من أوديسا إلى بيروت - القاهرة - تونس
رغيف الخبز رهينة البحر الأسود
أعادت روسيا، منذ مطلع تموز/يوليو، فرض حصار بحري فعلي على الموانئ الأوكرانية. وفي 22 تموز/يوليو 2026، لم تدخل أي سفينة شحن إلى موانئ أوديسا الكبرى للمرة الأولى منذ 3 سنوات. فهذه الموانئ، التي تمرّ عبرها نحو 90% من صادرات الحبوب الأوكرانية، تعرّضت خلال الشهر نفسه لـ67 ضربة، فيما استهدفت 57 ضربة السفن الراسية فيها أو المتجهة إليها. وبحلول مطلع آب/أغسطس، توقف مشغّلو السفن عن التعامل معها، ولجأ مالكو السفن إلى بند القوة القاهرة للتحلّل من عقود الشحن.
لكن الاضطراب لم يبقَ محصوراً في الجانب الأوكراني من البحر الأسود. ففي 12 آب/أغسطس، استهدفت أوكرانيا ميناء نوفوروسيسك، المنفذ الرئيسي لصادرات القمح الروسي، وأخرجت محطتين للحبوب من الخدمة. تكمن خطورة هذا التطوّر في أن روسيا هي أكبر مصدّر للقمح في العالم، فيما كانت أوكرانيا، قبل الحرب، تؤمّن نحو 6% من صادرات القمح العالمية و11% من صادرات الذرة. وهكذا، للمرة الأولى منذ عام 2022، بات مسارا تصدير الحبوب الروسي والأوكراني عرضة للهجمات في الوقت نفسه.
تحرّكت الأسواق قبل حدوث أي نقص فعلي في مخزونات المستوردين. ففي يوم واحد، ارتفعت أسعار القمح الأوروبي 7% إلى 231.75 يورو للطن، وهو أعلى مستوى تسجله منذ شباط/فبراير 2025، فيما صعدت العقود الآجلة للقمح في شيكاغو 5%.
ستنتقل كلفة هذا الاضطراب إلى الدول المستوردة للقمح، ولا سيما في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. لكن لماذا يمكن لضربة على ميناء في البحر الأسود أن ترفع كلفة الخبز في بيروت والقاهرة وتونس قبل أن ينقص القمح فعلياً من أسواقها؟ لا تكمن الإجابة في الحرب وحدها، بل في منظومة عالمية تحدّد أسعار القمح وكلفة نقله، وفي عقود من السياسات الزراعية والمالية التي زادت اعتماد هذه الدول على الاستيراد، فيما قلّصت قدرتها على امتصاص صدماته. بمعنى آخر، لا يصنع الحصار هشاشة هذه البلدان، بقدر ما يكشف هشاشة تراكمت عبر عقود من السياسات الزراعية والمالية
من الميناء إلى فاتورة الاستيراد
لا ينتظر سعر القمح حدوث نقص فعلي في الأسواق. فالعقود الآجلة تعكس توقعات المتداولين بشأن الإمدادات المقبلة، ولذلك تحرّكت أسعار القمح في بورصتَي يورونكست وشيكاغو فور تصاعد الهجمات، قبل أن تتأثر مخزونات المشترين. وتمثّل عقود بورصة شيكاغو أحد المراجع الأساسية لتسعير القمح عالمياً، إذ تُبنى عليها أسعار الكثير من صفقات الاستيراد، قبل أن تضاف إليها كلفة الشحن والتأمين.
ولم تكن توقعات المتداولين منفصلة عن حركة الإمدادات الفعلية. فقد تراجعت صادرات الحبوب الأوكرانية 76% بالمقارنة مع الفترة نفسها من العام الماضي، فيما تتوقع وزارة الزراعة الأوكرانية انخفاض صادرات القمح 53% خلال موسم 2026-2027، إلى 8.3 ملايين طن. ولا يستطيع ممر الدانوب، البديل الرئيسي من موانئ البحر الأسود، تعويض هذا التراجع؛ فقد أدى الجفاف وانخفاض منسوب المياه إلى تقليص حمولات السفن ورفع كلفة النقل، فيما لا تستطيع السكك الحديدية وممر الدانوب معاً استيعاب أكثر من ثلث طاقة موانئ البحر الأسود.
تصل الصدمة إلى الدول المستوردة عبر 3 قنوات متزامنة: ارتفاع السعر المرجعي للقمح، وتقلّص إمكان الوصول إلى موردين بديلين، وزيادة كلفة الشحن والتأمين
عادةً ما يعوّض المستوردون تراجع صادرات دولة ما بالانتقال إلى مورد آخر. وهذا ما فعلته مصر بعد عام 2022، حين خفّضت وارداتها من القمح الأوكراني 73% وزادت مشترياتها من روسيا. لكن هذا البديل أصبح مهدداً بدوره مع امتداد الهجمات إلى الموانئ الروسية، ولا سيما نوفوروسيسك، في وقت تقل فيه مخزونات القمح العالمية عن مستوياتها عام 2022. لذلك لا يتوفر اليوم مورد بديل يستطيع بسهولة توفير الكميات نفسها بالكلفة والشروط نفسيهما.
ولا تقتصر الصدمة على سعر القمح أو إمكان الحصول عليه. فقد ارتفعت أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب في البحر الأسود، بعدما كانت تقترب من الصفر قبل الحرب، إلى أكثر من 1% من قيمة السفينة منذ تصعيد تموز/يوليو، فيما تقترب في بعض الحالات من 1.5%. ويضيف المستوردون هذه الأقساط، إلى جانب ارتفاع كلفة الشحن، إلى سعر القمح عند وصوله، بصرف النظر عن سعره في بلد المنشأ.
هكذا تصل الصدمة إلى الدول المستوردة عبر 3 قنوات متزامنة: ارتفاع السعر المرجعي للقمح، وتقلّص إمكان الوصول إلى موردين بديلين، وزيادة كلفة الشحن والتأمين. لذلك ترتفع فاتورة الاستيراد حتى في البلدان التي لا تشتري القمح الأوكراني مباشرة. ووفق دراسة نشرتها مجلة Nature Food، أدى انخفاض صادرات القمح الأوكراني 39% عام 2022 إلى زيادة كلفة الاستيراد بأكثر من 70% في البلدان الأكثر تأثراً، ومنها مصر ولبنان.
اعتماد أكبر وقدرة أقل
تتحدّد هشاشة الدول أمام اضطراب الإمدادات الغذائية بعاملين متداخلين: مقدار اعتمادها على الغذاء المستورد، وقدرتها على تأمين مصادر بديلة وتمويلها وحماية السكان من ارتفاع الأسعار. لذلك قد تعتمد دولتان على استيراد النسبة نفسها من القمح، فيما تتحمل إحداهما الصدمة بصورة أفضل بفضل احتياطاتها أو مواردها المالية أو إنتاجها المحلي.
تكشف التجربة المصرية أحد أقدم المسارات التي صنعت هذا الاعتماد في المنطقة. فقد أعادت السياسات الزراعية، منذ القرن التاسع عشر، توجيه موارد مصر نحو التصدير. فقد توسعت زراعة القطن في عهد محمد علي خلال عشرينيات القرن التاسع عشر، قبل الاحتلال البريطاني. ثم جاءت معاهدة بلطة ليمان عام 1838 ومعاهدة لندن عام 1840 لتلغيا الحماية الجمركية واحتكارات الدولة وتسرّعا اندماج الاقتصاد المصري في السوق العالمية. وبدلاً من توجيه الموارد الزراعية لتلبية الاحتياجات الغذائية المحلية، خُصصت مساحات متزايدة لإنتاج القطن المطلوب في الأسواق الأوروبية.
وتعمّق هذا المسار خلال الاحتلال البريطاني، إذ ارتفعت حصة القطن من نحو 70% من إجمالي الصادرات المصرية عام 1870 إلى نحو 93% بين عامي 1910 و1914، بعدما وُجّه الإنتاج خصوصاً لتلبية احتياجات مصانع النسيج في لانكشاير. ولم ينتهِ هذا النمط بخروج الاحتلال، لأن موقع مصر داخل النظام التجاري العالمي، والسياسات التي أعطت الأولوية للمحاصيل التصديرية، استمرا في تشكيل خياراتها الزراعية.
لم تتشكل التبعية الغذائية بالطريقة نفسها في جميع دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لكن السياسات الزراعية والتجارية انتهت إلى نتيجة متقاربة
ظهرت نتيجة هذا المسار بوضوح عام 1974، عندما أصبحت مصر للمرة الأولى مستورداً صافياً للسلع الزراعية. وبين عامي 1970 و1976، ارتفعت وارداتها من القمح والذرة من نحو 1.3 مليون طن إلى قرابة 3.4 ملايين طن. وهكذا أصبح تأمين الغذاء مرتبطاً بصورة متزايدة بالاستيراد وبالقدرة على توفير العملات اللازمة لتمويله.
لم تتشكل التبعية الغذائية بالطريقة نفسها في جميع دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لكن السياسات الزراعية والتجارية انتهت إلى نتيجة متقاربة. فقد ارتفعت حصة الغذاء المستورد في المنطقة من نحو 10% في مطلع ستينيات القرن الماضي إلى قرابة 40% في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين. ويتوقع أن تبلغ 50% بحلول عام 2050، وأن تصل إلى نحو 70% في بلدان المغرب العربي.
وفيما ازداد الاعتماد على الواردات، تعرضت قدرة الحكومات على حماية السكان من تقلبات أسعارها لضغوط متواصلة. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، دفعت المؤسسات المالية الدولية في اتجاه إصلاح برامج دعم الغذاء وتقليص كلفتها. وحاولت مصر وتونس تطبيق هذه الإصلاحات، ثم تراجعتا عنها مراراً أمام الرفض الشعبي، من دون أن تبنيا شبكة حماية بديلة أو تعيدا هيكلة القطاع الزراعي بما يقلل الحاجة إلى الاستيراد.
وتعززت هذه الضغوط مع القروض والالتزامات المرتبطة بها، فيما أدى التقشف وتراكم الديون إلى تقليص الهامش المالي المتاح للحكومات. وعندما اندلعت حرب أوكرانيا عام 2022، كانت مصر وتونس قد أمضتا سنوات في إدارة مديونية مرتفعة وموارد مالية محدودة، ما جعلت امتصاص الزيادة في أسعار الغذاء أكثر صعوبة.
هكذا تحرك مسارا الهشاشة في وقت واحد: ازداد اعتماد دول المنطقة على استيراد الغذاء، وتراجعت قدرتها على تمويله وحماية السكان من ارتفاع كلفته. لذلك دخلت أزمة البحر الأسود باقتصادات زراعية تعطي أولوية متفاوتة للمحاصيل التصديرية، وتعتمد على الخارج لتأمين جزء أساسي من غذائها، فيما تثقل الديون موازنات حكوماتها وتحدّ من قدرتها على مواجهة الصدمة.
الصدمة نفسها بثلاثة أشكال
تعتمد الدول الثلاث على استيراد القمح، لكن الصدمة لا تصل إليها بالطريقة نفسها. ففي لبنان، تتضخم بفعل انهيار العملة وضعف الإنتاج المحلي؛ وفي مصر، تدخل إلى موازنة دعم الخبز؛ وفي تونس، تزيد فاتورة الاستيراد والحاجة إلى التمويل الخارجي.
لبنان: استيراد بلا حماية
يستورد لبنان نحو 80% من الغذاء الذي يستهلكه، فيما لا يؤمّن الإنتاج الزراعي والغذائي المحلي سوى 20% من احتياجات السوق. ويزداد هذا الاعتماد في حالة القمح، إذ تأتي 96% من وارداته من روسيا وأوكرانيا، منها 80.4% من أوكرانيا و15.5% من روسيا.
عادةً ما يُعزى ضعف الإنتاج الزراعي في لبنان إلى صغر مساحة البلاد وطبيعتها الجبلية. لكن السياسات الاقتصادية ساهمت أيضاً في إفقاد الزراعة جدواها. فبين عامي 1992 و2006، لم تتجاوز حصة وزارة الزراعة 0.87% في المتوسط من الموازنة السنوية للدولة. وبقي الإنفاق على البحث والتطوير الزراعي محدوداً، فيما تذهب معظم موازنة الوزارة إلى الرواتب بدلاً من تطوير القطاع ودعم المنتجين.
جعلت السياسات المتبعة الاستثمار في البناء والعقار أكثر ربحية من استخدام الأرض للزراعة. واستجاب رأس المال لهذه الحوافز، فتراجعت الأراضي المزروعة بالتزامن مع التوسع العمراني
في المقابل، جعلت السياسات المتبعة الاستثمار في البناء والعقار أكثر ربحية من استخدام الأرض للزراعة. واستجاب رأس المال لهذه الحوافز، فتراجعت الأراضي المزروعة بالتزامن مع التوسع العمراني، حتى باتت تغطي أقل من ربع مساحة لبنان. لذلك لا تفسّر الجغرافيا وحدها ضعف الزراعة؛ فقد جعل الاقتصاد القائم على الريع استخدام الأرض للبناء أكثر جاذبية من إنتاج الغذاء.
وتعرّض ما تبقى من القدرة الإنتاجية لضربة إضافية في الأشهر السابقة للحصار. فقد ألحق العدوان الإسرائيلي أضراراً بأكثر من 56 ألف هكتار من الأراضي الزراعية، وتسبب بنفوق نحو 1.8 مليون من الدواجن ورؤوس الماشية، ونزوح قرابة 78% من مزارعي الجنوب. كما أظهرت اختبارات التربة في المناطق التي تعرضت للرش بالمواد الكيميائية مستويات من الغليفوسات تقارب 60 ضعف المعدلات الطبيعية، ما يعني أن بعض الأراضي قد تحتاج إلى سنوات لاستعادة قدرتها على الإنتاج.
ظهرت نتائج ذلك قبل إغلاق موانئ أوديسا. فقد توقعت وزارة الزراعة، بالتعاون مع منظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الأغذية العالمي، أن يواجه 1.24 مليون شخص في لبنان انعدام الأمن الغذائي بحلول آب/أغسطس 2026، مقارنة بـ874 ألفاً قبل بضعة أشهر. وفي ظل الانهيار المالي المستمر منذ عام 2019، يزيد ضعف الإنتاج المحلي الحاجة إلى العملات الأجنبية الشحيحة لتمويل الواردات، بدلاً من الحد منها.
لذلك يدخل لبنان الأزمة من دون إنتاج محلي يستطيع تعويض القمح المستورد، ومن دون قدرة مالية عامة أو عملة مستقرة تستطيعان الفصل طويلاً بين ارتفاع السعر العالمي وكلفة الخبز محلياً.
مصر: الصدمة تدخل موازنة الدعم
تُعدّ مصر من أكبر مستوردي القمح في العالم. وخلال النصف الأول من عام 2026، جاءت أكثر من 82% من وارداتها من روسيا وأوكرانيا، أي من المصدرين اللذين طالت الهجمات موانئهما. وفي آب/أغسطس، هوجمت سفينة كانت متجهة إلى نوفوروسيسك لتحميل الحبوب لصالح مصر قبل وصولها إلى الميناء. ولا يتوفر بديل فوري يستطيع تأمين الكميات نفسها بالكلفة والشروط نفسيهما.
مع ذلك، تبدو مصر أقل تعرضاً للصدمة في المدى القصير، بعدما اشترت الحكومة هذا الموسم كميات قياسية من القمح المحلي. لكن المحصول الجيد يوفر حماية موسمية ولا يغيّر هيكل الاعتماد على الاستيراد، كما لا يضمن توافر الكميات نفسها في الموسم المقبل.
ظهر الضغوط أولاً لدى القطاع الخاص، الذي يستورد أكثر من نصف القمح الذي تحتاجه مصر ويحتفظ بمخزونات أقل من مخزونات الدولة. لذلك يعدّه التجار أكثر أجزاء منظومة الإمداد تعرضاً لتأخر الشحنات وارتفاع كلفتها
وقد تظهر الضغوط أولاً لدى القطاع الخاص، الذي يستورد أكثر من نصف القمح الذي تحتاجه مصر ويحتفظ بمخزونات أقل من مخزونات الدولة. لذلك يعدّه التجار أكثر أجزاء منظومة الإمداد تعرضاً لتأخر الشحنات وارتفاع كلفتها، ويحذرون من أن استمرار الاضطراب قد يؤدي إلى نقص في الكميات المتاحة له.
أما القمح الذي تستورده الدولة، فتنتقل صدمته إلى الموازنة عبر نظام التموين. فهذا النظام يفصل مؤقتاً بين الأسعار العالمية وسعر الخبز المدعوم، لكنه يحوّل كل ارتفاع في سعر القمح والشحن والتأمين إلى التزام مالي إضافي على الدولة. وإذا عجزت الحكومة عن امتصاصه، يمكن أن تنقل الكلفة إلى السكان عبر رفع سعر الخبز، أو تقليص المستفيدين، أو خفض إنفاق آخر.
لهذا اكتسبت محاولات «إصلاح» دعم الخبز بعداً سياسياً يتجاوز حسابات الموازنة. فقد حاولت الحكومات المصرية تقليص كلفته مراراً، ثم تراجعت أمام الرفض الشعبي. وبذلك لا تظهر صدمة البحر الأسود في مصر كمسألة إمدادات فقط، بل كضغط جديد على العلاقة بين سعر القمح العالمي، وموازنة الدولة، وقدرتها على حماية سعر الرغيف.
تونس: تغيير الموردين من دون تقليل الاعتماد
تعتمد تونس على الواردات لتأمين أكثر من نصف استهلاكها من الحبوب، ويشكل القمح نحو نصف وارداتها منها. كما يوفر القمح الصلب واللين معاً قرابة 45% من السعرات الحرارية التي يستهلكها السكان، ما يجعل اضطراب أسعاره وإمداداته مسألة تمس الغذاء اليومي مباشرة.
بين عامي 2016 و2020، وفرت أوكرانيا نحو 40% من واردات تونس من القمح، مقابل 7% لروسيا. وبعد اندلاع الحرب في شباط/فبراير 2022، تراجعت حصة أوكرانيا إلى أكثر بقليل من 15%، وارتفعت حصة كندا إلى نحو 20%. لكن بين تموز/يوليو 2023 وأيار/مايو 2024، عادت روسيا وأوكرانيا لتوفرا معاً نحو نصف الواردات، فيما غطت بلغاريا وتركيا قرابة 30% منها. غيّرت تونس مورديها، لكنها لم تقلل اعتمادها على الاستيراد أو على المسارات المرتبطة بالبحر الأسود.
وترافق تبدل الموردين مع ارتفاع حاد في الكلفة. فقد صعد سعر طن القمح الصلب من 327 دولاراً عام 2020 إلى 435 دولاراً عام 2021، ثم إلى 665 دولاراً عام 2022، أي إنه تضاعف تقريباً خلال عامين. وبحلول حزيران/يونيو 2022، كان العجز التجاري الغذائي قد اقترب من الضعف خلال سنة، بعدما ارتفعت قيمة واردات الحبوب 48.6%.
تنتقل صدمة القمح إلى تونس عبر تضخم فاتورة الاستيراد، ثم عبر حاجتها إلى الاقتراض لتأمين الحبوب والحفاظ على منظومة الدعم. يؤجل التمويل الخارجي ظهور الأزمة كنقص مباشر، لكنه يزيد المديونية
ساعد تحسن الأمطار والإنتاج المحلي هذا الموسم على تخفيف الضغط، لكنه يوفر هامشاً موسمياً لا يغير اعتماد البلاد البنيوي على الواردات. ويظهر ضيق هذا الهامش في تحذير الحكومة مورديها من اللجوء إلى بند القوة القاهرة، في محاولة لضمان استمرار الشحنات المتعاقد عليها.
وتكشف سياسات البنك الدولي جانباً من المسار الذي أوصل تونس إلى هذا الموقع. ففي عام 2014، خلص البنك إلى أن إنتاج الحبوب لا يمثل مجالاً تتمتع فيه البلاد بميزة نسبية قوية، وأوصى بالتركيز على المحاصيل كثيفة العمالة. لكنه عاد في حزيران/يونيو 2022 ليقدم قرضاً بقيمة 130 مليون دولار لتمويل واردات الحبوب الطارئة، ضمن برنامج يستهدف أيضاً زيادة الإنتاج المحلي.
تكمن المفارقة في أن المؤسسة التي شجعت نموذجاً يعطي الأولوية لمحاصيل أخرى عادت لتمويل واردات الحبوب عندما تعطل السوق العالمي. وقد عالج القرض الحاجة الطارئة إلى التمويل، لكنه لم يُلغِ اعتماد تونس على الاستيراد، بل ساعدها على تمويله مؤقتاً.
هكذا تنتقل صدمة القمح إلى تونس عبر تضخم فاتورة الاستيراد، ثم عبر حاجتها إلى الاقتراض لتأمين الحبوب والحفاظ على منظومة الدعم. يؤجل التمويل الخارجي ظهور الأزمة كنقص مباشر، لكنه يزيد المديونية من دون أن يقلل الاعتماد على الواردات.
اختفاء هامش المناورة
واجهت الدول الثلاث صدمة عام 2022 بتغيير الموردين بدلاً من تغيير منظومة تأمين القمح. فعندما تراجعت الإمدادات الأوكرانية، زادت المشتريات من روسيا أو من موردين آخرين، من دون انخفاض جوهري في الاعتماد على الواردات والبحر الأسود. نجحت هذه الاستراتيجية جزئياً لأن تعطل أحد المصدرين كان يتيح للمصدر الآخر تعويض جزء من النقص.
أما في عام 2026، فلم يعد هذا الهامش متاحاً بالقدر نفسه. تتعرض أوديسا ونوفوروسيسك للهجمات في الوقت نفسه، فيما تعجز طرق الدانوب والسكك الحديدية عن استيعاب الكميات التي تمر عادة عبر الموانئ. لذلك تبدو الأزمة الحالية أخطر من أزمة 2022، لا لأن نقاط ضعف لبنان ومصر وتونس تغيرت فجأة، بل لأن هامش المناورة الذي سمح لها بالتعايش معها بدأ يختفي.
هشاشة بنيوية لا صدمة عابرة
يضع حصار أوديسا منظومة غذائية تشكّلت على مدى عقود أمام اختبار جديد. فقد ترافق اعتماد لبنان ومصر وتونس المتزايد على استيراد القمح مع تراجع قدرة حكوماتها على تمويله وحماية السكان من ارتفاع كلفته. لذلك لا تبدأ هشاشة هذه الدول مع تعطّل الموانئ، وإنما تظهر نتائجها عند كل اضطراب جديد.
تكشف أسواق السلع كيف يمكن لحرب تدور على بُعد آلاف الكيلومترات أن يصل أثرها إلى المخابز خلال أيام. لكن البنية الاقتصادية لكل دولة تحدد المسار الذي تسلكه الصدمة: تمرّ في لبنان عبر انهيار العملة وشحّ تمويل الاستيراد، وفي مصر عبر ارتفاع كلفة دعم الخبز، وفي تونس عبر تضخم فاتورة الواردات والحاجة إلى التمويل الخارجي. تنطلق الصدمة من السوق نفسها، لكن كل دولة تستقبلها من نقطة ضعف مختلفة.
لا يفسّر حصار البحر الأسود نقاط الضعف التي تعاني منها هذه الدول، بل يكشف مدى عمقها. وما دام تأمين الغذاء يعتمد على الخارج، فيما تتراجع قدرة الحكومات على امتصاص ارتفاع كلفته، ستبقى ضربة على ميناء بعيد كافية لتهديد سعر الرغيف.