معضلة التحوّل في مجال الطاقة

  • مراجعة لكتاب جان-بابتيست فريسوز «المزيد والمزيد والمزيد: تاريخ شامل للطاقة»، الذي يناقش مفهوم التحوّل في مجال الطاقة ويحذّر من أن هذا التحوّل هو تراكم مستمر للأنواع المختلفة للطاقة بدلاً من استبدالها بالكامل. فالتجارب التاريخية لا تدعم فكرة التحوّلات المنظمة، بل تظهر تزايداً واستخداماً مشتركاً لمصادر متعددة للطاقة. وهذا يشمل استمرار الاعتماد على الفحم، الخشب، والنفط حتى في عصر الطاقة المتجددة، ما يعكس تعقيداً أكبر في التحوّل المطلوب لمستقبل الطاقة. 

يعتمد أي أمل لدينا في احتواء أزمة المناخ المتصاعدة على الوصول إلى «الصفر الصافي»، وهو ما يعني خفض انبعاثات الغازات المسبّبة للانحباس الحراري بشكل كبير في العقود القليلة المقبلة. وبالتالي، سيتعين استبدال الفحم والغاز والنفط بمصادر الطاقة النظيفة. وفي لغة سياسة المناخ، يُعرف هذا باسم تحوّل الطاقة الخضراء وغالباً ما يُقدّم باعتباره التحوّل الأحدث في سلسلة من التحوّلات التي شكّلت التاريخ الحديث. كان التحوّل الأول من الطاقة العضوية - طاقة العضلات والرياح والمياه - إلى الفحم. والثاني من الفحم إلى الهيدروكربونات (النفط والغاز). وسيتمثّل الثالث في استبدال الوقود الأحفوري بأشكال من الطاقة المتجدّدة.

إن سردية التحوّل مطمئنة لأنها تشير إلى أننا سبق وفعلنا شيئاً كهذا. ندين بثروتنا الحالية لسلسلة من الثورات الصناعية - المحركات البخارية والكهرباء و«الفوردية» وتكنولوجيا المعلومات - التي تعود إلى القرن الثامن عشر. وستعتمد ثروتنا المستقبلية على ثورة صناعية خضراء، وبالحكم على العناوين الرئيسة المشجّعة، فهي جارية بالفعل. التقدير القياسي هو أن تحوّلات الطاقة تستغرق حوالي نصف قرن. وإذا كان هذا صحيحاً فيما يتصل بالتحوّل إلى الطاقة الخضراء، فقد يكون ذلك بحلول العام 2050.

هذه هي الطريقة التي يفكّر بها الكثير من الحكومات والخبراء في مستقبل الطاقة. وتستعين «الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيّر المناخ» بنصائح المتخصّصين في «نظرية التحوّل». ويضع المحلّلون، الذين يروّجون لمنحنيات على شكل حرف «S» لتبنّي التكنولوجيا، معياراً لقياس استخدام المركبات الكهربائية في مقابل المراحل السابقة من التغيير التكنولوجي. وتُصوّر شخصيات مثل إيلون ماسك على أنها النظائر المعاصرة لإديسون.

التقدير القياسي هو أن تحوّلات الطاقة تستغرق حوالي نصف قرن. وإذا كان هذا صحيحاً فيما يتصل بالتحوّل إلى الطاقة الخضراء، فقد يكون ذلك بحلول العام 2050

لكن التاريخ شيء زلق. إن سردية «التحوّلات الثلاثة للطاقة» ليست مجرّد تبسيط لواقع مُعقَّد، بل هي قصة تتقدّم منطقياً باتجاه نهاية سعيدة. وهذا يُثير سؤالاً: ماذا لو لم تكن هذه رواية واقعية للتاريخ الاقتصادي أو التكنولوجي؟ ماذا لو كانت حكاية خرافية تدّعي الجدّية؟ وماذا لو كانت قصة علاقات عامة أو - ما هو أسوأ - سراب أو فخّ أيديولوجي أو وهم خطير مغر؟ هذا لا يعني أن التحوّل إلى الطاقة الخضراء مستحيل، بل يعني فقط أنه غير مدعوم بالخبرة التاريخية. بل إنه، في الواقع يتعارض معها. فعندما ننظر عن كثب إلى السجل التاريخي، نجد أنه لا يُظهِر تسلسلاً منظّماً من التحوّلات في مجال الطاقة، بل يُظهِر تراكماً لأنواع مختلفة ومتزايدة من الطاقة. ولم يكن النمو الاقتصادي قائماً على التحوّلات التدريجية من مصدر للطاقة إلى المصدر التالي، بل على التكتّل المترابط. فاستخدام المزيد من الفحم يعني استخدام المزيد من الخشب، واستخدام المزيد من النفط يعني استهلاك المزيد من الفحم، وهكذا. والواقع أن أي سرد ​​صادق لتاريخ الطاقة لن يخلص إلى أن التحوّلات في مجال الطاقة كانت سمة منتظمة للماضي، بل إن ما نحاول القيام به - قمع والخروج المتعمّد من الركائز الأساسية للطاقة في أسلوب حياتنا الحديث - أمر غير مسبوق.

وهذه هي حُجّة «المزيد والمزيد والمزيد»، أحدث كتاب لمؤرخ العلوم الفرنسي جان بابتيست فريسوز. وكما يوضح فريسوز، فإن التجربة التاريخية لا تعلّمنا إلا القليل أو لا شيء على الإطلاق عن التحدّي الذي ينتظرنا. وأي أمل في تحقيق الاستقرار يتوقّف على القيام بما هو غير مسبوق بسرعة غير مسبوقة. وإذا أردنا أن نستوعب حجم ما ينتظرنا، فإن أول ما يتعيّن علينا فعله هو تحرير أنفسنا من أيديولوجيا تاريخ التحوّل في مجال الطاقة.

خُذ على سبيل المثال النقل، الذي يبدأ تاريخه غالباً بعربات الخيول والقوارب التي تجرها الخيول قبل الانتقال إلى تطوير السكك الحديدية التي تعمل بالفحم، والسيارات التي تعمل بالبنزين، والطائرات، والسفر إلى الفضاء. وكما يشير فريسوز، فإن هذا المخطط مُضلّل. فالسكك الحديدية الأولى عملت على قضبان مُثبّتة بعوارض خشبية، وفي الولايات المتحدة لا تزال عوارض الخشب هي السائدة. لا تريد شركات السكك الحديدية الأميركية إنفاق المزيد من الأموال وتصرّ على أن الخشب يتحمّل تطرّفات درجات الحرارة بشكل أفضل من العوارض الخرسانية الأكثر شيوعاً في أوروبا. تمثّلت المشكلة في أن السكك الحديدية خلقت حاجة إلى المزيد - وليس القليل - من الأخشاب. ولآلاف السنين، كان قَطع الأخشاب وتجهيزها ونقلها من الأمور التي يضطلع بها الرجال والخيول. وحتى منتصف القرن العشرين - عندما حلّت المناشير التي تعمل بالبترول ثم آلات قطع الأشجار محل الرجال والخيول - كان الناتج من الطاقة عضوياً: رجال يحملون الفؤوس وخيول تجرّ العربات. اليوم، تُنقَل الأخشاب بالشاحنات وعبر السكك الحديدية، ولكن، حتى وقت قريب، كانت مجموعات ضخمة من الأخشاب تُترَك لتطفو فوق التيّارات المائية، وهي الممارسة المعروفة باسم «log driving» (نقل الأخشاب عبر مياه النهر). ولم تُستبدَل الطاقة العضوية تماماً - فما زال البشر مطالبين بالتعامل مع الأدوات، ونقل الأخشاب، ووضع العوارض الخشبية - ولكنها متشابكة بشكل عميق مع الفحم والكهرباء والبنزين. وعلى نحو مماثل، تعمل السيارة ذات مُحرّك الاحتراق الداخلي بالبنزين، ولكن المُحرّك نفسه مصنوع من الفولاذ، الذي يُصهَر باستخدام كميات هائلة من الفحم. والخرسانة التي تُصب في الطرق في الكثير من الأماكن تُصنع باستخدام الفحم. والإسفلت منتج ثانوي لتكرير النفط.

لكن فريسوز ليس أول من يشير إلى أن تاريخ الطاقة ليس قصة تحوّل بل قصة تراكم يزيد فيها كل مصدر جديد الطلبَ على المصادر الأخرى. وقد توقَّع المؤرخ أون باراك الكثير من هذه الحُجّة في كتابه «توصيل طاقة الإمبراطورية: كيف صَنعَ الفحم الشرق الأوسط وأشعل شرارة الكربنة العالمية» (2020)، والذي يوضح كيف تشابكت الطاقة العضوية للأجسام البشرية مع أنظمة الفحم الجديدة التي استخدمتها الإمبراطورية البريطانية البحرية. لكن فريسوز يضع حداً لباراديم تحوّل الطاقة من خلال إظهاره - بشكل لا يقبل الجدل - أن الاستبدال الكبير لم يحدث قط.

يُستخدَم الخشب اليوم، بما في ذلك الحطب، بشكل يفوق أي وقت مضى. وكما يشير فريسوز، فإن أي شخص يدّعي أن فجر عصر الفحم في القرن التاسع عشر حرّرنا من اعتمادنا على المواد العضوية لم ينزل قط إلى منجم. لقد فضّل عمال المناجم تقليدياً عوارض الحفر الخشبية لدعم أعمدة المناجم ليس فقط لأنها رخيصة ومرنة، ولكن لأن صريرها يعطي إنذاراً مبكراً بفشلها. اعتمد البقاء على قيد الحياة في مناجم الفحم على كون المرء نجاراً ماهراً. واحتاجت المناجم إلى الغابات. وحتى تسعينيات القرن العشرين، كانت عملية التعدين في الصين تتأثر بندرة الأخشاب اللازمة لدعامات الحفر، الأمر الذي أجبر عمال المناجم على حفر ممرات ضيّقة متلاصقة ملائمة لعبور فرد واحد إلى أسفل طبقة الفحم بدلاً من حفر ساحات ممتدة تحت الأرض.

تاريخ الطاقة ليس قصة تحوّل بل قصة تراكم يزيد فيها كل مصدر جديد الطلبَ على المصادر الأخرىلا يرتبط الخشب بالفحم فحسب، بل بالهيدروكربونات أيضاً. فأولى منصات النفط صُنعت من الخشب، وبالتالي، حتى عشرينيات القرن العشرين، كانت هذه هي «براميل» النفط. وكانت «ستاندرد أويل» ذات يوم أكبر شركة براميل في العالم. وكانت ألياف الخشب المزاوجة مع الهيدروكربونات الأمل العظيم للمروجين الأوائل للبلاستيك. وفي اقتصاد الحصار في ألمانيا النازية، تخيل الخبراء مستقبلاً قائماً على المواد التركيبية المشتقة من السليلوز. ومن المبالغ فيه أن نتخيل أن الحطب أصبح شيئاً من الماضي. ففي كينشاسا، عاصمة جمهورية الكونغو الديمقراطية، والتي من المتوقع أن تصبح أكبر مدينة في العالم بحلول العام 2075، يستخدم ما يقدّر بنحو 4.8 مليون متر مكعب من وقود الخشب والفحم كل عام.

وما ينطبق على الخشب ينطبق أيضاً على الفحم، الذي لم يستبدله «عصر النفط» والذي يُستهلَك اليوم بكمّيات تفوق أي وقت مضى. يتغذّى العجز التجاري الهائل في بريطانيا على السلع المصنّعة المستوردة التي تحتوي على ما يعادل عشرات الملايين من الأطنان من الفحم، والتي تُحرَق بشكل رئيس في آسيا. وحتى في الولايات المتحدة، لم يتم الوصول إلى ذروة إنتاج الفحم حتى العام 2008، وهو الأمر الذي كان مدفوعاً بجيل جديد من حُفَر التعدين المفتوحة العملاقة التي تم إنشاؤها في ولاية وايومنغ في سبعينيات القرن العشرين. لم يكن النفط والفحم بديلين بل مُكمِّلين: من دون إمدادات هائلة من وقود الديزل، كانت آلات التعدين الوحشية لتُصاب بالشلل. وعندما تتوقّف عن استهلاك الفحم لتوليد الطاقة، كما تمكّنت بريطانيا من القيام بذلك في العام 2024، فإلى أي شيء تلجأ بدلاً من ذلك؟ يحرق مصنع «دراكس» العملاق في شمال يوركشاير الآن حبيبات الخشب المستوردة من أميركا الشمالية.

ليست نظرتنا المشوّهة لتاريخ الطاقة نتاجاً للتفاؤل التقني المؤيّد للأعمال التجارية. الكثير من الماركسيين متمسّكون بنظريات مرحلية تبسيطية للتكنولوجيا. وكما يشير فريسوز، فإن الكثير من الفكر الماركسي، على الرغم من كل ماديته المفترضة وتركيزه المجرد على القيمة الزائدة المتولدة عند نقطة الإنتاج، غير مهتم بما يحدث بالفعل في المصانع، ومستعد للغاية للاكتفاء بكليشيهات مثل «الثورة الصناعية» أو «عصر الإنتاج الضخم الفوردي». وبعيداً من السياسة، هناك جهل أكثر عمومية - أو حتى مقاومة - يفعل فعله. وهنا أتذكر أطروحة برونو لاتور في كتابه «لم نكن حديثين قط» (1991)، حيث يُحاجج أن هناك عمىً منهجياً عن التشابك العملاق للموارد الطبيعية والتكنولوجيات التي مكَّنت من توسيع وتسريع الحداثة. وفي كتابه «توصيل طاقة الإمبراطورية»، يستعين باراك بفوكو لإظهار أن الفحم (وبالتالي قوة البخار) في الإمبراطورية البريطانية في القرن التاسع عشر اعتُبر مستقلاً عن العمال البشريين الذين يستخرجونه ويزودون نيران الغلايات بالوقود. فمفهوم الطاقة السائد تطلَّب إخفاء المصدر الفعلي للقوة الدافعة. ويُقر فريسوز بأنه مدين لديفيد إدغيرتون، الذي حاجج في كتابه «صدمة القديم» (2006) أننا لا نفهم الحداثة بسبب هوسنا بالابتكار وافتقارنا إلى الاهتمام بالطريقة التي تعمل بها أنظمة الإنتاج.

بدأت روايات الواقع المعاصر المنظّمة حول المجاز التكنولوجي - «عصر البخار» و«عصر الآلة» وما إلى ذلك - تترسّخ في نهاية القرن التاسع عشر. وقد رَوّج خبراء الاقتصاد التاريخيون، بما في ذلك ويرنر سومبارت وثورستين فيبلين، فضلاً عن النقاد الاجتماعيين والثقافيين مثل لويس مومفورد، لما أسماه فريسوز «المادية الأحادية». وفي عشرينيات القرن الماضي، ولّد إعلان «عصر الإنتاج الضخم الفوردي» موجة جديدة من الحماسة التكنولوجية - هذه المرة للسيارات وخطوط التجميع - والتي تراجعت مع «الكساد العظيم». وفي ثلاثينيات القرن الماضي، كان هناك بعض القلق من فشل السياسة والمجتمع في مواكبة وتيرة الإنتاج الآلي، ومن أن العرض الزائد سوف يصبح مزمناً. ولكن الأحداث تجاوزت هذا التشاؤم.

شجّعت الزيادة الكبيرة في استهلاك النفط أثناء الحرب العالمية الثانية والأعوام التي تلتها موجة جديدة من التفكير الأحادي المادي، والذي استمر حتى الوقت الحاضر. وفي دراسته التي حظيت بقراءة واسعة النطاق، «ديمقراطية الكربون» (2011)، حاجج تيموثي ميتشل أن النفط، مع إزاحته للفحم في منتصف القرن العشرين تحت تأثير الهيمنة الأنغلو-أميركية، قَوّض القوة التفاوضية لعمال المناجم وعمال الموانئ وعمال السكك الحديدية، الذين تركز عملهم على استخراج وتوزيع الفحم. وقد أدّى التغيير في نظام الطاقة إلى تغيير في النظام السياسي.

تمثِّل رواية ميتشل، من بعض النواحي، بالضبط نوع التاريخ المتشابك الذي يدعو إليه فريسوز وباراك، لكن تحليله مُشوّه بسبب روايته الأحادية المادية للتاريخ. لم تشهد  أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين إزاحة الفحم بالنفط، بل شهدت نقصاً حاداً في الطاقة. كان النفط مُكمِّلاً وليس بديلاً. وفي غالبية الاقتصادات الكبرى في العالم، تظل محطات الطاقة التي تعمل بالفحم ضرورية لتوريد الكهرباء حتى يومنا هذا. وبعيداً من تقويض العمالة، كانت حقول النفط في بلدان مثل إيران والمكسيك وفنزويلا مناطق للنقابات والنشاط الديمقراطي وتأكيد الذات بشكل سيادي.

النفط، مع إزاحته للفحم في منتصف القرن العشرين، قَوّض القوة التفاوضية لعمال المناجم والموانئ والسكك الحديدية

وبالنظر إلى الوضع الجيوسياسي في الشرق الأوسط، وبروز منظمة «أوبك» وقوة جماعات الضغط النفطية في الولايات المتحدة، ليس من المستغرب أن تسود نظريات الحداثة الأحادية المادية القائمة على النفط. لكن نظرية التحوّل ربما لم تكن لتصبح مهيمنة إلى هذا الحد لولا ظهور «العصر النووي». كان وعد الطاقة النووية عظيماً. واعتقد كثيرون أنها لديها القدرة على استبدال جميع مصادر الطاقة الأخرى وبالتالي تحقيق تحوّل حقيقي للطاقة. ومع ذلك، كانت مستويات الاستثمار والمخاطر التكنولوجية المتضمّنة هائلة. وتتطلّب مقامرة تخمينية طويلة الأجل رؤية مُقنِعة للتاريخ. كان الوعد بالخروج الشامل من الوقود الأحفوري - ذلك التحوّل في مجال الطاقة الذي من شأنه أن ينهي جميع التحوّلات - هو الرؤية التي احتاج إليها دعاة الطاقة النووية. وبما أن الوقود الأحفوري كان الهدف، فلم يكن من قبيل المصادفة أن يكون أنصار الطاقة النووية من بين أوائل المؤيدين لعلم المناخ. وكان الرأي هو أن التبني الشامل للطاقة النووية من شأنه أن يحافظ على برودة الكوكب. وكما يوضح فريسوز، فإنه بحلول أواخر سبعينيات القرن الماضي كان من المسلّم به أن العلاقة الوثيقة بين الدفاع عن الطاقة النووية والمناخ أصبحت أمراً مفروغاً منه. وكان عدوهما المشترك هو الخطة الرامية إلى استبدال الترسّبات النفطية النادرة على نحو متزايد بالوقود الاصطناعي المنتج عن طريق هدرجة الفحم. وفي أعقاب صدمات النفط في سبعينيات القرن العشرين، استغلَّت «مجموعة الدول السبع» هذه التكنولوجيا غير الفعّالة بشكل مدمّر - التي طرحتها شركة «آي جي فاربن» على نطاق واسع للمرة الأولى في ألمانيا في عهد هتلر ثم في وقت لاحق طرحها نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا - كمصدر طاقة بديل مستقبلي. وكما كان واضحاً حتى في ذلك الحين، كانت العواقب على البيئة كارثية.

وفي الوقت نفسه، كان احتمال الاحتباس الحراري العالمي يلقى اهتماماً عاماً أوسع نطاقاً، على سبيل المثال في «تقرير تشارني» لعام 1979، الذي توقّع أن مضاعفة مستويات ثاني أكسيد الكربون قد تؤدي إلى ارتفاع درجة حرارة العالم بمقدار 3 درجات مئوية. وكما يشير فريسوز، فإن رد الفعل الأول للكثير من الساسة وقادة الأعمال على هذه التوقعات المزعجة لم يكن الإنكار بل التأكيد الواثق على قدرة النظام الحالي على التكيّف. لم يكن التقليص المتعمّد للنمو خياراً، ولا الرؤى الراديكالية للتحوّل التكنولوجي التي طرحها منظّرون مثل أموري لوفينز، الذي دعا في العام 1976 إلى مستقبل من «الطاقة الناعمة» اللامركزية. وبدلاً من ذلك، لجأوا إلى نظرية المراحل الخاصة بالتحوّلات في مجال الطاقة، وهي النظرية التي روّجت لها الصناعة النووية. وقد قدّمت رؤية متعدّدة الأغراض للتغيير الشامل خالية من أي افتراض للتحوّل الاجتماعي الاقتصادي أو السياسي الراديكالي.

اجتمع علماء المستقبل والاقتصاديون على نظرية التحوّل في مجال الطاقة ليفترضوا أن الأمر مجرد مسألة وقت قبل أن يُنتِج التطوّر التكنولوجي - إذا تم توجيهه بشكل صحيح - تقنيات خضراء تحل محل الوقود الأحفوري، تماماً كما حَلَّت السيارات محل الخيول. ولم يكن من المفيد في ذلك الوقت أن يفضح مؤرخو الاقتصاد الكمي، مثل نيكولاس كرافتس، القصص التبسيطية للثورة الصناعية. لكن مثل هذه التفاصيل الدقيقة تم تجاهلها لصالح الأساطير التي نسجها فائزون مستقبليون بجائزة نوبل مثل الخبير الاقتصادي ويليام نوردهاوس، الذي أصرّ على أن النمو الاقتصادي لا ينبغي أن يقيده التسعير المُفرط للكربون، خوفاً من أن يؤدي النمو الأبطأ إلى تأخير التحوّل التكنولوجي. في الوقت المناسب، سيسمح هذا للكوكب بالاستقرار في مكان ما بين 2.7 و 3.5 درجة مئوية من الاحترار. وبعد تقدير دالة الخسارة ووزن تكاليف الاستثمار والتكيّف، كانت نصيحة نوردهاوس الحكيمة هي أن النمو هو أفضل طريقة للوصول إلى هذا التوازن الجديد.

في نظر فريسوز، إن التفكير من منظور التحوّلات في مجال الطاقة هو أحد الأسباب الرئيسة لتأخير العمل الراديكالي الحقيقي بشأن المناخ. ومثله كمثل ناثانيال ريتش ونايومي كلاين، يرى فريسوز أن ثمانينيات القرن الماضي كانت العقد الذي ضاعت فيه الفرصة لاتخاذ إجراءات مبكرة حاسمة. ويُنهي فريسوز كتابه «المزيد والمزيد والمزيد» بخاتمة متشكّكة بشأن التطورات الأخيرة. فهو ليس من محبي «الصفقات الخضراء الجديدة» أو برامج الاستثمار الضخمة. ولا يحمل في نفسه سوى الازدراء «للمجموعة الغامضة من الخبراء والمنظمات غير الحكومية والمؤسسات الكينزية الجديدة المزدهرة في ظل مؤتمرات الأطراف المناخية التي تقدّم بانتظام تقديرات لتكلفة التحوّل» - أربعة تريليونات دولار سنوياً، على سبيل المثال، في تقرير حديث - من دون أي إشارة إلى الطريقة التي قد تغير بها هذه الأموال «كيمياء الأسمنت أو الصلب أو أكاسيد النيتروجين، أو كيف ستقنع الدول المنتجة بإغلاق آبار النفط والغاز». لا يقتصر الأمر على أن أنصار «الصفقة الخضراء الجديدة» و«خطة مارشال الخضراء» لا يدركون التكنولوجيا بشكل جيد، بل يسخر فريسوز أيضاً من عادتهم في تزيين خططهم المناخية بأهداف مساواتية أخرى. يكتب فريسوز: «من الجيد جداً السخرية من نزعة الحلول التكنولوجية المزعومة التي يروّج لها المهندسون، لكن المواقف المعيارية بشأن المناخ التي تسود في العلوم الاجتماعية أكثر سخافة».

لا يرغب فريسوز في رفض إمكانية التغيير. بل إن الهدف هو نزع الصفة المصمتة الرائجة عنها. ولكن كيف نصف ونحلل التغييرات الجارية؟ إذا أردنا تحقيق تحوّل في مجال الطاقة، فإنه علينا أن نعرف لن يتبع جدولاً زمنياً مألوفاً. فالأمر يجب أن يُمثّل قطيعة جوهرية مع منطق التراكم الذي لا يُقاوم. وهو أمر لا يتطلّب التوافق أو الإجماع. ولا يتطلّب عدم ترك أي شخص خلف الركب. ما يتطلبه هو تحالف قوي لفرض إرادته، وصُنع التاريخ بالمعنى الأكثر راديكالية. ومن الصعب هنا ألا نتذكر التباين الذي رسمه ماركس بين حالتنا الحالية «ما قبل التاريخية»، من ناحية، حيث نعيش في حالةٍ من الاضطراب المربك تعصف فيها بنا قوى اجتماعية متناقضة لا نراها إلا من خلال العدسة المشوهة للأيديولوجيا، ومن ناحية أخرى، الوعد بعصر من الصنع المستقل للتاريخ في المستقبل، حيث ستوجه البشرية مصيرها. وكما يصف فريسوز الأمر، فإن التحوّل الحقيقي في مجال الطاقة لن يتطلب أقل من ذلك.

بحلول أواخر السبعينيات، أصبحت العلاقة الوثيقة بين الدفاع عن الطاقة النووية والمناخ أمراً مفروغاً منه، وكان عدوهما المشترك هو الخطة الرامية إلى استبدال الترسّبات النفطية

وهذا على الأقل أوضح بكثير من الحديث التقليدي عن التحوّل. ولكن إذا صيغ الأمر بهذه الطريقة، فلا بد أن يبدو بعيد المنال بشكل ميؤوس منه. وفيما يتعلق بالوصول إلى الصفر الصافي بحلول العام 2050 وتثبيت الاحترار عند 1.5 درجة مئوية، فقد يكون الأمر كذلك. ولكن بعد أن وضع فريسوز حداً للأمل الساذج، فمن المؤسف أن يختتم كتابه عند أوائل تسعينيات القرن الماضي. على مدى ربع القرن الماضي، صُنِعَ نوع جديد من تاريخ الطاقة في تطوير التقنيات الخضراء وإزالة الكربون من أجزاء من نظام الطاقة. وللأسباب التي طرحها فريسوز، فإن الفحم وليس النفط هو محور هذه الدفعة. بطبيعة الحال، لا يمثل إغلاق محطّات الطاقة التي تعمل بالفحم ابتعاداً كاملاً عن الفحم. وتأتي تقنيات الطاقة الجديدة، كالمعتاد، مع تشابكاتها المادية الخاصة. نحن بحاجة إلى معادن رئيسة بكميات هائلة. ولكن التغيير يسير على نطاق تصوّرنا حتى وقت قريب جداً أنه مستحيل. لتقييم إمكانيات اللحظة الحالية بوضوح، يجب أن نتخلص من الرؤية الغامضة للتحوّل في مجال الطاقة. ولكن بعد القيام بذلك، سنحتاج إلى رواية غير غامضة وغير غائية للتغييرات المحدودة - ولكن المهمة - التي تجري بالفعل، وهي رواية تتجاوز الحدود الزمنية والمفاهيمية للعصر الذي يعالجه فريسوز في كتابه، حيث عُرِّفَت مشكلة المناخ بالكامل لأول مرة.

إن «المزيد والمزيد والمزيد» هو كتاب متمرد على كل الأصنام باستثناء واحد: مركزيته الغربية. فتاريخ الطاقة كما يرويه لنا هذا الكتاب يتسم بمركزية إنكليزية مدهشة، أكثر كثيراً من رواية باراك عن الفحم في الإمبراطورية البريطانية. ولا شك أن هيمنة نموذج الطاقة الأنغلو-أميركي في القرن العشرين أمر لا جدال فيه، ولكن فريسوز مؤرّخ يدرك حجم الأشياء. ففي ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين أصبح من الواضح أن الرواية التي تركز على أوروبا الغربية والولايات المتحدة لا تستطيع أن تحملنا إلى القرن الحادي والعشرين. ومنذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، اكتسب التلوث في الكتلة السوفياتية أبعاداً شنيعة. وفي العقود الأخيرة من القرن العشرين، أصبحت كل المراكز الجديدة للصناعة الثقيلة موجودة في شرق آسيا. وأصبحت اليابان وكوريا الجنوبية المركزين الجديدين العظيمين لإنتاج الصلب وبناء السفن. وبدأ القرن الحادي والعشرين بانفجار في الإنتاج الصناعي واستخدام الطاقة في الصين لم يسبق له مثيل من قبل أو منذ ذلك الحين. ففي إنتاج الصلب والأسمنت، أعادت الصين إحياء التاريخ الصناعي للبشرية بالكامل في غضون عقدين من الزمان. ونتيجة لهذا، أصبحت أوروبا والولايات المتحدة اليوم مسؤولتين عن أقل من ربع الانبعاثات العالمية.

إن فريسوز مُحق في القول إن أي أمل في استقرار المناخ في المستقبل يعتمد على إحداث قطيعة مع القرون الثلاثة الأخيرة من تراكم الطاقة - وتصويرها المضلِّل. ولكن إذا مددنا هذه الفكرة إلى اللحظة الحالية، فهذا يعني أيضاً الانفصال عن الإطار الغربي المركزي لعمل فريسوز نفسه. وما يجعل تصور هذا المستقبل صعباً للغاية، على الأقل في الغرب، ليس فقط جِدّته الراديكالية، التي تتجاوز الفئات الأيديولوجية الفقيرة التي أطّرت فهمنا للحداثة، بل وأيضاً أصوله غير الغربية. إن الأزمة المتصاعدة والدفعة الرئيسة للتحوّل في مجال الطاقة لا يحركهما الغرب، بل القوى الهائلة للتغيير الاقتصادي والتكنولوجي التي تعمل في آسيا، وقبل كل شيء في الصين. لقد قدّم لنا فريسوز تاريخاً مادياً مناسباً للقرن العشرين. ولابد أن يحمل كتاب مُكمِّل عن القرن الحادي والعشرين هذا المنطق إلى خاتمته العالمية.

نُشِر هذا المقال في London Review of Books في 23 كانون الثاني/يناير 2024، وتُرجِم إلى العربية ونُشِر في موقع «صفر» بموافقة مسبقة من الكاتب.