لا تزال مشاعر الإحباط والغضب تملأ الشارع السوري
كما كان الحال منذ بداية العام، استمرّت المظاهرات والإضرابات في مختلف أنحاء سوريا، وتنوّعت مطالبها بين تعزيز المشاركة السياسية والحقوق الديمقراطية،1 والتنديد بانتهاكات قوات الاحتلال الإسرائيلي في منطقة القنيطرة،2 والمطالبة بالحق في التعليم في السويداء.3
ووثّقت الصحافية زينة شهلا نحو 80 احتجاجاً في مختلف أنحاء البلاد بين شهري شباط/فبراير ونيسان/أبريل،4 كان معظمها مدفوعاً بأسباب اجتماعية واقتصادية. كما رصدت صحيفة قاسيون 34 تجمّعاً ووقفة احتجاجية في 21 موقعاً، شملت عدداً من المحافظات والمدن والقرى والجامعات السورية، خلال الفترة الممتدة بين 18 و24 أيار/مايو 2026.
ويعكس هذا الحراك تصاعد مستويات الاستياء من الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية خلال عام 2026. فبحسب موقع «سوريا المتجددة»، شهد شهر نيسان/أبريل تحوّلاً ملحوظاً في المزاج العام تجاه السلطة الحاكمة، تمثّل بصورة أساسية في تراجع الثقة بأداء الحكومة الاقتصادي وقدرتها على إدارة الأزمة. وأوضح الموقع أنه «في ظل ارتفاع التكاليف واتساع نطاق الضغوط الاقتصادية، تبقى الثقة باستجابة الحكومة منخفضة؛ إذ يعتقد 13% فقط أنها تبذل ما يكفي لمعالجة ارتفاع الأسعار، فيما يرى 66% أن الجهود الحالية غير كافية».
إضرابات العمّال والاحتجاجات الشعبية
حشدت الاحتجاجات قطاعات واسعة من المجتمع، شملت عمّال النقل، والعمّال الصناعيين، والفلاحين، والطلاب، والمحامين، وأصحاب المخابز، بما عكس اتساع رقعة السخط الشعبي إزاء التآكل المستمر للقدرة الشرائية وتدهور الخدمات العامة. ولم تقتصر المطالب على الجوانب المعيشية، بل امتدت إلى الاحتجاج على الفساد والمحسوبية، وانعدام الشفافية، واستبعاد المواطنين من عمليات صنع القرار.
وفي منتصف أيار/مايو، اندلعت موجة احتجاجات في الرقة ودير الزور ودرعا، قبل أن تمتد إلى مناطق أخرى من البلاد، عقب قرار وزارة الاقتصاد والصناعة تحديد سعر شراء طن القمح لموسم 2026 عند 4,600,000 ليرة سورية (نحو 333.3 دولاراً وفق سعر الصرف غير الرسمي في 27 أيار/مايو 2026 البالغ 13,800 ليرة للدولار). وأثار القرار استياءً واسعاً بين المزارعين، إذ قُدّرت كلفة إنتاج طن القمح بما يتراوح بين 340 دولاراً كحد أدنى وأكثر من 530 دولاراً، ما يعني أن السعر الرسمي للطن لم يكن يغطي حتى الحد الأدنى من كلفة الإنتاج بالنسبة إلى كثير من المزراعين.
قُدّرت كلفة إنتاج طن القمح بما يتراوح بين 340 دولاراً كحد أدنى وأكثر من 530 دولاراً، ما يعني أن السعر الرسمي للطن لم يكن يغطي حتى الحد الأدنى من كلفة الإنتاج بالنسبة إلى كثير من المزراعين
وفي محاولة لاحتواء الاحتجاجات، أصدر الرئيس المؤقت أحمد الشرع المرسوم التشريعي رقم 120 لعام 2026، الذي منح مكافأة تحفيزية قدرها 900 ألف ليرة سورية عن كل طن قمح يُسلَّم إلى المؤسسة السورية للحبوب. ورفع ذلك السعر الفعلي للطن إلى نحو 5.5 ملايين ليرة سورية (نحو 398.6 دولاراً)، إلا أنه بقي دون المستوى الذي طالب به المحتجون، ودون الحد الأعلى لتكاليف الإنتاج التي أعلنها المزارعون.
وشهدت الفترة نفسها احتجاجات أخرى ذات طابع اجتماعي واقتصادي في مناطق مختلفة من البلاد. ففي محافظة الحسكة، احتجّ المزارعون على قرار خفض مخصصات وقود الديزل المخصصة للمشاريع الزراعية، فيما نظّم أصحاب وعمّال الحَرّاقات في منطقة ترحين بريف حلب مظاهرة رفضاً لقرار إغلاق الحَرّاقات بشكل كامل. وطالب المحتجون بتعويضات عادلة تضمن الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي، مشيرين إلى أن آلاف العائلات تعتمد على هذا القطاع كمصدر رئيسي للدخل.
وفي حزيران/يونيو، اندلعت إضرابات في شركة زينوبيا5 ومنشآت ومصانع شركة مدار للمنظفات في منطقة الكسوة بريف دمشق، ويعمل فيهما نحو 4,000 و4,500 عامل على التوالي، للمطالبة برفع الأجور وتحسين ظروف العمل. وبعد إضراب استمر أسبوعاً، نجح عمّال شركة زينوبيا في انتزاع عدد من مطالبهم الأساسية، من بينها زيادة قدرها 500 ألف ليرة سورية على الأجور، و200 ألف ليرة سورية على تعويض غلاء المعيشة، إلى جانب توفير تغطية صحية تشمل التأمين الصحي، وتأمين طبيب داخل المصنع، وسيارة إسعاف، ومعدات السلامة المهنية في مكان العمل.
وفي السياق نفسه، نفّذ عمّال معبر باب الهوى الحدودي مع تركيا، شمالي إدلب، احتجاجات تنديداً بفرض إدارة المعبر نظام دوام متواصل يمتد إلى 24 ساعة، وبشروط عمل وصفوها بالمجحفة. وعلى الرغم من تهديد الإدارة بالفصل الجماعي الفوري واستبدال العمال المضربين، واصل المحتجون، الذين أمضى كثير منهم نحو 14 عاماً في الخدمة، تمسكهم بمطلب تقليص ساعات العمل. وبحسب موقع «الحال نت»، فإن الإدارة استقدمت بالفعل مجموعة من العمال الجدد، إلا أن نحو 90% منهم تركوا العمل سريعاً لعدم قدرتهم على تحمّل ظروف العمل القاسية وساعات الدوام الطويلة.
وشهدت مدينة القامشلي بدورها أياماً عدة من الاحتجاجات في أواخر حزيران/يونيو، على خلفية ارتفاع الأسعار، وتدهور الأوضاع المعيشية، والانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي نتيجة نقص الوقود. ونظّم المحتجون اعتصاماً رفضاً لرفع سعر المازوت من 55 إلى 88 سنتاً أميركياً، مطالبين بالتراجع عن القرار وتحسين الظروف المعيشية، في وقت تشهد فيه المنطقة ارتفاعاً في أسعار السلع والخدمات وتكاليف النقل والإنتاج. كما نفّذ عشرات المتقاعدين اعتصاماً أمام فرع المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية في المدينة، بدعوة من «تجمع تكاتف المتقاعدين»، للمطالبة بتسريع صرف رواتبهم الشهرية ووضع حد لحالة التأخير والمماطلة في مستحقاتهم. وأفضت هذه التحركات، في نهاية حزيران/يونيو، إلى الإعلان رسمياً عن تأسيس «تجمع تكاتف المتقاعدين»، بهدف الدفاع عن حقوق المتقاعدين وضمان حقهم في حياة كريمة، ولا سيما من خلال معالجة مشكلة تأخر صرف الرواتب.
وجاءت هذه الاحتجاجات في ظل موجة غلاء واسعة تشهدها منطقة الجزيرة السورية، ترافقت مع ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج الزراعي وأسعار السلع، واستمرار تراجع الخدمات الأساسية والانقطاع المتكرر للكهرباء. وفي السياق نفسه، شهدت محافظة الرقة في منتصف حزيران/يونيو إضرابات جديدة لعمال قطاع النظافة، احتجاجاً على تأخر صرف الرواتب وتعثر تسوية الأوضاع الوظيفية لآلاف العاملين في المؤسسات الخدمية.
عملية فصل تعسفي وإجراءات التقشّف مستمرة
تواصلت خلال عام 2026 عمليات الفصل من الوظائف العامة في عدد من الوزارات والمؤسسات الحكومية، ما أثار موجة جديدة من الاحتجاجات. ففي منتصف حزيران/يونيو، نظم العمال المفصولون من الشركة العامة للخيوط القطنية في إدلب وقفة احتجاجية للمطالبة بإنصافهم وإعادتهم إلى وظائفهم.
ولم تقدّم الحكومة السورية حتى الآن معايير قانونية وإجرائية واضحة تنظم عمليات التسريح أو الإيقاف عن العمل، الأمر الذي عزز الاتهامات بوجود حالات فصل تعسفي. وأعربت منظمة «سوريون من أجل الحقيقة والعدالة» عن مخاوف جدية بشأن مدى التزام هذه الإجراءات بالضمانات المنصوص عليها في القانون الأساسي الموحد للعاملين في الدولة رقم 50 لعام 2004، ولا سيما المواد (132–139). كما نشرت المنظمة، في حزيران/يونيو 2026، تقريراً وثّق حالات فصل تعسفي ونقل قسري ارتبطت، بحسب التقرير، بـ«خلفيات طائفية أو سياسية أو جندرية، أو بمعايير تتصل بالموقف من الانتفاضة السورية عام 2011 أو بالانتماء المناطقي والاجتماعي»، معتبرةً أن ذلك يثير مخاوف من استخدام إعادة هيكلة مؤسسات الدولة كأداة للإقصاء وإعادة تشكيل القطاع العام على أسس غير مهنية.
وثّق حالات فصل تعسفي ونقل قسري ارتبطت بـ«خلفيات طائفية أو سياسية أو جندرية، أو بمعايير تتصل بالموقف من الانتفاضة السورية عام 2011 أو بالانتماء المناطقي والاجتماعي»
وفي موازاة ذلك، اتبعت الحكومة سياسة انتقائية في زيادة الأجور، إذ اقتصرت الزيادات على فئات محددة، غالباً في المناصب الإدارية العليا أو الوظائف التي تُعد أكثر تخصصاً، بينما لم يستفد معظم موظفي القطاع العام من أي زيادات مماثلة. كما استمرت الفوارق في الأجور داخل المؤسسات الحكومية نفسها، حيث يتقاضى الموظفون الذين عيّنتهم السلطات الجديدة رواتب أعلى، غالباً بالدولار الأميركي، على الرغم من تشابه المهام الوظيفية.
وعلى صعيد السياسات المعيشية، واصلت الحكومة إجراءاتها التقشفية، إذ خفّضت عدد أرغفة الخبز في الربطة من 10 إلى 8 مع الإبقاء على سعرها عند 4000 ليرة سورية (جديدة)، كما خفّضت وزن الربطة من 1,050 غراماً إلى 1,000 غرام. وللمقارنة، كان سعر ربطة الخبز المدعوم في كانون الأول/ديسمبر 2024 يبلغ 400 ليرة سورية مقابل 1,100 غرام. وأسهمت هذه الإجراءات في تعميق انعدام الأمن الغذائي، ولا سيما لدى الفئات الأكثر هشاشة.
معارضة مشاريع العقارات الفاخرة وعمليات التهجير
شهد عام 2026 تصاعداً في الاحتجاجات المرتبطة بمشاريع التطوير العقاري وسياسات إعادة الإعمار، ولا سيما تلك التي يخشى السكان أن تؤدي إلى تهجيرهم أو تقويض حقوقهم في الملكية والسكن.
ففي مدينة حمص، نجح سكان حي القرابيص في الضغط على شركة العمران للتطوير العقاري، ومقرها الكويت، لإلغاء جزء من مشروع «شارع النصر» الذي كان يهدد بمصادرة ممتلكاتهم وتهجيرهم من منازلهم. وفي مطلع أيار/مايو، تظاهر سكان أحياء المزة وكفرسوسة وبساتين الرازي في دمشق، المتضررون من المرسوم رقم 66 لعام 2012، في مؤشر على استمرار التوترات الاجتماعية والقانونية المرتبطة بمشاريع إعادة التطوير العمراني، ولا سيما مشروع «ماروتا سيتي». كما نظم أهالي جبل عقيل في ريف حلب احتجاجاً على استيلاء قاعدة عسكرية تركية على أراضٍ يملكونها.
وفي الشهر نفسه، شهدت مدينة الرقة احتجاجات واسعة ضد خطة السلطة المحلية لهدم منازل تقع شمال خط السكك الحديدية بذريعة «إعادة الإعمار والاستثمار»، وسط حديث عن مشاريع استثمارية سعودية وصينية لإقامة مجمعات سكنية في المنطقة. وبينما اعتبرت السلطات أن الأراضي المعنية «أملاك دولة»، أكد الأهالي امتلاكهم وثائق ومحاضر تسليم رسمية تثبت حقوقهم. وطالب المتظاهرون بإقالة المحافظ بعد رفضه التراجع عن الخطة التي تهدد نحو 3,000 عائلة، معظمها من ذوي الدخل المحدود، مؤكدين تمسكهم بحقهم في السكن ورفضهم لعمليات الإخلاء والهدم.
تعكس هذه الاحتجاجات تصاعد المخاوف من أن تُستخدم مشاريع إعادة الإعمار لتعزيز الاستثمار العقاري الموجّه إلى الشرائح الأكثر ثراءً، بدلاً من معالجة أزمة السكن التي تعانيها الغالبية
وتعكس هذه الاحتجاجات تصاعد المخاوف من أن تُستخدم مشاريع إعادة الإعمار لتعزيز الاستثمار العقاري الموجّه إلى الشرائح الأكثر ثراءً، بدلاً من معالجة أزمة السكن التي تعانيها الغالبية. ويبرز ذلك في مشاريع مثل «يعفور 963» الذي تطوره مجموعة الاستثمار لما وراء البحار، المملوكة لرجل الأعمال السوري-الإماراتي موفق القداح، حيث تبدأ أسعار الشقق من 300 ألف دولار، ومشروع «أبيات هيلز» الذي تطوره شركة أبيات السعودية في ضاحيتي قدسيا والبجاع بريف دمشق، باستثمارات تتجاوز ملياري دولار لبناء نحو 22 ألف وحدة سكنية ضمن مجمعات سكنية مغلقة.
وتأتي هذه المشاريع في وقت لا تزال فيه سوريا تواجه نقصاً حاداً في المساكن والبنية التحتية، ما يهدّد عمليات الاستقرار والتعافي، فضلاً عن تطلعات النازحين داخلياً واللاجئين إلى ظروف معيشية آمنة وكريمة وآفاق عودتهم. فبحسب خطة الاستجابة الإنسانية لعام 2025، تضرر أو دُمّر نحو ثلث المساكن في البلاد، فيما لا تزال أجزاء واسعة من البنية التحتية الأساسية، بما في ذلك الطرق وشبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي، خارج الخدمة أو تعمل بقدرات محدودة. وفي هذا السياق، يرى المحتجون أن الأولوية ينبغي أن تُمنح لتأمين السكن الملائم وإعادة تأهيل البنية التحتية، بدلاً من مشاريع عقارية مرتفعة الكلفة لا تستطيع غالبية السوريين تحملها.
استمرار ارتفاع تكلفة المعيشة
يعكس تصاعد الاحتجاجات الشعبية عمق الأزمة الاجتماعية والاقتصادية التي تعيشها سوريا. إذ تشير التقديرات إلى أن ما بين 80% و90% من السكان يعيشون تحت خط الفقر، فيما يحتاج نحو 16 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية للبقاء على قيد الحياة، ويعاني أكثر من 7 ملايين شخص من انعدام حاد في الأمن الغذائي. وزادت أزمة التمويل الإنساني من تفاقم الأوضاع، إذ أعلن برنامج الأغذية العالمي في منتصف أيار/مايو 2026 خفض مساعداته الغذائية الطارئة بنسبة 50%، من 1.3 مليون مستفيد إلى 650 ألفاً، كما أنهى برنامج دعم الخبز الذي كان يوفر المساعدة لملايين السوريين يومياً.
ولا يزال سوق العمل يعاني اختلالات عميقة وارتفاعاً في معدلات البطالة، ولا سيما بين الشباب. وبسبب غياب مسوحات دورية للقوى العاملة، لا تتوافر تقديرات دقيقة لحجم البطالة، إلا أن التقديرات لعام 2025 تشير إلى أن بطالة الشباب تتراوح بين 14% و60%. كما يعمل نحو 83% من السوريين في القطاع غير الرسمي، وهو ما يحرمهم من الضمان الاجتماعي والحماية القانونية ويجعلهم أكثر عرضة للاستغلال وفقدان مصادر دخلهم.
وفي مواجهة الضغوط المعيشية، رفعت الحكومة السورية رواتب موظفي القطاع العام ومعاشات التقاعد بنسبة 200% في تموز/يوليو 2025، ثم بنسبة إضافية بلغت 50% في آذار/مارس 2026، ليصل الحد الأدنى للأجور إلى 1,256,000 ليرة سورية شهرياً. إلا أن هذه الزيادات ترافقت مع تقليص الدعم وارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية، ما حدّ من أثرها الفعلي على القوة الشرائية. ووفقاً للمركز السوري لبحوث السياسات، بلغ خط الفقر المدقع لأسرة سورية 3.34 ملايين ليرة سورية شهرياً في نيسان/أبريل 2026، بينما بلغ خط الفقر الأدنى 5.26 ملايين ليرة، وخط الفقر الأعلى 7.26 ملايين ليرة، وهو ما يعني أن الحد الأدنى الرسمي للأجور لا يزال بعيداً عن الحد الأدنى اللازم لتأمين مستوى معيشي لائق.
لا تتمثل الأزمة في نقص فرص العمل فحسب، بل في ندرة الوظائف التي تؤمن دخلاً كافياً للعيش بكرامة. وفي ظل استمرار تقليص الدعم وارتفاع أسعار السلع الأساسية، تبدو زيادات الأجور غير قادرة على تعويض التراجع المستمر في القدرة الشرائية
ومن هذا المنظور، لا تتمثل الأزمة في نقص فرص العمل فحسب، بل في ندرة الوظائف التي تؤمن دخلاً كافياً للعيش بكرامة. وفي ظل استمرار تقليص الدعم وارتفاع أسعار السلع الأساسية، تبدو زيادات الأجور غير قادرة على تعويض التراجع المستمر في القدرة الشرائية أو الحد من تفاقم الأزمة المعيشية.
القيود التي تواجه حركات الاحتجاج
تمثل عودة الاحتجاجات ومحاولات التنظيم الذاتي للعمال تطوراً مهماً بعد سنوات من الحرب والاستبداد، إذ تعكس استعادة تدريجية لمساحات العمل الجماعي والمطالبة بالحقوق. ومن الأمثلة على ذلك تشكيل عمال شركة زينوبيا لجنة إضراب مكوّنة من 4 أعضاء انتخبهم العمال المضربون للتفاوض باسمهم مع إدارة الشركة.
ومع ذلك، لا تزال قدرة هذه الحركات على إحداث تغيير أوسع محدودة بفعل عدد من القيود البنيوية. أولاً، تبقى معظم الاحتجاجات محصورة ضمن نطاقات جغرافية ضيقة، مع ضعف واضح في التنسيق بين المحافظات أو بين العاملين في القطاع نفسه، باستثناء محدود للاحتجاجات المرتبطة بأسعار القمح. فعلى سبيل المثال، لا يوجد تنسيق فعّال بين معلمي المدارس الحكومية الذين ينظمون احتجاجات متزامنة في محافظات مختلفة. ويتيح هذا التشتت للسلطات التعامل مع كل تحرك بصورة منفصلة، بما يحدّ من قدرته على التحول إلى حركة اجتماعية أو سياسية واسعة.
ثانياً، تفتقر هذه الاحتجاجات إلى قنوات تمثيل سياسية وتنظيمية قادرة على تحويل المطالب المطلبية إلى برنامج إصلاحي أوسع. ويعود ذلك إلى غياب الأحزاب السياسية الجماهيرية والمنظمات النقابية الديمقراطية والمستقلة القادرة على تنظيم هذه التحركات وربطها ببعضها البعض. وحتى الآن، يقتصر حضور معظم القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني على متابعة الاحتجاجات أو التضامن معها، من دون تأدية دور مؤثر في تنظيمها أو توسيع نطاقها، باستثناء بعض القوى اليسارية التي تواكب هذه التحركات وإن بقي تأثيرها محدوداً.
ومن هنا، تبدو إعادة بناء منظمات شعبية، مستقلة، من النقابات العمالية إلى المنظمات النسوية والمجتمعية والأحزاب التقدمية، شرطاً أساسياً لتعزيز قدرة الفئات الشعبية على الدفاع عن مصالحها الاقتصادية والاجتماعية والديمقراطية. فمن شأن هذه الأطر أن توفر أدوات للتنسيق بين مختلف القطاعات والمناطق، وأن تمنح الاحتجاجات استمرارية وقدرة أكبر على التأثير في السياسات العامة.
ولا تقتصر أهمية هذا التنظيم الجماعي على تحسين ظروف العمل والمعيشة، بل تمتد أيضاً إلى الحد من الانقسامات الطائفية والإثنية التي لا تزال تتكرر في البلاد، والتي كثيراً ما تُستغل أو تُغذّى لصرف الانتباه عن الأزمات الاجتماعية والاقتصادية
ولا تقتصر أهمية هذا التنظيم الجماعي على تحسين ظروف العمل والمعيشة، بل تمتد أيضاً إلى الحد من الانقسامات الطائفية والإثنية التي لا تزال تتكرر في البلاد، والتي كثيراً ما تُستغل أو تُغذّى لصرف الانتباه عن الأزمات الاجتماعية والاقتصادية. ففي الفترة الممتدة بين 13 و17 حزيران/يونيو 2026، تزامنت مظاهرات طالبت بمحاسبة المسؤولين عن جرائم عهد الأسد مع تصاعد هجمات وتحريض قائم على الهوية. ويعكس ذلك استمرار غياب مسار شامل للعدالة الانتقالية يضمن محاسبة جميع المسؤولين عن جرائم الحرب، وهو غياب يسهم في تغذية أعمال الانتقام وتعميق التوترات المجتمعية، ويؤكد الحاجة إلى أطر ديمقراطية مستقلة قادرة على الدفاع عن الحقوق الاجتماعية والمدنية في آن واحد.
إعادة بناء الاقتصاد لا تنفصل عن إعادة بناء العقد الاجتماعي نفسه
أياً تكن القوة السياسية التي تولت السلطة بعد سقوط نظام الأسد، فقد ورثت بلداً يواجه تحديات هائلة على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. إلا أن السياسات التي انتهجتها السلطة الجديدة أسهمت، في كثير من الأحيان، في تعميق هذه الأزمات بدلاً من معالجتها. فعلى الصعيد الاقتصادي، لم تنجح في تحسين الظروف المعيشية لغالبية السكان أو في توفير بيئة تساعد على تعافي القطاعات الإنتاجية، فيما أدت سياسات التقشف ورفع الأسعار وإعادة هيكلة القطاع العام إلى زيادة الضغوط على الفئات الأكثر هشاشة.
ويعكس اتساع رقعة الاحتجاجات منذ مطلع عام 2026، على خلفية تدهور الأوضاع المعيشية والعمل، إلى جانب النزاعات المرتبطة بالسكن، حدود المقاربة الاقتصادية الحالية، ويشكّل مؤشراً على اتساع الفجوة بين أولويات السلطة واحتياجات قطاعات واسعة من المجتمع.
ولا يمكن لأي عملية مستدامة للتعافي الاقتصادي أو إعادة الإعمار أن تنجح من دون انتقال سياسي شامل وديمقراطي يضمن مشاركة مختلف فئات المجتمع في صنع القرار، بما في ذلك الأحزاب السياسية، والنقابات العمالية، والجمعيات المهنية، واتحادات الفلاحين، ومنظمات حقوق الإنسان والمنظمات النسوية، والجمعيات المحلية. فإشراك هذه القوى لا يعزز فقط شرعية السياسات العامة، بل يساهم أيضاً في جعلها أكثر استجابة للاحتياجات الاجتماعية وأكثر قدرة على الاستمرار.
وفي هذا السياق، يُعدّ ضمان حرية التنظيم وإجراء انتخابات ديمقراطية داخل النقابات المهنية والعمالية واتحادات الفلاحين خطوة أساسية لتمكين العاملين من اختيار ممثليهم والدفاع عن مصالحهم بصورة مستقلة.
وفي نهاية المطاف، لا ينبغي أن تُحسم خيارات إعادة الإعمار والسياسات الاقتصادية وتوزيع الثروة بين عدد محدود من أصحاب السلطة ورؤوس الأموال، بل يجب أن تكون موضع نقاش ومشاركة ديمقراطية واسعة، لأن إعادة بناء الاقتصاد لا تنفصل عن إعادة بناء العقد الاجتماعي نفسه.
- 1
انظر.ي على سبيل المثال، الاعتصامين اللذين دعا إليهما «تجمع 17 نيسان» في دمشق في نيسان/أبريل وحزيران/يونيو 2026 تحت شعار «قانون وكرامة». وشملت المطالب: التزام السلطات الانتقالية بمهامها وصلاحياتها في قيادة العملية الانتقالية، والعمل على تهيئة عملية انتقال سياسي حقيقية قائمة على حوار وطني جامع للوصول إلى الانتخابات، وتفعيل مسار العدالة الانتقالية ومحاسبة المتورطين في الجرائم، ورفض إعادة إنتاج نظام الأسد وتعويم شخصياته، وتوسيع المشاركة السياسية من خلال انتخابات حرة للمجالس المحلية والنقابات، وتفعيل دور الأحزاب ورفض احتكار السلطة من قبل أي جهة أو فصيل، وتطبيق الحوكمة الرشيدة من خلال اعتماد الكفاءة والنزاهة والشفافية، وإيقاف فوضى التعيينات والصلاحيات، ومكافحة الفساد، وتجريم الخطاب الطائفي، وضمان قضاء مستقل وشفاف وعادل.
- 2
انظر.ي التقارير الدورية الصادرة عن مركز «سِجِل»، المتخصصة في توثيق العمليات والانتهاكات التي تنفذها قوات الاحتلال الإسرائيلي في سوريا، مع تركيز خاص على المحافظات الجنوبية.
- 3
منذ أيار/مايو 2026، أطلقت فعاليات مدنية وتربوية في محافظة السويداء حملة للمطالبة بضمان حق آلاف طلاب المرحلتين الإعدادية والثانوية في تقديم امتحاناتهم داخل المحافظة في ظروف آمنة ومستقرة. وحتى إعداد هذا التقرير، أصرت السلطات في دمشق على إلزام الطلاب بالتوجه إلى دمشق لأداء الامتحانات.
- 4
تكتب الصحافية زينة شهلا: «خلال الأشهر الثلاثة الفائتة، استطعنا رصد قرابة 80 وقفة احتجاجية، أي بمعدل وقفة واحدة كل يوم تقريباً، في دمشق وريفها وحلب ودير الزور والرقة وإدلب واللاذقية والحسكة والقنيطرة ودرعا وحماة وحمص». وتنوعت الاحتجاجات بين مطالب معيشية واجتماعية وخدمية وسياسية، شملت تحسين الأوضاع المعيشية، ومكافحة الفساد، والتراجع عن زيادة تعرفة الكهرباء، وتطبيق القانون، والتصدي للانفلات الأمني، إضافة إلى مطالب خاصة بمحافظة السويداء، مثل كشف مصير المفقودين وعودة المهجرين.
- 5
شركة زينوبيا شركة سورية خاصة متخصصة في صناعة السيراميك والغرانيت ومواد البناء، وتمتلك مجمعين صناعيين، أحدهما في منطقة الكسوة بريف دمشق، والآخر في مدينة عدرا الصناعية.