرف إلى الفلسطينيين وأدت إلى اعتقال بعضهم من دون صلة بالأحداث، لم تتحول إلى عامل يحدّ من انتشارها، بل إلى جزء من سجلها التسويقي بوصفها تقنيات «مختبرة ميدانياً»

أخذت الرأسمالية النيوليبرالية منحى أكثر عنفاً، وبالطبع أكثر ربحية، حين تقاطعت مع الاستعمار الاستيطاني، لتغدو شكلاً من أشكال «الرأسمالية العرقية». ويُنظر إلى الاستعمار الاستيطاني والرأسمالية العرقية باعتبارهما جبهتين متميزتين لتراكم رأس المال القائم على النهب؛ إذ تركز الأولى على الاستيلاء على الأرض ونزعها من السكان الأصليين، بينما تتمحور الثانية حول استغلال العمل المُستعبَد. وبهذا المعنى، تطوّرت الرأسمالية داخل نظام عرقي واستعماري، ليصبح التداخل بين الأنظمة العرقية والاستعمارية وثيقاً. وفي هذا السياق، تغدو العنصرية عنصراً أساسياً في إنتاج الرأسمالية وإعادة إنتاجها، فيما يشكل العنف شرطاً ضرورياً لقيامها واستمرارها، وهو العنف الذي يتولاه الاستعمار الاستيطاني، بوصف الإبادة مكوّناً أساسياً في جوهره.

في محاولتها فهم ما تسميه «رأسمالية الإرهاب»، تجادل دارين بايلر بأن مفتاح بقاء النظم الرأسمالية يكمن في إعادة الإنتاج الاجتماعي. وتشير إلى وجود تداخل بين الهيمنة العرقية والرأسمالية، إذ ترى أن الرأسمالية، منذ نشأتها، أنتجت وأعادت إنتاج «العرق» بوصفه فائضاً بشرياً يُحال إلى مجال رئيسي للتراكم الرأسمالي عبر التكنولوجيا. ومن هذا المنظور، لا تبدو معسكرات الاحتجاز مجرد أدوات للسيطرة، بل تمثل ممارسة سياسية تستخدم التقنية لإعادة تشكيل المجتمع. ومن جهة أخرى، ترى شوشانا زوبوف، في كتابها «رأسمالية المراقبة»، أن التفاعلات التجارية تقوم في جوهرها على مقايضة ضمنية بين المستهلكين وشركات المراقبة، يجري فيها تبادل البيانات الشخصية، أو ما تسميه «الفائض السلوكي»، في مقابل مزيج من الملاءمة والارتباط الاجتماعي والكفاءة. وينطلق تنظير زوبوف من فكرة الاستثمار في السلوك الإنساني والبيانات الشخصية، التي يجري التعامل معها بوصفها سلعة تستحوذ عليها شركات المراقبة ضمن سوق «رأسمالية المراقبة».

ولتقريب هذه الصورة، التي قد تبدو معقّدة بفعل تشابك عناصر الحالة الإسرائيلية، يمكن القول إن النظام الصهيوني الاستعماري الاستيطاني أضيف إليه، بعد احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة في حزيران/يونيو 1967، نمط من الاستعمار «الكلاسيكي» – إن جاز التعبير. فقد اختارت المنظومة الاستعمارية آنذاك إدارة السكان عبر ذراعها المتمثل في الاحتلال العسكري. وسرعان ما جرى توظيف هذا النظام العسكري لتحويل الفلسطينيين وحياتهم إلى مشروع اقتصادي استثماري، من خلال تطوير واستعراض آليات الضبط والسيطرة وغيرها من الممارسات التي تشير إلى وجود مختبر فعلي للتقنيات الإسرائيلية، تُختبر فيه هذه التقنيات على الفلسطينيين قبل تسويقها أو توسيع استخدامها.

نشأت مقاربات عدة لفهم آليات الاستثمار الاقتصادي التي تعتمدها المنظومة الاستعمارية الصهيونية في نظام الاحتلال العسكري للضفة الغربية وقطاع غزة، من بينها مقاربة «اقتصاد التجربة». ويشير هذا المفهوم إلى ظاهرة تقوم على شراء الأفراد لتجارب تقدمها جهات مثل الأندية الرياضية ووكالات السفر والمسارح وقاعات الحفلات الموسيقية وغيرها، ليصبح الحدث الذي يعيشه المستهلك، والذاكرة التي يحتفظ بها لاحقاً، هما السلعة الفعلية التي تُباع. وبذلك، يشير المفهوم إلى تجارب حقيقية أو افتراضية تصنعها الشركات، ويدفع الناس مقابل خوضها لفترة زمنية محددة. لكن في الحالة الإسرائيلية، يُطبَّق منطق «اقتصاد التجربة» بصورة مختلفة، إذ تُسوَّق المنتجات والخدمات الأمنية باعتبارها خضعت لاختبارات في ظروف واقعية من العنف والرعب، لا في بيئات محاكاة افتراضية. ويستند هذا التسويق إلى خطاب مفاده أن مواجهة هذه الظروف أفضت إلى تطوير أدوات أمنية أكثر فاعلية. غير أن هذه الأدوات تستمد «فاعليتها» من ممارسات قمعية تقوم على استباحة حياة الفلسطينيين، سواء على الحواجز العسكرية أو داخل المناطق المحاصرة، التي يجري تحويلها إلى مختبرات ميدانية لاختبار هذه التقنيات، كما هو الحال في مدينة الخليل بالضفة الغربية.

أسهمت إعادة هيكلة إسرائيل لنظامها الاقتصادي، باتجاه اللبرلة والانفتاح الاقتصادي والاندماج في العولمة النيوليبرالية منذ ثمانينيات القرن الماضي، في خلق فرص جديدة لتراكم رأس المال داخل قطاعات حكومية خضعت للخصخصة الجزئية أو الكاملة، بما في ذلك الصناعات العسكرية والأمنية. وقد عزّز هذا التحول المنافسة بين الشركات، بدعم من الحكومة، بهدف رفع كفاءة تقنيات المراقبة وتعظيم تراكم رأس المال المتولد من واقع العنف الاستعماري المستمر في الضفة الغربية وقطاع غزة. وفي هذا السياق، تُعدّ إسرائيل الإنتاج المستمر للمعدات العسكرية والأمنية المتطورة أولوية مركزية في أجندتيها الداخلية والخارجية، باعتباره أحد المقومات الأساسية للحفاظ على استمرارية المشروع الاستعماري الاستيطاني وبنية الدولة والمجتمع الإسرائيليين. وفي المقابل، تقود النيوليبرالية وسياسات الخصخصة إلى انتقال إدارة الصراع من مقاربة تقوم على «الإدارة الدبلوماسية» إلى أخرى ترتكز على «الحلول التكنولوجية». وقد دفع ذلك أحد المراقبين إلى القول إن تبني نهج إدارة الصراع النيوليبرالي في التعامل مع المقاومة الفلسطينية يعني تكريس «صراع دائم».

المراقبة وإسرائيل

في كتابه «الرقابة الشاملة: نشأة السياسات الإسرائيلية في إدارة السكان ومراقبتهم والسيطرة السياسية تجاه الفلسطينيين»، يوضح الأكاديمي أحمد السعدي أن الفلسطينيين الذين بقوا في أراضيهم بعد نكبة عام 1948 عوملوا بوصفهم «أجساداً فائضة»، وحُوِّلوا إلى حقل تجارب لأنظمة المراقبة وتقنيات الضبط. ويضيف السعدي أنه في عام 1958 وضع مسؤولون إسرائيليون خطة للتعامل مع هؤلاء الفلسطينيين، ارتكزت على المراقبة والهندسة السكانية باعتبارهما أداتين لإدارة السكان وإحكام السيطرة عليهم. ومع احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967، تصاعدت الحاجة إلى توسيع منظومة المراقبة بصورة كبيرة. وفي هذا السياق، وعد القادة السياسيون والعسكريون الإسرائيليون بأن يكون نظام الاحتلال «مستنيراً»، انطلاقاً من الادعاء بأن المراقبة تجعل الاحتلال أكثر «إنسانية».

إذا مُنحت السلطات القدرة على مسح التظاهرات والتعرف إلى جميع المشاركين فيها، سيؤدي ذلك إلى ردع الأفراد عن الاحتجاج أو الانخراط في أي شكل من أشكال المعارضة، ولا سيما في الأنظمة القمعية

توسّعت منظومة المراقبة الإسرائيلية خلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية (2000–2005) عبر تعزيز بنيتها التكنولوجية، من خلال محلّلين ومطوّرين وخبراء تلقوا تدريبهم في الجيش، ثم أسّسوا شركاتهم الخاصة التي زوّدت المؤسّسة العسكرية بتقنيات وأدوات أسهمت في تطوير مراقبة الفلسطينيين الذين تنطبق عليهم ملامح «الإرهابي النموذجي». كما شكّلت العمليات التفجيرية داخل إسرائيل خلال الانتفاضة عاملاً رئيسياً في تسريع تطوير تقنيات المراقبة والتعقب، لما أحدثته من أثر عميق في ترسيخ مشاعر الخوف وانعدام الاستقرار. غير أن الخوف وغياب الاستقرار لا يُنظر إليهما في إسرائيل بوصفهما أزمتين ينبغي احتواؤهما، بل باعتبارهما شرطين لازدهار الصناعات الأمنية والعسكرية. وإلى جانب ذلك، أسهم تلاقي منظومة المراقبة الإسرائيلية مع الليبرالية الاقتصادية، في ظل الصراع السياسي الإقليمي، في إعادة هيكلة اقتصاد الحرب الإسرائيلي. فاقتصاد الحرب لا يُعد مجرد أحد مرتكزات القوة في الأيديولوجيا الصهيونية، بل يمثل أداة مركزية في تشكل الدولة والمجتمع في إسرائيل، بالنظر إلى أن نشأة الدولة واستمرارها ارتبطا باستدامة الحرب. وفي هذا السياق، توفر الحرب البيئة الأنسب لتجريب الأسلحة واختبار التقنيات، وهو ما يتجلّى فيما يُعرف بـ«مختبر فلسطين». كما روّجت إسرائيل لاحتلالها الضفة الغربية وقطاع غزة، ولإدارتها الفلسطينيين فيهما، باعتبارها تجربة احتلالية ذات طابع فريد، تُطوَّر في إطارها تقنيات مراقبة تُسوَّق عالمياً بوصفها «حلولاً أمنية بلا احتكاك»، تعد بتقديم معالجة أكثر راحة و«إنسانية» لمشكلات عدم الاستقرار حول العالم.

يمثل الأمن، في المنظومة الاستعمارية الصهيونية، غاية ووسيلة في آن واحد لتوحيد المجتمع وبناء الأمة. وبعد قيام الدولة، توسع مفهوم الأمن ليشمل طيفاً واسعاً من المشاريع والسياسات. ففي عام 1955، أعلن ديفيد بن غوريون (أول رئيس وزراء إسرائيلي) أن الأمن يحتل مكانة تفوق أهميته في أي دولة أخرى، مؤكداً أنه لا يقتصر على البعد العسكري، بل يعني أيضاً «الاستقلال الاقتصادي، وتعزيز البحث والقدرة العلمية». وبعد حرب عام 1967، ارتفع الإنفاق العام على الأمن بصورة متواصلة، حتى بلغ في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي نحو 40% من الميزانية العامة، وما يقارب 30% من الناتج المحلي الإجمالي. ومع ذلك، فإن النظرية التي دافع عنها بعض الباحثين الإسرائيليين، والتي افترضت أن تبني السياسات النيوليبرالية وخفض الإنفاق العام، بما في ذلك الإنفاق العسكري، سيقود إلى حالة من «الهدوء» والاستقرار السياسي والاقتصادي، سرعان ما تراجعت مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية في تشرين الأول/أكتوبر 2000. ومنذ ذلك الحين، تلاشى منظور «التطبيع السياسي»، وتحول التحدي الذي واجهه الاقتصاديون وصناع القرار إلى كيفية ضمان استمرار الازدهار الاقتصادي في ظل القيود التي يفرضها الإنفاق العسكري الضخم، القائم على استمرار قمع الفلسطينيين وسلب حياتهم.

تنسج الرأسمالية علاقات بين الدول الاستعمارية والاستبدادية والطبقات الرأسمالية، بحيث يتحول القمع نفسه إلى مورد اقتصادي ومجال لتراكم رأس المال

بعد انحسار الانتفاضة الفلسطينية الثانية واحتوائها، عبر إعادة بناء السلطة الفلسطينية وتجريدها من تمثيلها السياسي وحصر دورها في الوظيفة الأمنية، شرع نظام الاحتلال العسكري، منذ عام 2006، في إعادة تنظيم الحواجز العسكرية المنتشرة على حدود الضفة الغربية وقطاع غزة، وتزويدها بمنصة تكنولوجية جديدة. واعتمدت المقاربة الإدارية الإسرائيلية في إدارة الحواجز على إجراءين رئيسيين: أولهما إنشاء «مديرية المعابر»، وهي مؤسسة تخضع لإشراف وزارة الدفاع، وثانيهما التعاقد مع شركات خاصة لتولي مهام التفتيش والمراقبة الأمنية. وقد طُرح قرار إنشاء مديرية المعابر وأُقر في الكنيست بالتزامن مع إقرار مشروع «مدننة الحواجز»، الذي استهدف تنفيذ الإصلاح الإداري وتشغيل الحواجز بصيغتها الجديدة. وتمثل الجانب الثاني من هذا الإصلاح في إسناد مهام الفحص الأمني والمراقبة إلى شركات خاصة جرى اختيارها عبر نظام العطاءات. غير أن هذا الإسناد الإداري لا يعكس تراجعاً لدور الدولة بقدر ما يمثل إعادة انتشار لها ضمن سياق نيوليبرالي. ويتضح ذلك من طبيعة العلاقة المتشابكة بين مؤسسات الدولة، والمتعهدين الأمنيين من القطاع الخاص، والأجهزة العسكرية والأمنية الرسمية. ففي هذا المجال، ينحدر معظم الفاعلين من المؤسسة العسكرية، وترتبط بينهم شبكات مهنية ومعرفية سابقة. كما تشترط وزارة الدفاع أن يمتلك جميع مديري الحواجز خبرة سابقة في أحد الأجهزة الأمنية، سواء الجيش أو جهاز الأمن العام أو الشرطة، بما يعكس استمرار الترابط العضوي بين القطاعين العام والخاص في إدارة المنظومة الأمنية.

تشير توجهات نقدية في حقل الاقتصاد السياسي إلى محدودية استخدام مفهوم «الخصخصة» لفهم قطاع الأمن في إسرائيل، إذ يوحي هذا المفهوم بوجود فصل واضح بين القطاعين العام والخاص، وهو فصل لا ينطبق على الحالة الإسرائيلية. لذلك تميل هذه الأدبيات إلى استخدام مفاهيم مثل «الاستعانة بمصادر خارجية» و«التسليع». ويشير مفهوم الاستعانة بمصادر خارجية إلى أداة إدارية واستراتيجية تهدف إلى رفع كفاءة المؤسسة عبر تمكينها من التركيز على نشاطها الأساسي، مع إسناد المهام الأخرى إلى متعهدين خارجيين. أما التسليع، فيعني توسيع نطاق ما يمكن بيعه وشراؤه في السوق، من خلال تحويل السلع أو الخدمات إلى سلع تجارية، إلى جانب تطوير أسواق جديدة لها. ومن هذا المنظور، يُعد قطاع الأمن الخاص من أسرع القطاعات نمواً في إسرائيل، إذ تبلغ عائداته السنوية نحو 200 مليون دولار، بحسب منظمة المجتمع المدني الإسرائيلية «من يربح». 

يمكن القول إن نموذج المراقبة في إسرائيل يجمع بين رأسمالية المراقبة ورأسمالية الإرهاب، ويكشف عن وجه آخر للنيوليبرالية التي ترعاها الدولة. وفي قلب هذه التداخلات، تبرز تقنيات التعرف إلى الوجوه بوصفها إحدى السياسات الاستعمارية التي تؤدي دوراً أمنياً في قمع الفلسطينيين وإخضاعهم وسلب خصوصيتهم وحياتهم، وفي الوقت نفسه تمثل مورداً اقتصادياً يساهم في مراكمة رأس المال داخل دولة الاستعمار الاستيطاني، فضلاً عن توظيف هذا «التفوق» التكنولوجي لتعزيز حضورها ومشروعيتها على المستوى الدبلوماسي.

وجوه الفلسطينيين كمصدر لمراكمة الربح

كشفت صحيفة «واشنطن بوست»، في تقرير مطول نُشر في تشرين الثاني/نوفمبر 2021، عن تصعيد النظام العسكري الإسرائيلي استخدام تقنيات التعرف إلى الوجوه في الضفة الغربية، ولا سيما في مدينتي الخليل والقدس. وتُعد هاتان المدينتان نموذجاً لما يسميه المحامي والباحث أحمد عمارة «الاستيطان في القلوب»، أي إقامة المستوطنات في قلب المدن الفلسطينية، حيث تتركز الحواجز العسكرية، ومنظومات المراقبة، وقيود الحركة، ولا سيما في منطقة H2 الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية في الخليل. وأثار التقرير اهتماماً واسعاً في الأوساط الحقوقية والأكاديمية، بعدما سلّط الضوء على تصاعد نمط جديد من المراقبة يعتمد على تقنيات التعرف إلى الوجوه والتحقق من الهوية البيومترية.  

ومن أبرز المؤشرات على هذا الاهتمام، ما كشفته منظمة العفو الدولية في تقريرها الصادر في أيار/مايو 2023 بعنوان «الأبارتهايد الرقمي: تكنولوجيات التعرف على الوجه وترسيخ الهيمنة الإسرائيلية»، والذي وثّق الأنظمة الإسرائيلية المستخدمة في القدس والخليل للتعرف إلى الوجوه، بوصفها أدوات لتعزيز الهيمنة وترسيخ نظام الفصل العنصري بين المستوطنين والفلسطينيين. 

 تحوّل الخوف من «الإرهاب» والمهاجرين واللاجئين، في ظل تصاعد الإسلاموفوبيا والعنصرية، إلى مبرر لتوسيع اقتناء أنظمة التعرف إلى الوجوه وتقنيات المراقبة المتقدمة

ومن أشهر هذه الأنظمة «الذئب الأحمر» (Red Wolf)، إلى جانب نظامي «الذئب الأزرق» (Blue Wolf) و«قطيع الذئاب» (Wolf Pack)، التي تعتمد على جمع البيانات البيومترية للفلسطينيين ومراقبتهم وتصنيفهم ضمن قواعد بيانات أمنية واسعة، إلى درجة أن بعض الجنود الإسرائيليين يطلقون عليها اسم «فايسبوك الفلسطينيين». ويكشف التقرير أنه منذ عام 2020 تلقى الجنود العاملون في الخليل تعليمات من قادتهم باستخدام هذه الأنظمة والتطبيقات، التي تحوّلت إلى ما يشبه المنافسة بين الوحدات العسكرية، إذ تُقاس كفاءة الجنود بعدد صور الفلسطينيين التي يلتقطونها، بما يشجّع على إبقاء السكان تحت مراقبة دائمة. كما نقل التقرير شهادة أحد الفلسطينيين، الذي أوضح أنه قبل عام 2021 كانت تقنيات التعرف إلى الوجوه تُستخدم عند نقاط التفتيش فقط، لكنها أصبحت لاحقاً متاحة على الهواتف المحمولة التي يحملها الجنود. وقال: «يمسح الجندي وجوهنا بالكاميرا على هاتفه، وفجأة يتغيّر سلوكه تجاهنا، لأنه يرى جميع المعلومات». ولا يقتصر استخدام هذه البنية الرقمية على الجيش، إذ توفر قاعدة بيانات «الذئب الأزرق» معلومات عن الفلسطينيين للمستوطنين أيضاً، من خلال تطبيق للهواتف الذكية يحمل اسم «وايت وولف» (White Wolf)، صُمّم لاستخدام المستوطنين في الضفة الغربية. ويؤدي ذلك إلى توسيع نطاق المراقبة والعنف، بحيث لا يعود مقتصراً على المؤسسة العسكرية، بل يمتد إلى البنية الاستعمارية بأكملها، التي توظف التكنولوجيا لتكثيف السيطرة وتبرير ممارساتها ضد الفلسطينيين.

جاء مشروع نشر كاميرات المراقبة في منطقة H2 بمدينة الخليل القديمة ضمن رؤية عسكرية إسرائيلية حملت اسم «مدينة الخليل الذكية»، ونُشرت خطتها في تشرين الثاني/نوفمبر 2020. وتقوم هذه الرؤية على إنشاء منظومة ذكية من الكاميرات والرادارات، قادرة على توثيق كل ما يجري في محيطها «بأكبر قدر ممكن من الواقعية». وتنطلق الخطة من افتراض وجود خطر دائم يتمثل في الاحتكاك بين المستوطنين الصهاينة والفلسطينيين الذين «يسكنون جنباً إلى جنب»، ومن ثم تُبنى المقاربة الأمنية على مبدأ استباق هذا الخطر. ويُعد هذا المنطق أحد المرتكزات الأساسية للعقيدة الأمنية الإسرائيلية القائمة على «الاستباق»، التي تُبرّر بها الدولة سياساتها وحروبها، وتندرج منظومة المراقبة هذه ضمن الإطار نفسه. 

وعلى الصعيد الأكاديمي، لم يحظ هذا النوع من التقنيات، ولا سيما تقنيات التعرف إلى الوجوه، باهتمام كافٍ. ومن أبرز الدراسات في هذا المجال دراسة الباحثة الأميركية في الأنثروبولوجيا الثقافية، صوفيا جودفريند، التي انطلقت من تقرير واشنطن بوست، وأسهمت في توسيع الاهتمام البحثي بهذه القضية. وتجادل جودفريند بأن الحياة اليومية للفلسطينيين تُفكَّك بواسطة تقنيات التعرف إلى الوجوه، بهدف تحويلها إلى بيانات قابلة للإدارة والتصنيف الأمني. غير أن دراستها لم تتوسع في تحليل البعد الاقتصادي لهذه المنظومة، ولا في كيفية تحول القمع والعنف والتمييز إلى أدوات لتراكم الربح ورأس المال.

ويترافق هذا الاهتمام البحثي والحقوقي مع اهتمام استثماري متزايد بتقنيات التعرف إلى الوجوه، في ظل النمو المتسارع لهذا السوق عالمياً. وتشير التقديرات إلى أن حجم سوق التعرف إلى الوجوه سيرتفع من 10.02 مليارات دولار أميركي في عام 2026 إلى 20.68 مليار دولار بحلول عام 2031، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 15.6% خلال فترة التوقعات. ومن المتوقع أن تستحوذ الولايات المتحدة على الحصة الأكبر من هذا السوق، بفضل وجود الشركات الرائدة في تطوير هذه التقنيات، والبنية التحتية الرقمية المتقدمة، والتبني المبكر لحلول القياسات الحيوية. ويُذكر أن جزءاً مهماً من هذه الشركات والبنية التحتية يرتبط بشراكات واستثمارات تجمع بين شركات أميركية وإسرائيلية، أو بمستثمرين صهاينة، بما يعكس الترابط بين منظومة الابتكار التكنولوجي الإسرائيلية والسوق الأميركية في هذا المجال.

ويأتي هذا الاستثمار، وما يرافقه من أرباح وتقدّم تقني في مجال التعرف إلى الوجوه، على حساب تمدّد الاستعمار وتعزيز الاستبداد والقبضة الأمنية للسلطات وتقييد الحريات. إذ توسّع هذه التقنيات قدرة الدولة على تعقّب الحركات الاجتماعية والسياسية، وتحديد هويات المشاركين فيها. وإذا مُنحت السلطات القدرة على مسح التظاهرات والتعرف إلى جميع المشاركين فيها، سيؤدي ذلك إلى ردع الأفراد عن الاحتجاج أو الانخراط في أي شكل من أشكال المعارضة، ولا سيما في الأنظمة القمعية. 

وإلى جانب ذلك، تُجرَّب هذه الأنظمة أولاً في الضفة الغربية وقطاع غزة، اللتين تحولتا إلى «مختبر» لاختبار تقنيات المراقبة، وفقاً لوصف الصحافي الاستقصائي أنتوني لوينشتاين. ففي آذار/مارس 2022، على سبيل المثال، صوّر جنود إسرائيليون يعملون في منطقة مسافر يطا، جنوب الخليل في الضفة الغربية، نشطاء دوليين في مجال حقوق الإنسان باستخدام كاميرا رقمية زودهم بها الجيش، كانت مخصصة أصلاً لتصوير الفلسطينيين. ويُظهر مقطع فيديو وثّق الحادثة الجنود وهم يتحدثون عن نظام «بلو وولف»، ويقول أحدهم: «قال لي قائد الكتيبة إنه من المهم جداً التقاط صور لوجوههم، حتى لا يُسمح لهم بدخول المطار في المرة المقبلة».

روّجت إسرائيل لاحتلالها الضفة الغربية وقطاع غزة، ولإدارتها الفلسطينيين فيهما، باعتبارها تجربة احتلالية ذات طابع فريد، تُطوَّر في إطارها تقنيات مراقبة تُسوَّق عالمياً بوصفها «حلولاً أمنية بلا احتكاك»، تعد بتقديم معالجة أكثر راحة و«إنسانية» لمشكلات عدم الاستقرار حول العالم

ينبع هذا التخوف من هاجس تاريخي لدى سكان «المركز الاستعماري»، يتمثل في انتقال الأدوات والسياسات التي تُجرَّب في المستعمرات إلى داخل المركز نفسه، بحيث تتحوّل وسائل السيطرة الاستعمارية إلى أدوات لضبط المواطنين في الدول الاستعمارية ذاتها. إلا أن الحالة الإسرائيلية تبدو أكثر تعقيداً، بسبب التداخل بين «المركز» و«المستعمرة» داخل المشروع الصهيوني، على الرغم من أن أوروبا وأميركا الشمالية ظلتا تمثلان المركز السياسي والثقافي الأوسع له. ومن هنا، لم تقتصر إسرائيل على استخدام تقنيات المراقبة والسيطرة في السياق الاستعماري الفلسطيني، بل أسهمت في تعميمها عالمياً، ولا سيما بعد هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001، حين جرى توظيف خطاب «الحرب على الإرهاب» لإنتاج ما وصفه إيليا زريق بـ«عولمة الخوف». وقد أسهم هذا الخطاب الأمني، القائم على استدامة الشعور بالتهديد، في تبرير التوسع المستمر في أدوات المراقبة والرقابة والقمع. وفي السنوات الأخيرة، ومع صعود اليمين الصهيوني الديني بقيادة بنيامين نتنياهو، تعمقت هذه الدينامية، إذ تحوّل الخوف من «الإرهاب» والمهاجرين واللاجئين، في ظل تصاعد الإسلاموفوبيا والعنصرية، إلى مبرر لتوسيع اقتناء أنظمة التعرف إلى الوجوه وتقنيات المراقبة المتقدمة. وهكذا، ارتدت التقنيات التي طُوّرت أصلاً في سياق استعماري على المجتمعات الغربية نفسها، لتُستخدم في مراقبة المواطنين، ولا سيما المحتجين والمعارضين لهذه السياسات.

من «فايسبوك الفلسطينيين» إلى بوابات مطارات العالم

لم تعد انتهاكات الخصوصية والاتجار بالبيانات الشخصية مقتصرة على الفلسطينيين، بل اتجهت الحكومات والسلطات في أنحاء مختلفة من العالم إلى اقتناء تقنيات التعرف إلى الوجوه والتحقق من الهوية البيومترية، بهدف إحكام السيطرة على حركة الأفراد وتوسيع نطاق المراقبة ليطال وجوه المواطنين أنفسهم. وتستمد هذه الأنظمة مشروعيتها من خطاب «عولمة الخوف»، ومن التهديدات المرتبطة بـ«الإرهاب»، فضلاً عن الادعاء بأنها تسهّل الإجراءات الأمنية والإدارية في المطارات والمعابر والمؤسسات الحكومية. وعند الحديث عن الشركات الرائدة في مجال تقنيات التعرف إلى الوجوه، تبرز مجموعة من الشركات الإسرائيلية التي تسوّق ريادتها استناداً إلى كون منتجاتها «مختبرة ميدانياً» في الأراضي الفلسطينية. 

ومن أبرز هذه الشركات Corsight AI، التي تأسست عام 2019 بوصفها شركة تابعة لمجموعة Cortica Group، المتخصصة في الذكاء الاصطناعي منذ تأسيسها عام 2007. وتحظى الشركة بدعم من صندوق الاستثمار الكندي AWZ Ventures، الذي أسسه الضابط السابق في جهاز الشاباك يارون أشكنازي، والذي خدم لسنوات في حماية رؤساء الوزراء الإسرائيليين، قبل أن يوظف شبكة علاقاته داخل المؤسسة الأمنية في بناء استثمارات عابرة للحدود في مجالات الأمن السيبراني والاستخبارات. ويعكس ذلك أحد أوجه النيوليبرالية في إسرائيل، حيث تتداخل الدولة مع رأس المال، وتتحول الخبرة الأمنية والعسكرية إلى فرصة استثمارية لتراكم الأرباح. وفي عام 2019، انضم رئيس الوزراء الكندي الأسبق ستيفن هاربر إلى الشركة بصفته شريكاً ورئيساً للجنة الاستشارية، مضيفاً إليها شبكة علاقاته السياسية والدولية. وفي العام التالي، أقامت الشركة شراكات مع مديرية البحث والتطوير في وزارة الأمن الإسرائيلية (MAFAT)، كما ضمت لجانها الاستشارية شخصيات بارزة من المؤسسات الأمنية والاستخباراتية الإسرائيلية والغربية.

في اليوم التالي للمجزرة الإسرائيلية في المستشفى الأهلي المعمداني في غزة، في 18 تشرين الأول/أكتوبر 2023، نشر يارون أشكنازي مقالاً قصيراً على موقع «جيروزاليم بوست»، حمل عنواناً ولغة عكسا خطاباً قائماً على العنف والكراهية والعنصرية. وأكد فيه استعداد شركته للمساهمة في الحرب، من خلال «تزويد إسرائيل والعالم بالأدوات التكنولوجية اللازمة لوقف هؤلاء الإرهابيين الأشرار عند حدهم»، وفق ما ورد في المقال. ولم يبق هذا الخطاب في إطار التصريحات، بل انعكس عملياً في نشاط الشركة. فقد كشف تحقيق استقصائي نشرته The Breach Media الكندية في أيار/مايو من العام الحالي، أن شركة AWZ Ventures ضخت استثمارات لا تقل عن 350 مليون دولار في شركات تكنولوجية متقدمة تعمل ضمن قطاع الأمن الإسرائيلي، من بينها Corsight AI. وفي السياق نفسه، كشف تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» أن الجيش الإسرائيلي استعان بتقنيات الشركة للتعرف إلى الفلسطينيين واعتقالهم أثناء تنقلهم من شمال قطاع غزة إلى جنوبه. كما نقل التقرير عن ضباط إسرائيليين أنهم استخدموا أيضاً قاعدة بيانات Google Photos للمساعدة في عمليات التعرف إلى الوجوه، إلا أن النظام أخطأ في عدد من الحالات، ما أدى إلى اعتقال فلسطينيين لا صلة لهم بأحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر، ومن بينهم الشاعر الفلسطيني مصعب أبو توهة، الذي روى للصحيفة تفاصيل احتجازه أثناء مروره عبر أحد الحواجز العسكرية، التي وصفها بـ«المصائد».

يُنظر إلى الاستعمار الاستيطاني والرأسمالية العرقية باعتبارهما جبهتين متميزتين لتراكم رأس المال القائم على النهب؛ إذ تركز الأولى على الاستيلاء على الأرض ونزعها من السكان الأصليين، بينما تتمحور الثانية حول استغلال العمل المُستعبَد

لم يؤدِّ هذا الخلل في أداء البرنامج إلى تقويض جاذبيته الاستثمارية أو التشكيك في قدراته التقنية. فقد كشف تحقيق الصحيفة الكندية عن تعاقد دول عربية، من بينها الإمارات والسعودية، مع شركات مرتبطة بمجموعة AWZ، في سياق الانفتاح الذي أعقب اتفاقات أبراهام، التي رعتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب. ويشير بيان صحفي نشرته الشركة عام 2021 إلى افتتاح مكتب لتطوير الأعمال في أبوظبي، ترأسته دبلوماسية كندية سابقة، بهدف تسهيل تسويق منتجاتها في أسواق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بما في ذلك السعودية. ويكشف هذا المسار عن مفارقة لافتة؛ فالتقنيات التي أظهرت أخطاءً في التعرف إلى الفلسطينيين وأدت إلى اعتقال بعضهم من دون صلة بالأحداث، لم تتحول إلى عامل يحدّ من انتشارها، بل إلى جزء من سجلها التسويقي بوصفها تقنيات «مختبرة ميدانياً»، وهو ما أسهم في تعزيز جاذبيتها الاستثمارية لدى عدد من الدول في المنطقة.

وتُعد Corsight AI من أكثر الشركات الإسرائيلية تقدماً في مجال أنظمة التعرف البيومتري إلى الوجوه، إذ تعتمد على ما تسميه «الذكاء الاصطناعي الذاتي»، وهي تقنية تدّعي أنها تحاكي الطريقة التي يتعرف بها البشر إلى الوجوه. ووفقاً للشركة، طُورت هذه التقنية استناداً إلى 15 عاماً من أبحاث علوم الأعصاب، ومدعومة بأكثر من 250 براءة اختراع. وتسوق الشركة تقنياتها باعتبارها قادرة على التعرف إلى الأشخاص في ظروف شديدة التعقيد، مثل الإضاءة المنخفضة، والزوايا الحادة، والصور منخفضة الجودة، وحتى عندما لا يظهر سوى نصف الوجه. ويُعد Fortify أبرز منتجاتها، ويُقدَّم بوصفه نظاماً للتعرف الفوري إلى الوجوه، قادراً على العمل داخل الحشود والفضاءات المكتظة، مع إمكانية دمجه بسهولة في شبكات كاميرات المراقبة القائمة مسبقاً. ووفقاً للشركة، يستطيع النظام إرسال تنبيه خلال 0.01 ثانية لكل 1,000 وجه، كما يتمتع بالقدرة على مطابقة الصور الحديثة مع صور مرجعية يعود تاريخها إلى 30 عاماً. وإلى جانب ذلك، تطوّر الشركة واجهات برمجية (API) تتيح دمج تقنيات التعرف إلى الوجوه في البنى الأمنية والمؤسساتية، بدءاً من المطارات والمستشفيات، وصولاً إلى أنظمة التحكم في الدخول والمراقبة الشرطية. وقد صنف المعهد الوطني الأميركي للمعايير والتكنولوجيا (NIST) الشركة بوصفها صاحبة أفضل أداء بين الشركات الغربية في مجال تقنيات التعرف إلى الوجوه.

وتفاخر Corsight AI بأن عدداً من موظفيها اكتسبوا خبراتهم المهنية خلال خدمتهم في أجهزة الاستخبارات والأمن الإسرائيلية. كما كشفت قاعدة بيانات DIMSE مؤخراً أن من بين عملاء الشركة إدارات شرطة في البرازيل والمكسيك، وهما دولتان تُعرفان بارتفاع مستويات عنف الشرطة. ويشير هذا الامتداد إلى ما يمكن تسميته بـ«عولمة العنف الخوارزمي»، حيث تتحول تقنيات التعرف إلى الوجوه إلى أدوات للسيطرة على الفئات المهمشة، ممتدة من فلسطين إلى البرازيل والمكسيك. كما يكشف عن انتقال هذه التقنيات عبر الحدود، وتراكم الأرباح الناتجة عنها على حساب القمع وانتهاك حقوق الإنسان. وفي الوقت نفسه، يعكس هذا المسار كيف تنسج الرأسمالية علاقات بين الدول الاستعمارية والاستبدادية والطبقات الرأسمالية، بحيث يتحول القمع نفسه إلى مورد اقتصادي ومجال لتراكم رأس المال. أمّا AnyVision (التي أصبحت تُعرف لاحقاً باسم Oosto)، وهي شركة إسرائيلية متخصصة في تقنيات التعرف إلى الوجوه المدعومة بالذكاء الاصطناعي، فقد طوّرت تقنية للتنميط تحمل اسم «Better Tomorrow»، تزعم أنها قادرة على تحديد «السلوكيات المشبوهة». وقد بيعت منتجاتها إلى 43 دولة، وتُستخدم في مرافق عامة، مثل المطارات والملاعب. كما استثمرت فيها شركات عالمية كبرى، من بينها مايكروسوفت، وبوش الألمانية، وكوالكوم، ولايتسبيد فينتشر بارتنرز.

وفي حزيران/يونيو 2019، أعلنت شركة الاستثمار التابعة لمايكروسوفت مشاركتها في جولة تمويل بقيمة 78 مليون دولار لصالح AnyVision، قبل أن تتخارج من استثمارها لاحقاً، عقب حملة انتقادات اتهمت الشركة بالمساهمة في دعم منظومة المراقبة الإسرائيلية بحق الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة. وفي تشرين الأول/أكتوبر 2019، أفادت شبكة NBC News بأن AnyVision زودت الجيش الإسرائيلي بتقنية Google Ayosh – وهو اسم مشتق من «يهودا والسامرة»، التسمية الإسرائيلية للضفة الغربية – والتي استُخدمت ضمن مشروع مراقبة عسكري سري لتعقب الفلسطينيين في الضفة الغربية. ووفقاً للشبكة، اعتُبر المشروع ناجحاً إلى درجة أن الشركة حصلت عام 2018 على إحدى أرفع الجوائز الدفاعية في إسرائيل، بدعوى مساهمتها في إحباط «مئات الهجمات الإرهابية» عبر تحليل كميات ضخمة من البيانات. كما تُستخدم تقنيات الشركة في 27 حاجزاً بيومترياً في الضفة الغربية، حيث تتيح للجندي التحقق فورياً مما إذا كان الفلسطيني المقترب مخولاً بالعبور أم لا. وبعد 7 تشرين الأول/أكتوبر، استُخدمت هذه المنظومات في عمليات الاعتقال والتوقيف على الحواجز، إذ اعتُقل مئات الفلسطينيين، واحتُجز آلاف الشبان وتعرضوا للتنكيل، بعد أن كشفت أنظمة التعرف إلى الوجوه عن وجود «سجل أمني» لهم، أو لكونهم معتقلين سابقين، أو أقارب لأسرى أو شهداء، عقب تصوير وجوههم. وبهذا المعنى، تمتد آثار هذه التكنولوجيا إلى ما بعد جدران السجون، لتصبح أداة لإدامة المراقبة والسيطرة على الفلسطينيين في حياتهم اليومية، وهو ما يلخصه أستاذ الفلسفة في جامعة بيرزيت عبد الرحيم الشيخ بالانتقال من «السجن الصغير» إلى «السجن الكبير». كما نُشرت هذه الأنظمة في عمق الضفة الغربية، بما يتيح لمنظومة الاحتلال العسكري الإسرائيلي جمع البيانات البيومترية للفلسطينيين وإخضاعهم لمراقبة مستمرة.

الرأسمالية، منذ نشأتها، أنتجت وأعادت إنتاج «العرق» بوصفه فائضاً بشرياً يُحال إلى مجال رئيسي للتراكم الرأسمالي عبر التكنولوجيا. ومن هذا المنظور، لا تبدو معسكرات الاحتجاز مجرد أدوات للسيطرة، بل تمثل ممارسة سياسية تستخدم التقنية لإعادة تشكيل المجتمع

استعانت الشرطة الإسرائيلية ووزارة الدفاع بتقنيات AnyVision ضمن منظومة المراقبة الأمنية في القدس. وفي أيلول/سبتمبر 2020، شاركت الشركة في تأسيس SightX بالشراكة مع شركة رفائيل، المدعومة من الحكومة الإسرائيلية والمتخصصة في الصناعات العسكرية، بهدف تطوير تقنيات عسكرية تعتمد على الذكاء الاصطناعي والرؤية الحاسوبية، تشمل أنظمة للكشف والتعقب، من بينها طائرات مسيّرة مزودة بتقنيات التعرف إلى الوجوه. 

ووفقاً لبيانات الشركة، بلغ انتشار برمجياتها، بحلول عام 2019، أكثر من 100 ألف كاميرا موزعة على 43 دولة، ضمن نحو 350 مشروعاً. وتعتمد هذه البرمجيات على المسح اللحظي والتحليل التقاطعي للبيانات المجمعة من مصادر متعددة، بما في ذلك المصادر المفتوحة، بما يعكس اتجاهاً متزايداً نحو أنماط من المراقبة الخوارزمية التي تتجاوز الحدود الفاصلة بين الفضاءين المدني والعسكري.

اغتنمت الشركة جائحة كورونا لتسويق منتجاتها وتقنياتها، مقدّمة إياها بوصفها أدوات تساعد الدول والسلطات على توسيع قدرتها على جمع البيانات الشخصية وتعزيز مراقبة الأفراد، وفي الوقت نفسه تفتح أمامها فرصاً جديدة لتراكم الأرباح. وفي هذا السياق، جرى دمج شركات الصناعات العسكرية والشركات السيبرانية، إلى جانب جهاز الموساد والجيش الإسرائيلي، في الفضاءات المدنية والمؤسسات الطبية داخل إسرائيل. فعلى سبيل المثال، زودت AnyVision/Oosto عدداً من المستشفيات الإسرائيلية بكاميرات لقياس حرارة الجسم، قبل أن توسع استخدامها لاحقاً عبر تركيب كاميرات مزودة بتقنيات التعرف إلى الوجوه، استُخدمت لتحديد الأشخاص الذين لا يرتدون الكمامات. وفي مستشفى شيبا بمدينة رامات غان، رُبط هذا النظام بنحو 600 كاميرا موزعة في أنحاء المجمع، بحيث كان يطلق إنذاراً كلما تعرف إلى شخص لا يرتدي كمامة. ولا يُعرف ما إذا كان العاملون في المستشفى أو المرضى أو الزوار قد أُبلغوا باستخدام هذه التقنية، الأمر الذي يثير تساؤلات بشأن حدود استخدام تقنيات التعرف إلى الوجوه في الفضاءات المدنية، ومدى احترام الخصوصية والموافقة المسبقة للأفراد.

تقدم الشركة 3 منتجات رئيسية، تتمحور جميعها حول سرعة الاستجابة وتحليل اللقطات المصورة، استناداً إلى معايير يحددها النظام الأمني مسبقاً لتصنيف الحركات والأشخاص بوصفهم «مشتبه بهم». ويوفر أحد هذه الأنظمة آلية إنذار فوري عند رصد شخص مدرج ضمن قوائم المراقبة عبر كاميرات المراقبة. كما تطور الشركة أنظمة للتحكم في الدخول تعتمد على القياسات الحيوية للوجه، وهي التقنيات المستخدمة في البوابات الآلية في المطارات، والشركات، والمجمعات التجارية، وغيرها من المرافق. 

ووفقاً لقاعدة بيانات صادرات الصناعات العسكرية والأمنية الإسرائيلية (DIMSE)، تُستخدم تقنيات AnyVision/Oosto في عدد من دول العالم، من بينها هونغ كونغ وإسبانيا والمكسيك وروسيا واليابان والولايات المتحدة. كما تشير منظمة Who Profits إلى أن البنية التكنولوجية للشركة تضم نحو 100 ألف كاميرا موزعة في أكثر من 40 دولة، بما يعكس الانتشار العالمي المتزايد لتقنيات المراقبة التي تطورها.

الخلاصة 

حوّل المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني فلسطين إلى مختبر مفتوح لتطوير التقنيات الأمنية واستعراض التفوق التكنولوجي. ولم يقتصر الأمر على استخدام هذه التقنيات في قمع الفلسطينيين، بل جرى تحويل هذا القمع نفسه إلى معيار لفاعليتها، وتسويقها عالمياً بوصفها تقنيات «مجرّبة ميدانياً». وفي صلب هذه المنظومة تبرز تقنيات التعرف إلى الوجوه، التي تُقدَّم باعتبارها حلولاً أمنية، فيما تشكل في الواقع رأس مال يُراكم الأرباح من خلال المراقبة والقمع والاضطهاد، مستندة إلى خطاب «عولمة الخوف» الذي يُنتج التهديد بوصفه سوقاً دائمة.

وقد أسهم توظيف إسرائيل لأحداث 11 أيلول/سبتمبر في ترسيخ هذا الخطاب، عبر تصوير العالم باعتباره فضاءً مهدداً بـ«الإرهاب» على نحو دائم. وفي ظل هذا التصور، أصبحت تقنيات التعرف إلى الوجوه تُسوَّق باعتبارها أدوات استباقية لتحديد «المشتبه بهم»، استناداً إلى خوارزميات تصممها شركات ومؤسسات تنتمي إلى دول الشمال الرأسمالي. وبهذا، تعززت الروابط بين الدول الاستعمارية والاستبدادية والشركات الأمنية، في إطار منظومة رأسمالية تحول القمع إلى سلعة، والخوف إلى مصدر للربح.

وراكمت الشركات الإسرائيلية، عبر هذا المسار، رأس مال مادياً ورمزياً مكّنها من احتلال موقع متقدم في سوق المراقبة العالمي، الذي يشهد نمواً متسارعاً، ولا سيما منذ جائحة كورونا. غير أن هذا التوسع قام، في جوهره، على تحويل الفلسطينيين إلى مادة خام لإنتاج المعرفة الأمنية؛ إذ جرى اقتحام خصوصيتهم، وتجريدهم من إنسانيتهم، وتحويل وجوههم وبياناتهم البيومترية إلى خوارزميات تزيد من كفاءة تقنيات التعرف إلى الوجوه وتوسع انتشارها عالمياً. وهكذا، لا يقتصر أثر هذه التقنيات على الفلسطينيين وحدهم، بل يمتد إلى المجتمعات الأخرى، حيث تسهم في توسيع سلطات المراقبة، وتقليص الحق في الخصوصية، وتحويل القمع إلى أحد مجالات تراكم رأس المال.

وبذلك، لا تؤدي تقنيات المراقبة والتعرف إلى الوجوه في فلسطين دوراً أمنياً فحسب، على الرغم من الهوس الإسرائيلي بالأمن والرقابة واستباق الخطر، بل تتحول أيضاً إلى مورد اقتصادي. فـ«الخبرة الأمنية» المتولدة من استخدامها ضد الفلسطينيين تُستثمر بوصفها دليلاً على البراعة والتفوق التكنولوجي الإسرائيلي، ويُسوَّق كونها «مجرَّبة ميدانياً» باعتباره ميزة تنافسية تمنح الشركات الإسرائيلية موقعاً متقدماً في السوق العالمية لتقنيات المراقبة.

غير أن هذه التقنيات لا تعمل دائماً بالكفاءة التي تروّج لها الشركات الإسرائيلية أو تتخيلها العقلية الاستثمارية التي تقف خلفها. فقد تعرضت لانتقادات، حتى داخل الأوساط الأمنية الإسرائيلية، بسبب محدودية دقتها وارتفاع معدلات الخطأ فيها. كما تعاني الأنظمة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي مما يُعرف بـ«الهلوسة»، أي إنتاج نتائج أو استنتاجات غير صحيحة تبدو للنظام وكأنها صحيحة. ووفقاً لما كشفه ضباط إسرائيليون لصحف إسرائيلية، ظهرت مثل هذه الإخفاقات أثناء تشغيل تقنيات التعرف إلى الوجوه على حواجز قطاع غزة. إلا أن خطورة هذه «الهلوسة» لا تكمن في آثارها داخل إسرائيل وحدها، بل في تدويلها وتعميمها عبر تصدير هذه التقنيات إلى دول أخرى. فعندما تُسوَّق أنظمة غير معصومة من الخطأ بوصفها أدوات لاتخاذ قرارات أمنية، فإن أخطاءها لا تبقى تقنية فحسب، بل تتحول إلى ممارسات تمس حرية الأفراد وخصوصيتهم، وقد تقود إلى المراقبة أو الاشتباه أو العقاب استناداً إلى خوارزميات قابلة للخطأ، يغذيها هوس دائم بالإرهاب واستباق الخطر.