من 1899 إلى اليوم
رحلة في تاريخ الوصاية على النقابات العمّالية المصرية
قد نستطيع القول، بثقة، إن الحركة العمّالية في مصر لم تحظَ باستقلالها الكامل إلا في مرحلتها الجنينية المبكرة، حين كانت لا تزال مجرد تجمّعات صغيرة لا يتجاوز عدد أفرادها بضع مئات من العمّال. ولم تكن هذه التجمعات قد عُرفت بعد باسم «النقابات»، بل كانت تُسمّى «جمعيات»، تخطو خطواتها الأولى في التنظيم والعمل الجماعي، مستفيدةً من الخبرات التي نقلها إليها العمّال الأجانب، ولا سيما الأرمن واليونانيون والإيطاليون، الذين قدموا من بلدانهم وهم يحملون تجربة أطول في مواجهة أصحاب العمل داخل النظام الرأسمالي الأوروبي. فقد كشف هذا النظام، منذ بداياته، عن وجهه القبيح من استغلال العمّال في ساعات عمل طويلة، وظروف تشغيل قاسية، وأجور متدنية، ما دفع كثيرين منهم إلى الهجرة بحثاً عن شروط عمل أفضل. وكانت مصر، في أواخر القرن التاسع عشر، إحدى الوجهات التي استقطبتهم، بعدما بدأت تخطو نحو التصنيع إثر إلغاء نظام الطوائف الحرفية.
بعد المرحلة الجنينية، بدأ تاريخ طويل من الوصاية على نقابات العمّال في مصر، يمتد من إضراب لفّافي السجائر عام 1899 إلى قرار وزير العمل الأخير عام 2025.
عودة إلى التاريخ القريب
تشير أدبيات تاريخ الطبقة العاملة في مصر إلى أن البدايات الأولى للتنظيم النقابي ارتبطت بصناعة لفّ السجائر، التي كانت تُنجز يدوياً. غير أن التحوّل إلى اللف الآلي مع مطلع القرن العشرين غيّر معادلة العمل داخل المصانع؛ إذ رأى أصحابها أنهم لم يعودوا بحاجة إلى العمّال المهرة ذوي الأجور المرتفعة، فقرّروا الاستغناء عنهم واستبدالهم بعمّال أقل مهارة يمكن تدريبهم سريعاً على تشغيل الآلات مقابل أجور أدنى. وأمام هذا التحوّل، خاض عمّال لفّ السجائر أول إضراب عمّالي في تاريخ مصر الحديث عام 1899، واستمر شهرين، وانتهى إلى تأسيس أول نقابة حديثة في البلاد، دفاعاً عن حق العمّال ورفضاً لخفض الأجور وتسريح العمال المهرة.
أعقب تأسيس جمعية لفّافي السجائر إنشاء النقابة المختلطة للدخان، التي كانت الوحيدة التي احتفظت بمسمّى «نقابة» بدلاً من «جمعية». ثم توالت عملية التنظيم العمالي؛ ففي عام 1901 تأسست جمعية اتحاد الخياطين بالقاهرة، وجمعية الحلاقين، وجمعية عمّال المطابع. وفي العام التالي، أُنشئت جمعية عمال الأدوات المنزلية، وجمعية عمال السجائر بالإسكندرية، وجمعية كتبة المحامين بالقاهرة.
قد يبدو أن تلك الجمعيات العمالية تمتعت، في بداياتها، باستقلالية نسبية، إذ كانت قراراتها تصدر عن عمالها وقياداتها من دون إطار قانوني ينظم عملها أو يحدد علاقتها بالدولة، خصوصاً أن أول قانون اعترف بالنقابات في مصر لم يصدر إلا في أيلول/سبتمبر 1942، وهو القانون رقم 85 لسنة 1942. غير أن هذه الاستقلالية لم تدم طويلاً؛ فالأوضاع السياسية التي شهدتها مصر منذ مطلع القرن العشرين، ولا سيما مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، سرعان ما فرضت قيوداً قاسية على الحركة العمالية.
أدركت الأحزاب السياسية، وفي مقدمتها حزب الوفد، الوزن السياسي المتزايد للطبقة العاملة، فسعت إلى استقطابها والسيطرة على تنظيماتها طمعاً في أصواتها الانتخابية
فقد شكّل الاحتلال البريطاني «فرقة العمل المصرية» لخدمة قواته في جبهات القتال، وجنّد فيها نحو مليون عامل وفلاح مصري، بينما خضع المجتمع بأسره، والعمال على وجه الخصوص، لسلسلة من الإجراءات الاستثنائية هدفت إلى تجريدهم من أدوات التنظيم والعمل الجماعي. ففي 18 تشرين الأول/أكتوبر 1914، وبعد شهرين فقط من اندلاع الحرب، صدر قانون منع التجمهر، الذي اعتبر أي اجتماع يضم خمسة 5 أو أكثر تجمهراً غير مشروع، وفرض على مخالفته عقوبة الحبس لمدة تصل إلى 6 أشهر أو غرامة لا تتجاوز 20 جنيهاً مصرياً.
ولم تقتصر القيود على ذلك؛ ففي 2 تشرين الثاني/نوفمبر 1914 أُعلنت الأحكام العرفية وفُرضت الرقابة على الصحافة، ما حرم العمال من المنابر التي كانت تتعاطف مع قضاياهم وتواكب محاولاتهم الأولى في التنظيم والاحتجاج. ثم جاء إعلان الحماية البريطانية على مصر في 18 كانون الأول/ديسمبر 1914، وتعطيل الجمعية التشريعية، ليكتمل الإطار القانوني والسياسي الذي شلّ الحركة العمالية الناشئة. فقد أدت هذه الإجراءات إلى تجريد العمال من أهم وسائل نضالهم الجماعي، وفي مقدمتها حق الاجتماع والإضراب، وجعلتهم عاجزين عن مواجهة تعسف أصحاب الأعمال، الذين كان كثير منهم من الأجانب، أو عن مواصلة العمل النقابي الذي بدأ يتبلور في السنوات السابقة للحرب.
كان لسنوات الحرب العالمية الأولى أثر متفاوت على الفئات الاجتماعية في مصر. ففي حين أتاح تعذر الاستيراد فرصة لكبار ملاك الأراضي وأصحاب الأعمال والتجار المصريين لتعزيز أرباحهم بعد انفرادهم بالسوق المحلية، لم تجنِ الطبقة العاملة سوى مزيد من الغلاء والبطالة وتدهور مستوى المعيشة. لذلك، لم يكن مستغرباً أن تستأنف الحركة العمّالية احتجاجاتها قبل انتهاء الحرب، ابتداءً من عام 1917، مدفوعة بتفاقم أوضاعها الاقتصادية.
وخلال الفترة الممتدة بين عام 1917 واندلاع ثورة 1919، شهدت مصر موجة من الإضرابات والاحتجاجات شملت عمّال الترام، والسكك الحديدية، والموانئ، والفنارات، والمحال التجارية، وشركة مياه القاهرة. غير أن أهمية هذه المرحلة لا تكمن في اتساع رقعة الاحتجاجات فحسب، بل أيضاً في سعي العمال إلى إحياء تنظيماتهم النقابية التي كانت قوانين الحرب وإجراءاتها الاستثنائية قد عطّلت نموها وشلّت قدرتها على التطور.
وعلى الرغم من الدور البارز الذي أداه العمّال في دعم الوفد وحركته الوطنية ضد الاحتلال البريطاني، وجدوا أنفسهم في مواجهة أول حكومة وفدية برئاسة سعد زغلول. ويعود ذلك إلى التركيبة الاجتماعية والسياسية التي قادت الحركة الوطنية؛ فقبل ثورة 1919 كانت قيادة النضال موزعة بين حزب الأمة، المعبّر عن مصالح كبار ملاك الأراضي، والحزب الوطني، الذي استند أساساً إلى التجار والمثقفين والطلاب في المدن. وعندما تشكّل الوفد لقيادة الحركة الوطنية، جاء معبراً عن هذه القوى الاجتماعية، فيما ظل العمال خارج دائرة التمثيل السياسي.
وفي ظل قيادة تنتمي إلى هذه الشرائح الاجتماعية، وتتبنى نهجاً محافظاً يفضّل التسويات السياسية على المواجهة الاجتماعية، كان من الطبيعي أن تُضيّق إلى أقصى حد إمكانات استخدام الأساليب النضالية التي اعتمدتها الحركة العمالية، وفي مقدمتها الإضرابات والعمل النقابي.
توضح هذه الخلفية موقف أول حكومة وفدية تشكلت بعد ثورة 1919 من الحركة العمالية. فتبني الوفد خيار العمل السلمي في مواجهة الاحتلال لم يكن نابعاً من اعتبارات وطنية فحسب، بل ارتبط أيضاً بالخلفية الطبقية لغالبية قياداته، التي كانت تخشى اتساع حركة الجماهير وانزلاقها نحو مسار ثوري يتجاوز حدود الصراع مع الاحتلال إلى الصراع الاجتماعي. لذلك، عندما بلغت الحركة العمالية ذروة نشاطها عام 1924، لم تتردد الحكومة الوفدية في حل اتحاد النقابات، الذي كان قد تأسس عام 1921 بوصفه أول اتحاد عمالي في مصر، وأسهم الحزب الاشتراكي آنذاك في تأسيسه.
سياسة مجلس قيادة الثورة تجاه الحركة العمالية لم تقتصر على القمع، بل اعتمدت أيضاً على استقطاب بعض القيادات النقابية لخدمة أهدافها السياسية
ويُظهر استعراض تاريخ الحركة النقابية المصرية خلال العقود الثلاثة التي أعقبت ثورة 1919 أن النقابات لم تنعم باستقلالها حتى بعد انتهاء الاحتلال المباشر وإعلان الاستقلال في شباط/فبراير 1922. فقد أدركت الأحزاب السياسية، وفي مقدمتها حزب الوفد، الوزن السياسي المتزايد للطبقة العاملة، فسعت إلى استقطابها والسيطرة على تنظيماتها طمعاً في أصواتها الانتخابية. وتجلّى هذا التوجه في إنشاء اتحادات عمالية من أعلى، خضعت لنفوذ القوى السياسية أكثر مما عبّرت عن إرادة العمال أنفسهم. ومن أبرز هذه المحاولات الاتحاد العام لنقابات العمال بالقطر المصري (1924–1925)، الذي مثّل محاولة من البرجوازية الوطنية، ممثلة بحزب الوفد، لفرض وصايتها على الحركة العمالية، ثم المجلس الأعلى للعمال (1935–1936)، الذي أسسه حزب الوفد أيضاً برئاسة الأمير عباس حليم. وعندما عاد الوفد إلى الحكم عام 1936، لم تُترجم وعوده إلى تشريعات تحسن أوضاع العمال أو تحمي حقوقهم، بل واجه موجة الإضرابات التي اندلعت في ذلك العام، احتجاجاً على تدني الأجور وارتفاع البطالة وتكاليف المعيشة، بالقمع والعنف. وأدى ذلك إلى فقدان المجلس الأعلى للعمال ما تبقى له من شرعية بين النقابات، التي بدأت تنسحب منه تباعاً، إلى أن انتهى وجوده مطلع عام 1937.
أما رابطة نقابات عمال مدينة القاهرة وضواحيها (1943–1944)، فقد جاءت أيضاً بمبادرة من حزب الوفد. وكان الحزب يسعى آنذاك إلى استعادة جزء من شعبيته بعد الأزمة التي فجّرها وصوله إلى الحكم بدعم مباشر من الاحتلال البريطاني في حادثة 4 شباط/فبراير 1942، والتي أثارت موجة واسعة من السخط الشعبي. وفي محاولة لاحتواء هذا الغضب، اتجهت حكومة الوفد إلى تبني عدد من الإصلاحات الاجتماعية، كان أبرزها إصدار أول قانون يعترف بحق العمال في تأسيس النقابات.
غير أن هذا الاعتراف لم يكن يعني إقراراً باستقلال الحركة النقابية، بل جاء مقيداً بقيود واسعة. فقد أخضع القانون النقابات لرقابة الشرطة، ومنح السلطات صلاحيات واسعة في تفتيشها والتدخل في شؤونها وحل مجالس إداراتها، كما حظر إنشاء اتحاد عام يضم نقابات العمال على المستوى الوطني.
يتضح من هذا الاستعراض أن الحركة العمالية المصرية لم تعرف استقلالاً حقيقياً خلال الفترة الممتدة من نشأتها وحتى نهاية الأربعينيات. فقد ظلت هدفاً لمحاولات متواصلة للهيمنة من مختلف القوى السياسية والاجتماعية التي تعاقبت على قيادة المشهد المصري، سواء من قبل الدولة أو الأحزاب أو التنظيمات السياسية، التي سعت جميعها إلى احتواء الحركة العمالية وتوجيهها بما يخدم مصالحها.
وكانت محاولة جماعة الإخوان المسلمين في أواخر الأربعينيات إحدى حلقات هذا المسار. فعلى الرغم من أن أدبيات الجماعة الأولى لم تُولِ قضايا العمال اهتماماً يُذكر، ولم تتجه إلى تنظيمهم إلا بعد الحرب العالمية الثانية، فإنها سعت لاحقاً إلى استقطابهم عبر تشكيل لجنة مشتركة للعمال والطلبة، وتخصيص مساحة في صحافتها لقضايا العمل والعمال. غير أن هذه المحاولة اصطدمت بالنفوذ الواسع الذي كانت تتمتع به التيارات اليسارية داخل الحركة العمالية، كما كشفت الجماعة عن تناقض واضح عندما وقفت ضد احتجاجات عمال مصانع النسيج في شبرا الخيمة. ولم يطل عمر هذا المسعى، إذ انتهى مع قرار حكومة النقراشي حل جماعة الإخوان المسلمين عام 1948.
تجربة الحركة العمّالية مع ثورة 1952
وكما شكّل موقف أول حكومة وفدية بعد ثورة 1919 بداية مرحلة جديدة من التضييق على الحركة النقابية، جاءت ثورة يوليو 1952 لتفتتح بدورها عهداً جديداً من إخضاع الحركة العمالية، على الرغم من الآمال الكبيرة التي علّقها العمال عليها بعد سقوط النظام الملكي وإعلان مبادئ الثورة الستة، وفي مقدمتها تحقيق العدالة الاجتماعية.
غير أن أول اختبار حقيقي للعلاقة بين السلطة الجديدة والعمال جاء مع احتجاجات عمال كفر الدوار في آب/أغسطس 1952، التي انطلقت بمطالب مهنية واجتماعية وجّهها العمال إلى النظام الجديد. لكن السلطة تعاملت معها باعتبارها تحدياً سياسياً، فأُلقي القبض على العاملين مصطفى خميس ومحمد البقري، وصدر بحقهما حكم بالإعدام ونُفذ في أيلول/سبتمبر من العام نفسه، في واحدة من أكثر الوقائع إثارة للجدل في تاريخ الثورة.
وعلى الرغم من أن بعض أعضاء مجلس قيادة الثورة نفوا لاحقاً مسؤوليتهم عن قرار الإعدام، فإن ما أوردته مجلة «صوت العامل» في مقال أحمد شرف بعنوان «أسرار مذبحة كفر الدوار»، نقلاً عن الصحافي والمحامي موسى صبري، يشير إلى أن رئيس مجلس قيادة الثورة وصف الحكم بأنه «قرار سياسي»، وأن أعضاء المجلس صدّقوا على تنفيذ الإعدام على الرغم من تشكيك بعضهم في إدانة خميس والبقري. ويعزز ذلك القراءة التي ترى أن النظام العسكري حسم، منذ أشهره الأولى، موقفه من أي محاولة لبناء تنظيم عمالي مستقل، أو من أي تحرك جماعي يمكن أن يخرج عن سيطرة الدولة.
كان الهدف من إعدام خميس والبقري إرسال رسالة واضحة إلى الحركة العمالية، التي كانت تضم عشرات الآلاف من العمال، بأن السلطة الجديدة لن تتسامح مع أي تنظيم أو تحرك مستقل خارج إرادتها. ولم يكن ذلك مجرد رد فعل على احتجاجات كفر الدوار، بل تعبيراً عن تصور سياسي متكامل للعلاقة بين الدولة والعمال. وقد صاغ هذا التصور، في مراحله الأولى، عبد المنعم أمين، أحد أعضاء مجلس قيادة الثورة والمسؤول عن الشؤون العمالية في وزارة الشؤون الاجتماعية، والذي عُرف بقربه من الولايات المتحدة. فقد رفع إلى مجلس قيادة الثورة مقترحات تدعو إلى تجريم الإضرابات، ومنح أصحاب العمل حرية فصل العمال، معتبراً أن هذه الإجراءات ضرورية لطمأنة المستثمرين وجذب رؤوس الأموال الأجنبية إلى الصناعة المصرية.
لم تعد النقابات تُعامل باعتبارها تنظيمات مستقلة تمثل مصالح العمال، بل تحوّلت إلى أداة يمكن استخدامها لدعم خيارات السلطة السياسية، وضبطهم وكبح احتجاجاتهم عندما تتعارض مطالبهم مع سياسات الدولة
لكن سياسة مجلس قيادة الثورة تجاه الحركة العمالية لم تقتصر على القمع، بل اعتمدت أيضاً على استقطاب بعض القيادات النقابية لخدمة أهدافه السياسية. وقد برز ذلك خلال أزمة عام 1954، حين استعان المجلس ببعض النقابات، وفي مقدمتها نقابة نقل القاهرة، لتوفير غطاء عمّالي لموقف جمال عبد الناصر الرافض لعودة الجيش إلى الثكنات وفق رؤية محمد نجيب. ودعت قيادة النقابة آنذاك إلى اجتماع في مقر اتحاد النقل المشترك بالقاهرة لتنظيم إضراب عام، كان مطلبه الرئيس استمرار مجلس قيادة الثورة في الحكم إلى حين جلاء القوات البريطانية عن البلاد، وهو ما انسجم مع توجّه عبد الناصر في صراعه على السلطة.
وبصرف النظر عن الانقسام الذي شهدته الحركة النقابية آنذاك بين نقابات القاهرة المؤيدة لمجلس قيادة الثورة ونقابات الإسكندرية التي طالبت بإلغاء الأحكام العرفية، وحل مجلس قيادة الثورة، وضمان الحريات الديمقراطية، فإن أحداث عام 1954 أرست نمطاً جديداً في علاقة الدولة بالحركة العمالية. فمنذ ذلك الحين، لم تعد النقابات تُعامل باعتبارها تنظيمات مستقلة تمثل مصالح العمال، بل تحوّلت إلى أداة يمكن استخدامها في اتجاهين متكاملين: حشد العمّال لدعم خيارات السلطة السياسية من جهة، وضبطهم وكبح احتجاجاتهم عندما تتعارض مطالبهم مع سياسات الدولة من جهة أخرى.
وشكّل هذا التحول مقدمة مباشرة لتأميم الحركة النقابية مع صدور القرار السيادي بإنشاء الاتحاد العام لنقابات عمال مصر في 30 كانون الثاني/يناير 1957، بوصفه التنظيم النقابي الوحيد الذي تديره الدولة وتشرف عليه. ومنذ ذلك الحين، قامت العلاقة بين النظام والطبقة العاملة على تحالف اجتماعي جديد: احتكار الدولة للتمثيل النقابي مقابل توسيع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للعمال.
وتجسدت هذه المعادلة في سلسلة من التشريعات التي صدرت مطلع الستينيات، من بينها القانون رقم 111 لسنة 1961، الذي خصص 25% من صافي أرباح الشركات لتوزيعها على العاملين، يوزع 10% منها نقداً ويخصص الباقي للخدمات الاجتماعية والإسكان، والقانون رقم 133 لسنة 1961 الذي خفّض أسبوع العمل إلى 42 ساعة، والقانون رقم 262 لسنة 1962 الذي ضاعف الحد الأدنى للأجور بنسبة 100% ليصل إلى 25 قرشاً يومياً في شركات القطاع العام. كما حصل العمال على تمثيل في مجالس إدارات الشركات، وحماية أكبر من الفصل التعسفي، إلى جانب الاستفادة من منظومة أوسع من الضمانات الاجتماعية، شملت الاستقرار الوظيفي، والرعاية الصحية، والمعاشات التقاعدية، والدعم التمويني، والتعليم المجاني، فضلاً عن توسيع فرص أبناء العمال والفلاحين في التعليم الجامعي.
وهكذا، نشأ خلال الحقبة الناصرية عقد اجتماعي جديد استمر قرابة عقدين، حصل العمال بموجبه على مكاسب اقتصادية واجتماعية واسعة، لكن مقابل التخلي عن استقلالهم التنظيمي، بعدما أصبحت النقابات جزءاً من بنية الدولة، لا تنظيمات مستقلة تمثل مصالح أعضائها.
العمّال في مرحلة التحرير
مع التحول نحو سياسات تحرير الاقتصاد في عهدي أنور السادات وحسني مبارك، بدأ العقد الاجتماعي الذي تأسس في الحقبة الناصرية يتآكل تدريجياً. فقد اتجهت الدولة إلى تقليص دور القطاع العام، وتشجيع القطاع الخاص، وإعادة هيكلة الاقتصاد، وهو ما جاء على حساب جانب من المكاسب التي كان عمال القطاعين العام والحكومي قد حصلوا عليها خلال الستينيات. ومع تسارع الخصخصة، ولا سيما خلال العقد الأول من الألفية الجديدة، تدهورت أوضاع شريحة واسعة من العمال، واتسعت رقعة الاحتجاجات العمالية، خاصة في منشآت القطاع الخاص الذي بات يؤدي دوراً متزايداً في الاقتصاد المصري.
وفي المقابل، بقي الاتحاد العام لنقابات عمال مصر متمسكاً بدوره التقليدي بوصفه جزءاً من بنية الدولة، ولم يساند عملياً سوى إضراب واحد، هو إضراب عمال شركة طنطا للكتان الذي استمر 6 أشهر، وانتهى بالمطالبة باسترداد الشركة من المستثمر السعودي عبد الإله الكحكي وإعادتها إلى القطاع العام في شباط/فبراير 2009.(1) أما بقية الاحتجاجات، فقد وقف الاتحاد في مواجهتها أو امتنع عن دعمها، الأمر الذي عمّق الفجوة بينه وبين القواعد العمالية.
وتجلّى هذا الانفصال بوضوح في شركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبرى. فبعد انتخابات الاتحاد العام في تشرين الثاني/نوفمبر 2006، التي شهدت تدخلاً أمنياً وحكومياً واسعاً أدى إلى استبعاد معظم القيادات العمالية المستقلة، اندلع إضراب عمال المحلة بعد أسابيع قليلة. ولم يكتفِ العمال بتجاوز النقابة الرسمية، بل هاجموا مقارها وطردوا ممثليها من المصنع، وجمعوا توقيعات لسحب الثقة منها، في تعبير واضح عن فقدانها شرعيتها التمثيلية.
نشأ خلال الحقبة الناصرية عقد اجتماعي جديد استمر قرابة عقدين، حصل العمال بموجبه على مكاسب اقتصادية واجتماعية واسعة، لكن مقابل التخلي عن استقلالهم التنظيمي
وعلى الرغم من أن هذه المحاولة لم تُفضِ إلى إسقاط النقابة الرسمية، فإنها شكّلت، من الناحية السياسية، أول تعبير واضح عن عودة مطلب الاستقلال النقابي بعد عقود من احتكار الدولة للتمثيل العمالي، ومهّدت لظهور تنظيمات نقابية مستقلة في السنوات اللاحقة.
على سبيل المثال، تجلّت تبعية قيادة الاتحاد العام لنقابات عمال مصر للدولة، حتى عندما تعارضت مواقفها مع الانقسام الواسع داخل المجتمع، في مشاركة وفد من الاتحاد في زيارة الرئيس أنور السادات إلى القدس في تشرين الثاني/نوفمبر 1977، في خطوة هدفت إلى إظهار أن مبادرة الصلح مع إسرائيل تحظى بتأييد العمال والجماهير، وليس فقط بتأييد السلطة.
غير أن هذه التبعية لم تمنع تصاعد الاحتجاجات العمالية مع التحول المتسارع نحو سياسات تحرير الاقتصاد. فمنذ أواخر التسعينيات وحتى عام 2010، شارك ما بين مليونين و4 ملايين عامل مصري في نحو 3,400 إلى 4,000 إضراب واعتصام واحتجاج، احتجاجاً على تدهور الأجور، وتراجع شروط العمل، وتسارع خصخصة القطاع العام.
وكانت هذه الاحتجاجات، في جانب كبير منها، رداً على برنامج الخصخصة الذي بدأ بعد توقيع مصر اتفاقات «إعادة الهيكلة الاقتصادية والتكيف الهيكلي» مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وهو البرنامج الذي وضع القانون رقم 203 لسنة 1991 إطاره التشريعي، مستهدفاً خصخصة 314 شركة من شركات القطاع العام. وعندما شُكلت في تموز/يوليو 2004 حكومة أحمد نظيف، التي عُرفت لاحقاً باسم «حكومة رجال الأعمال» بسبب تبنيها برنامجاً واسعاً لتسريع الخصخصة، لم يُسجل للاتحاد العام موقف معارض لهذا المسار، على الرغم مما ترتب عليه من آثار مباشرة على العمال. وبذلك، اتسعت الهوة أكثر فأكثر بين الاتحاد الرسمي وقواعده، بينما انتقلت قيادة الاحتجاجات تدريجياً إلى العمال أنفسهم خارج الأطر النقابية الرسمية.
معركة الاستقلال «الجديدة»
وإذا كانت موجات الاحتجاج العمالي خلال التسعينيات والعقد الأول من الألفية الجديدة تعكس تدهور أوضاع العمال في ظل الخصخصة وسياسات تحرير الاقتصاد، فإنها عكست أيضاً أزمة أعمق تمثلت في فقدان الثقة بالاتحاد العام لنقابات عمال مصر، الذي بات يُنظر إليه بوصفه ممثلاً للدولة أكثر منه ممثلاً للعمال. ومن هنا، عاد مطلب الاستقلال النقابي إلى الواجهة، ليس كشعار سياسي، بل كحاجة فرضها عجز التنظيم الرسمي عن الدفاع عن مصالح قواعده.
وكانت البداية الحاسمة مع موظفي الضرائب العقارية. فبعد إضراب استمر 11 يوماً أمام مجلس الوزراء في كانون الأول/ديسمبر 2007، نجح الموظفون في انتزاع مطلبهم الأساسي، وهو المساواة في الأجور مع العاملين في وزارة المالية. واضطر وزير المالية يوسف بطرس غالي إلى الاستجابة، لترتفع أجورهم بنحو 350%.
ولم يتوقف أثر هذا النجاح عند تحقيق المطالب المعيشية، بل امتد إلى إعادة بناء التنظيم النقابي نفسه. فقد تحولت لجنة الإضراب التي قادت التحرك إلى نواة لأول نقابة مستقلة، وأُعلن عن تأسيسها عام 2008. وبحلول كانون الأول/ديسمبر من العام نفسه، كان أكثر من 30 ألف موظف، من أصل نحو 50 ألفاً، قد انضموا إليها، قبل أن تحصل في نيسان/أبريل 2009 على اعتراف وزارة القوى العاملة والهجرة، لتصبح أول نقابة مستقلة في مصر منذ أكثر من نصف قرن.
تجلّت تبعية قيادة الاتحاد العام لنقابات عمال مصر للدولة في مشاركة وفد من الاتحاد في زيارة الرئيس أنور السادات إلى القدس في خطوة هدفت إلى إظهار أن مبادرة الصلح مع إسرائيل تحظى بتأييد العمال
وقبل اندلاع ثورة يناير 2011، كانت تجربة نقابة موظفي الضرائب العقارية قد فتحت الباب أمام موجة جديدة من التنظيم النقابي المستقل، فالتحقت بها نقابة الفنيين الصحيين، ونقابة المعلمين، واتحاد أصحاب المعاشات. غير أن التحول الحقيقي جاء مع الثورة، التي وفرت للمرة الأولى منذ عقود بيئة سياسية سمحت بكسر احتكار الدولة للتنظيم النقابي.
ففي 30 كانون الثاني/يناير 2011، أُعلن من ميدان التحرير عن تأسيس الاتحاد المصري للنقابات المستقلة، ليكون أول مؤسسة جديدة تولد من رحم الثورة، وأول إطار نقابي وطني ينافس الاتحاد العام لنقابات عمال مصر منذ إنشائه عام 1957. ولم يكن ذلك مجرد تأسيس لاتحاد جديد، بل كان إعلاناً عن شرعية نقابية بديلة تقوم على حرية التنظيم واستقلال النقابات عن الدولة. وساعد على ترسيخ هذا التحول تولي الدكتور أحمد حسن البرعي وزارة القوى العاملة، وإعلانه، في 12 آذار/مارس 2011، إعلان مبادئ الحريات النقابية، الذي استند إلى التزامات مصر الدولية، ولا سيما اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 87 بشأن الحرية النقابية وحماية حق التنظيم، واتفاقية رقم 98 بشأن حق التنظيم والمفاوضة الجماعية، إضافة إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
وأكد الإعلان الاعتراف الكامل بحق العمال في إنشاء النقابات والانضمام إلى التنظيم الذي يختارونه، وضمان استقلال النقابات في إدارة شؤونها الداخلية، ووضع لوائحها، والتصرف في أموالها، وانتخاب قياداتها، بعيداً من وصاية وزارة القوى العاملة أو أي جهة إدارية أخرى.
شكّل تأسيس الاتحاد المصري للنقابات المستقلة نقطة انطلاق موجة واسعة من تأسيس النقابات المستقلة خلال العامين التاليين لثورة يناير. غير أن الحجم الحقيقي لهذه الموجة ظل محل خلاف. ففي حين قدّر الباحث جويل بينين عدد النقابات المستقلة التي أُنشئت خلال عامي 2011 ومطلع 2012 بعشرات النقابات، ذهبت تقديرات أخرى إلى أنها تجاوزت 1500 نقابة. ويعود هذا التباين، في جانب كبير منه، إلى طبيعة المرحلة الانتقالية التي اتسمت بسيولة سياسية وتنظيمية غير مسبوقة، ما جعل حصر هذه النقابات بدقة أمراً بالغ الصعوبة. كما أن وزارة القوى العاملة والهجرة، بوصفها الجهة الرسمية الوحيدة القادرة على إعلان أعداد النقابات المسجلة، لم توفر بيانات شفافة حولها، بل انتهجت سياسة تقوم على التضييق على تأسيس النقابات المستقلة وإحاطة المعلومات المتعلقة بها بقدر كبير من السرية، الأمر الذي جعل الوصول إلى رقم موثوق أمراً شبه مستحيل.
الهجوم الطبقي من أعلى
وعلى الرغم من الطفرة التي شهدها تأسيس النقابات المستقلة بعد ثورة يناير، فإن البيئة السياسية والاقتصادية لم تكن مواتية لترسيخ هذا المسار. فقد واصلت الحكومات المتعاقبة، بدرجات متفاوتة، السياسات الاقتصادية التي بدأت في عهد مبارك، القائمة على تحرير الاقتصاد وتقليص دور الدولة، وهو ما أدى إلى استمرار الضغوط المعيشية على العمال. وفي الوقت نفسه، اتجه المجال السياسي تدريجياً نحو مزيد من المحافظة والانغلاق، بما حدّ من فرص نشوء تنظيمات مستقلة، وفي مقدمتها النقابات العمالية.
ولذلك، لم تتمكن النقابات المستقلة، رغم انتشارها السريع، من التحول إلى بديل قوي للاتحاد العام لنقابات عمال مصر. ويُعزى ذلك إلى مجموعة من العوامل، بعضها خارجي مرتبط بسياسات الدولة، وبعضها داخلي يتعلق بقدرات هذه النقابات وبنيتها التنظيمية.
فعلى المستوى الخارجي، واجهت النقابات المستقلة هجوماً عنيفة من مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها وزارة القوى العاملة والاتحاد العام لنقابات عمال مصر. وعلى الرغم من صدور القرار رقم 187 لسنة 2011، في 6 آب/أغسطس 2011، بحل مجلس إدارة الاتحاد العام وتعيين لجنة مؤقتة لإدارته برئاسة وزير القوى العاملة الدكتور أحمد حسن البرعي، فإن القيادات القديمة للاتحاد نظمت تحركات وإضرابات داخل 4 نقابات للضغط على الوزارة وإجبارها على إعادة صلاحيات المجلس التنفيذي إلى الاتحاد وطرد اللجنة المؤقتة. وفي نهاية المطاف، استسلم البرعي أمام الضغط، فأعاد معظم قيادات الاتحاد التي كانت تتولى إدارة التنظيم النقابي في عهد مبارك، باستثناء رئيس الاتحاد حسين مجاور. وكانت هذه الواقعة مؤشراً مبكراً على قدرة البنية النقابية القديمة على إعادة إنتاج نفسها، وعلى حجم المقاومة التي واجهها مشروع بناء حركة نقابية مستقلة، حتى في اللحظة التي بدت فيها الظروف السياسية أكثر انفتاحاً.
عاد مطلب الاستقلال النقابي إلى الواجهة، ليس كشعار سياسي، بل كحاجة فرضها عجز التنظيم الرسمي عن الدفاع عن مصالح قواعده
مثّل خروج الدكتور أحمد حسن البرعي من وزارة القوى العاملة نهاية المرحلة القصيرة التي حظيت فيها النقابات المستقلة بدعم رسمي. فمنذ مغادرته الوزارة، تعاقبت حكومات ووزراء تبنوا سياسة مغايرة، قوامها إعادة ترسيخ احتكار الاتحاد العام لنقابات عمال مصر للتمثيل النقابي، والحد من انتشار النقابات المستقلة.
أولى إشارات هذا التحول كانت في عهد وزير القوى العاملة خالد الأزهري، الذي تولى منصبه في آب/أغسطس 2012 خلال رئاسة محمد مرسي. فقد رفض الاتحاد المصري للنقابات المستقلة والاتحاد الديمقراطي للعمال مشروع قانون العمل الذي تبنته الوزارة، مفضلين المشروع الذي أعده أحمد حسن البرعي. وكان مشروع البرعي يكرّس مبدأ التعددية النقابية، ويعترف بالنقابات المستقلة، ويجيز لـ50 عاملاً أو أكثر تأسيس نقابة، كما يسمح بوجود أكثر من نقابة في مكان العمل الواحد، ويضمن للعاملين الذين ينسحبون من الاتحاد العام الاحتفاظ بحقوقهم في الصناديق الاجتماعية التي ساهموا في تمويلها.
وتواصل هذا المسار في عهد وزيرة القوى العاملة ناهد العشري، التي تولت المنصب في شباط/فبراير 2014، ثم في عهد خليفتها جمال سرور عام 2015، حيث عاد الاتحاد العام إلى أداء دوره التقليدي بوصفه الممثل الرسمي للدولة والعمال معاً، بينما واجهت النقابات المستقلة عراقيل متزايدة في التسجيل والحصول على الاعتراف القانوني. وفي عام 2016، حسمت وزارة القوى العاملة موقفها بإعلانها أنها لن تعترف بالنقابات المستقلة الجديدة، مؤكدة أن التشريع المرتقب سيقر مبدأ النقابة الواحدة في مكان العمل، بما يعني عملياً استمرار احتكار الاتحاد العام للتمثيل النقابي، وإغلاق الباب أمام أي محاولة لتأسيس تنظيمات عمالية مستقلة في المنشآت التي توجد فيها نقابات تابعة له.
ولعل تجربة كمال أبو عيطة تمثل إحدى أكثر مفارقات تاريخ الحركة العمالية المصرية دلالة. فقد وصل إلى وزارة القوى العاملة في تموز/يوليو 2013، بعد سنوات من تصدره النضال من أجل استقلال النقابات وتأسيس الاتحاد المصري للنقابات المستقلة، وهو ما رفع سقف توقعات العمال بأن تشهد الوزارة تحولاً حقيقياً في سياساتها. لكن فترة توليه المنصب لم تختلف، في جوهرها، عن النهج الذي سبقها أو لحقها. فقد وعد بإصدار قانون للحريات النقابية، وإعادة العمال المفصولين إلى أعمالهم، وإعادة تشغيل المصانع المتوقفة، إلا أن هذه الوعود لم تتحقق. بل إن مواقفه العملية أثارت انتقادات واسعة داخل الحركة العمالية. ففي أثناء إضراب عمال شركة السويس للصلب، خلال تموز/يوليو وآب/أغسطس 2013، رفض الاستجابة لطلب العمال صرف دفعة من صندوق إعانات الطوارئ، الذي يشغل منصب رئيسه الشرفي، على الرغم من لجوء صاحب الشركة إلى حجب الأجور المتأخرة قبيل عيد الفطر للضغط على العمال وإنهاء الإضراب، وهو ما اعتبره كثيرون مساهمة في كسر الإضراب. وتكرر الأمر مع عمال غزل شبين، الذين طلبوا تدخله لصرف إعانات مماثلة، فأحالهم إلى الاتحاد العام لنقابات عمال مصر، حيث تعرضوا، بحسب رواياتهم، لاعتداءات قبل أن يعودوا إلى الوزارة من دون أن يلتقيهم الوزير. كما واجه عمال شركة «سنتامورا» للبطاطين موقفاً مشابهاً خلال نزاعهم مع الإدارة حول حقهم في تأسيس نقابة مستقلة؛ إذ انتظر وفد منهم ساعات طويلة في مقر الوزارة في 26 أيلول/سبتمبر 2013 لعقد جلسة تفاوض، قبل أن يُبلغوا باعتذار الوزير عن لقائهم بدعوى الإرهاق.
ولم يقتصر ذلك على هذه الوقائع. ففي تشرين الثاني/نوفمبر 2013، رعت وزارة القوى العاملة مفاوضات بين إدارة شركة «كريستال عصفور» والعمال انتهت إلى اتفاق جماعي نُشر في الوقائع المصرية (العدد 273، كانون الأول/ديسمبر 2013)، وقضى بتسريح آلاف العمال. وأثار الاتفاق انتقادات واسعة لأنه منح العمال المسرّحين تعويضاً قدره 2,000 جنيه عن كل سنة خدمة، وبحد أقصى 30 ألف جنيه، وهو ما اعتبره منتقدوه انتقاصاً من الحقوق التي يكفلها قانون العمل للمفصولين تعسفياً، إذ يقل هذا التعويض عن المستحقات التي كان يمكن أن يحصل عليها العمال وفق أحكام القانون. وبذلك، رأى كثير من النقابيين أن الوزارة، التي كان يُفترض أن تضطلع بحماية حقوق العمال، أسهمت في تمرير تسوية جاءت في صالح صاحب العمل أكثر مما جاءت في صالح العمال.
واقع العمال اليوم
وعلى الرغم من مرور أكثر من عقد على ثورة يناير، فإن الصراع حول استقلال التنظيم النقابي لم يُحسم، بل انتقل إلى أشكال قانونية وإدارية جديدة. فما زالت النقابات المستقلة تواجه قيوداً تجعل استمرارها ونشاطها مرهونين بإجراءات تملك الدولة وأصحاب الأعمال قدرة كبيرة على التأثير فيها.
ومن أحدث الأمثلة على ذلك القرار رقم 133 لسنة 2025، الذي أصدره وزير العمل في 11 آب/أغسطس 2025 بشأن تحديث بيانات النقابات واللجان النقابية تمهيداً لإجراء الانتخابات النقابية. وقد اعترض عدد من المنظمات النقابية على القرار، معتبرة أنه يفرض شروطاً من شأنها عرقلة بقاء النقابات المستقلة أكثر مما تنظم عملها. ويتركز الاعتراض على ما ورد في البند الرابع من المادة الرابعة، الذي يشترط إيداع كشوف بأعضاء الجمعية العمومية تتضمن بياناتهم التفصيلية، على أن تعتمد هذه الكشوف من جهة العمل أو من الهيئة القومية للتأمينات الاجتماعية. ويرى مقدمو التظلم أن هذا الشرط يمنح أصحاب الأعمال وسيلة مباشرة لتعطيل إجراءات تحديث البيانات، من خلال الامتناع عن اعتماد الكشوف بالنسبة للنقابات التي تتبنى مواقف مطالبة بحقوق العمال داخل المنشآت، بما يهدد استمرار هذه النقابات قانونياً. كما أن الاعتماد على بيانات الهيئة القومية للتأمينات الاجتماعية يثير، بحسب المذكرة نفسها، إشكاليات عملية لا تقل أهمية. فكثير من العمال، ولا سيما العاملون في القطاع غير الرسمي أو في قطاعات مثل الإنشاءات، لا تشملهم مظلة التأمينات الاجتماعية، إما بسبب طبيعة عملهم أو لامتناع أصحاب الأعمال عن تسجيلهم. وبالتالي، يصبح استيفاء هذا الشرط مستحيلاً بالنسبة لشريحة واسعة من أعضاء النقابات، على الرغم من أنهم يمارسون حقهم المشروع في التنظيم.
لم تتمكن النقابات المستقلة من التحول إلى بديل قوي للاتحاد العام، ويُعزى ذلك إلى مجموعة من العوامل، بعضها خارجي مرتبط بسياسات الدولة، وبعضها داخلي يتعلق بقدرات هذه النقابات وبنيتها التنظيمية
وإلى جانب العقبات الإدارية التي فرضتها وزارة القوى العاملة، واجهت النقابات المستقلة منظومة من العقبات القانونية هدفت إلى تقييد الاحتجاج والتنظيم الجماعي، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على فرص تأسيس النقابات واستمرارها. وكان أول هذه الإجراءات المرسوم بقانون رقم 34 لسنة 2011، الذي أحاله مجلس الوزراء إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة للتصديق عليه، ونُشر في الجريدة الرسمية في 12 نيسان/أبريل 2011. وقد جرّم القانون الإضرابات والاعتصامات والوقفات الاحتجاجية التي يترتب عليها تعطيل مؤسسات الدولة أو الجهات العامة أو الخاصة أثناء سريان حالة الطوارئ، ونص على عقوبات بالحبس أو الغرامة التي تتراوح بين 20 ألفاً و50 ألف جنيه، أو كلتيهما.
وبعد عامين، صدر القانون رقم 107 لسنة 2013 بشأن تنظيم الحق في الاجتماعات العامة والمواكب والتظاهرات السلمية، مضيفاً قيوداً جديدة على التجمعات العامة. ورأى كثير من النقابيين والحقوقيين أن هذا القانون لم يقتصر أثره على تنظيم التظاهر، بل قيّد عملياً قدرة العمال على الاجتماع والاحتجاج والتنظيم، وهي الأدوات الأساسية التي تقوم عليها أي محاولة لتأسيس نقابة مستقلة أو الدفاع عن حقوق أعضائها. وبذلك، لم تعد القيود المفروضة على الحركة النقابية تقتصر على إجراءات التسجيل والاعتراف الإداري، بل أصبحت تستند أيضاً إلى إطار تشريعي يحد من أهم وسائل العمل النقابي، وهي الاجتماع والاحتجاج والعمل الجماعي، الأمر الذي ضيّق بصورة متزايدة المجال المتاح لنشوء تنظيمات عمالية مستقلة واستمرارها.
أما على مستوى التشريع، فقد ظل إصدار قانون جديد للحريات النقابية مطلباً رئيسياً للحركة العمالية منذ ثورة يناير، بعدما بات القانون رقم 35 لسنة 1976 عاجزاً عن مواكبة التحولات التي شهدها الواقع النقابي. وتعاقبت مشروعات القوانين بين التأجيل والتعديل، إلى أن صدر القانون رقم 213 لسنة 2017، لكنه جاء، في نظر الاتحادات المستقلة، بعيداً عن الآمال التي عُلقت عليه. ولم يقتصر هذا التقييم على النقابات المصرية، بل شاركه الاتحاد الدولي للنقابات، الذي تابع مسار إعداد القانون منذ مراحله الأولى. ففي أثناء مناقشة مشروع القانون في البرلمان، في تشرين الثاني/نوفمبر 2017، اعتبر الاتحاد أن نصوصه تتعارض مع اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 87 بشأن الحرية النقابية، لأنها تُبقي عملياً على هيمنة الاتحاد العام لنقابات عمال مصر، وتمنح الدولة أدوات واسعة للتدخل في التنظيم النقابي، كما تفرض شروطاً تحد من قدرة النقابات المستقلة على التأسيس والنمو، وتقيد حقها في وضع لوائحها الداخلية وتنظيم شؤونها بحرية.
وتشير تقارير الاتحاد الدولي للنقابات إلى أن هذه الإشكاليات لم تبقَ حبراً على ورق، بل انعكست على الواقع العملي. ففي أحدث تقاريره، أشار إلى أن 14 نقابة مستقلة ظلت، حتى عام 2025، عاجزة عن مباشرة نشاطها على الرغم من استيفائها الشروط القانونية، وذلك بعد رفض تسجيل النقابات المستقلة عام 2018 وفرض متطلبات إجرائية معقدة لتوفيق أوضاعها. كما وثّق التقرير اعتقال 4 نقابيين على الأقل خلال عامي 2024 و2025 بتهم تتعلق بـ«الانتماء إلى منظمة إرهابية». ولذلك، واصل الاتحاد الدولي للنقابات تصنيف مصر ضمن أسوأ عشر دول في العالم من حيث انتهاكات حقوق العمال في مؤشره السنوي للحقوق العمالية، بصورة متكررة بين عامي 2020 و2025.
ويؤكد أحدث إصدار لمؤشر الحقوق العمالية لعام 2026 استمرار هذا الواقع. فقد أبقى الاتحاد الدولي للنقابات مصر ضمن أسوأ عشر دول في العالم من حيث احترام حقوق العمال، مصنفاً إياها ضمن الفئة الخامسة، وهي الفئة التي تعني غياب الضمانات الأساسية للحقوق العمالية. ويشير التقرير إلى أن السلطات المصرية ما زالت تفرض قيوداً تحول دون ممارسة الحرية النقابية، من خلال تعزيز هيمنة الاتحاد العام لنقابات عمال مصر، وعرقلة تسجيل النقابات المستقلة وممارسة أنشطتها. كما يوضح أن النقابات الأربع عشرة التي سبق رصد حرمانها من العمل في تقرير عام 2025 بقيت عاجزة عن ممارسة نشاطها حتى عام 2026، وهو ما يحرم آلاف العمال من حقهم في تمثيل نقابي مستقل.
ويرجع التقرير ذلك إلى استمرار فرض متطلبات إجرائية وقانونية يصفها بالتعجيزية، من بينها الامتناع عن تسجيل أي نقابة جديدة إذا كانت هناك نقابة قائمة في المنشأة أو القطاع نفسه، والإبقاء على شروط مرتفعة لتأسيس التنظيمات النقابية، إذ يتطلب إنشاء اتحاد نقابي ما لا يقل عن 15,000 عضو موزعين على 10 نقابات. كما يشير إلى استمرار الاستناد إلى النص الدستوري الذي يقصر التمثيل النقابي على هيئة واحدة في كل مهنة، بما يعزز عملياً استمرار نموذج التنظيم النقابي الواحد.
ويضيف المؤشر أن هذه القيود لا تقتصر على الجوانب القانونية والإدارية، بل تمتد إلى الممارسة الفعلية للعمل النقابي. فبحسب التقرير، يواجه العمال الذين يسعون إلى تأسيس نقابات مستقلة أو الانخراط في المفاوضة الجماعية مخاطر الفصل من العمل أو النقل التعسفي، بينما يتعرض بعض النشطاء النقابيين للاعتقال أو للملاحقة بتهم تتعلق بالإرهاب بسبب نشاطهم النقابي. كما يشير التقرير إلى استمرار تدخل الدولة، بصورة واسعة ومنهجية، في إدارة الانتخابات النقابية وتشكيل هياكلها.
على الرغم من مرور أكثر من عقد على ثورة يناير، فإن الصراع حول استقلال التنظيم النقابي لم يُحسم، بل انتقل إلى أشكال قانونية وإدارية جديدة
وفي المقارنات الدولية التي يوردها المؤشر، ترد مصر ضمن مجموعة من الدول، من بينها بيلاروسيا، وهونغ كونغ، والسودان، واليمن، التي شهدت، وفقاً للتقرير، تقويضاً للحركة النقابية المستقلة عبر حل النقابات أو الاستيلاء عليها أو تقييد نشاطها بوسائل قانونية وإدارية مختلفة.
وتخلص دراسة تحليلية للقانون رقم 213 لسنة 2017، نشرتها منصة العدالة الاجتماعية، إلى أن تدخل الدولة في شؤون النقابات لا يقتصر على التطبيق الإداري، بل يبدأ من بنية القانون نفسه. فالقانون يتضمن نصوصاً مباشرة تتيح التدخل في العمل النقابي، كما يمنح وزير القوى العاملة صلاحيات واسعة تمكّنه من التأثير في تأسيس النقابات وإدارتها. ولا يتوقف هذا التدخل عند نصوص القانون، بل يمتد إلى لائحته التنفيذية واللوائح الاسترشادية التي أصدرتها الوزارة، ثم إلى الممارسات اليومية لموظفيها عند فحص طلبات تأسيس النقابات الجديدة أو إجراءات توفيق أوضاع النقابات المستقلة. وتشير الدراسة إلى أن هذه الإجراءات كثيراً ما تُستخدم لرفض طلبات تسجيل مئات النقابات المستقلة، إما من دون إبداء أسباب، أو استناداً إلى مبررات شكلية، في حين لا تواجه النقابات التابعة للاتحاد العام لنقابات عمال مصر العقبات نفسها.
كما يحد القانون من استقلال النقابات القاعدية في إدارة شؤونها، إذ يمنح النقابات العامة صلاحيات واسعة في الإشراف والتوجيه. وعلى الرغم من أن القانون ألغى النص الذي كان يلزم النقابات القاعدية بالانضمام إلى نقابات عامة أو إلى الاتحاد العام، وهو تطور إيجابي مقارنة بالقانون السابق، فإن معظم الصلاحيات الجوهرية بقيت متركزة في يد النقابات العامة.
وتشير الدراسة نفسها إلى أن القانون رقم 213 لسنة 2017 حرم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، عدداً من الفئات العمالية من ممارسة حقها في التنظيم النقابي. فمن ناحية، لم يحسم القانون حق العاملين المدنيين في الجهات النظامية، مثل الجيش والشرطة، في تأسيس نقابات، على الرغم من أن آلاف المدنيين يعملون في المصانع والمنشآت الاقتصادية التابعة لهاتين المؤسستين، وفي مؤسسات مدنية مثل مصلحة الأحوال المدنية، فضلاً عن العاملين في النيابات والمحاكم، الذين سبق أن أسس بعضهم نقابات مستقلة لم يكتب لها الاستمرار. كما أغفل القانون تنظيم حق أصحاب المعاشات في تأسيس نقابات تمثلهم.
ومن ناحية أخرى، فرضت اللائحة التنفيذية شروطاً حدّت عملياً من قدرة العمالة غير المؤمن عليها على المشاركة في تأسيس النقابات، إذ اشترطت أن يكون الأعضاء المؤسسون مشمولين بنظام التأمينات الاجتماعية. ويؤثر هذا الشرط بصورة خاصة في العاملين بالمهن الحرة والعمالة غير المنتظمة، وهي شريحة تمثل نسبة كبيرة من سوق العمل المصري. فبحسب بيانات أعلنتها وزيرة التضامن الاجتماعي في آذار/مارس 2024، بلغ حجم قوة العمل في مصر نحو 29.2 مليون عامل، منهم 18.7 مليوناً من العمالة غير المنتظمة، أي ما يعادل نحو 64% من إجمالي العاملين.
وشهد القانون رقم 213 لسنة 2017 أول تعديل جوهري له بصدور القانون رقم 142 لسنة 2019، الذي تضمن بعض التعديلات الإجرائية التي خففت من القيود المفروضة على تأسيس التنظيمات النقابية. ومن أبرزها خفض الحد الأدنى اللازم لتأسيس اللجنة النقابية داخل المنشأة من 150 عاملاً إلى 50 عاملاً، وتقليص عدد اللجان النقابية المطلوبة لتأسيس اتحاد نقابي من 30 لجنة إلى 10 لجان. كما ألغى التعديل عقوبة الحبس في المخالفات الإدارية المتعلقة بالعمل النقابي، مكتفياً بالغرامة المالية.
ولعل الفتوى التي أصدرتها الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بمجلس الدولة في 11 كانون الثاني/يناير 2017 تمثل إحدى أبرز المحطات القانونية التي كرّست القيود المفروضة على النقابات المستقلة. فقد انتهت الفتوى إلى عدم مشروعية قيام وزارة القوى العاملة بتلقي أو إيداع أوراق منظمات نقابية مستقلة خارج الإطار الذي ينظمه قانون النقابات العمالية، مؤكدة عدم جواز إنشاء منظمات نقابية أخرى غير تلك التي يجيزها القانون.
واستندت الفتوى إلى أن مبدأ إنشاء النقابات على أسس ديمقراطية لا يعني إطلاق حرية الأفراد والجماعات في إنشاء منظمات نقابية من دون ضوابط تشريعية، لأن ذلك، بحسب الفتوى، قد يؤدي إلى تفتيت التنظيم النقابي وتنازع المنظمات فيما بينها، بما يضعف قدرتها على أداء دورها. كما تناولت الفتوى العلاقة بين التشريع الوطني والاتفاقيات الدولية، فأقرت بأن اتفاقيتي الأمم المتحدة رقمي 48 و98، بعد استكمال إجراءات التصديق عليهما، تكتسبان قوة القانون وتصبحان جزءاً من النظام القانوني المصري، بما يفرض على الدولة تنفيذ التزاماتها الدولية بحسن نية. إلا أنها أكدت في المقابل أن هذه الاتفاقيات لا تسمو على الدستور، الذي يحتل قمة الهرم التشريعي، واستندت إلى نص المادة 76 من الدستور، التي تنص على أن «إنشاء النقابات... على أساس ديمقراطي حق يكفله القانون»، لتخلص إلى أن تنظيم هذا الحق يظل خاضعاً لما يقرره المشرّع الوطني.
ولم تقتصر العقبات التي واجهت النقابات المستقلة على الدولة وأجهزتها، بل كان أصحاب الأعمال طرفاً رئيسياً في مقاومة محاولات التنظيم النقابي المستقل. فقد اتسمت مواقف كثير منهم بالرفض الصريح لأي تنظيم عمالي مستقل، ولجأوا إلى وسائل متعددة لإفشال هذه المحاولات، تراوحت بين الضغوط الإدارية، والفصل من العمل، والإجبار على الاستقالة، وصولاً إلى اللجوء للأجهزة الأمنية. وتُعد احتجاجات عمال شركة سيراميكا كليوباترا من أبرز الأمثلة على ذلك. فبعد الاحتجاجات التي قادتها اللجنة النقابية التابعة للاتحاد العام لنقابات عمال مصر، احتُجز 31 عاملاً، بينهم 9 من أعضاء اللجنة النقابية، وأُجبروا على توقيع استقالات مقابل الحصول على تعويضات عن الفصل. كما امتدت الضغوط، بحسب ما وثقته الحركة النقابية آنذاك، إلى توقيف أفراد من عائلات بعض القيادات النقابية، من بينهم ابن رئيس اللجنة النقابية وزوجته ووالد أحد أعضائها، في محاولة للضغط عليهم للتراجع عن مواقفهم. وقد عُدت هذه الواقعة، في حينها، من أبرز مؤشرات انحياز أجهزة الدولة إلى جانب أصحاب الأعمال في مواجهة الحركة العمالية. وشهدت شركة كارجل للزيوت في برج العرب نموذجاً مشابهاً. فبعد أن نجح العمال في تأسيس نقابة مستقلة وخاضوا إضراباً استمر 4 أشهر، انتهى النزاع بفصل 76 عاملاً من أصل 140.
لم تعد القيود المفروضة على الحركة النقابية تقتصر على إجراءات التسجيل والاعتراف الإداري، بل أصبحت تستند أيضاً إلى إطار تشريعي يحد من أهم وسائل العمل النقابي، وهي الاجتماع والاحتجاج والعمل الجماعي
وتكشف التقارير السنوية الصادرة عن الاتحادات النقابية الإقليمية والدولية أن الضغوط التي تتعرض لها النقابات المستقلة لا تقتصر على القيود التشريعية والإدارية، بل تمتد إلى استهداف القيادات النقابية والعاملين المشاركين في الاحتجاجات العمالية. وتشير هذه التقارير إلى تكرار حالات الفصل التعسفي، والإيقاف عن العمل، والاعتقال، وإحالة النقابيين إلى المحاكم بتهم لا ترتبط بنشاطهم المهني، وغالباً ما تتزامن هذه الإجراءات مع مطالبات برفع الأجور أو تحسين ظروف العمل أو تعديل اللوائح الداخلية للمؤسسات. فعلى سبيل المثال، وثق تقرير الاتحاد العربي للنقابات لعام 2024 اعتقال عاملين من شركة غزل المحلة لمدة 3 أشهر على خلفية مشاركتهما في إضراب للمطالبة برفع الأجور. كما أشار إلى استمرار حبس النقابي أحمد عبد الفتاح، الأمين العام المساعد للجنة النقابية للعاملين بشركة شرق الدلتا للنقل والسياحة وعضو لجنة الدفاع عن الحريات النقابية وحقوق العمل بدار الخدمات النقابية والعمالية، على ذمة القضية رقم 2124 لسنة 2023، بتهمة الانتماء إلى جماعة إرهابية. ورصد التقرير أيضاً إعادة شركة الشوربجي جميع العمال الموقوفين إلى أعمالهم، باستثناء أعضاء اللجنة النقابية، إلى جانب اعتقال 9 من عمال شركة وبريات سمنود، بينهم 4 عاملات، بسبب مشاركتهم في إضراب استمر خمسة عشر يوماً للمطالبة بتطبيق الحد الأدنى للأجور.
وفي المقابل، تكشف بعض الوقائع أن اللجوء إلى القضاء قد يحقق، في حالات محدودة، إنصافاً للنقابيين المفصولين. ففي آذار/مارس 2026، حصل المكتب القانوني بدار الخدمات النقابية والعمالية على حكم بإلغاء قرار فصل النقابي هشام البنا، وإلزام جهة عمله بتعويضه بمبلغ 270 ألف جنيه، بعدما كان قد واجه دعوى بالفصل بسبب مطالبته بتطبيق قرار الحد الأدنى للأجور.
وتؤكد المؤشرات السنوية للاتحاد الدولي للنقابات أن هذه الوقائع ليست حالات فردية، بل تعكس نمطاً مستمراً من التضييق على التنظيم النقابي المستقل. ففي تقرير عام 2020، أشار الاتحاد إلى أن ما لا يقل عن 27 نقابة مستقلة كانت، حتى نهاية عام 2019، لا تزال تنتظر الاعتراف الرسمي، بما يحرم أعضاءها من التمثيل النقابي والمفاوضة الجماعية. كما وثق تقرير عام 2021 رفض تسجيل نقابة الضرائب العقارية بمحافظة الغربية، بينما رصد تقرير عام 2023 رفض تسجيل نقابات في قطاعات الملابس والزراعة والزجاج والاتصالات والباعة الجائلين. أما تقرير عام 2024، فأشار إلى تراجع عدد النقابات المستقلة من نحو 1,500 نقابة بعد ثورة يناير إلى ما يقارب 150 نقابة فقط، وهو ما يعكس حجم الانكماش الذي أصاب الحركة النقابية المستقلة خلال العقد الأخير.
عقبات داخلية
إلى جانب الضغوط القانونية والإدارية والأمنية، واجهت النقابات المستقلة تحديات داخلية حدّت من قدرتها على التحول إلى بديل مستقر للاتحاد العام لنقابات عمال مصر. وتمثلت هذه التحديات في ضعف البناء التنظيمي، وهشاشة العلاقة بين القيادات والقواعد، وصعوبة بناء تحالفات اجتماعية وسياسية واسعة قادرة على حماية الحركة النقابية.
ففي السنوات الأولى التي أعقبت ثورة يناير، سمحت حالة الانفتاح السياسي بظهور عشرات النقابات المستقلة، إلا أن عودة التضييق على هذه النقابات، وملاحقة عدد من قياداتها، أضعفت قدرتها على ترسيخ وجودها داخل مواقع العمل، ومنعتها من بناء قواعد عضوية واسعة تستطيع الضغط من أجل تحويل مطالبها إلى إصلاحات تشريعية ومؤسسية. وأدى ذلك إلى بقاء كثير من هذه النقابات معتمداً على نشاط عدد محدود من القيادات، بدلاً من الارتكاز إلى قاعدة تنظيمية راسخة. كما جاء صدور قانون الخدمة المدنية رقم 81 لسنة 2016 ليضيف عاملاً جديداً من عدم الاستقرار، بعدما أثار مخاوف واسعة بشأن تراجع ضمانات الأمان الوظيفي، وهو أحد المطالب الأساسية للحركة العمالية.
ومن ناحية أخرى، حملت النقابات المستقلة إرثاً تاريخياً من الحذر تجاه الأحزاب السياسية، نتيجة التجارب التي شهدها النصف الأول من القرن العشرين، حين سعت قوى سياسية مختلفة إلى توظيف الحركة العمالية لخدمة أجنداتها. ولذلك، فضلت غالبية النقابات المستقلة الحفاظ على مسافة من الأحزاب، حتى تلك التي كانت تتبنى مواقف مؤيدة للحريات النقابية، مثل حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، وحزب الدستور، وغيرها من القوى المنضوية لاحقاً في إطار الحركة المدنية الديمقراطية. وقد حافظ هذا الخيار على قدر من الاستقلالية، لكنه حرم النقابات، في المقابل، من بناء تحالفات سياسية واجتماعية كان يمكن أن توفر لها دعماً أكبر في مواجهة الضغوط التي تعرضت لها.
ترد مصر ضمن مجموعة من الدول، من بينها بيلاروسيا، وهونغ كونغ، والسودان، واليمن، التي شهدت تقويضاً للحركة النقابية المستقلة عبر حل النقابات أو الاستيلاء عليها أو تقييد نشاطها
وانعكس هذا الضعف التنظيمي، إلى جانب غياب الحلفاء السياسيين والاجتماعيين، على قدرة النقابات المستقلة في التأثير في السياسات العامة. فلم تنجح في فرض تشريع عمالي يكفل حقوق العمال ويعزز حمايتهم الاجتماعية، ولا في انتزاع قانون يضمن حرية التنظيم النقابي ويضع حداً لهيمنة الدولة على الحركة النقابية.
غير أن الضغوط التي مارستها الدولة لم تكن العامل الوحيد الذي حدّ من تطور النقابات المستقلة. فقد واجهت هذه التنظيمات أيضاً تحديات داخلية، في مقدمتها محدودية الخبرة النقابية لدى كثير من القيادات التي برزت بعد ثورة يناير. فقد جاءت معظم هذه القيادات من رحم الاحتجاجات العمالية، لا من داخل تجربة نقابية تراكمية، وهو ما انعكس على أساليب إدارة النقابات وبناء هياكلها التنظيمية. وكان عدد القيادات التي امتلكت خبرة سابقة في العمل النقابي محدوداً للغاية. ويُعد كمال أبو عيطة أبرز هذه الشخصيات، إلا أن حضوره كان أقرب إلى دور القائد السياسي منه إلى دور المنظم النقابي بالمعنى المؤسسي. أما معظم القيادات التي برزت في النقابات المستقلة، ولا سيما في نقابات الضرائب العقارية والعامة والمبيعات، فلم تكن قد مارست العمل النقابي داخل هياكل الاتحاد العام، باستثناء العضوية الشكلية التي كانت تترتب تلقائياً على التعيين في الوظيفة.
وانعكس ذلك على طبيعة عمل النقابات المستقلة، إذ غلب على كثير منها الاعتماد على القيادة الفردية والحضور الإعلامي والاحتجاجي، أكثر من الاستثمار في بناء تنظيمات قاعدية مستقرة وتدريب كوادر نقابية جديدة. وأدى هذا، في كثير من الحالات، إلى ضعف العلاقة بين القيادات والقواعد، وإلى محدودية الاهتمام بآليات العمل النقابي اليومية، مثل التثقيف النقابي، وتنظيم الاجتماعات الدورية، وبناء اللجان، وتوسيع العضوية، وهي الأدوات التي تمنح التنظيم النقابي استمراريته واستقلاله.
وواجهت النقابات المستقلة تحدياً آخر تمثل في ضعف مواردها المالية. فلم تتمكن، في معظم الحالات، من بناء نظام مستقل لتحصيل اشتراكات أعضائها، بينما ظل الاتحاد العام لنقابات عمال مصر يحتفظ بآلية الخصم المباشر من المنبع، الأمر الذي حرم النقابات الجديدة من أحد أهم مصادر التمويل اللازمة لاستمرار نشاطها وبناء مؤسساتها.
ومن عوامل الضعف الداخلية أيضاً الانقسام الذي أصاب الحركة النقابية المستقلة في سنواتها الأولى. فبعد مرحلة من التعاون بين دار الخدمات النقابية والعمالية والاتحاد المصري للنقابات المستقلة، انتهى الخلاف بين كمال عباس وكمال أبو عيطة إلى انقسام التنظيمات النقابية بين إطارين مختلفين، وهو ما أدى إلى تشتيت الجهود وإضعاف القدرة على بناء حركة نقابية موحدة. ويظهر أثر هذا الانقسام في انتقال بعض النقابات، مثل نقابة الاتصالات، من الاتحاد المصري للنقابات المستقلة إلى اتحاد عمال مصر الديمقراطي، الذي تأسس في تشرين الأول/أكتوبر 2011 بدعم من دار الخدمات النقابية والعمالية.
غير أن هذا الانقسام لم يكن، في جوهره، خلافاً شخصياً فحسب، بل عكس اختلافاً في الرؤية حول أولويات بناء الحركة النقابية. فقد تبنى كمال أبو عيطة وقيادات الاتحاد المصري للنقابات المستقلة نهجاً يقوم على توسيع قاعدة التمثيل، والتحدث باسم أكبر عدد ممكن من العمال، بما يمنح الاتحاد وزناً أكبر في التفاوض مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة والقوى السياسية. كما أولوا اهتماماً واسعاً ببناء العلاقات مع المنظمات والاتحادات النقابية الدولية، انطلاقاً من قناعة بأن الاعتراف والدعم الخارجيين يعززان مكانة الاتحاد وقدرته على التأثير. وفي المقابل، رأى كمال عباس ودار الخدمات النقابية والعمالية أن الأولوية ينبغي أن تُمنح لبناء النقابات من القاعدة إلى القمة، عبر تثقيف العمال، وتدريب القيادات النقابية، وترسيخ الممارسات الديمقراطية داخل التنظيمات الجديدة، باعتبار أن قوة الحركة النقابية لا تُقاس بحجم حضورها السياسي أو الدولي، وإنما بمدى تجذرها داخل مواقع العمل. وأدى هذا الاختلاف في الأولويات إلى توجيه جانب كبير من جهود النقابات المستقلة نحو الصراع بين قياداتها، بدلاً من تركيزها على توسيع العضوية، وبناء التنظيمات القاعدية، وتعزيز قدرتها على الدفاع عن مصالح العمال في مواجهة الدولة وأصحاب الأعمال.
ومن العوامل البنيوية التي حدّت من قدرة النقابات المستقلة على التحول إلى حركة جماهيرية واسعة أن معظمها نشأ في قطاعات الموظفين، لا في القطاعات الصناعية التي تضم تجمعات عمالية كبيرة داخل مواقع إنتاج واحدة. ففي المصانع الكبرى، مثل شركة غزل المحلة، تتيح طبيعة العمل اليومية داخل العنابر والورش تواصلاً مستمراً بين العمال، وتسهل عملية التشاور والحشد وتنظيم الاحتجاجات، حتى من دون الاعتماد على مقرات النقابات الرسمية. ولذلك، جاءت أبرز الاحتجاجات العمالية في المحلة خارج إطار النقابة العامة للغزل والنسيج، مستندة إلى قوة العلاقات المباشرة بين العمال داخل موقع العمل.
أما في قطاعات الموظفين، مثل الضرائب والجمارك والبريد والاتصالات، فقد واجهت النقابات المستقلة واقعاً مختلفاً تماماً. فالعاملون موزعون على مكاتب وإدارات وفروع تمتد عبر أنحاء البلاد، الأمر الذي جعل بناء روابط تنظيمية متماسكة بينهم أكثر صعوبة، وفرض على القيادات النقابية بذل جهود كبيرة للحفاظ على التواصل مع قواعدها وتوسيع عضويتها، وهي مهمة لم تتمكن هذه النقابات من إنجازها بالقدر الكافي.
وينطبق الأمر نفسه، بدرجة كبيرة، على العاملين في شركات القطاع الخاص، حيث تحول طبيعة المنشآت الصغيرة وتشتت العمال جغرافياً دون بناء قوة تنظيمية قادرة على ممارسة ضغط جماعي فعال. كما عزز قانون العمل رقم 12 لسنة 2003 هذا الواقع من خلال توسيع نطاق التعاقدات المؤقتة، وهي عقود كثيراً ما ارتبطت، عملياً، بإجبار العمال على توقيع استقالات مسبقة عند التعيين، وهو ما منح أصحاب الأعمال أدوات إضافية للضغط على العمال وردع أي محاولة للانخراط في نشاط نقابي مستقل.
دور المنظمات الدولية في تجربة النقابات المستقلة
حظي الاتحاد المصري للنقابات المستقلة، إلى جانب عدد من النقابات المستقلة وحلفائها، بدعم من الحركة النقابية الدولية، شمل منظمات مثل مركز التضامن التابع للاتحاد الأميركي للعمل ومؤتمر المنظمات الصناعية (AFL-CIO)، وعدداً من الاتحادات النقابية الأوروبية، إضافة إلى الاتحاد الدولي للنقابات. ولم يقتصر هذا الدعم على التضامن السياسي والمعنوي، بل شمل أيضاً برامج تدريب، وبناء قدرات، ودعماً فنياً ولوجستياً استهدف تطوير العمل النقابي.
فضلت غالبية النقابات المستقلة الحفاظ على مسافة من الأحزاب، حتى تلك التي كانت تتبنى مواقف مؤيدة للحريات النقابية
وجاء اعتماد النقابات المستقلة على هذا الدعم في ظل أزمة مالية هيكلية. فبعد انفصالها عن الاتحاد العام لنقابات عمال مصر، لم تتمكن من الاستفادة من نظام الخصم المباشر لاشتراكات الأعضاء، الذي ظل يدار لصالح الاتحاد العام، كما حُرمت، بسبب عدم الاعتراف القانوني الكامل بها في مراحل مختلفة، من بناء موارد مالية مستقرة. ونتيجة لذلك، واجهت صعوبات في استئجار مقرات، أو توظيف كوادر متفرغة، أو تمويل أنشطة التدريب والتثقيف النقابي، فضلاً عن عجزها عن تقديم خدمات اجتماعية لأعضائها على غرار ما كان يوفره الاتحاد العام.
غير أن هذا الدعم الخارجي لم يخلُ من آثار جانبية. فقد أدى، في بعض الحالات، إلى ترسيخ الاعتماد على التمويل الخارجي بدلاً من بناء موارد ذاتية مستدامة، كما شجع، لدى بعض القيادات، على توجيه جانب من الاهتمام نحو المشاركة في البرامج التدريبية والمؤتمرات الدولية، وهو ما أوجد تنافساً داخلياً على فرص التمثيل الخارجي، استنزف جزءاً من الجهد الذي كان يمكن توجيهه إلى بناء التنظيمات القاعدية وتعزيز حضورها داخل مواقع العمل.
كما انعكس الدعم الخارجي، في بعض الأحيان، على أولويات الخطاب النقابي، إذ برز اهتمام متزايد بقضايا مثل الحوكمة والشفافية وآليات الإدارة الداخلية، وهي موضوعات مهمة في حد ذاتها، إلا أن التركيز عليها جاء أحياناً على حساب المطالب اليومية الأكثر إلحاحاً بالنسبة للعمال، مثل الأجور، وبدلات المخاطر، وتحسين شروط العمل، والصحة والسلامة المهنية، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية.
ولا يعني ذلك أن الدعم الدولي كان سبباً مباشراً في ضعف النقابات المستقلة، وإنما أنه شكّل، في ظل غياب التمويل المحلي وضعف البناء المؤسسي، عاملاً أسهم في إعادة تشكيل أولويات بعض التنظيمات النقابية، وأظهر التحديات التي تواجه أي حركة نقابية تعتمد بدرجة كبيرة على مصادر دعم خارجية بدلاً من الارتكاز إلى قواعدها التنظيمية ومواردها الذاتية.
النقابات المستقلة اليوم... شهادات حية
شكّل صدور القانون رقم 213 لسنة 2017 نقطة تحول حاسمة في مسار النقابات المستقلة في مصر. فبموجب أحكامه، فقدت النقابات التي أُسست استناداً إلى مبادئ الحرية النقابية والاتفاقيات الدولية، وليس إلى قانون النقابات المصري، سندها القانوني، وأُلزمت بتوفيق أوضاعها خلال 60 يوماً من تاريخ العمل بالقانون. إلا أن غالبية هذه النقابات لم تتمكن من استيفاء متطلبات توفيق الأوضاع.
وتكشف شهادات عدد من القيادات النقابية أن هذه الإجراءات لم تكن مجرد مسألة تنظيمية، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى عائق حال دون استمرار النقابات المستقلة أو تسجيل نقابات جديدة. ففي شهادة حسين إبراهيم، الأمين العام السابق لنقابة المعلمين المستقلة، يؤكد أن وزارة القوى العاملة كثيراً ما امتنعت عن استلام أوراق النقابات، أو تسلمتها من دون تسليم مقدميها إيصالات الإيداع، الأمر الذي اضطر النقابة إلى تحرير محضر في قسم شرطة قصر النيل لإثبات واقعة الامتناع عن تسليم إيصالات الاستلام.
وتتفق مع ذلك شهادة محب عبود (في مقابلة أجريت معه قبل وفاته)، وكيل نقابة المعلمين المستقلة العامة السابق، الذي أوضح أن مديرية القوى العاملة في الإسكندرية رفضت من الأساس استلام أوراق النقابة لتوفيق أوضاعها، ما دفعها إلى اللجوء للقضاء. إلا أن المحكمة انتهت إلى تأييد قرار وزارة القوى العاملة برفض طلب التسجيل.
غير أن توفيق الأوضاع القانونية لم يكن يعني بالضرورة انتهاء العقبات التي تواجه النقابات المستقلة. فحتى النقابات التي نجحت في التسجيل وفق أحكام القانون الجديد ظلت تواجه، بحسب قياداتها، أشكالاً مختلفة من التضييق الإداري والمالي، ارتبطت في كثير من الأحيان بخلفيتها كنقابات مستقلة.
ويقدم كرم عبد الحليم، رئيس نقابة العاملين بأندية هيئة قناة السويس، نموذجاً لذلك. فعلى الرغم من نجاح النقابة في توفيق أوضاعها، يؤكد أن أعضاءها المؤسسين ما زالوا يُعاملون باعتبارهم من النشطاء النقابيين، وهو ما ينعكس، بحسب شهادته، في حرمان بعضهم من الحوافز أو تخفيضها – إذ انخفضت لدى بعض العاملين من 170% إلى 100% – وحرمانهم من مقابل الورديات المسائية الإضافية. ويضيف أن الاشتراكات التي تُستقطع من رواتب أعضاء النقابة تُحوَّل، منذ عام 2022، إلى النقابة العامة التابعة للاتحاد العام لنقابات عمال مصر، بدلاً من تحويلها إلى صندوق النقابة، وهو ما دفع النقابة إلى إقامة دعوى قضائية لا تزال منظورة أمام المحاكم. وأدى هذا الوضع، وفق شهادته، إلى تراجع موارد النقابة، وإغلاق مقرها، وتوقف عدد من الخدمات التي كانت تقدمها للأعضاء، مثل مجموعات التقوية الدراسية لأبنائهم، والعيادات الطبية الأسبوعية. كما يشير عبد الحليم إلى استمرار استبعاد عدد من النشطاء النقابيين من الترشح في الانتخابات النقابية، معتبراً أن هذه الممارسات تعكس استمرار الأساليب التقليدية التي ارتبطت بانتخابات الاتحاد العام لنقابات عمال مصر، على الرغم من تغير الإطار القانوني المنظم للعمل النقابي.
انعكس الدعم الخارجي على أولويات الخطاب النقابي على حساب المطالب اليومية الأكثر إلحاحاً بالنسبة للعمال، مثل الأجور، وبدلات المخاطر، وتحسين شروط العمل، والصحة والسلامة المهنية، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية.
وتقدّم شهادة أحد عمّال شركة للتعبئة والتغليف في مدينة السادس من أكتوبر بمحافظة الجيزة مثالاً تفصيلياً على العراقيل التي واجهت اللجان النقابية. فخلال انتخابات دورة 2018–2022، مارست إدارة الشركة ضغوطاً على المرشحين وهدّدتهم، ما دفع عدداً منهم إلى الانسحاب خشية فقدان وظائفهم. وفي ظل غياب الدعم من النقابة العامة للكيماويات، جُمّدت اللجنة النقابية داخل الشركة، وتوقّف النشاط النقابي طوال تلك الدورة. ومع اقتراب نهاية الدورة نفسها، واصلت إدارة الشركة استهداف الناشطين نقابياً، فبدأت برئيس اللجنة السابق وأحالته إلى التحقيق. وبعد تقديم بلاغات وشكاوى إلى الجهات المختصة، تدخّل رئيس النقابة العامة للكيماويات وسعى إلى عقد جلسة تفاوض مع إدارة الشركة لحلّ النزاع قبل اللجوء إلى القضاء. إلا أن الشركة تعاملت مع القضية بوصفها خلافاً شخصياً مع رئيس اللجنة، بدلاً من الاعتراف بها باعتبارها نزاعاً نقابياً يتعلق بالمطالبة بالحقوق المشروعة للعاملين.
أدّت تهديدات الإدارة إلى عزوف معظم أعضاء اللجنة النقابية السابقة عن الترشح في انتخابات دورة 2022–2026، خشية فقدان وظائفهم. واضطر العمال إلى استكمال تشكيل اللجنة بأعضاء جدد، ولكن بعدد أقل، إذ ضمّت 6 أعضاء فقط، إضافة إلى رئيس اللجنة السابق الذي ترشّح هذه المرة بصفة عضو، بعدما كانت التحقيقات بحقه لا تزال جارية، من دون صدور قرار رسمي بفصله من الشركة. وبعد نشر قرار تشكيل اللجنة في جريدة الوقائع المصرية واعتماده من وزارة العمل، أرسلت النقابة العامة للكيماويات إلى الشركة إخطاراً رسمياً بتشكيل اللجنة الجديدة. إلا أن الإدارة رفضت الاعتراف بها، وبعد نحو شهر ونصف الشهر من اعتمادها، أقامت دعوى قضائية ضد النقابة العامة واللجنة النقابية والقرار الوزاري المنظم لتشكيلها، مستندة إلى أن رئيس اللجنة السابق، العضو في التشكيل الجديد، مفصول من الشركة. غير أن الإدارة لم تكن قد أعلنت رسمياً عن هذا الفصل، إذ كان المعلن حتى ذلك الحين أن التحقيقات لا تزال قائمة. وبذلك استخدمت الشركة واقعة الفصل، التي لم تكن قد أبلغت بها رسمياً، للطعن في قانونية اللجنة النقابية وإبطال تشكيلها. ولم تقتصر العراقيل على الطعن القضائي، بل شملت أيضاً رفض الإدارة الاعتراف بالمأموريات النقابية، أي المهام التي يؤديها أعضاء اللجنة خارج مقر العمل، واعتبارها غياباً عن العمل، بما يعرّضهم للمساءلة ويهدد استمرارهم الوظيفي. وقد دفعت هذه الممارسات اللجنة إلى رفع دعوى قضائية أخرى، انتهت بصدور حكم لصالحها، إلا أن الشركة امتنعت عن تنفيذه.
وتقدّم نقابة العاملين بمكتبة الإسكندرية نموذجاً آخر للمعوقات التي واجهت النقابات المستقلة خلال مرحلة التسجيل وتوفيق الأوضاع. يقول شريف المصري، رئيس النقابة التضامنية للعاملين بمكتبة الإسكندرية، إن النقابة كانت تمثل التنظيم الأساسي للعاملين خلال فترة رئاسة إسماعيل سراج الدين للمكتبة، وكانت الجهة المعترف بها آنذاك. إلا أن إدارة المكتبة سجلتها لاحقاً باعتبارها تابعة للاتحاد العام لنقابات عمال مصر. وخلال فترة توفيق الأوضاع، امتنعت الإدارة عن تزويد النقابة بالمستندات اللازمة، لكن أعضاءها تمكنوا من استكمال إجراءات التسجيل عبر تجميع العضوية واعتماد الكشوف وتقديمها إلى مديرية القوى العاملة. وبما أن اسم "نقابة العاملين بمكتبة الإسكندرية" كان قد أصبح مستخدماً من النقابة الأخرى، اضطرت النقابة إلى إضافة صفة "التضامنية" إلى اسمها، لتُسجّل رسمياً بهذا المسمى. ويضيف المصري أن النزاع حول الاسم تحول إلى معركة قانونية، إذ رفع أعضاء النقابة الأخرى دعوى قضائية، كما تدخلت منظمة العمل الدولية في القضية. وفي نهاية المطاف، حصلت النقابة على شهادات التسجيل الرسمية واعتمدت قانونياً عام 2021. وعلى الرغم من ذلك، رفضت إدارة المكتبة الاعتراف بالنقابة الجديدة، بل استصدرت فتوى من مجلس الدولة بالإسكندرية تفيد بعدم جواز وجود أكثر من نقابة داخل المنشأة الواحدة. في المقابل، خاطبت وزارة القوى العاملة إدارة المكتبة مؤكدة قانونية النقابة التضامنية وتمتعها بكامل الحقوق النقابية. ويؤكد المصري أن وزارة العمل ما زالت تتعامل مع النقابة باعتبارها تنظيماً شرعياً، كما تشارك في أنشطة وورش عمل ينظمها الاتحاد الدولي للنقابات، والاتحاد الدولي للخدمات العامة، ومنظمة العمل الدولية، وهي أيضاً عضو في الاتحاد المصري للنقابات العمالية الذي يرأسه المصري. ويشير إلى أن رفض الإدارة التعامل مع النقابة انعكس مباشرة على قدرتها التنظيمية، إذ امتنعت عن خصم اشتراكات الأعضاء من الرواتب، كما رفضت السماح للنقابة بتنظيم أي فعاليات داخل مقر العمل، وهو ما حدّ من قدرتها على استقطاب أعضاء جدد. ويقول إن كثيراً من العاملين يربطون الانضمام للنقابة بقدرتها على تنظيم أنشطة داخل المكتبة، رغم نجاحها في تحقيق عدد من المكاسب، من بينها تعديل لائحة شؤون العاملين، والمساهمة في إعادة عدد من الزملاء المفصولين إلى عملهم.
على صعيد آخر، تواصلت محاولات إحياء الاتحادات النقابية المستقلة على المستوى الدولي. ووفقاً لشهادة حمدي عز، رئيس الاتحاد المصري للنقابات المستقلة، لا يزال كل من الاتحاد المصري للنقابات المستقلة والاتحاد الديمقراطي العمالي عضوين في الاتحاد الدولي للنقابات، في حين لم يحصل أحدث الاتحادات المستقلة، وهو اتحاد تضامن النقابات العمالية، على عضويته الدولية بعد. وكان هذا الاتحاد قد تأسس في كانون الأول/ديسمبر 2023 بدعم من دار الخدمات النقابية والعمالية، ويضم 46 نقابة، موزعة بين القطاع الحكومي (9 نقابات)، وقطاع الأعمال العام (نقابة واحدة)، والعمالة غير المنتظمة (8 نقابات)، وشركات القطاع الخاص (3 نقابات)، إضافة إلى قطاعات أخرى.
أما داخلياً، فما تزال هذه الاتحادات تواجه صعوبة في توفيق أوضاعها وفق متطلبات القانون، ولا سيما شرط توافر العدد اللازم من النقابات العامة لتأسيس اتحاد نقابي. ويشير عز إلى أن الاتحاد المصري للنقابات المستقلة فقد سبع نقابات عامة، من بينها نقابات البريد، والنيابات والمحاكم، والعلوم الصحية، والنقل العام، والإسعاف، بعدما انضمت إلى الاتحاد العام لنقابات عمال مصر، الأمر الذي أضعف بنيته التنظيمية وقدرته على استيفاء الشروط القانونية.
وتقود هذه الوقائع إلى سؤال يتجاوز مصير عدد محدود من النقابات المستقلة، ليطال مستقبل الحركة النقابية المصرية بأكملها: كيف يمكن للنقابات المستقلة أن تتجاوز مأزقها التشريعي والتنظيمي، وأن تستعيد دورها في تمثيل العمال والدفاع عن مصالحهم؟ وكيف يمكن لما تبقى منها أن يواجه منظومة من القيود القانونية والإدارية والتنظيمية أعادت إنتاج أشكال الوصاية التي سعت هذه النقابات إلى التحرر منها منذ نشأتها؟
تبقى الإجابة عن هذه الأسئلة مسؤولية الحركة العمالية نفسها، لأن استقلال النقابات ليس مطلباً يخص القيادات النقابية وحدها، بل هو في جوهره قضية تمس حق ملايين العمال في امتلاك تنظيمات تعبّر عنهم بحرية، وتدافع عن مصالحهم بعيداً عن هيمنة الدولة أو أي وصاية أخرى.