الطاقات المتجدّدة و«الدول الكهربائية» وأساطير أخرى عن الانتقال الأخضر
صدر في مطلع هذا الشهر الإصدار الخامس والسبعون من «المراجعة الإحصائية للطاقة العالمية» للعام 2026 عن معهد الطاقة، وهي قاعدة البيانات العامة الأبرز عن إنتاج الطاقة واستهلاكها وتجارتها والانبعاثات الناجمة عنها عالمياً. صدرت المراجعة للمرة الأولى في العام 1950، وتولّت شركة «بي بي» (BP) إعدادها في معظم مراحل تاريخها، قبل أن تنتقل مسؤولية إصدارها إلى معهد الطاقة في السنوات الأخيرة. وقد قدّمت على امتداد تاريخها واحدة من أوضح الصور السنوية لما يبدو عليه نظام الطاقة العالمي فعلياً. أُعدّ إصدار العام 2026 بالشراكة مع «إمبر» (Ember)، وهو مركز أبحاث معني بالمناخ والطاقة، و«كيرني» (Kearney)، وهي شركة استشارات إدارية عالمية، و«كي بي إم جي» (KPMG)، وهي إحدى شركات المحاسبة والاستشارات الأربع الكبرى. ويأتي صدوره في توقيت بالغ الأهمية، في ظلّ الحرب الأميركية–الإسرائيلية المستمرة على إيران، والارتفاعات الحادّة في أسعار الطاقة، وانقطاعات الإمدادات، وتجدّد دعوات الحكومات والشركات إلى مضاعفة الرهان على «أمن الطاقة».
يتمحور الموضوع الأساسي في مراجعة هذا العام حول مسألة الانتقال الطاقي. وكما يرد في تصديرها، فإن المراجعة «منفعة عامة عالمية: مرتكز مستقل قائم على الأدلة لإرشاد القرارات ودعم انتقال طاقي عادل وآمن ومنخفض الكربون». وللوهلة الأولى، يبدو أن المراجعة تقدّم دعماً وافراً لقراءة متفائلة لهذا التحوّل في نظام الطاقة العالمي. وبحسب «إمبر»، كانت الأعوام الـ75 الماضية «قصة نمو مدفوعة بالوقود الأحفوري»، أما اليوم فتظهر البيانات أن «نمو الإمدادات يعتمد بصورة متزايدة على مصادر الطاقة المتجدّدة والكهرباء». وفي العام 2025، أصبحت مصادر الطاقة المتجدّدة، للمرة الأولى في التاريخ خارج حالات الركود، المصدر الأكبر لنمو إجمالي إمدادات الطاقة. واستحوذت الطاقة الشمسية على نحو 71% من هذه الزيادة، فيما نما توليد الكهرباء من الطاقة الشمسية بنسبة 30% في خلال عام واحد.
ويبدو أن بيانات توليد الكهرباء تؤكّد بصورة أوضح تسارع التحوّل نحو مصادر الطاقة المتجدّدة، بقيادة الصين خصوصاً، التي تصفها المراجعة بأنها أكبر «دولة كهربائية» في العالم. ففي العام 2025، ارتفع توليد الكهرباء عالمياً بنسبة 3% وبلغ 32,202 تيراواط/ساعة، غير أن نمو توليد الكهرباء من مصادر الطاقة المتجدّدة فاق مجمل الزيادة في الطلب العالمي على الكهرباء. وأضاف توليد الكهرباء من الطاقة الشمسية وحده 650 تيراواط/ساعة، لترتفع حصته إلى 8.7% من توليد الكهرباء عالمياً، متجاوزاً توليد الكهرباء من طاقة الرياح ومقترباً من معادلة التوليد من الطاقة النووية. وحتى في الولايات المتّحدة، حيث ضاعفت إدارة ترامب رهانها على النفط والغاز وأبدت عداءً غريباً تجاه «طواحين الهواء»، تبدو البيانات مناقضة للوهم الرجعي بعودة الوقود الأحفوري. فقد زادت القدرة الشمسية المركّبة في الولايات المتّحدة نحو 20% مقارنة بالعام 2024، وزادت القدرة المركّبة لطاقة الرياح 4%. وتشكّل مصادر الطاقة المتجدّدة الآن نحو خُمس توليد الكهرباء في الولايات المتّحدة.
أوهام الفيتيشية التقنية
غير أن هذه القراءات المتفائلة بسذاجة لمسيرة متسارعة نحو مستقبل صديق للمناخ تتداعى عند التدقيق فيها. في الواقع، تظهر البيانات أن مصادر الطاقة المتجدّدة لا تحلّ محلّ الوقود الأحفوري عالمياً، وإنما تتراكم فوق قاعدة قائمة من الوقود الأحفوري. وبحسب المراجعة، تجاوز إجمالي إمدادات الطاقة العالمية 600 إكساجول في العام 2025، بزيادة نسبتها 1.7% عن العام السابق. ولا يزال الوقود الأحفوري يستحوذ على 86% من هذه الإمدادات، وهي نسبة مماثلة تقريباً للعام 2024، فيما ارتفعت الكميات المطلقة من النفط والغاز والفحم في العام 2025، الذي شهد أعلى مستويات إنتاج الوقود الأحفوري واستهلاكه في التاريخ، كما حدث في العامين 2024 و2023 قبله. ولم ينخفض استخدام الوقود الأحفوري عالمياً بشكل مؤقت إلا في لحظات الانقطاع الاقتصادي الكبرى، مثل انكماش مطلع ثمانينيات القرن العشرين أو جائحة كوفيد-19. وكانت النتيجة المتوقعة تماماً لهذه الزيادة في إنتاج الوقود الأحفوري ارتفاع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، التي زادت من قطاع الطاقة عالمياً بنسبة 1.1% في العام 2025.
تظهر البيانات أن مصادر الطاقة المتجدّدة لا تحلّ محلّ الوقود الأحفوري عالمياً، وإنما تتراكم فوق قاعدة قائمة من الوقود الأحفوري
تكمن المشكلة الأساسية في أن جانباً كبيراً من النقاش في ما يُسمّى «الانتقال الطاقي» يتعامل مع المشكلة بوصفها تحدّياً تقنياً يتمثّل في إحلال مجموعة من مدخلات الطاقة محلّ أخرى. ويتجاهل هذا الطرح المنطق الاجتماعي والاقتصادي الأعمق للرأسمالية، حيث ترتبط نزعة رأس المال إلى التراكم بتوسّع متواصل في تدفّق الطاقة عبر الاقتصاد. وتدخل كميات أكبر من الطاقة في عمليات الإنتاج والتداول والاستهلاك، حتى مع انخفاض كمية الطاقة المستخدمة لكل وحدة من الناتج. ولا تؤدّي مكاسب الكفاءة تلقائياً إلى خفض مجمل استخدام الطاقة، وإنما تدعم مستويات أعلى من الإنتاج والاستهلاك المطلقين.
هذه هي الفيتيشية التقنية الكامنة في صميم سردية «الانتقال الأخضر». وبتركيزها على تغيّر الحصص النسبية في إمدادات الطاقة، تتفادى هذه السردية المسألة المركزية المتمثّلة في الإنتاج المطلق. ومن الممكن تماماً أن تتراجع حصة الوقود الأحفوري من مزيج الطاقة، فيما تستمر الكميات المطلقة المستهلكة من الفحم والنفط والغاز في الارتفاع، وهذا ما يحدث بالضبط. غير أن المناخ لا يكترث بانخفاض حصة الوقود الأحفوري قليلاً داخل نظام طاقة أكبر، فيما يواصل الحجم الإجمالي للكربون المستخرج والمُطلَق ارتفاعه. وعالم تنمو فيه مصادر الطاقة المتجدّدة بسرعة، فيما يزداد أيضاً استخدام الوقود الأحفوري، لا يمرّ بانتقال طاقي.
الكهربة لا تعني إزالة الكربون
يقدّم كثيرون الصين بوصفها المثال الأبرز المناقض لهذه الاتجاهات. وتشير المراجعة نفسها إلى التوسّع السريع على نحو استثنائي في نشر الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والبطاريات والمركبات الكهربائية في خلال العقد الماضي، وهو توسّع ذو أهمية تاريخية بلا شك. وفي العام 2025، ارتفع توليد الكهرباء من الطاقة الشمسية في الصين بنسبة 40%، ومن طاقة الرياح بنسبة 13%، مقارنة بالعام 2024. وبنهاية العام، استحوذت الصين على ما يزيد قليلاً على نصف إجمالي القدرة الشمسية المركّبة في العالم، بواقع 1,202 غيغاواط من أصل 2,392 غيغاواط عالمياً. ونتيجة هذا التوسّع الهائل في قدرات الطاقة المتجدّدة، انخفض توليد الكهرباء من الفحم قليلاً، فيما ساعدت المركبات الكهربائية في كبح نمو الطلب على البنزين والديزل.
استهلاك الطاقة في ظلّ الرأسمالية يقوم على المراكمة لا الاستبدال. وتُستوعب قدرات الطاقة المتجدّدة الجديدة ضمن أشكال جديدة من التراكم تتمحور حول الذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، والخدمات اللوجستية، والمراقبة، واقتصادات المنصّات
غير أن الصين لا تستطيع الإفلات من الديناميات الأساسية لاستخدام الطاقة في ظلّ الرأسمالية. فلا تظهر بيانات المراجعة أي انخفاض مطلق في مجمل استخدام الصين للوقود الأحفوري، وإنما العكس تماماً. فقد ازداد استهلاك الصين من النفط بنسبة 2.8% في العام 2025، وكان النفط ثاني أكبر مصدر لنمو إمدادات الطاقة في البلاد بعد الطاقة الشمسية. وازداد أيضاً إنتاج الصين من الفحم والغاز والنفط، فيما أصبح قطاع الصناعات الكيميائية السريع النمو محرّكاً رئيساً للطلب على الفحم والنفط. وباختصار، تبني الصين البنية التحتية للكهربة، فيما تواصل توسيع الأسس المادّية للإنتاج الصناعي المدفوع بالوقود الأحفوري، وتظلّ «الدولة الكهربائية» المزعومة قائمة إلى حدّ بعيد على الوقود الأحفوري.
يوضّح التوسّع العالمي في مراكز البيانات بجلاء مغزى هذه الاتجاهات في الكهربة. ومن المفيد أن تتضمّن مراجعة هذا العام، للمرة الأولى، قسماً خاصاً بهذه البنية التحتية. وعالمياً، كاد الطلب على الكهرباء في مراكز البيانات يتضاعف بين العامين 2020 و2025، وباتت هذه المراكز تستهلك من الكهرباء ما يقارب مجمل الزيادة السنوية في توليد الكهرباء من مصادر الطاقة المتجدّدة عالمياً في خلال العام 2025. واليوم، تستهلك مراكز البيانات كهرباء أكثر مما تولّده كل دولة في العالم، باستثناء 5 دول، وتستحوذ الولايات المتّحدة والصين على 40% و26% من الطلب العالمي على الكهرباء في مراكز البيانات، على التوالي.
يؤكّد ذلك أن استهلاك الطاقة في ظلّ الرأسمالية يقوم على المراكمة لا الاستبدال. وتُستوعب قدرات الطاقة المتجدّدة الجديدة ضمن أشكال جديدة من التراكم تتمحور حول الذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، والخدمات اللوجستية، والمراقبة، واقتصادات المنصّات. والأهم أن هذه البنى التحتية، إلى جانب استهلاكها الكهرباء، تتطلّب كميات هائلة من المياه للتبريد، والصلب والخرسانة للبناء، والنحاس والعناصر الأرضية النادرة لنقل الكهرباء وصناعة المعدّات، وسلاسل إمداد مادّية ضخمة تمتدّ في أنحاء العالم. وبعبارة أخرى، لا تمثّل الكهربة سوى مسار آخر للتوسّع الشامل في الإنتاج الرأسمالي.
الجغرافيا المتغيّرة للطاقة العالمية
توضّح المراجعة أيضاً كيف تتغيّر جغرافيا الطلب العالمي على الطاقة وإنتاجها. فقد هيمنت اقتصادات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في السابق على استهلاك الطاقة عالمياً، أما اليوم فتحتلّ منطقة آسيا والمحيط الهادئ موقعاً محورياً. وتذكر المراجعة أن اقتصادات المنظمة كانت تمثّل 70% من إجمالي إمدادات الطاقة في العام 1965، أما اليوم فلا تمثّل سوى نحو الثلث، مع أن نصيب الفرد من إمدادات الطاقة لا يزال أعلى في اقتصادات المنظمة مقارنة بالاقتصادات غير الأعضاء فيها. وبين العامين 2016 و2025، كانت الصين مسؤولة عن 71% من الزيادة في إجمالي إمدادات الطاقة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، فيما كانت الهند مسؤولة عن 17%.
ما يهمّ المناخ هو الحجم المطلق لإنتاج الوقود الأحفوري واستهلاكه عالمياً. وعندما تُنقل الانبعاثات عبر سلاسل الإمداد العالمية بدلاً من إزالتها، لا يعدو ما يبدو تقدّماً على المستوى الوطني كونه حيلة محاسبية
تعكس هذه التحوّلات، جزئياً، تغيّرات أوسع في الرأسمالية العالمية. فقد أعاد صعود الصين بوصفها مركزاً رئيساً للتصنيع العالمي، إلى جانب توسّع الإنتاج الموجّه إلى التصدير في أنحاء شرق آسيا وجنوبها، رسم خريطة الطلب العالمي على الطاقة. وتزايد تركّز الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، وإنتاج السلع الأساسية، وأجزاء كبيرة من سلاسل الإمداد العالمية في هذه المناطق، فيما ظلّ جانب كبير من الاستهلاك النهائي للسلع متركّزاً في أميركا الشمالية وأوروبا. والنتيجة سوق عالمية لا ينفصل فيها الانخفاض الظاهري في استخدام الطاقة في بعض اقتصادات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عن انتقال الإنتاج الصناعي، ومن ثمّ الطلب على الطاقة، إلى أماكن أخرى.
تُعقّد التحوّلات في جغرافيا استهلاك الطاقة قياس الانبعاثات الكربونية على أساس ما ينبعث داخل أراضي كل دولة. فقد يخفض بلد ما استخدام الطاقة داخل أراضيه، كما فعلت بريطانيا بأكثر من 20% بين العامين 2015 و2025 وفقاً للمراجعة، فيما يواصل استهلاك سلع انتقل إنتاجها إلى أماكن أخرى. وقد يخفض ذلك مقدار الانبعاثات المحتسبة داخل أراضيه، ولا سيّما إذا تراجع التصنيع المحلي أو انخفضت كثافته الكربونية. غير أن ما يهمّ المناخ هو الحجم المطلق لإنتاج الوقود الأحفوري واستهلاكه عالمياً. وعندما تُنقل الانبعاثات عبر سلاسل الإمداد العالمية بدلاً من إزالتها، لا يعدو ما يبدو تقدّماً على المستوى الوطني كونه حيلة محاسبية.
يقدّم معهد الطاقة خدمة بالغة القيمة بإتاحته هذه الإحصاءات للعامة سنوياً. غير أن تقييماً حقيقياً للمأزق المناخي العالمي يقتضي القطع مع أشكال الترويج المتحمّس للانتقال الطاقي التي تظهر في مراجعة هذا العام، والاستناد بدلاً من ذلك إلى نقد الرأسمالية القائمة فعلاً. ولا تكمن المشكلة المركزية في وتيرة إضافة مصادر الطاقة المتجدّدة، وإنما في النظام الاجتماعي والاقتصادي الذي يحدّد مسارات استخدام الطاقة عالمياً. ولا يمكن أن يتحقّق انتقال فعلي إلا عبر خفض سريع ودائم في الاستهلاك المطلق للفحم والنفط والغاز، لا عبر مراكمة مصادر جديدة للطاقة فوق الوقود الأحفوري القائم. ومن دون ذلك، لا يعود الحديث المتخيّل عن «الانتقال الأخضر» أكثر من غطاء أيديولوجي لعالم يمضي بسرعة متزايدة نحو كارثة مناخية.
نُشر هذا المقال في 17 تموز/يوليو 2026 على موقع Verso، وتُرجم إلى العربية ونُشر في «صفر» بموافقة مسبقة من الكاتب.