tunisia protest

بين القانون والممارسة
سوسيولوجيا الفساد في تونس

  • الفساد لا يعيش على هامش النظام فحسب، بل داخل بنيته اليومية، حيث تتقاطع البيروقراطية، والندرة، والزمن، وعدم المساواة. كل محاولة لعزله بوصفه خللاً فردياً أو أخلاقياً تُغفل هذه البنية، وتحوّله إلى مشكلة أشخاص بدل مساءلة طرق الحكم نفسها.
  • يُدان الفساد حين يتحول إلى ابتزاز أو احتكار أو وسيلة لإقصاء الأضعف، ويُبرَّر حين يُنظر إليه كحل اضطراري في مواجهة نظام غير منصف. هذه الازدواجية لا تعكس تناقضاً فردياً، بل تعبّر عن تعددية المرجعيات التي يُحكَم من خلالها على الأفعال. المفارقة أنّ الأخلاق لا تختفي، بل تنفصل عن القانون، وتعمل أحياناً ضده حين يُنظر إليه كأداة للظلم.
  • الفساد مدخل لتحليل أوسع لأزمة الدولة، لا بوصفها أزمة قانون، بل أزمة علاقة. علاقة بين قاعدة لا تُطبَّق بالتساوي، ومجتمع يتكيّف بدل أن يلتزم، وسلطة تُفضّل الضبط على بناء الثقة. المفارقة أنّ هذه العلاقة، على الرغم من اختلالها، تُنتج نوعاً من الاستقرار الهشّ، يقوم على التفاوض بدل الحق، وعلى الترتيب غير المكتوب بدل العقد الاجتماعي.

لا يُستعمل مفهوم الفساد في تونس بوصفه توصيفاً تقنياً لممارسات مخالفة للقانون فحسب، بل كفئة تفسيرية عامة تُحمّل بها مختلف أشكال الاختلال التي تطبع علاقة المجتمع بالدولة. فحين يُتداول الفساد في الحديث اليومي أو في الخطاب السياسي والإعلامي، لا يُقصد به فعلاً محدّداً بقدر ما يُقصد به نمط اشتغال كامل: إدارة لا تستجيب، قانون لا يُطبَّق بصورة متكافئة، ومؤسسات تبدو بعيدة عن التجربة المعيشة للمواطنين. بهذا المعنى، لا يعكس شيوع الخطاب حول الفساد وضوح المفهوم، بل يكشف عن قدرته على احتواء تجارب متباينة، وعن مرونته بوصفه أداة لتسمية الإحساس بالظلم والاختلال. يكتسب الفساد دلالته من كونه يقع في منطقة التماس بين القانوني وغير القانوني، وبين المقبول اجتماعياً والمدان أخلاقياً. هذه المنطقة ليست هامشية، بل تشكّل فضاءً مركزياً في الحياة الإدارية والاجتماعية، حيث تُعاد صياغة القواعد الرسمية من خلال الممارسة، وحيث تُدار العلاقات مع الدولة عبر وساطات، وشبكات، وترتيبات غير مكتوبة. في هذا السياق، لا يظهر الفساد كخرق عرضي للنظام، بل كأحد الأشكال التي يُعاد بها تنظيمه عملياً، خصوصاً في ظل تعقيد الإجراءات، وضعف القدرة على التنبؤ بسلوك المؤسسات، وتفاوت النفاذ إلى الموارد.

في التجربة التونسية، تتداخل هذه الممارسات مع تاريخ طويل من تشكّل الدولة، حيث تراكمت أنماط مختلفة من الحكم والإدارة، من الحقبة الاستعمارية إلى دولة الاستقلال، ثم إلى مرحلة التحولات الاقتصادية والسياسية اللاحقة. أنتج هذا التراكم جهازاً إدارياً كثيف القواعد، لكنه في الوقت ذاته فتح المجال أمام أشكال متعددة من التأويل والتكيّف. من هنا، لا يمكن فهم الفساد بمعزل عن هذا السياق التاريخي الذي جعل من الالتفاف على القاعدة، أو إعادة توظيفها، جزءاً من المهارات اليومية للتعامل مع الدولة. لا يقتصر الفساد على مستوى الممارسة، بل يمتد إلى مستوى الحكم والتقويم. فإطلاق صفة «فاسد» على فعل أو شخص أو سياسة هو فعل تقييمي بامتياز، ينطوي على تصور معيّن للعدالة، وللعلاقة المشروعة بين السلطة والموارد. هذا الحكم لا يصدر من موقع محايد، بل يتشكّل داخل علاقات قوة، ويتأثر بالموقع الاجتماعي للفاعل، وبقدرته على فرض تعريفه لما هو مشروع أو غير مشروع. بذلك، يصبح الفساد ساحة صراع رمزي تُعاد فيها صياغة الحدود بين العام والخاص، وبين الحق والامتياز.

لا يظهر الفساد كخرق عرضي للنظام، بل كأحد الأشكال التي يُعاد بها تنظيمه عملياً، خصوصاً في ظل تعقيد الإجراءات، وضعف القدرة على التنبؤ بسلوك المؤسسات، وتفاوت النفاذ إلى الموارد

في تونس، اكتسب هذا البعد التقويمي للفساد حضوراً خاصاً في الفضاء السياسي، حيث تحوّل الاتهام بالفساد إلى أداة مركزية لإعادة ترتيب الشرعية، وتبرير الإقصاء، وإضفاء معنى أخلاقي على الصراع على السلطة. غير أنّ هذا الاستخدام السياسي لا ينفصل عن التجربة الاجتماعية الأوسع، بل يجد صداه في إحساس متراكم بانفصال الدولة عن المجتمع، وبعجز القواعد الرسمية عن ضمان الإنصاف. في هذا السياق، لا يُستدعى الفساد فقط لتفسير ما يحدث، بل ليمنح معنى لتجربة العجز نفسها. كما أنّ الفساد لا يمكن فصله عن محاولات ضبطه ومكافحته. فالعلاقة بين الممارسة والإجراء المضاد لها علاقة تفاعلية، تتغير فيها أشكال الفساد بتغيّر أدوات الرقابة، وتتبدل فيها استراتيجيات الفاعلين بحسب القواعد الجديدة. كثيراً ما يؤدي التشديد القانوني إلى نقل الممارسات إلى فضاءات أقل وضوحاً، أو إلى إنتاج صيغ تبدو قانونية من حيث الشكل لكنها تثير اعتراضاً أخلاقياً واسعاً. في هذه الحالات، لا تؤدي مكافحة الفساد إلى تقليصه بالضرورة، بل إلى إعادة توزيعه وإعادة تعريفه.

يلعب البعد العاطفي دوراً أساسياً في هذا الاشتغال. فالفساد ليس موضوعاً عقلانياً صرفاً، بل يرتبط بمشاعر الغضب، والإحباط، والسخرية، وأحياناً بالتواطؤ الصامت. هذه المشاعر لا تبقى في مستوى التعبير، بل تؤثر في أنماط السلوك: في كيفية التعامل مع الإدارة، وفي الاستعداد لاحترام القواعد، وفي تصورات الجدوى من المشاركة السياسية. في تونس، كثيراً ما تُترجم هذه المشاعر إلى مواقف براغماتية ترى في القواعد الرسمية عائقاً ينبغي الالتفاف عليه، لا إطاراً يمكن الوثوق به. من زاوية أخرى، يكشف الفساد عن علاقته البنيوية بعدم المساواة. فإمكانية تجاوز القواعد أو التفاوض حولها ليست متاحة للجميع على قدم المساواة، بل ترتبط بالرأسمال الاجتماعي، وبالانتماء إلى شبكات معينة، وبالموقع الطبقي. في حين يستطيع بعض الفاعلين تحويل هذه الممارسات إلى مورد دائم، يجد آخرون أنفسهم أمامها كشرط اضطراري للنفاذ إلى خدمات أو حقوق يفترض أن تكون مكفولة. في هذا المعنى، لا يعمل الفساد فقط على تكريس اللامساواة، بل يستمدّ استمراريته منها أيضاً.

يتيح النظر إلى الفساد بوصفه حياة اجتماعية فهماً أعمق لطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع في تونس. فهو يكشف عن حدود القانون حين يُفصل عن شروط تطبيقه، وعن مفارقات الدولة الحديثة حين تُختزل في إجراءات لا تراعي السياق، وعن الكيفية التي يعيد بها الأفراد تنظيم حياتهم في ظل عدم اليقين. لا يظهر الفساد هنا كحقيقة ثابتة أو كجوهر ثقافي، بل كنتاج تاريخي واجتماعي، يتغير بتغيّر موازين القوة وأنماط الحكم. بهذا الفهم، يصبح الفساد مدخلاً تحليلياً لفهم أوسع لأزمة الدولة، ولمسارات الشرعية، وللتوتر القائم بين المعيار والممارسة. الفساد ليس مجرد مشكلة ينبغي التخلص منها، بل ظاهرة تكشف عن الطريقة التي تُعاش بها الدولة، وتُمارَس بها السلطة، وتُعاد بها صياغة العلاقة بين القانون والمجتمع في تونس المعاصرة.

الفساد بوصفه ممارسة لا استثناء: من الخرق القانوني إلى الروتين اليومي

لا يشتغل الفساد في تونس بوصفه فعلاً استثنائياً يقع على هامش النظام القانوني، بل يظهر، في كثير من الحالات، كجزء من الروتين اليومي الذي تُدار به العلاقة مع الدولة. فبدل أن يُفهم باعتباره خرقاً واضحاً للقاعدة، يتجلّى غالباً كطريقة عملية لتسيير الأمور داخل جهاز إداري كثيف القواعد، بطيء الإيقاع، ومفتوح على التأويل. في هذا السياق، لا يكون السؤال الأساسي هو مدى احترام القانون، بل كيفية التعامل معه، وكيف يمكن جعله «يشتغل» في واقع يُنظر إليه على أنه معقّد وغير قابل للاختزال في النصوص. في التجربة اليومية للمواطنين، لا تُختبر الدولة من خلال المبادئ المجردة، بل عبر مكاتب، ونوافذ، وموظفين، وأختام، وانتظار. هنا تتكوّن معرفة عملية بالقواعد، لا بوصفها أوامر ثابتة، بل كموارد يمكن التفاوض حولها. فالإجراءات الإدارية، على الرغم من صرامتها الشكلية، غالباً ما تُدار عبر منطق مرن يسمح بتجاوز العقبات، تسريع الملفات، أو إعادة ترتيب الأولويات. في هذا الإطار، لا تُمارَس الرشوة أو الوساطة دائماً كفعل غير مشروع واعٍ، بل كامتداد طبيعي لمنطق «التسيير»، حيث يصبح الدفع، أو التدخل، أو الاتصال، جزءاً من مهارات التعامل مع الإدارة.

يتجلّى هذا المنطق بوضوح في قطاعات مثل البلديات، أو الصحة، أو التعليم، أو الخدمات العقارية. فالحصول على رخصة بناء، أو تسوية وضعية عقارية، أو تأمين موعد طبي في مؤسسة عمومية، غالباً ما يمر عبر قنوات غير رسمية تُبرَّر بضغط الوقت، أو نقص الموارد، أو تعقيد الإجراءات. في مثل هذه الحالات، لا يُنظر إلى الفساد كفعل إجرامي، بل كحل عملي في مواجهة جهاز إداري يُدرَك على أنه غير قادر على الاستجابة وفق القواعد المعلنة. وهكذا، يتحوّل الخرق القانوني إلى ممارسة اعتيادية، لا تُثير الاستغراب بقدر ما تُثير السخط حين لا تكون متاحة للجميع. هذا الطابع الاعتيادي للفساد لا يعني غياب الوعي الأخلاقي. على العكس، كثيراً ما يرافق هذه الممارسات خطاب نقدي حاد يدين «الفساد» بوصفه ظاهرة عامة، في الوقت الذي يُمارَس فيه بشكل فردي. هذا التناقض لا يعكس نفاقاً بقدر ما يعكس توتراً بنيوياً بين القاعدة والممارسة. قد يُدين الفرد الفساد كمنظومة، لكنه يجد نفسه مضطراً للتعامل معه كأداة للبقاء أو لتفادي الإقصاء. بهذا المعنى، لا يُفهم الفساد فقط من خلال الأفعال، بل من خلال السياق الذي يجعل هذه الأفعال ممكنة، بل أحياناً ضرورية.

قد يُدين الفرد الفساد كمنظومة، لكنه يجد نفسه مضطراً للتعامل معه كأداة للبقاء أو لتفادي الإقصاء. بهذا المعنى، لا يُفهم الفساد فقط من خلال الأفعال، بل من خلال السياق الذي يجعل هذه الأفعال ممكنة، بل أحياناً ضرورية

كما أنّ الفساد، بوصفه ممارسة يومية، يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالبيروقراطية. فكلما ازدادت كثافة القواعد وتفاصيلها، كلما اتسع هامش التقدير لدى الموظف، وازدادت إمكانية التفاوض غير الرسمي. في تونس، حيث تتعايش قوانين قديمة مع إصلاحات جزئية، وحيث تتغير الإجراءات من دون أن تتغير الممارسات، يصبح الموظف «الشارع-المستوى» فاعلاً مركزياً في تحديد ما يُطبَّق فعلياً. هذا الموقع يمنحه سلطة عملية، لا تُمارَس دائماً بصورة تعسفية، بل تُدمج في منطق التسيير اليومي: تسهيل ملف مقابل خدمة، تسريع إجراء مقابل، أو تعطيل مسار في حال غياب «الحافز». لا يقتصر هذا المنطق على الموظفين، بل يشمل المواطنين أنفسهم، الذين يطوّرون معرفة دقيقة بكيفية عمل الإدارة. هذه المعرفة لا تُكتسب من النصوص، بل من التجربة، ومن تبادل القصص والنصائح: «من يجب الاتصال به»، «ما الذي يُقال»، «متى يُدفع»، «ومتى يُنتظر». هكذا تتكوّن ثقافة عملية للتعامل مع الدولة، يكون فيها الفساد جزءاً من قواعد اللعبة غير المكتوبة. وفي هذا السياق، لا يعود السؤال أخلاقياً صرفاً، بل عملياً: ما الذي ينجح، وما الذي لا ينجح؟

في تونس ما بعد 2011، لم يؤدّ انكشاف الفساد إلى اختفائه، بل إلى إعادة تنظيمه. فمع تصاعد الخطاب المناهض للفساد، وتكثيف الرقابة، انتقلت بعض الممارسات من أشكال مباشرة إلى أخرى أكثر تعقيداً. فبدل الرشوة النقدية، تظهر صيغ جديدة: خدمات متبادلة، تسهيلات مؤجلة، أو استعمال النفوذ عبر شبكات اجتماعية. هذه التحولات لا تعني تراجع الفساد، بل تشير إلى قدرته على التكيّف مع السياق، وإلى كونه ممارسة دينامية تتغير بتغير أدوات الضبط. كما يكشف تحليل الفساد كروتين يومي عن علاقته بالزمن. فالتأخير، والانتظار، وتعليق الملفات، كلها عناصر تُنتج ضغطاً يدفع نحو الحلول غير الرسمية. في كثير من الحالات، لا يكون الدافع هو الربح، بل تفادي الخسارة: خسارة الوقت، الفرصة، أو الحق. في هذا الإطار، يصبح الفساد وسيلة لتسريع الزمن الإداري، لا مجرد وسيلة للكسب. وهذا ما يفسر قبوله الاجتماعي النسبي، خصوصاً حين يُنظر إليه كأداة لتجاوز نظام يُدرَك على أنه غير عقلاني.

ولا يمكن فصل هذا الاشتغال اليومي للفساد عن عدم المساواة. فإمكانية اللجوء إلى الوساطة أو الدفع ليست متاحة للجميع بالقدر نفسه. فالأفراد الذين يملكون شبكات، أو موارد مالية، أو معرفة بالإجراءات، يكونون أكثر قدرة على تحويل القواعد إلى أدوات. في المقابل، يجد الفاعلون الأكثر هشاشة أنفسهم أمام خيارين: إما الامتثال لقواعد بطيئة ومُرهِقة، أو الانخراط في ممارسات قد تضعهم في موقع خطر قانوني. في هذا المعنى، لا يكون الفساد مجرد انحراف، بل آلية تُعيد إنتاج الفوارق الاجتماعية. إن النظر إلى الفساد بوصفه ممارسة يومية يسمح بفهمه خارج ثنائية القانون/الخرق، ويضعه في قلب تحليل الدولة كما تُعاش فعلياً. فهو يكشف عن المسافة بين النص والتطبيق، وعن الطرق التي يُعاد بها تكييف القاعدة مع الواقع، وعن التوتر الدائم بين ما يُفترض أن يكون وما هو ممكن عملياً. في السياق التونسي، لا يظهر الفساد كاستثناء عن الدولة، بل كأحد الأشكال التي تُمارَس بها الدولة في حياتها اليومية، بكل ما يحمله ذلك من تناقضات وحدود.

بهذا المعنى، لا يمكن معالجة الفساد دون فهم منطقه العملي، ولا يمكن اختزاله في إرادة فردية أو خلل أخلاقي. فهو نتاج تفاعل معقّد بين البيروقراطية، والموارد، والزمن، وعدم المساواة، وهو قبل كل شيء ممارسة اجتماعية متجذّرة في الروتين، أكثر مما هو حدث طارئ يمكن عزله أو استئصاله بسهولة.

بين القانون والأخلاق: كيف يُبرَّر الفساد ويُدان في آن واحد؟

لا يكتسب الفساد في تونس دلالته من خرقه للنص القانوني فحسب، بل من موقعه الإشكالي داخل منظومة أخلاقية متنازَع عليها. فالفعل ذاته قد يُدان باعتباره فساداً، ويُبرَّر في الوقت نفسه بوصفه سلوكاً مفهوماً أو حتى مشروعاً اجتماعياً. هذا التناقض لا يعكس ارتباكاً أخلاقياً بقدر ما يكشف عن تعدد المرجعيات التي يُحكَم من خلالها على الأفعال، وعن المسافة القائمة بين القانون بوصفه نظاماً رسمياً، والأخلاق بوصفها ممارسة اجتماعية متجذّرة في التجربة المعيشة. في السياق التونسي، لا يُنظر إلى القانون دائماً باعتباره التعبير النهائي عن العدالة. فكثيراً ما يُفهم بوصفه إطاراً إجرائياً مجرّداً، منفصلاً عن شروط تطبيقه، أو غير قادر على ضمان الإنصاف. من هنا، تتشكّل شرعية أخلاقية موازية، تُستمدّ من معايير مثل النية، والظرف، والاستحقاق، والعلاقات، لا من مطابقة الفعل للنص. هذا الانفصال يسمح بظهور أحكام مزدوجة: الفعل مدان قانونياً، لكنه قد يكون مقبولاً أخلاقياً، أو على الأقل غير مستهجَن اجتماعياً.

تظهر هذه الازدواجية بوضوح في الخطاب اليومي حول الدولة. فالدولة تُوصَف غالباً بأنها فاسدة بوصفها بنية، بينما يُعاد تأويل أفعال الأفراد داخلها بلغة التبرير. يُقال إن «المنظومة فاسدة»، وإنّ الفرد «يتصرّف داخل واقع مفروض عليه». هذا التمييز لا يبرّئ الفعل، لكنه ينقل مركز الإدانة من المستوى الفردي إلى المستوى البنيوي. وبهذا، يصبح الفساد تعبيراً عن اختلال العلاقة بين القانون والعدالة، لا مجرد مسألة أخلاق شخصية. يلعب السياق الاجتماعي دوراً حاسماً في تحديد ما إذا كان الفعل يُدان أو يُبرَّر. فالأفعال لا تُقيَّم في فراغ، بل ضمن شبكات من العلاقات والانتماءات. في تونس، قد يُنظر إلى استعمال النفوذ العائلي أو الجهوي للحصول على خدمة باعتباره «واجباً أخلاقياً» تجاه القريب، في حين يُدان السلوك نفسه حين يُمارَس لصالح شخص غريب. هذا لا يعني غياب القيم، بل وجود أخلاقيات علاقاتية تتقدّم أحياناً على الأخلاقيات القانونية.

كما أنّ مفهوم العدالة ذاته لا يُختزل في احترام القاعدة، بل يرتبط بإحساس بالإنصاف. فحين يُنظر إلى القاعدة على أنها تُنتج ظلماً، أو تُطبَّق بشكل انتقائي، يفقد احترامها قيمته الأخلاقية. في هذه الحالات، لا يُنظر إلى خرق القانون كفعل غير أخلاقي بالضرورة، بل كتصحيح لاختلال سابق. هذا المنطق حاضر بقوة في النقاشات العمومية في تونس، حيث يُستدعى الفساد أحياناً بوصفه نتيجة، لا سبباً، لغياب العدالة. يُنتج هذا الوضع حياة أخلاقية ملتبسة، حيث لا تتطابق الإدانة العلنية مع المواقف العملية. فالأفراد قد يدينون الفساد بوصفه ظاهرة عامة، ويشاركون في ممارسات يُصنّفها القانون ضمن الفساد، من دون أن يشعروا بتناقض جذري. هذا التعايش لا يعكس انفصاماً أخلاقياً، بل تعددية في أنظمة التقييم. فالحكم على الفعل لا يُبنى فقط على «هل هو قانوني؟»، بل على «هل هو عادل؟»، و«هل كان ضرورياً؟»، و«هل أضرّ بالآخرين؟».

في المجال السياسي، يتخذ هذا التوتر بين القانون والأخلاق طابعاً أكثر حدّة. فاتهام الفساد لا يعمل كأداة قانونية فقط، بل كأداة أخلاقية لنزع الشرعية. تُوصَف قوى أو شخصيات بأنها فاسدة ليس بسبب أفعال محددة فقط، بل لأنها تُصنَّف أخلاقياً خارج «الإرادة العامة». في المقابل، قد تُبرَّر أفعال مخالفة للقانون حين تُقدَّم بوصفها ضرورية لتحقيق «مصلحة عليا»، أو لاستعادة العدالة، أو لتصحيح مسار يُنظر إليه كمنحرف. هذا الاستخدام الأخلاقي للفساد يُنتج مفارقة واضحة: القانون يُستدعى حين يخدم خطاب الإدانة، ويُهمَّش حين يُنظر إليه كعائق أمام ما يُقدَّم بوصفه عدالة. في تونس، ظهر هذا المنطق بوضوح في فترات التوتر السياسي، حيث جرى تعليق أو تجاوز قواعد قانونية باسم محاربة الفساد نفسه. هنا، لا يعود الفساد نقيض القانون، بل يدخل في علاقة دائرية معه، يُبرَّر فيها الاستثناء باسم الأخلاق، ويُدان الخرق باسم الشرعية.

مفهوم العدالة ذاته لا يُختزل في احترام القاعدة، بل يرتبط بإحساس بالإنصاف. فحين يُنظر إلى القاعدة على أنها تُنتج ظلماً، أو تُطبَّق بشكل انتقائي، يفقد احترامها قيمته الأخلاقية. في هذه الحالات، لا يُنظر إلى خرق القانون كفعل غير أخلاقي بالضرورة، بل كتصحيح لاختلال سابق

كما تتجلّى هذه الحياة الأخلاقية الملتبسة في علاقة المواطنين بالمؤسسات القضائية. فحين يُنظر إلى القضاء بوصفه غير مستقل، أو مسيّساً، أو غير قادر على حماية الحقوق، تُفصل الأحكام القانونية عن قيمتها الأخلاقية. وقد يُستقبل الحكم القضائي بالتشكيك، لا لأنه خاطئ قانونياً، بل لأنه لا يتطابق مع الإحساس السائد بالعدالة. في هذه الحالات، لا يكون القانون مرجعية أخلاقية، بل موضوعاً للتقويم الأخلاقي. يرتبط هذا الالتباس أيضاً بعدم المساواة. فالأحكام الأخلاقية لا تُطبَّق على الجميع بالدرجة نفسها. فممارسات الفاعلين الأقوياء غالباً ما تُعاد صياغتها بلغة «الإدارة» أو «الواقعية السياسية»، بينما تُدان ممارسات الفاعلين الضعفاء بوصفها فساداً صريحاً. هذا التفاوت لا يعكس فقط اختلالاً في تطبيق القانون، بل في توزيع الشرعية الأخلاقية ذاتها.

يبيّن النظر إلى الفساد من زاوية التوتر بين القانون والأخلاق أنّ الإدانة والتبرير ليسا موقفين متناقضين بالضرورة، بل جزءاً من منطق اجتماعي واحد. فالفساد ليس مجرد خرق للقاعدة، بل موقع تتقاطع فيه تصورات مختلفة عن العدالة، والحق، والمصلحة. وفي السياق التونسي، لا يمكن فهم الفساد من دون فهم هذا التداخل، ودون مساءلة الطريقة التي تُنتج بها الدولة، عبر قوانينها وممارساتها، هذا الانفصال بين الشرعية القانونية والشرعية الأخلاقية.

بهذا المعنى، يكشف الفساد عن أزمة أعمق من مجرد عدم احترام القواعد؛ إنه يكشف عن أزمة في المرجعيات التي يُحتكم إليها للحكم على الأفعال. وهو ما يجعل مقاربته مسألة تحليل اجتماعي وأخلاقي في آن واحد، لا مسألة قانونية تقنية فقط.

البيروقراطية وإدارة الفساد: كيف يُنظَّم الخرق داخل القاعدة

لا يمكن مقاربة العلاقة بين البيروقراطية والفساد في تونس من زاوية السببية المباشرة التي تفترض أن الأولى تُنتج الثاني أو أنّ الفساد يشكّل تشويهاً خارجياً لجهاز إداري يُفترض فيه العقلانية. فالعلاقة بينهما أكثر تداخلاً وتعقيداً، إذ يمكن النظر إلى الفساد بوصفه أحد الأشكال التي تُدار بها البيروقراطية ذاتها، لا نقيضها. داخل هذا المنظور، لا يكون الفساد انقطاعاً عن القاعدة، بل نمطاً خاصاً من تفعيلها، حيث يُعاد تنظيم الخرق داخل منطق القاعدة بدل أن يُلغيه. البيروقراطية، هنا، لا تُخفق في منع الفساد بقدر ما توفّر له الشروط العملية للاستقرار والتكيّف. تشتغل البيروقراطية في تونس في سياق تتراكم فيه النصوص القانونية والإجراءات التفصيلية، مقابل محدودية الموارد، وضغط الطلب الاجتماعي، وضعف القدرة على التنبؤ بسير الملفات. هذا التوتر البنيوي لا يُنتج شللاً كاملاً، بل يفتح مجالاً واسعاً لما يمكن تسميته «الإدارة العملية للاختلال». في هذا المستوى، يصبح الالتزام الحرفي بالقاعدة مستحيلاً في كثير من الحالات، ويغدو الخرق الانتقائي وسيلة لإبقاء الجهاز في حالة اشتغال. الفساد، بهذا المعنى، لا يُفهم بوصفه خياراً أخلاقياً فردياً، بل كحل عملي لمعضلات يومية ناتجة عن فجوة مستمرة بين ما يُطلب من الإدارة وما تستطيع فعلياً إنجازه.

يتجلى هذا المنطق بوضوح في العلاقة بالزمن الإداري. فالوقت ليس عنصراً محايداً في البيروقراطية، بل أداة مركزية لإدارة النفاذ إلى الحقوق. التأخير، وإعادة الإحالة، وتعليق الملفات، ليست دائماً نتيجة إهمال أو سوء نية، بل ممارسات تُستخدم لتنظيم الضغط، وتوزيع الندرة، وترتيب الأولويات. في هذا السياق، يتحول الفساد إلى تقنية لتعديل الزمن: تسريع ما هو بطيء، أو تجاوز مسار طويل، أو اختصار مراحل يُنظر إليها على أنها غير ضرورية. هكذا، لا يعمل الفساد ضد منطق البيروقراطية، بل داخل منطقه الزمني، باعتباره وسيلة لتجاوز انسداداته.

كما أنّ البيروقراطية تُنتج عدم يقين دائماً حول القاعدة ذاتها. فالقانون، على الرغم من حضوره الكثيف، لا يُقدَّم للمواطن بوصفه نظاماً واضحاً وقابلاً للتنبؤ، بل كشبكة معقّدة من الشروط والاستثناءات والتأويلات. هذا الغموض ليس دائماً مقصوداً، لكنه يتحول إلى مورد في الممارسة. فحين لا تكون القاعدة واحدة في تطبيقها، يصبح الخرق قابلاً للتفاوض. في تونس، كثيراً ما يُدرك المواطن أن السؤال ليس «هل يسمح القانون؟» بل «كيف يُطبَّق هنا والآن؟»

في هذا التحول، ينتقل الفساد من كونه مخالفة إلى كونه لغة تعامل مع جهاز يُدرَك على أنه غير شفاف. تلعب البيروقراطية، عبر أدواتها الكتابية، دوراً أساسياً في تنظيم هذا الخرق. فالملفات، والتقارير، والإحصاءات، والنماذج، لا تعكس الواقع الاجتماعي بقدر ما تُعيد صياغته في شكل قابل للإدارة. تُختزل الحالات المعقدة في خانات، وتُحوَّل الحاجات إلى معايير أهلية، وتُفصل القرارات عن آثارها المعيشة. داخل هذا النظام، يصبح الخرق وسيلة لإعادة إدخال ما استُبعد بالكتابة: ظرف خاص، استعجال، أو علاقة اجتماعية لا مكان لها في النموذج الرسمي. الفساد، هنا، لا يُلغي الكتابة البيروقراطية، بل يعمل عبرها: تعديل وثيقة، تسريع توقيع، أو التغاضي عن نقص شكلي.

يؤدي هذا الاشتغال إلى إنتاج عنف غير مباشر، لا يُمارَس عبر المنع الصريح، بل عبر التعقيد. فالبيروقراطية لا تقول «لا» بوضوح، بل تقول «ليس الآن»، أو «الملف ناقص»، أو «ارجع لاحقاً». هذا الأسلوب في الرفض يجعل المسؤولية غير قابلة للتحديد، ويحوّل الحرمان من حق إلى نتيجة طبيعية لمسار إداري طويل. في هذا السياق، يصبح الفساد وسيلة للخروج من دائرة العنف الصامت، لكنه في الوقت ذاته يرسّخها، لأنه لا يغيّر القاعدة بل يلتفّ حولها. وهكذا، يُدار العنف البنيوي عبر حلول فردية، بدل أن يُسائل منطق الجهاز نفسه. من جهة أخرى، تُنتج البيروقراطية تدرّجاً غير معلن في الشرعية. فليس كل خرق يُنظر إليه بالطريقة نفسها. هناك خروقات تُعتبر مفهومة أو ضرورية، وأخرى تُدان بوصفها فساداً فاضحاً. هذا التمييز لا يُبنى على حجم الخرق بقدر ما يُبنى على موقع الفاعل، وعلى كيفية تبرير الفعل داخل منطق التسيير. في تونس، قد يُبرَّر تجاوز إجراء لصالح تسيير مرفق عام، بينما يُدان السلوك نفسه حين يصدر عن فاعل أقل قوة أو أقل اندماجاً في الشبكات الإدارية. هكذا، تُدار الحدود الأخلاقية للفساد داخل البيروقراطية، لا خارجها.

كما أنّ البيروقراطية لا تُقصي الفاعلين الاجتماعيين، بل تُدمجهم في اشتغالها غير الرسمي. المواطنون لا يقفون في مواجهة جهاز مغلق، بل يتعلمون كيفية التعامل معه، وكيفية قراءة إشاراته، ومتى ينتظرون ومتى يتدخلون. هذه المعرفة العملية تُكتسب بالتجربة، وتُتداول اجتماعياً، وتتحول إلى شكل من الرأسمال. في هذا السياق، لا يُنظر إلى الفساد كفعل استثنائي، بل كأحد قواعد اللعبة التي ينبغي فهمها. البيروقراطية، هنا، لا تُفرض من أعلى فقط، بل تُعاد إنتاجها عبر تفاعل يومي بين الإدارة والمجتمع.

يؤدي هذا التفاعل إلى إعادة إنتاج عدم المساواة. فالقدرة على إدارة الفساد ليست متاحة للجميع. من يملك الوقت، والمعرفة، والعلاقات، يستطيع تحويل التعقيد الإداري إلى فرصة. أما من يفتقد هذه الموارد، فيظل أسير المسار الرسمي بكل ما يحمله من تأخير وإقصاء. في تونس، يظهر هذا التفاوت بوضوح في النفاذ إلى الخدمات الاجتماعية، أو في تسوية الوضعيات القانونية، أو في الحصول على تراخيص. الفساد، بهذا المعنى، لا يعمل فقط على خرق القاعدة، بل على إعادة توزيع آثارها بشكل غير متكافئ.

يصبح الفساد وسيلة للخروج من دائرة العنف الصامت، لكنه في الوقت ذاته يرسّخها، لأنه لا يغيّر القاعدة بل يلتفّ حولها. وهكذا، يُدار العنف البنيوي عبر حلول فردية، بدل أن يُسائل منطق الجهاز نفسه

في لحظات التشديد الرقابي أو حملات «مكافحة الفساد»، لا يختفي هذا المنطق، بل يتخذ أشكالاً جديدة. فحين تُراقَب الرشوة المباشرة، تُستبدل بآليات أقل وضوحاً: تعطيل انتقائي، أو اعتماد أكبر على الوساطة، أو إحالة المسؤولية بين مستويات إدارية مختلفة. هذا التحول يؤكد أن الفساد ليس ظاهرة مستقلة، بل وظيفة داخل منظومة. ما يتغير هو شكله، لا موقعه. البيروقراطية، في هذه الحالات، لا تُطهَّر، بل تعيد تنظيم طرق إدارتها للاختلال. يساهم هذا الاشتغال في تفسير مفارقة أساسية: اتساع الخطاب المناهض للفساد، مقابل استمرارية الممارسات. فالإدانة الأخلاقية لا تمسّ جوهر العلاقة بين القاعدة والخرق، بل تُبقيها قائمة عبر الفصل بين «الفساد الكبير» المدان علناً، و«الترتيبات الصغيرة» المقبولة ضمنياً. هذا الفصل يسمح للبيروقراطية بالاستمرار من دون مساءلة عميقة، ويحوّل الفساد إلى مشكلة أشخاص لا مشكلة اشتغال.

إن النظر إلى البيروقراطية بوصفها فضاءً لإدارة الفساد، لا لنفيه، يفتح أفقاً تحليلياً مختلفاً. فهو ينقل السؤال من مستوى السلوك الفردي إلى مستوى المنطق المؤسسي، ومن الإدانة الأخلاقية إلى مساءلة كيفية اشتغال الدولة في تفاصيلها. في هذا الأفق، لا يعود الفساد انحرافاً عن القاعدة، بل نتيجة لطريقة تُصاغ بها القاعدة، وتُطبَّق بها، وتُدار عبرها الندرة والزمن والموارد. ومن دون تفكيك هذا المنطق، سيظل الفساد حاضراً، لا لأنه خارج النظام، بل لأنه جزء من كيفية عمله اليومية.

الفساد من الأسفل: الدولة كما تظهر في الهامش

في الفضاءات الهامشية، حيث تضعف رقابة الدولة أو تتقطع، لا يشتغل الفساد بوصفه استثناءً عن النظام، بل كأحد أنماط انتظامه غير المعلنة. الهامش هنا لا يُفهم فقط كحيّ شعبي أو منطقة حدودية بعيدة عن المركز، بل كحالة بنيوية تتقاطع فيها الهشاشة الاقتصادية مع الغموض القانوني ومع حضور متقطّع للدولة. في هذه السياقات، يتشكّل الفساد لا كمعطى سابق على الدولة، بل كمنتَج لعلاقتها غير المتكافئة بهذه الفضاءات، وكاستجابة عملية لشروط عيش لا توفّر فيها القواعد الرسمية إمكانات البقاء أو الاندماج. تظهر الدولة في الهامش بطريقة مفارِقة: فهي حاضرة بوصفها سلطة تجريم، وغائبة بوصفها إطار حماية. تُستدعى القوانين لتحديد ما هو ممنوع، لكنّها نادراً ما تُستثمر لضمان ما هو ممكن. هذا الحضور الانتقائي يخلق فراغاً عملياً لا يبقى بلا تنظيم، بل يُملأ بأنماط محلية من التدبير، يكون الفساد أحد أعمدتها. في اقتصاد التهريب، مثلاً، لا يُنظر إلى خرق القانون كفعل فوضوي، بل كعمل منظم يخضع لقواعد دقيقة: من يعبر، ومتى، وبأي مقابل، ومن يضمن المرور، ومن يتغاضى. هذه القواعد لا تُكتب، لكنها تُتداول، وتُحترم، وتُعاقَب مخالفتها أحياناً بعنف أشد من عنف القانون الرسمي. في المناطق الحدودية، حيث تتحول الدولة إلى خطّ أكثر منها فضاءً، يصبح التهريب نشاطاً اقتصادياً مركزياً، لا لأنه مربح فقط، بل لأنه متاح. هنا، يتجلى الفساد كوسيط بين عالمين: عالم القانون الذي يجرّم، وعالم الحاجة الذي يفرض نفسه. الرشوة، أو الإتاوة، أو التفاهم، لا تُمارَس بوصفها سرقة للدولة، بل كآلية لإدماج نشاط غير معترف به في نظام ضبط غير رسمي. المفارقة أن هذا النظام لا يعمل ضد الدولة، بل بالتوازي معها، وأحياناً بتواطؤ صامت منها. فالدولة، عبر غضّ الطرف أو التدخل الانتقائي، تساهم في تنظيم ما يُفترض أنها تحاربه.

يتحوّل الفساد في هذه الفضاءات إلى مورد اجتماعي للفئات المهمشة. ليس لأنه يُغنيها، بل لأنه يتيح لها الاستمرار. بيع الخمر خلسة، مثلاً، لا يُختزل في فعل غير أخلاقي أو نشاط إجرامي بسيط، بل يندرج ضمن اقتصاد يومي يوفّر دخلاً حيث تغيب البدائل، ويخلق شبكات حماية متبادلة بين البائعين، والوسطاء، وبعض ممثلي السلطة المحلية. هذا النشاط لا يُمارَس في الظل الكامل، بل في شبه علنٍ يعرف فيه الجميع حدود المسموح وحدود التجاوز. هنا، لا يُلغى القانون، بل يُعاد تعريفه عملياً: ما هو ممنوع نظرياً يصبح «مقبولاً» ضمن شروط، وما هو مسموح قد يصبح مستحيلاً من دون خرق. الهامش، بهذا المعنى، ليس فضاء خارج الدولة، بل أحد مواقع تكوّنها الفعلي. فالدولة لا تُختبَر هنا عبر المؤسسات الكبرى، بل عبر نقاط التفتيش، والدوريات، والمداهمات الموسمية، والصفقات الصغيرة. يظهر وجه الدولة كسلطة متقلبة، لا يمكن التنبؤ بسلوكها، ما يدفع الفاعلين المحليين إلى الاستثمار في الفساد كآلية لتقليل المخاطر. الفساد هنا ليس خياراً أخلاقياً، بل استراتيجية عقلانية في سياق غير عقلاني، حيث القاعدة لا توفّر الأمن، والخرق يوفّر حداً أدنى من الاستقرار.

تكمن المفارقة الأساسية في أنّ هذه الممارسات، على الرغم من طابعها غير القانوني، تُسهم في إعادة إنتاج النظام الاجتماعي بدل تفكيكه. فاقتصاد التهريب، على سبيل المثال، لا يهدّد الدولة بقدر ما يخفف الضغط عنها: يوفّر دخلاً في مناطق تعاني من البطالة، ويحدّ من الانفجار الاجتماعي، ويُبقي الفئات المهمشة مندمجة في علاقة ما بالسلطة، حتى وإن كانت علاقة غير رسمية. في هذا المعنى، يصبح الفساد أداة إدارة للهامش، لا فقط نتيجة لتهميشه. غير أن هذا الاندماج المشروط لا يلغي العنف البنيوي، بل يعيد توزيعه. فالهامش يعيش في وضعية هشّة، حيث يمكن أن يتحول «التسامح» إلى قمع في أي لحظة. المداهمات المفاجئة، أو حملات «تطبيق القانون»، لا تُلغى، بل تُؤجَّل، وتُستعمل لإعادة ضبط التوازنات. هذه اللايقينية الدائمة تجعل الفساد مورداً هشاً، لا يرقى إلى حق، ولا يوفّر حماية قانونية. الفاعلون يعرفون أنهم قابلون للتجريم في أي وقت، لكنهم يقبلون المخاطرة لأن البديل هو الإقصاء الكامل.

في هذا السياق، يُنتج الفساد نوعاً خاصاً من الأخلاق العملية. لا يُدان الفعل لكونه خرقاً للقانون، بل يُقاس بمدى «عدالته» داخل المنظومة غير الرسمية: هل يبالغ في الثمن؟ هل يضرّ بالآخرين؟ هل يخلّ بتوازن محلي؟ تبدأ الإدانة حين يتحول الفساد من مورد مشترك إلى احتكار، أو حين يُستعمل ضد الضعفاء داخل الهامش نفسه. هكذا، لا يغيب الحسّ الأخلاقي، بل يُعاد تشكيله وفق شروط العيش في منطقة رمادية بين القانون والضرورة. تُظهر هذه الديناميات أن الفساد ليس معطى ثابتاً، بل عملية اجتماعية تتشكل في سياق تاريخي وسياسي محدد. في تونس، لا يمكن فصل توسع اقتصاد التهريب أو الأنشطة غير النظامية عن سياسات تنموية غير متكافئة، وعن مركزية الدولة، وعن غياب بدائل اقتصادية في الداخل. الفساد، هنا، ليس سبب التهميش، بل أحد نتائجه التي تحولت إلى مورد. لكنه مورد ملوّث: يتيح البقاء، لكنه يمنع التراكم المستقر، ويُبقي الفئات المعنية رهينة وضعية قانونية هشة.

تبدأ الإدانة حين يتحول الفساد من مورد مشترك إلى احتكار، أو حين يُستعمل ضد الضعفاء داخل الهامش نفسه. هكذا، لا يغيب الحسّ الأخلاقي، بل يُعاد تشكيله وفق شروط العيش في منطقة رمادية بين القانون والضرورة

من زاوية أخرى، يكشف الهامش عن حدود السيادة. فالدولة، حين تظهر فقط كجهاز ضبط، تفقد قدرتها على إنتاج الشرعية. تُطاع ليس لأنها عادلة، بل لأنها قادرة على العقاب. في المقابل، يُتفاوض معها لا بوصفها ممثلاً للخير العام، بل كطرف في معادلة. الفساد يصبح لغة هذا التفاوض، ووسيلة لترجمة السلطة إلى ممارسة ملموسة. هنا، لا تُختزل الدولة في مؤسساتها، بل تُختبر في قدرتها على الغضّ، والتدخل، والانتقاء.

في النهاية، يتيح النظر إلى الفساد من الأسفل فهماً مغايراً للعلاقة بين الدولة والهامش. فالهامش ليس فراغاً خارج النظام، بل مختبراً تتجلى فيه تناقضات الدولة بأوضح صورها. والفساد، بدل أن يكون علامة على غياب الدولة، يكشف عن طريقة حضورها: حضور غير مكتمل، انتقائي، ومتفاوض عليه. إنه منتَج لعلاقة غير متوازنة، تحوّل الخرق إلى مورد، واللاشرعية إلى نمط عيش، وتُبقي الدولة حاضرة بوصفها أفقاً للمنع أكثر منها إطاراً للحق.

خاتمة

لا يقود تحليل الفساد في تونس، حين يُؤخذ بجدّية اجتماعية وتاريخية، إلى إجابة حاسمة بقدر ما يقود إلى انكشاف مفارقات عميقة تطبع علاقة الدولة بالمجتمع. فكلما بدا الفساد ظاهرة واضحة وسهلة الإدانة، ازداد تعقيده بوصفه ممارسة متجذّرة في كيفية اشتغال القاعدة نفسها. لا يظهر الفساد هنا كظلّ للدولة ولا كنقيض لها، بل كأحد أشكال حضورها العملي، خصوصاً حين تُفصل القوانين عن شروط تطبيقها، وحين يتحول التنظيم إلى عبء، والإنصاف إلى وعد مؤجَّل. تكمن إحدى المفارقات الأساسية في أنّ الدولة، التي تُعرِّف ذاتها عبر القانون، تُختبَر يومياً من خلال ما يقع خارجه. فالمواطن لا يلتقي الدولة في نصوصها، بل في فجواتها: في التأخير، والغموض، والتفاوت في التطبيق. هذه الفجوات لا تبقى فراغاً، بل تُملأ بممارسات تُصنَّف رسمياً ضمن الفساد، لكنها تؤدي وظيفة تنظيمية لا يمكن تجاهلها. هكذا، يتحول الخرق من استثناء إلى أداة، ومن انحراف إلى مهارة، ومن إدانة أخلاقية إلى شرط عملي للنفاذ إلى الحقوق.

في هذا السياق، لا يكون السؤال هو لماذا ينتشر الفساد، بل لماذا يستقرّ ويُعاد إنتاجه. فالفساد لا يعيش على هامش النظام فحسب، بل داخل بنيته اليومية، حيث تتقاطع البيروقراطية، والندرة، والزمن، وعدم المساواة. كل محاولة لعزله بوصفه خللاً فردياً أو أخلاقياً تُغفل هذه البنية، وتحوّله إلى مشكلة أشخاص بدل مساءلة طرق الحكم نفسها. المفارقة هنا أنّ الخطاب المناهض للفساد، حين يكتفي بالإدانة، قد يُسهم في إعادة إنتاج الظاهرة التي يدّعي محاربتها، لأنه يترك منطق الاشتغال اليومي للدولة من دون مساس. تتجلى هذه المفارقات بوضوح في الهامش، حيث تظهر الدولة في أقصى حالات عدم الاكتمال. فهناك، لا تُمارَس السيادة بوصفها حضوراً شاملاً، بل بوصفها تدخلاً متقطعاً، وانتقائياً، وأحياناً تعسفياً. يُجرَّم النشاط، لكن لا يُستبدل ببديل؛ تُضبط الحدود، لكن لا تُفتح آفاق العيش؛ يُدان الخرق، لكن تُترك شروطه قائمة. في هذا الفراغ المنظَّم، يتحول الفساد إلى مورد، لا لأنه مرغوب فيه، بل لأنه متاح. المفارقة أنّ ما يُقدَّم رسمياً كتهديد للدولة، يُسهم عملياً في تدبير الهامش، وفي احتواء التوترات الاجتماعية بدل انفجارها.

كما تكشف القراءة من الأسفل أنّ الفساد لا يُنتج فقط علاقات غير مشروعة، بل يُنتج معرفة بالدولة. فالمواطن يتعلّم، عبر التجربة، كيف تشتغل القاعدة فعلياً، ومتى تُطبَّق، ومتى تُعلَّق. هذه المعرفة ليست نظرية، بل عملية، وتُتداول اجتماعياً بوصفها خبرة حياتية. هنا، لا يُنظر إلى الدولة ككيان متعالٍ، بل كمنظومة يمكن التفاوض معها، والتحايل عليها، والعيش داخل تناقضاتها. المفارقة أنّ هذا التعلّم لا يُضعف الدولة بالضرورة، بل يُرسّخ حضورها بوصفها أفقاً لا يمكن تجاوزه، حتى حين يُخرق. في المقابل، لا يؤدي هذا الاشتغال إلى تآكل الحسّ الأخلاقي كما قد يُفترض. بل على العكس، يُعاد تشكيل الأخلاق وفق منطق السياق. يُدان الفساد حين يتحول إلى ابتزاز، أو احتكار، أو وسيلة لإقصاء الأضعف، ويُبرَّر حين يُنظر إليه كحل اضطراري في مواجهة نظام غير منصف. هذه الازدواجية لا تعكس تناقضاً فردياً، بل تعبّر عن تعددية المرجعيات التي يُحكَم من خلالها على الأفعال. المفارقة أنّ الأخلاق لا تختفي، بل تنفصل عن القانون، وتعمل أحياناً ضده حين يُنظر إليه كأداة للظلم.

كما تُظهر هذه القراءة أنّ محاولات ضبط الفساد لا تعمل خارج هذا المنطق، بل داخله. فالتشديد القانوني لا يُلغي الممارسات، بل يدفعها إلى التحول. ما يختفي في العلن يعود في الخفاء، وما يُمنع صراحة يُعاد إنتاجه بصيغ أكثر تعقيداً. المفارقة هنا أنّ الدولة، وهي تسعى إلى تعزيز حضورها عبر الرقابة، قد تُعمِّق المسافة بينها وبين المجتمع، إذا لم ترافق هذا التشديد بإعادة نظر في شروط التطبيق والإنصاف. في هذه الحالات، لا يُعاد بناء الثقة، بل يُعاد تنظيم الخوف. في ضوء ذلك، لا يمكن اختزال الفساد في كونه مشكلة تقنية أو قانونية، ولا في كونه نتاج “ثقافة” ثابتة. إنه ظاهرة تاريخية واجتماعية، تتغير بتغير أنماط الحكم، وتتكيف مع أدوات الضبط، وتكشف عن حدود الدولة كما تُعاش لا كما تُتصوَّر. المفارقة الكبرى أنّ الفساد، الذي يُستدعى بوصفه علامة على فشل الدولة، يكشف في الوقت نفسه عن قدرتها على الاستمرار عبر أشكال غير رسمية من التنظيم. إنه ليس دليل غيابها، بل دليل حضورها الناقص والمتنازع عليه.

بهذا المعنى، يصبح الفساد مدخلاً لتحليل أوسع لأزمة الدولة، لا بوصفها أزمة قانون، بل أزمة علاقة. علاقة بين قاعدة لا تُطبَّق بالتساوي، ومجتمع يتكيّف بدل أن يلتزم، وسلطة تُفضّل الضبط على بناء الثقة. المفارقة أنّ هذه العلاقة، على الرغم من اختلالها، تُنتج نوعاً من الاستقرار الهشّ، يقوم على التفاوض بدل الحق، وعلى الترتيب غير المكتوب بدل العقد الاجتماعي. لا تقود هذه الخاتمة إلى دعوة أخلاقية أو وصفة إصلاحية جاهزة، بل إلى إعادة طرح السؤال: ماذا يعني أن تكون الدولة عادلة، لا قوية فقط؟ وماذا يعني أن يُحترم القانون، لا لأنه مفروض، بل لأنه يُدرَك كمنصف؟ في غياب هذا الأفق، سيظل الفساد حاضراً، لا كاستثناء ينبغي استئصاله، بل كمرآة تعكس الطريقة التي تُدار بها السلطة، وتُعاش بها الدولة، وتُعاد بها صياغة العلاقة بين القاعدة والممارسة في تونس المعاصرة.

    فؤاد غربالي

    أستاذ علم الاجتماع ، تونس