morocco pharmacy

المغرب ينتج 70% من حاجاته الدوائية: فلماذا يظل العلاج باهظاً؟

يلبّي الإنتاج الدوائي المحلي أكثر من 70% من حاجات المغرب بحسب الكميات المستهلكة، ويوفّر نحو 5,000 منتج دوائي، ما يجعل البلاد من الدول التي تمتلك قاعدة صناعية دوائية بارزة في أفريقيا. لكن هذه القدرة الإنتاجية لم تجعل العلاج متاحاً للجميع؛ فقد أفاد نحو نصف المغاربة بأنهم أو أحد أفراد أسرهم حُرموا، مرة واحدة على الأقل خلال عام 2024، من الأدوية أو العلاج الطبي.

تكشف هذه المفارقة أن تصنيع الدواء داخل البلد لا يؤدي تلقائياً إلى خفض سعره. فما يدفعه المريض لا تحدّده كلفة الإنتاج وحدها، وإنما يتشكّل عبر قواعد التسعير، وهوامش التوزيع والصيدليات، ودرجة المنافسة، وتوافر الأدوية الجنيسة، ونظام التعويض الصحي.

في نهاية كل شهر تقريباً، يتكرّر المشهد نفسه في كثير من البيوت المغربية: وصفة طبية على الطاولة، وحسابات تُعاد أكثر من مرة، ثم قرار بشأن الدواء الذي يمكن شراؤه الآن وما يمكن تأجيله. قد يكون ارتفاع السعر مؤرقاً لمن يحتاج إلى علاج عابر، لكنه يتحوّل لدى المصابين بأمراض مزمنة إلى بند ثابت ينافس الطعام والسكن والنقل داخل ميزانية الأسرة.

أعادت مصادقة مجلس الحكومة، في 22 تموز/يوليو 2026، على مشروع المرسوم رقم 2.25.631، المتعلق بشروط تحديد سعر بيع الأدوية للعموم وكيفياته، فتح النقاش في هذه المفارقة. وتقول الحكومة إن الإصلاح يستهدف تحسين وصول المواطنين إلى الأدوية، وتقليص ما يتحمّلونه من كلفة، وضبط نفقات الأدوية داخل نظام التأمين الإجباري عن المرض، بالتوازي مع دعم تنافسية الصناعة الوطنية. فما الذي منع تحوّل القدرة الصناعية المغربية إلى دواء ميسور، وهل يستطيع تعديل قواعد التسعير تغيير هذه المعادلة؟

إنتاج محلي لا يضمن دواءً أرخص

راكم المغرب قاعدة صناعية دوائية منذ السنوات الأولى بعد الاستقلال. وتغطّي هذه الصناعة أكثر من 70% من حاجات السوق المحلية، بما يقارب 5,000 منتج دوائي. وارتبط هذا المسار، خلال السنوات الأخيرة، بسياسة أوسع لتعزيز ما تسميه الدولة «السيادة الدوائية»، من خلال الاستثمار في الإنتاج المحلي واللقاحات وغيرها. حالياً، تُصنّع الصناعة المغربية الأدوية النهائية محلياً، مع استمرار اعتمادها على استيراد مواد أولية ومكوّنات كيميائية ودوائية.

يظهر هذا الاعتماد في التقرير المالي لعام 2025 الصادر عن «سوطيما»، إحدى كبرى شركات الأدوية المحلية، إذ يربط مخاطر التزوّد بالمواد الأولية إلى حد كبير بواردات المكوّنات. أما الأدوية الجنيسة (Generic Drug)، فتشكّل نحو 40% من السوق الوطنية، وفق معطيات أوردتها SNRT عام 2025. علماً أنه لا تتوافر في المصادر الحديثة بيانات موثوقة توزّع نسبة التغطية المحلية البالغة 70% بين الأدوية الأصلية والجنيسة، أو بين العلاجات الشائعة والأدوية المرتفعة الكلفة.

تكشف المعطيات المتاحة أن هذه المفارقة ترتبط أيضاً ببنية السوق ومستوى المنافسة وتوافر البدائل الجنيسة. فقد أشارت دراسة «Medicines pricing, access and safety in Morocco»، المنشورة في Tropical Medicine & International Health، إلى أن الصناعة الدوائية المغربية، على الرغم من ريادتها من حيث الحجم في أفريقيا، تتركّز في عدد محدود من الشركات، ما يحدّ من المنافسة التي يمكن أن تدفع الأسعار إلى الانخفاض. وأكدت الدراسة أن عدداً من الأدوية لم تكن تتوافر له بدائل جنيسة في القطاع الخاص، على الرغم من شيوعها في أسواق أخرى.

يفترض منطق المنافسة أن يضغط وجود دواء جنيس أرخص على سعر الدواء الأصلي. لكن ذلك يتطلّب عدداً كافياً من البدائل، وقدرة فعلية على المنافسة، وآليات تسمح للطبيب والصيدلي والمريض بالوصول إليها. لذلك لا يتعلّق خفض الأسعار بطريقة احتساب سعر الدواء الأصلي وحدها، وإنما يتوقف أيضاً على بناء سوق تستطيع فيها البدائل الجنيسة منافسته.

وتقدّم دراسة «Medicine Prices, Availability, Affordability and Price Components – Morocco»، الصادرة عن منظمة الصحة العالمية ومنظمة Health Action International، معطيات لافتة عن الفارق بين بعض الأسعار المحلية والأسعار المرجعية الدولية عام 2008. فقد بلغ السعر المحلي، في المتوسط، 12.15 ضعف السعر المرجعي الدولي للأدوية الأصلية و11.07 ضعفاً للأدوية الجنيسة، ما يشير إلى أن الأسعار المحلية التي شملتها الدراسة كانت أعلى بكثير من السعر المرجعي المستخدم للمقارنة، فيما بلغت الفجوة في بعض الحالات أضعافاً أكبر.

وتبيّن دراسة منشورة عام 2025، شملت 4,266 دواءً خلال الفترة الممتدة بين عامي 2014 و2019، أن التخفيضات كانت محدودة في نسبة مهمة من الحالات. ولا تسمح هذه المعطيات بإعادة احتساب مؤشر السعر المرجعي نفسه للسوق الحالية، لكنها تشير إلى أن إصلاحات الأسعار لم تنتج انخفاضات متساوية بين مختلف الأدوية.

تحتاج هذه المقارنة إلى الحذر، لأن السعر المرجعي الدولي لا يمثّل بالضرورة السعر الممكن تحقيقه في كل بلد. فالضرائب والأجور وأسعار الصرف وتكاليف التوزيع والأنظمة التنظيمية تختلف بين سوق وأخرى، ولا يمكن اختزال الفوارق المسجلة في عامل واحد أو عدّها كلها هوامش ربح. لكن الفارق يبقي السؤال قائماً: لماذا لا تتقلص الأسعار بالقدر المتوقع في سوق تمتلك قاعدة تصنيع محلية واسعة؟

من المصنع إلى الصيدلية

يبدو سعر الدواء للمريض رقماً ثابتاً مطبوعاً على العلبة، لكنه نتيجة سلسلة من الأسعار والهوامش والتكاليف تبدأ قبل وصوله إلى الصيدلية. ووفق دراسة «Revision of medicine prices and sales price evolution in Moroccan pharmacies»، المنشورة في Pan African Medical Journal، يبدأ تحديد سعر البيع للعموم بسعر المصنع خارج الضرائب، ثم تضاف إليه هوامش موزّع الأدوية بالجملة والصيدلي، فضلاً عن الضريبة على القيمة المضافة عند تطبيقها.

استحوذ 3 فاعلين على نحو 65% من رقم معاملات سوق التوزيع بالجملة. ويبيّن هذا التركّز أن عدداً محدوداً من الشركات يمتلك وزناً كبيراً داخل حلقة التوزيع، ويجعل مصالحها جزءاً أساسياً من أي نقاش يتعلق بالأسعار

تتباين هوامش موزع الجملة والصيدلية بحسب سعر المصنع. فبموجب النظام السابق، الذي نظّمه مرسوم عام 2013، تراوح هامش موزع الجملة بين 2% و11%، فيما بلغ هامش الصيدلية 57% في شريحة الأدوية المنخفضة السعر، ثم أصبح مبلغاً ثابتاً في الشرائح الأعلى. وللتوضيح، كان دواء يبلغ سعره عند المصنع 100 درهم يصل، وفق نظام 2013 وفي الشريحة الأولى، إلى 168 درهماً قبل الضريبة: 11 درهماً لموزع الجملة و57 درهماً للصيدلية. يوضح هذا المثال كيف كان السعر يتكوّن بموجب نظام 2013، قبل أن يعدّل مرسوم 2026 عدداً من قواعد التسعير والمراجعة.

وبموجب نظام التسعير السابق، اعتُمدت المقارنة المرجعية لتحديد سعر المصنع بالنسبة إلى الأدوية الأصلية، من خلال اختيار أدنى سعر للمادة نفسها في 6 دول مرجعية، هي بلجيكا وفرنسا والبرتغال والسعودية وإسبانيا وتركيا، مع إضافة سعر بلد المنشأ إذا لم يكن من بينها. وبعد تحديد سعر المصنع، تضاف هوامش التوزيع والصيدلية والضريبة، لتتشكل القيمة التي تظهر في النهاية على العلبة.

لا يمثل الانتقال من سعر المصنع إلى سعر البيع للعموم انتقالاً محايداً، وإنما سلسلة من الإضافات المنظمة قانونياً. لذلك، يتطلب تحديد مصدر الغلاء معرفة وزن كل حلقة في السعر النهائي، بدلاً من افتراض أن الفارق بين كلفة إنتاج الدواء وسعر بيعه يتحوّل كله إلى أرباح.

تعمل هذه السلسلة داخل سوق تضم، بحسب مجلس المنافسة، 56 مؤسسة صيدلانية صناعية، و66 موزعاً بالجملة، ونحو 14 ألف صيدلية. وبلغ رقم معاملات موزعي الأدوية بالجملة 16.3 مليار درهم عام 2024. لكن هذا العدد لا يعكس وحده توزيع القوة داخل السوق؛ إذ استحوذ 3 فاعلين على نحو 65% من رقم معاملات سوق التوزيع بالجملة. ويبيّن هذا التركّز أن عدداً محدوداً من الشركات يمتلك وزناً كبيراً داخل حلقة التوزيع، ويجعل مصالحها جزءاً أساسياً من أي نقاش يتعلق بالأسعار والهوامش وشروط السوق.

ويتشكل السعر الذي يدفعه المريض عبر حلقات متعددة، من التصنيع أو الاستيراد إلى التوزيع والصيدلية والضرائب، وتختلف حصة كل حلقة بحسب نوع الدواء وسعره. وتثبت المعطيات وجود عبء مالي على المريض، لكنها لا تكفي وحدها لتحديد الجهة التي تستحوذ على الحصة الأكبر من السعر النهائي.

التغطية تتوسع والمريض يواصل الدفع

يصبح أثر هذه البنية أكثر وضوحاً عند الانتقال من السوق إلى الصيدلية، حيث تُقاس أزمة الأسعار بقدرة المريض على شراء العلاج. ويشتدّ هذا العبء لدى المصابين بأمراض مزمنة، لأن الدواء لا يمثل نفقة عارضة يمكن تأجيلها، وإنما التزاماً شهرياً يتكرّر لسنوات.

أظهرت دراسة عالمية أشرفت عليها منظمة الصحة العالمية عام 2004، واعتمدت عدد أيام العمل اللازمة لشراء جرعة علاجية شهرية مؤشراً إلى القدرة على تحمّل الكلفة، أن موظفاً يتقاضى الحد الأدنى للأجر في المغرب كان يحتاج إلى 7.2 يوم عمل لشراء عبوة من دواء «رانيتيدين» المستخدم لعلاج قرحة المعدة. وفي عام 2008، كان الحصول على جرعة من دواء «أتينولول» لخفض ضغط الدم يتطلب 5 أيام عمل للنسخة الجنيسة و8 أيام للنسخة الأصلية. ولا تشمل هذه المؤشرات أدوية أعلى كلفة، مثل علاجات السرطان أو أمراض القلب، التي تثقل كاهل الأسر بدرجة أكبر.

لم يقتصر العبء على أسعار أدوية بعينها. فقد أشارت دراسة «Medicines pricing, access and safety in Morocco» إلى أن الدفع المباشر من جيوب الأسر مثّل 58% من تمويل الرعاية الصحية في المغرب عام 2013، ما جعل الأسر أكثر تعرضاً لكلفة الدواء. 

تبيّن هذه الأرقام أن مشكلة القدرة على تحمّل كلفة الدواء قديمة، لكنها لا تكفي وحدها لقياس ما تغير خلال السنوات اللاحقة، لأن الدراسات لا تستخدم المؤشر نفسه. مع ذلك، تظهر بيانات أحدث أن الوصول المالي إلى العلاج ما زال مشكلة واسعة. فقد أفاد استطلاع رأي أصدرته مؤسسة أفروموميتر عن عام 2024 بأن 54% من المغاربة أفادوا بأنهم أو أحد أفراد أسرهم حُرموا، مرة واحدة على الأقل خلال السنة السابقة، من الأدوية أو العلاج الطبي.

تبدو هذه النتيجة مفارقة في ظل توسيع التغطية الصحية. إذ تشير وثيقة رسمية عن السياسات الصحية والحماية الاجتماعية إلى أن التغطية الصحية الأساسية، التي تشمل تكاليف العلاج والأدوية والاستشفاء، باتت تشمل جميع المغاربة بحلول منتصف تموز/يوليو 2024. لكن شمول السكان بالتأمين لا يعني بالضرورة تغطية كامل الكلفة، أو إعفاء المريض من الدفع عند الصيدلية.

فبحسب مجلس المنافسة، يدفع المريض المُؤَمَّن ثمن الدواء أولاً، ثم ينتظر التعويض وفق القواعد المطبقة، لتصبح قدرة الأسرة على توفير السيولة شرطاً للحصول على العلاج، حتى حين تسترد جزءاً من كلفته لاحقاً. كما أن قيمة ما يبقى على المريض تتوقف على نسبة التعويض والسعر المعتمد في احتسابه، لا على امتلاكه تغطية صحية فحسب.

تختلف آلية التعويض بحسب نظام التأمين ونوع الدواء. وبوجه عام، يبلغ التعويض الأساسي 70% من التعريفة الوطنية المرجعية (TNR)، لا من السعر الذي يدفعه المريض بالضرورة، مع تغطية أعلى لبعض الأمراض المزمنة والمكلفة. لذلك، قد تكون التغطية الفعلية محدودة عندما يكون سعر الدواء الأصلي أعلى من التعريفة المرجعية، فيتحمل المريض فارقاً قد يكون كبيراً من جيبه.

الدفع المباشر من جيوب الأسر مثّل 58% من تمويل الرعاية الصحية في المغرب عام 2013، ما جعل الأسر أكثر تعرضاً لكلفة الدواء

وتظهر حدود التغطية بصورة أوضح في أدوية الأمراض المزمنة والعلاجات المرتفعة الكلفة. فقد كشفت دراسة علمية عن مدى إتاحة العلاجات الحديثة للسرطان في المغرب أن هيئات التأمين الصحي لم تكن تعوّض، حتى يناير/كانون الثاني 2024، 22 دواءً مبتكراً من أصل 39 دواءً شملها البحث، ما يرفع كلفة العلاج على شرائح واسعة من المصابين بالسرطان، غير القادرين على الاستفادة من مسارات تغطية  أخرى.

يتجاوز أثر السعر قيمة علبة الدواء إلى حجم ما يقتطعه من دخل الأسرة وما يتركه للغذاء والسكن والنقل. ويفرض ارتفاع كلفة العلاج خيارات قسرية، مثل إرجاء التداوي، أو شراء كميات ناقصة، أو البحث عن بدائل أرخص، أو الاستدانة من الأقارب والصيدليات، وصولاً إلى التخلّي المؤقت عن العلاج.

هكذا تخرج كلفة الدواء من دائرة الاختصاص التقني لوزارة الصحة والصناعة الدوائية، لتصبح سؤالاً عن العدالة الاجتماعية. فالدواء، بخلاف سلع كثيرة، لا يستطيع المريض الاستغناء عنه عند ارتفاع سعره. ولهذا تشدّد منظمة الصحة العالمية على ضرورة إتاحة الأدوية الأساسية للجميع بأسعار يمكن تحمّلها، بالتوازي مع ضمان جودتها وفعاليتها.

مرسوم 2026 يعيد ترتيب قواعد التسعير

يحاول المرسوم الجديد تغيير عدد من القواعد التي يتشكل السعر بموجبها. فبالنسبة إلى الأدوية الأصلية التي يتجاوز سعرها 300 درهم، سيُعتمد أدنى سعر مسجل في الدول المرجعية أساساً للتسعير. وتشمل الإصلاحات أيضاً الأدوية الجنيسة والمثيلات الحيوية، مع خفض الزيادة المطبقة على الأدوية المستوردة من 10% إلى 2.5%، ضمن حدود الرسوم الجمركية المؤداة. كما خُفضت مدة مراجعة الأسعار من 5 سنوات إلى 3، ونصّ المرسوم على مراجعة أسعار بعض الأدوية الموجودة في السوق، وخصوصاً التي يتجاوز سعر بيعها للعموم 300 درهم.

ينص المرسوم على مراجعة عامة لأسعار جميع الأدوية المسوّقة خلال أجل أقصاه 12 شهراً. كما يربط أسعار الأدوية الجنيسة والمماثلة الحيوية بسعر الدواء الأصلي المرجعي. وعندما ينخفض سعر مصنع الدواء الأصلي، يُراجع سعر مصنع الدواء الجنيس بالنسبة نفسها، على ألا يتجاوز الخفض 15%، وألا يصبح سعره للعموم أعلى من سعر الدواء الأصلي بعد المراجعة. وإذا لم يكن الدواء الأصلي مسوّقاً في المغرب، تُطبق قواعد مرجعية خاصة لتحديد السعر.

لا يجري تعديل السعر في فراغ، لأنه يعيد توزيع القيمة بين حلقات الصناعة والاستيراد والتوزيع والصيدليات، ويؤثر في نفقات التأمين وما يدفعه المريض. وقد ظهرت المصالح المهنية بوضوح خلال إعداد المرسوم. ففي 9 تموز/يوليو 2026، طالبت كونفدرالية نقابات صيادلة المغرب بتأجيل النظر في المشروع، وقدمت مذكرة تضم مقترحات تهدف، بحسبها، إلى ضمان وصول المواطنين إلى الأدوية بأسعار مناسبة، مع الحفاظ على التوازن الاقتصادي لشبكة الصيدليات. 

قررت الحكومة بالفعل، في 9 تموز/يوليو 2026، تأجيل النظر في المشروع «مع أخذ الملاحظات المثارة في الاعتبار»، قبل أن تعود إلى اعتماده في اجتماع مجلس الحكومة في 22 تموز/يوليو. ويبيّن هذا المسار أن إصلاح أسعار الأدوية ليس قراراً تقنياً فحسب، وإنما تفاوض على توزيع الكلفة والهوامش بين فاعلين تختلف مواقعهم داخل السوق.

تكشف مواقف الأطراف المتدخلة في تصنيع الدواء وتوزيعه وتأمينه عن مصالح متباينة. فالمصنّعون يؤيدون خفض الأسعار، لكنهم يحذرون من تآكل هوامشهم، وخصوصاً في الأدوية المنخفضة السعر، مع ارتفاع تكاليف الإنتاج. ويواجه موزعو الجملة الضغط نفسه؛ إذ أكد مجلس المنافسة أن انخفاض سعر الدواء يخفض هامشهم تلقائياً، في ظل ارتفاع تكاليف التشغيل بنحو 36% بين عامي 2020 و2024. ولا تتوافر، ضمن المصادر المعتمدة، تصريحات موثقة تكفي لنسبة موقف محدد إلى المستوردين أو هيئات التأمين. 

في المقابل، يظل المريض الأكثر تعرضاً للعبء المالي، إذ يتحمل جزءاً من ثمن الدواء مباشرة على الرغم من التأمين. 

الاختبار في ما يدفعه المريض

لم يؤدِّ إنتاج معظم الأدوية التي يحتاج إليها المغرب إلى جعل العلاج ميسوراً، لأن القدرة الصناعية ليست سوى حلقة واحدة في سلسلة تحدّد السعر الذي يصل إلى المريض. فبنية السوق، وتوافر الأدوية الجنيسة، وقواعد التسعير، وهوامش التوزيع والصيدليات، وآليات التعويض الصحي، تحدّد مجتمعة ما إذا كان الدواء المنتج أو المتوافر محلياً قابلاً للشراء، أم موجوداً على الرفوف فحسب.

يعدّل مرسوم 2026 بعض هذه القواعد، ولا سيما الأسعار المرجعية، ودورية المراجعة، والزيادة على الأدوية المستوردة. لكن نجاحه لن يقاس بعدد الأسعار التي تنخفض فحسب، وإنما بمقدار ما يتراجع فعلياً ما يدفعه المرضى من جيوبهم، وبقدرة من كانوا يؤجّلون العلاج أو يتخلون عنه على الحصول عليه. وعندها يمكن معرفة ما إذا كانت إعادة تنظيم التسعير قد غيّرت المعادلة التي تبدأ من المصنع وتنتهي عند المريض.

    سعيد ولفقير

    كاتب وصحافي مغربي، ساهم مع عددٍ من المنصات العربية منذ أواخر عام 2014. درس إدارة المقاولات والصحافة وعلم الاجتماع، ومهتم بأنماط الصحافة المتأنية والتفسيرية والبحثية.