hospital

المصريون يسدّدون فاتورة صحيّة باهظة للقطاع الخاص
الاستثمار في المرض

يدفع المصريون أكثر من نصف الإنفاق الصحي من جيوبهم، فيما تتدفق أموال المصارف والصناديق إلى شركات المستشفيات والرعاية المتخصّصة. لا تقع الحركتان في مسارين منفصلين: فالمال الذي تخرجه الأسرة عند المرض يدخل خزائن مقدّمي الخدمة كإيراد متكرّر. وحين تستقر هذه الإيرادات، تصبح المستشفى أكثر من منشأة علاجية؛ تتحوّل إلى أصل يمكن شراء حصة فيه ودمجه في شبكة أكبر واستخدام تدفقاته لتمويل التوسّع. بهذه الطريقة، لم يوسّع ضعف التمويل العام السوق الخاصة فقط، بل جعل فواتير العلاج نفسها مصدراً لجذب رأس المال.

تكشف صفقتان حديثتان كيف انتقل هذا المنطق من فاتورة المريض إلى بنية ملكية القطاع. ففي شباط/فبراير 2026، ضخّت شركة «Development Partners International» نحو 190 مليون دولار في مجموعة «ألاميدا للرعاية الصحية». حصلت الشركة الأولى على حصة أقلية عبر زيادة رأس المال، وخصّصت «ألاميدا» التمويل للتوسّع داخل مصر وخارجها. وسبق ذلك تحرّك تحالف مصرفي وتأميني بقيادة البنك التجاري الدولي نحو شركة «B Healthcare Investments»، في آب/أغسطس 2025، لضخ نحو 500 مليون جنيه كي تموّل الشركة استحواذات جديدة في الرعاية الصحية المتخصّصة.

تبيّن الصفقتان أن رأس المال لا يدخل القطاع دائماً عبر بناء مستشفيات جديدة، بل عبر شراء حصص في مقدّمي خدمات قائمين وتجميع مرضاهم وتراخيصهم وعقودهم وتدفقاتهم النقدية داخل مجموعات أكبر. وهكذا، لا يزيد الاستثمار عدد المنشآت بالضرورة، لكنه يعيد توزيع ملكيتها ويمنح أصحابها الجدد وزناً أكبر داخل السوق.

الأسر تموّل السوق الصحية من جيوبها

لفهم سبب اهتمام المستثمرين بالمستشفيات، ينبغي أولاً تحديد مصدر الإيرادات التي يشترونها.

ترك التمويل العام جزءاً كبيراً من كلفة العلاج خارج التغطية الجماعية، ولذلك تسدّد الأسرة الفاتورة عند وقوع المرض. تكشف الحسابات القومية للصحة حجم هذه الفجوة. فقد بلغ الإنفاق الصحي الجاري 255.6 مليار جنيه في السنة المالية 2019-2020. دفعت الأسر 151.6 مليار جنيه، أي 59.3% من الإجمالي، فيما موّلت الحكومة نحو 84 مليار جنيه، أو 33%. وبذلك، دفعت الأسر 1.8 جنيه مقابل كل جنيه دفعته الدولة.

لا تكمن المشكلة في مقدار ما تدفعه الأسر فقط، بل أيضاً في طريقة الدفع وتوقيته والظروف التي يجري فيها. فبدلاً من توزيع كلفة العلاج جماعياً عبر الضرائب والاشتراكات، يحمّل الدفع المباشر الأسرة الكلفة كاملة عند وقوع المرض، أي في اللحظة التي تضعف فيها قدرتها على الاختيار والتفاوض. وفي حالة الصحة، لا يستطيع المريض أن يتصرّف كمستهلك عادي؛ فقد يؤجّل شراء هاتف أو سيارة عندما يرتفع السعر، لكنه يعجز عن تأجيل الدواء أو العملية أو الفحص. 

تمنح هذه الضرورة مقدّم الخدمة مصدراً مستمراً للإيرادات. يدخل المستثمر إلى قطاع تتحوّل فيه الحاجة إلى العلاج إلى فواتير متكررة، فيما تدفعها الأسر من دون حماية مالية كافية. وبهذا المعنى، يصنع ضعف التمويل العام الشرط الأول لجاذبية القطاع: حاجة لا يمكن تأجيلها، تموّلها الأسر مباشرة، وتتحوّل إلى إيرادات متكررة لمقدّمي الخدمة.

لكن انتظام الطلب لا يفسّر وحده ازدهار الاستحواذات؛ فالشرط الثاني يكمن في بنية القطاع الخاص نفسه.

تفتّت المستشفيات يسهّل تجميع ملكيتها

يملك القطاع الخاص العدد الأكبر من المستشفيات في مصر، لكنه يدير منشآت صغيرة في معظمها. أحصى الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء 1,858 مستشفى في عام 2024. امتلك القطاع الخاص 1,153 مستشفى، أي 62% من الإجمالي، وامتلكت الحكومة 677 مستشفى، فيما توزّعت 28 مستشفى بين القطاع العام وهيئات أخرى.

لكن الصورة تنعكس عند حساب الأسرة. تضمّ المستشفيات الخاصة 36,014 سريراً، أي 29.3% من الإجمالي، في مقابل 84,225 سريراً في المستشفيات الحكومية، أو 68.4%. وبالتالي، يبلغ متوسط المستشفى الخاص 31 سريراً، فيما يصل المتوسط في المستشفى الحكومي إلى 124 سريراً.

أي أن القطاع الخاص واسع من حيث عدد المنشآت، لكنه يتكوّن في معظمه من وحدات صغيرة. وهذا التفتّت هو ما يجعل السوق قابلة للتجميع: يستطيع المستثمر شراء منشأة قائمة وضمّها إلى شبكة أكبر، متجنباً زمن بناء مستشفى جديد واستصدار تراخيصه وتكوين قاعدة مرضاه.

يصعب قياس درجة التركّز أو إثبات الاحتكار في ظل غياب رصد كامل لعدد المالكين الفعليين والبيانات الكاملة عن الإيرادات والحصص السوقية. غير أن بيانات توزع المنشآت تفسّر لماذا تنظر المجموعات الكبرى إلى القطاع بوصفه مساحة جاهزة للاستحواذ. فقد وصفت «مجموعة مستشفيات كليوباترا»، وهي شركة مصرية مدرجة في البورصة وتدير شبكة من المستشفيات والعيادات الخاصة، في عرضها للمستثمرين لعام 2026، تفتّت المستشفيات الخاصة بأنه «فرصة لتجميع الصناعة»، ووضعت الاستحواذات ضمن أدوات نموها. وهكذا تحوّل المجموعات كثرة المنشآت الصغيرة إلى فرصة لتجميع الملكية، فيما تدعم المصارف والصناديق هذا التحوّل بالتمويل.

شراء المستشفى يعني شراء تدفقاته وقوته السوقية

يفسّر تفتّت الملكية سهولة الشراء، ولكنه لا يفسّر وحده قيمة ما يُشترى. عند شراء أي مستشفى، يشتري المستثمر أيضاً المرضى والأطباء والسمعة والتراخيص وعقود التأمين. وتختصر هذه العناصر مجتمعة الوقت اللازم لبناء تدفقات نقدية جديدة.

تشرح «B Healthcare Investments» هذا المنطق في معاييرها، إذ تستهدف شركات ناجحة تملك تدفقات نقدية مستقرة وهوامش ربح جيدة، وتسمح بالنمو عبر التوسّع والاستحواذ. لذلك تتجنب المشروعات الجديدة والمنشآت المتعثرة، وقد بدأت نشاطها بشراء 51% من «المركز المصري لأطفال الأنابيب».

يرتفع العائد أيضاً حين تملك المجموعة مراحل متعددة من العلاج. فالمريض الذي يبدأ في العيادة قد ينتقل إلى المختبر أو الأشعة أو الجراحة أو الصيدلية أو التأهيل. وإذا امتلكت المجموعة هذه الخدمات، بقي جزء أكبر من فاتورته داخل شبكتها.

يخفض الحجم الكبير بعض الكلف، لأن المجموعة تستطيع شراء المستلزمات بأسعار أفضل وتشغيل التجهيزات والإدارة بكفاءة أعلى، ما قد يتيح لها تحسين الجودة. لكن لا تقتصر ميزة الحجم على خفض الكلفة. فكلما اتسعت الشبكة، زادت قدرتها على التفاوض مع الموردين والأطباء وشركات التأمين، وعلى اختيار الخدمات والمناطق التي تريد التوسّع فيها.

تعرض «كليوباترا» هذه المزايا بصراحة، فتتحدث عن قاعدة كبيرة من المرضى، وقوة تفاوضية، وسلسلة توريد توسّع هوامش الربح. كما تربط توسّعها الجغرافي بعلاقاتها مع «الجهات الدافعة» واحتياجات شبكاتها.

وقد تكون الجهة الدافعة مريضاً أو شركة تأمين أو هيئة عامة. هنا تظهر النقطة الفاصلة بين الحاجة الصحية والفرصة الاستثمارية: فالحاجة إلى العلاج موجودة في كل مكان، لكنها لا تتحوّل إلى فرصة استثمارية إلا عندما تقترن بجهة قادرة على تسديد الفاتورة.

لذلك تغيّر الاستحواذات ميزان القوة داخل السوق، حتى عندما تخفض الكلفة. فقد تنقل المجموعة هذا الوفر إلى المرضى، أو تستخدم قوتها لرفع الأسعار وهوامش الربح. وقد تضيف خدمات يحتاج إليها السكان، أو تفضّل خدمات تدرّ عائداً أعلى. ولا تحسم البيانات المتاحة أي مسار سيسود.

القدرة على الدفع ترسم خريطة الاستثمار

لا يكفي السؤال عمّا تضيفه الاستحواذات من خدمات وكفاءة؛ ينبغي أيضاً السؤال عن الأماكن التي تتجه إليها. فهل يتبع الاستثمار الحاجة الصحية، أم يتبع الإيراد القابل للتحصيل؟ 

تسمح الحسابات القومية للصحة باختبار هذا السؤال بعيداً من عروض الشركات، إذ توزّع الإنفاق الصحي على المحافظات للمرة الأولى. تصدّرت القاهرة إجمالي الإنفاق الصحي في 2019-2020 بنحو 37.6 مليار جنيه، وبلغ الإنفاق للفرد فيها 3,792 جنيهاً. أما في قنا والفيوم وسوهاج، فتراوح بين 1.6 و1.8 ألف جنيه، وجاءت المحافظات الثلاث في ذيل الترتيب.

يظهر التركز بوضوح أكبر داخل سوق المستشفيات الخاصة. قدّرت الحسابات الإنفاق الجاري في هذه المستشفيات بنحو 24 مليار جنيه، أي 33% من إجمالي الإنفاق الجاري على المستشفيات، وتركز قرابة ثلثه في القاهرة الكبرى وحدها، أي القاهرة والجيزة والقليوبية. ويشير معدّو الحسابات إلى أن تقدير إنفاق المستشفيات الخاصة أولي، وقد يكون أدنى قليلاً من مستواه الفعلي، لأنه لا يشمل بعض المعاملات الحكومية التي قد تجري في منشآت خاصة. لكن التقرير يلفت إلى أن هذا التدفق الحكومي ضئيل جداً قياساً بإجمالي إنفاق المستشفيات الخاصة.

ولا يعني انخفاض الإنفاق في محافظة ما أن سكانها أقل حاجة إلى العلاج؛ فقد يعكس ضعف الدخل أو نقص الخدمات أو اضطرار المرضى إلى الانتقال إلى محافظة أخرى. لذلك، لا تثبت هذه الأرقام أن المستثمر يرفض المناطق الأكثر حاجة. لكنها تكشف الحلقة التالية في المنظومة: تنتج الحاجة الطلب الصحي، فيما تحدّد القدرة على الدفع وشبكات الجهات الدافعة أين يتحوّل هذا الطلب إلى فرصة استثمارية.

وتدعم هذه البيانات ما تقوله «كليوباترا» عن علاقتها بالجهات الدافعة، لكنها تمنح الحجة أساساً مستقلاً عن عروض المستثمرين. فتوزيع الإنفاق الفعلي يكشف ما لا تقوله هذه العروض وحدها: يتركز الإنفاق الخاص حيث توجد شبكة أوسع من المرضى والجهات القادرة على الدفع، فيما لا تجذب الحاجة وحدها إنفاقاً مماثلاً.

غير أن الأسرة وشركات التأمين ليست الجهات الوحيدة القادرة على توليد هذه الإيرادات. فالدولة نفسها تفتح أمام المستثمرين مسارين جديدين: العقود المموّلة من التأمين الصحي، وإدارة المنشآت العامة.

الدولة تفتح قنوات جديدة أمام رأس المال

حتى الآن، جاء الجزء الأكبر من جاذبية القطاع من مدفوعات الأسر. لكن توسّع التأمين الصحي الشامل وقانون إدارة المنشآت العامة يضيفان إلى هذه المدفوعات عقوداً وأصولاً تموّلها الدولة أو تتيحها.

يهدف التأمين الصحي الشامل إلى تخفيف الدفع من الجيب، عبر جمع الاشتراكات والضرائب مسبقاً، ثم شراء العلاج من مقدّميه. ويمكن لهذا النظام أن يحمي الأسرة، لكنه يمنح المجموعات الخاصة قناة جديدة للإيرادات في الوقت نفسه. فبدلاً من تحصيل فواتير متفرقة من المرضى، تتعاقد المجموعة مع مشترٍ عام يدفع عن عدد كبير من المنتفعين، ويوفر لها تدفقات أكثر انتظاماً.

وتملك المجموعات الكبرى أفضلية في هذا المسار، لأنها أقدر على استيفاء شروط الاعتماد، وتشغيل شبكات واسعة، وتقديم البيانات المطلوبة. ويعزّز حجمها أيضاً موقعها عند التفاوض على الأسعار وحجم الخدمات.

وفتح القانون رقم 87 لسنة 2024 قناة أخرى، إذ أجاز للمستثمرين إدارة منشآت صحية عامة وتشغيلها وتطويرها بعقود امتياز، مع استثناء وحدات الرعاية الأساسية وصحة الأسرة. تبقى الدولة مالكة المنشأة في هذا النموذج، فيما يديرها المستثمر ويتحكم في تدفقاتها خلال مدة العقد. وهكذا يصل رأس المال إلى أصل عام قائم من دون أن يشتري ملكيته.

لا يعني ذلك انسحاب الدولة من القطاع، بل تغيّر موقعها داخله. فهي تبقى ممولة ومالكة ومنظمة، لكنها تصبح أيضاً مشترياً لخدمات القطاع الخاص ومانحةً لحق إدارة بعض أصولها. وبذلك يحصل المستثمر على مسارين للعائد: فواتير الأسر من جهة، والعقود والأصول العامة من جهة أخرى.

وحين تجمع المجموعات الخاصة إيرادات المرضى والعقود العامة وإدارة الأصول القائمة، لا يعود السؤال مقتصراً على ملكية المنشآت، بل يمتد إلى القوة التي تمنحها هذه الملكية لأصحابها.

الاستحواذات تعيد توزيع الأرباح والكلفة

يربح المستثمر لأنه يشتري طلباً قائماً وتدفقات نقدية مستقرة، ويختصر زمن بناء منشآت جديدة وجذب مرضاها. كما يمنحه اتساع المجموعة قوة أكبر أمام الموردين والأطباء وشركات التأمين، وتضيف العقود العامة مصدراً أكثر انتظاماً للإيرادات.

وقد تحصل الدولة على تمويل وخبرة تشغيلية في المدى القصير، فتطوّر منشآت أو تزيد قدرتها من دون أن تتحمّل وحدها كلفة الاستثمار والإدارة. لكنها تتحمّل في المقابل كلفة تمويل العقود ومراقبة الجودة والأسعار والتفاوض مع مجموعات أكبر وأكثر قدرة على فرض شروطها.

أما الأسرة، فقد تحصل على خدمة أسرع أو تجهيزات أحدث، لكنها تظل الطرف الأكثر تعرّضاً للخطر، لأنها تموّل أكثر من نصف الإنفاق الصحي وتدفع عند وقوع المرض، حين تضعف قدرتها على الاختيار والتفاوض. كذلك تواجه المستشفيات المستقلة والأطباء والموردون وشركات التأمين مجموعات تملك تمويلاً أرخص وشبكات أوسع ووزناً تفاوضياً أكبر.

ومع تراكم الاستحواذات، لا يعود التغيّر محصوراً في زيادة عدد المنشآت التي تملكها المجموعة، بل في قدرتها على التأثير في الأسعار والعقود ومواقع تقديم الخدمة. وقد تضيف هذه الاستثمارات أسرّة وتقنيات وخبرات، لكن إذا لم تستطع الدولة خفض كلفة المرض وتوجيه الخدمات إلى المناطق الأكثر حاجة وضبط قوة المجموعات الكبرى، فلن يعالج توسّع القطاع الخاص فجوة التمويل، بل سيحوّلها إلى مصدر دائم للإيرادات، فيما يواصل المواطن دفع ثمن المرض من دخل أسرته.

    حسن البربري

    محاسب ومناضل عمالي اشتراكي، مؤسس مبادرة مستشارك النقابي لتكون حلقة وصل بين الطبقة العاملة والسياسة، والمدير التنفيذي لمركز المنتدي المصري لعلاقات العمل سابقاً.