من حقّ إلى كلفة
كيف تآكل العقد الاجتماعي في تونس تحت وطأة السياسات النيوليبرالية؟
منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي، تغيّرت تدريجياً العلاقة بين الدولة والمواطنين في تونس. فقد أدّت سياسات تحرير الأسواق وضبط الإنفاق وإعادة هيكلة المؤسسات العمومية إلى نقل جزء من كلفة الخدمات الأساسية والمخاطر الاقتصادية من الدولة إلى الأفراد والأسر. وعلى الرغم من استمرار الدولة في توفير التعليم والصحة والدعم والنقل العمومي، باتت الأسر تتحمّل نفقات إضافية للحصول على هذه الخدمات، فضلاً عن مواجهة ارتفاع الأسعار والبطالة بمواردها الخاصة.
تعود جذور هذا التحوّل إلى برنامج الإصلاح الهيكلي الذي اعتمدته تونس عام 1986،1 بعد ثلاثة عقود من الاستقلال وبناء دولة اضطلعت بدور أساسي في توفير الخدمات العامة والتشغيل وإعادة توزيع الموارد. وقد استمرّ هذا المسار بأشكال مختلفة خلال العقود التالية، وتجدّدت سياسات ضبط الإنفاق وإعادة هيكلة المؤسسات العمومية بعد ثورة عام 2011، في ظلّ ارتفاع الدين العام وضعف النمو وتفاقم الاختلالات المالية.
وهكذا، تغيّر تدريجياً العقد الاجتماعي الذي تشكّل بعد الاستقلال، والقائم على تحمّل الدولة مسؤولية توفير حدّ أدنى من شروط العيش والاندماج الاجتماعي. فقد تراجع الطابع الشامل لبعض الخدمات والحماية الاجتماعية، وأصبحت القدرة على الدفع والوضع الاقتصادي والاجتماعي أكثر تأثيراً في الوصول إلى الحقوق الأساسية.
من التوسّع الاجتماعي إلى ضبط الإنفاق
بعد استقلال تونس عام 1956، ارتكز مشروع بناء الدولة الوطنية على توسيع التعليم والصحة والبنية الأساسية والتشغيل العمومي، وعلى تدخّل الدولة في الاقتصاد عبر المؤسسات العمومية والاستثمار المباشر. وشكّلت هذه السياسات أدوات لإعادة توزيع الموارد والفرص، وربط المواطنين بالمؤسسات الوطنية، وترسيخ دور الدولة في توفير الحدّ الأدنى من شروط العيش والاندماج الاجتماعي. لكن هذا النموذج راكم اختلالات مالية واقتصادية خلال النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي. فقد ارتفع الإنفاق على الاستثمار العمومي والأجور والدعم، بالتزامن مع تراجع موارد الدولة، واستمرّت الضغوط خلال السنوات الأولى من الثمانينيات، ما أدّى إلى اتّساع عجز الميزانية والحساب الجاري وتفاقم الاختلالات الخارجية. وفي محاولة لخفض كلفة الدعم، أعلنت الحكومة في كانون الأول/ديسمبر 1983 زيادة أسعار الحبوب ومشتقّاتها، ما أشعل احتجاجات واسعة عُرفت بـ«انتفاضة الخبز» في كانون الثاني/يناير 1984، قبل أن تتراجع الحكومة عن الزيادات تحت ضغط الشارع.2 وكشفت هذه الأزمة عن الأبعاد الاجتماعية والسياسية لسياسات خفض الإنفاق، ولا سيما عندما تطاول السلع الأساسية.
بلغ التحوّل نقطة مفصلية عام 1986، مع إطلاق برنامج الإصلاح الهيكلي بدعم من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وشمل البرنامج تحرير الأسعار والتجارة، وتقليص الدعم، والحدّ من نموّ الأجور، وإعادة هيكلة المؤسسات العمومية، وتشجيع الاستثمار الخاص. وقد أعادت سياسات صندوق النقد تحديد موقع الدولة في الاقتصاد، من فاعل مباشر في توفير الخدمات والتشغيل والاستثمار العمومي إلى دولة تعطي الأولوية لضبط الإنفاق وتوسيع دور السوق والقطاع الخاص.
لم تنسحب الدولة من القطاعات الاجتماعية أو تتخلَّ عن التعليم والصحة والدعم، لكن طريقة تدخّلها تغيّرت، وأصبح ضبط كلفة الخدمات واستدامة المالية العمومية جزءاً أساسياً من سياساتها
استمرّ هذا التوجّه خلال التسعينيات وبداية الألفية، مع مواصلة تحرير الأسعار والتجارة وإعادة هيكلة المؤسسات العمومية وتوسيع دور القطاع الخاص. ولم تنسحب الدولة من القطاعات الاجتماعية أو تتخلَّ عن التعليم والصحة والدعم، لكن طريقة تدخّلها تغيّرت، وأصبح ضبط كلفة الخدمات واستدامة المالية العمومية جزءاً أساسياً من سياساتها. وانعكس هذا التحوّل على المؤسسات العمومية، التي لم تعد تُقيَّم انطلاقاً من دورها في التشغيل والاستثمار وتوفير الخدمات، وإنما من زاوية كلفتها على الميزانية وأدائها المالي. وشكّلت إعادة هيكلتها والحدّ من أعبائها جزءاً من التوجّه الأوسع نحو تقليص الدور المباشر للدولة في النشاط الاقتصادي.
أعاد هذا المسار توزيع جزء من المخاطر الاقتصادية بين الدولة والأسر. فحين تتحمّل الميزانية العمومية جزءاً من كلفة التعليم والصحة والنقل والطاقة والغذاء، تخفّف عن الأسر أعباء ارتفاع الأسعار أو تراجع القدرة على الوصول إلى الخدمات. أمّا تقليص الدعم والاستثمار العمومي وإعادة تنظيم المؤسسات العمومية، فينقل جزءاً من هذه الأعباء إلى الأفراد، الذين يضطرّون إلى دفع كلفة أعلى للحصول على الخدمات، أو اللجوء إلى بدائل خاصة، أو تحمّل نتائج تراجع جودتها أو غيابها. وبذلك، لا يُقاس التحوّل بحجم الإنفاق العمومي وحده، وإنما أيضاً بالتغيّر في توزيع كلفة الخدمات والمخاطر الاقتصادية بين الدولة والسوق والأسر.
بعد 2011: الأزمة المالية تعيد إنتاج الوصفة التقشّفية
رفعت ثورة كانون الثاني/يناير 2011 شعارات «شغل، حرية، كرامة وطنية»، وفتحت الباب أمام قطيعة محتملة مع المسار الاقتصادي والاجتماعي الذي سبقها. فقد عبّرت المطالب الشعبية عن رفض البطالة والتهميش والتفاوت المناطقي وتراجع القدرة على الوصول إلى الخدمات الأساسية، وهي مشكلات ارتبطت بحدود النموذج الاقتصادي القائم قبل الثورة. لكن الثورة لم تؤدِّ إلى إعادة بناء شاملة لهذا النموذج، في ظلّ اقتصاد ضعيف، وتراجع الاستثمار، وتصاعد الدين العام، بالتزامن مع ارتفاع المطالب الاجتماعية.
وجدت الدولة نفسها أمام تناقض أساسي: تزايدت المطالب بالحفاظ على الخدمات الاجتماعية وخلق فرص العمل، فيما تصاعدت الضغوط لخفض كلفة الأجور وضبط الإنفاق وإعادة التوازن إلى المالية العمومية. وفي عام 2016، اعتبر صندوق النقد الدولي أن كتلة أجور القطاع العام، التي بلغت نحو 14% من الناتج المحلي الإجمالي، تشكّل أحد أبرز مصادر الضغط على الميزانية. ودفع باتجاه احتواء الأجور والحدّ من التوظيف العمومي، بالتوازي مع إصلاح منظومتي الدعم والمؤسسات العمومية، وهي توجّهات واجهت اعتراضاً من الاتحاد العام التونسي للشغل، أكبر منظّمة نقابية في البلاد.
وفي العام نفسه، دخلت تونس مرحلة جديدة من الإصلاحات المرتبطة ببرنامج صندوق النقد الدولي، الذي ربط ضبط المالية العمومية بإصلاح الوظيفة العمومية والمؤسسات العمومية وإعادة هيكلة الدعم. وشملت التوجّهات المقترحة الانتقال من الدعم العام للأسعار إلى حماية اجتماعية تستهدف الفئات الأكثر هشاشة. وعادت هذه الشروط إلى الواجهة في مفاوضات عام 2022، التي تناولت احتواء كتلة أجور القطاع العام، والتخلّص التدريجي من الدعم العام للأسعار، وإصلاح المؤسسات العمومية، مقابل توسيع التحويلات النقدية للفئات الهشّة.
ويعكس هذا التوجّه تحوّلاً في فلسفة الحماية الاجتماعية. فبدلاً من دعم الأسعار الذي يستفيد منه عموم المواطنين، يقوم النموذج المقترح على توجيه التحويلات النقدية إلى الأسر المصنّفة ضمن الفئات الفقيرة أو الهشّة. وبذلك، أصبح الحصول على جزء من الحماية الاجتماعية مرتبطاً بالتسجيل وإثبات الاستحقاق، فيما يتحمّل بقية الأفراد، بدرجات متفاوتة، كلفة الحصول على السلع والخدمات من السوق. ويحمل الانتقال إلى الاستهداف الفردي خطر استبعاد فئات محتاجة، ولا سيما الأشخاص غير المسجّلين رسمياً أو الذين لا تشملهم معايير الاستحقاق.
أصبح الحصول على جزء من الحماية الاجتماعية مرتبطاً بالتسجيل وإثبات الاستحقاق، فيما يتحمّل بقية الأفراد، بدرجات متفاوتة، كلفة الحصول على السلع والخدمات من السوق
وفي تونس، تجاوز عدد الأسر المستفيدة من التحويلات النقدية الدائمة ضمن منظومة «أمان» 386 ألف أسرة، فيما استفاد أكثر من 150 ألف طفل تتراوح أعمارهم بين 0 و5 سنوات من المنح العائلية.3 وفي آذار/مارس 2026، أقرّ البنك الدولي تمويلاً جديداً لتوسيع هذه المنح لتشمل نحو 450 ألف طفل بين 6 و18 عاماً. ويكشف توسّع هذه البرامج عن توجّه في السياسة الاجتماعية نحو شبكات أمان تستهدف الفئات المحدّدة مسبقاً بوصفها مستحقّة، بدلاً من ضمان الحقوق الاجتماعية بصورة شاملة. وهو توجّه ينسجم مع منطق الإصلاح النيوليبرالي الذي يركّز على استهداف الفقر وإدارة تداعياته.
بهذا المعنى، لم تفكك السياسات النيوليبرالية العقد الاجتماعي عبر إلغاء الدولة الاجتماعية دفعة واحدة، وإنما عبر إعادة تشكيل شروطها عبر تقليص بعض وظائفها المباشرة، وتحويل جزء من الخدمات والأنشطة إلى السوق، وإعادة تعريف الدعم والحماية الاجتماعية وفق منطق الاستهداف بدل الشمول. وهو تحول غيّر تدريجياً الجهة التي تتحمل كلفة الحصول على الخدمات والمخاطر الاقتصادية.
انتقال كلفة الحقوق الاجتماعية إلى الأسر
يتجلّى التحوّل في وظيفة الدولة التونسية في انتقال جزء متزايد من كلفة الخدمات والحقوق الاجتماعية إلى الأسر. فعلى الرغم من استمرار الدولة في تمويل التعليم والصحة والنقل والدعم، أدّى ضعف الاستثمار العمومي وتراجع جودة بعض الخدمات إلى زيادة اعتماد المواطنين على السوق لتلبية احتياجاتهم الأساسية، وفقاً لقدرتهم على الدفع.
تُظهر بيانات المالية العمومية أن نفقات الأجور بلغت 23.3 مليار دينار (نحو 8 مليارات دولار) عام 2025، مقابل 9.7 مليارات دينار (نحو 3.3 مليارات دولار) لنفقات التجهيز. وعلى الرغم من رفع اعتمادات التجهيز إلى 12.1 مليار دينار (نحو 4.1 مليارات دولار) في ميزانية 2026، بقيت كتلة الأجور أكثر من ضعفها. ويُطرح هنا أثر توزيع الإنفاق العمومي على قدرة المدارس والمستشفيات والنقل العام على تجديد تجهيزاتها وتحسين خدماتها.
ففي حين، تواصل الدولة تخصيص حصة مهمّة من الإنفاق العمومي للتعليم، بلغت 17.3% عام 2025. لكن استمرار التمويل العام لا يلغي النفقات التي تتحمّلها الأسر للحصول على تعليم أفضل. فبحسب مسح ظروف عيش الأسر لعام 2021، بلغ الإنفاق على التعليم الثانوي 3.3% من إجمالي إنفاق الأسر شديدة الفقر، و4% لدى الأسر الفقيرة، و5.3% لدى الأسر غير الفقيرة. وتكشف الدروس الخصوصية عن تفاوت أوضح، إذ يحصل عليها 25% من التلاميذ غير الفقراء، مقابل 7% فقط من التلاميذ الفقراء. وهنا تظهر إحدى آليات تحوّل التعليم إلى مجال أوسع للسوق. فالتعليم يبقى حقاً وخدمة عمومية من الناحية القانونية، لكن عندما تعجز المدرسة عن توفير شروط التعلّم والنجاح، تصبح قدرة الأسرة على شراء الخدمات المكمّلة عاملاً إضافياً في تحديد فرص أبنائها. وبهذا المعنى، لا تتطلّب إعادة تشكيل التعليم وفق منطق السوق خصخصة المدرسة العمومية نفسها، إذ يكفي أن تتفاوت قدرة الأسر على دفع كلفة ما تعجز المدرسة عن توفيره.
في الصحة، تتحمّل الأسر جزءاً كبيراً من النفقات مباشرة. فقد بلغت المدفوعات من جيوب الأسر 37.94% من إجمالي الإنفاق الجاري على الصحة في تونس عام 2023، وفق بيانات منظمة الصحة العالمية المنشورة عبر البنك الدولي. وهذا يعني أن أكثر من ثلث الإنفاق الصحي الجاري يُموَّل مباشرة من الأسر، خارج آليات التمويل العمومي والتأمين، ما يكشف حجم الأعباء التي تتحمّلها الأسر للحصول على الرعاية الصحية. فحين تعجز المنظومة العمومية عن توفير العلاج أو الدواء أو التجهيز في الوقت والجودة المطلوبين، تصبح القدرة على الدفع عاملاً إضافياً في الحصول على الخدمة. وهكذا، يتشكّل نظام صحي متعدّد المستويات، يجمع بين الحماية الاجتماعية للفئات المشمولة بها، والخدمات العمومية التي تواجه ضغوط التمويل والتجهيز، والسوق الخاصة المتاحة بدرجة أكبر لمن يملك القدرة على الدفع.
يكشف النقل العمومي بدوره آثار ضعف الاستثمار وتجديد التجهيزات. ففي عام 2024، تجاوز متوسّط عمر عربات السكك الحديدية الحضرية التابعة لشركة نقل تونس 30 عاماً، ومتوسّط عمر الحافلات 13 عاماً، فيما لم يكن صالحاً للخدمة سوى نحو 60 عربة من أصل 207 عربات مسجّلة. وفي عام 2023، لم يتجاوز إجمالي الكيلومترات التي قطعتها خدمات النقل الحديدي الحضري 43% من مستواه عام 2010، بينما تراجع عدد المسافرين بنسبة 64% خلال الفترة نفسها، على الرغم من ارتفاع عدد سكان تونس الكبرى بنحو الثلث. وتشير هذه الأرقام إلى تراجع كبير في خدمات النقل العمومي، بما ينعكس على قدرة المواطنين على التنقّل والوصول إلى العمل والتعليم والخدمات. وكلّما تراجعت الخيارات العامة، ازدادت الحاجة إلى بدائل أخرى، تتحمّل الأسر كلفتها بحسب مواردها وإمكاناتها، فيما يستفيد رأس المال الخاص من اتّساع الاعتماد على السوق لتلبية الاحتياجات الأساسية، إذ تتحوّل الخدمات الاجتماعية إلى مجالات للاستثمار والربح. ومع اتّساع هذا الاعتماد، تتحوّل الفوارق في القدرة على الدفع إلى تفاوت في فرص الحصول على الخدمات وجودتها.
أما في منظومة الدعم، فيتجلّى التحوّل في الانتقال المطروح من دعم الأسعار العام إلى استهداف الأسر الأكثر هشاشة. فعلى الرغم من كلفة الدعم الشامل ومشكلاته التوزيعية، فإنه يقوم على تدخّل الدولة في أسعار السلع نفسها، فيما يعتمد النموذج البديل على ربط الأسعار بالأسواق العالمية وتعويض جزء من الكلفة عبر تحويلات نقدية للفئات المستحقّة. وقد تضمّنت مفاوضات تونس مع صندوق النقد الدولي عام 2022 مقترحاً بالتخلّص التدريجي من الدعم العام للأسعار، مقابل توسيع التحويلات الاجتماعية.
كلّما تراجعت الخيارات العامة، ازدادت الحاجة إلى بدائل أخرى، تتحمّل الأسر كلفتها بحسب مواردها وإمكاناتها، فيما يستفيد رأس المال الخاص من اتّساع الاعتماد على السوق لتلبية الاحتياجات الأساسية، إذ تتحوّل الخدمات الاجتماعية إلى مجالات للاستثمار والربح
ويمتدّ التحوّل في العلاقة بين الدولة والمواطنين إلى سوق العمل. فقد بلغ معدّل البطالة 14.9% في الربع الثاني من عام 2026، وارتفع إلى 21.6% بين النساء، و35.4% بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً، و26.6% بين حاملي الشهادات العليا، وصولاً إلى 35.6% بين النساء من هذه الفئة، وفق المعهد الوطني للإحصاء. وتكشف هذه المؤشرات حدود الانتقال من الدولة المشغّلة إلى اقتصاد يُفترض أن يقوده القطاع الخاص. فلم يوفّر هذا القطاع فرص عمل مستقرّة تكفي لاستيعاب الباحثين عن العمل. وقد قدّر البنك الدولي أن 46% من العاملين في تونس كانوا يعملون بصورة غير نظامية، وفق تقدير أورده عام 2024، ما يحرم جزءاً كبيراً منهم من التغطية الصحية والتقاعدية المرتبطة بالعمل. كذلك، تبقى مشاركة النساء في سوق العمل أدنى بكثير من مشاركة الرجال. وبذلك، فإن تقليص دور الدولة في التشغيل لا يقود تلقائياً إلى سوق عمل أكثر قدرة على استيعاب البطالة أو توفير العمل اللائق. فقد يجد الأفراد أنفسهم أمام البطالة أو العمل غير النظامي أو الهجرة، فيما تتحمّل الأسر كلفة إعالة من لا يجدون عملاً.
تتفاوت هذه الأعباء أيضاً بحسب المناطق. فقد ساهم ضعف الاستثمار العمومي في المناطق الداخلية في توسيع الفجوة بينها وبين المناطق الساحلية في البنية الأساسية وجودة الخدمات. وعندما يرتبط الحصول على خدمة جيدة بالقدرة على الدفع أو الانتقال إلى المراكز الحضرية، تصبح الجغرافيا نفسها عاملاً في توزيع الحقوق والفرص الاجتماعية.
في المحصّلة، غيّرت هذه السياسات تدريجياً طبيعة العلاقة بين المواطن والدولة في تونس. فالدولة لم تنسحب بالكامل من توفير الحقوق والخدمات الاجتماعية، لكنها أعادت تنظيم تدخّلها وفق اعتبارات ضبط الإنفاق والاستهداف، فيما تحمّل الأفراد والأسر جزءاً أكبر من كلفة الخدمات والمخاطر الاقتصادية. ومع تراجع شمولية الحماية الاجتماعية، بات الحصول على بعض الحقوق أكثر ارتباطاً بالقدرة على الدفع والموقع الاقتصادي والاجتماعي. وهكذا، يتجلّى تآكل العقد الاجتماعي في انتقال جزء من المسؤولية الجماعية عن ضمان الحقوق إلى مسؤولية فردية عن مواجهة المخاطر.
- 1
المولدي قسومي، «السياسة الاقتصادية في تونس منذ برنامج الإصلاح الهيكلي»، مجلة العلوم الاجتماعية، جامعة الكويت، المجلد 34، العدد 1، 2006
- 2
Leyla Dakhli, “The Fair Value of Bread: Tunisia, 28 December 1983–6 January 1984,” International Review of Social History, Vol. 66, 2021.
- 3
منظومة «أمان اجتماعي»: برنامج وطني للحماية الاجتماعية أُحدث بموجب القانون الأساسي عدد 10 لسنة 2019، ونفذته وزارة الشؤون الاجتماعية بهدف توجيه التحويلات والخدمات الاجتماعية إلى الفئات الفقيرة ومحدودة الدخل والهشة، بالاعتماد على سجل اجتماعي ومعايير لتحديد الاستحقاق. وقد دعمت البنك الدولي مسار إصلاح المنظومة وتمويلها وتطوير أدوات استهداف المستفيدين.