trump & pence

أزمة الليبرالية الجديدة وصعود «المخادع»
تشريح هيكلي للظاهرة الترامبية

  • يظهر جلياً أن «الترامبية» في عهدتها الثانية لم تعد مجرد ظاهرة استثنائية عابرة أو مجرد عَرَض مرتبط بشخصية رئيس نيويوركي مشاكس، بل هي الانعكاس السياسي الصارخ لأزمة هيكلية وعضوية عميقة يعاني منها نموذج الليبرالية الجديدة الذي ساد أميركا والعالم منذ نهاية القرن العشرين. 
  • إن مواجهة الترامبية ومستقبل النظام العالمي لا يكمنان في البكاء على أطلال نظام قديم أثبتت التحولات الواقعية تهافته وعدم قدرته على الاستمرار، بل في صياغة برنامج سياسي واقتصادي جديد وجريء يرسخ توازناً حقيقياً بين التنمية والعدالة الاجتماعية، ويؤسس لنموذج ملموس من «الديمقراطية الاقتصادية». 

شهد مطلع عام 2025 حدثاً مفصلياً في التاريخ الحديث بإعادة انتخاب الملياردير النيويوركي دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة الأميركية. وعلى الرغم من أن القراءات الأولية اختزلت هذا الحدث في سياق المداولة السياسية التقليدية أو نظروا إليه كمجرّد «عودة إلى السلطة» لزعيم مثير للجدل، كشفت التحولات اللاحقة عن زلزال أيديولوجي وجيو-سياسي غير مسبوق تجاوز كل التوقعات، ليكون إيذاناً بـ«تسونامي» أعاد ترتيب رقعة الشطرنج العالمية.

لقد دشّن «ترامب الثاني» قطيعة جذرية ليس مع عقائد السياسة الخارجية الأميركية المستقرة فقط، بل حتى مع نمطية ولايته الأولى، منتقلاً بـ«الدولة الأعظم» من مربّع إدارة المنافسة التقليدية وحماية التحالفات التاريخية تحت مظلة القوانين، إلى عهد جديد يقوم على الواقعية القاسية والبراغماتية النفعية العارية التي لا تعترف إلا بموازين القوى.

ومن خلال تفكيك الالتزامات الاستراتيجية تجاه حلف الناتو، والمقاربة النفعية القسرية لملف الحرب الأوكرانية، وإعادة رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط وفق صفقات أمنية واقتصادية مباشرة؛ يطرح ترامب في عهدته الجديدة نموذجاً للحكم يتجاوز القواعد والمؤسسات الثابتة. ولم تكن عودة ترامب مجرد تبدّل عابر في هوية ساكن البيت الأبيض، بل أصبحت بمنزلة العَرَض الأبرز للتصدّع العضوي في بنية النظام الدولي الليبرالي، ومرحلة انتقالية حاسمة نحو عالم فوضوي متعدد الأقطاب، تحكمه الحسابات المادية وتصادم الإرادات الصلبة للقوى الكبرى.

الجذور التاريخية والصراع بين العولمة والمحافظين

لتفكيك ظاهرة الترامبية وفهم أبعادها العميقة، لا يمكن الاكتفاء بقرائتها كحدث عابر، بل يجب رصد التحولات البنيوية الكبرى التي طرأت على النظام الدولي والسياسة الداخلية للولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، والتي تبلورت عبر مرحلتين تاريخيتين أساسيتين مهدتا الطريق للوضع الراهن، وهما، مرحلة القطبية الثنائية وتوازن القوى (1947–1991)، التي تأسست عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، وتميزت بوجود نظام قطبي متوازن ومحكم تقاسمته الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي كقوتين عظميين قادتا دفة الصراع الأيديولوجي والسياسي والعسكري في العالم. خلال هذه المرحلة، صيغت السياسة الخارجية الأميركية ضمن أطر مؤسسية وتحالفات دولية واضحة تهدف إلى احتواء الخصم الأيديولوجي، ما فرض على واشنطن التزاماً صارماً بالقواعد الدبلوماسية التقليدية ودعم المنظومة الدولية متعددة الأطراف كأداة لشرعنة نفوذها وإدارته. 

وضعت التحولات الجيوسياسية المتسارعة «الدولة العميقة» والنخب المعولمة في واشنطن أمام مأزق تاريخي حقيقي: فإما مواصلة الضغط لفرض الأحادية القطبية بالقوة والمحاصرة السياسية، وإما الاعتراف بحدود القوة الأميركية

وثانياً، مرحلة التفرد والهيمنة أحادية القطب (1991–2024) التي شهدت انهيار المعسكر الاشتراكي وتفكك الاتحاد السوفياتي، ما أفسح المجال للولايات المتحدة للتفرد بالهيغومونيا (الهيمنة) العالمية المطلقة. ومع مطلع التسعينيات، بدأت هذه السيطرة تكتسي صبغة أيديولوجية جديدة عُرفت بـ«الليبرالية اليسارية التقدّمية»، وهي استراتيجية قائمة على تحالف وثيق وزواج مصلحي بين رأس المال الدولي العابر للحدود وبين ثقافة فردية كوزموبوليتانية (عالمية) تدعو للحقوق والحريات الفردية وتجاوز الهويات الوطنية. ولم تكن هذه الرؤية حكراً على الحزب الديمقراطي الأميركي فحسب، بل تبنّاها بحماس تيار «المحافظين الجدد» داخل الحزب الجمهوري. واشترك الطرفان في إيمان راسخ بحتمية النمو الخطي المستمر للاقتصاد المعولم، وتعميم النموذج الأميركي القائم على الديمقراطية التمثيلية، واقتصاد السوق الحر، والتكنولوجيا الرقمية كنموذج إنساني أوحد. وساندت هذه الرؤية بنية تواصلية وتوافقية عميقة قادتها النخب الحاكمة ومؤسسات التوجيه الفكري وأجهزة الإدارة الرسمية، وهو التحالف الذي يشار إليه غالباً بـ«الدولة العميقة». وظلت هذه الاستراتيجية الموجه الأساسي لعهود الرؤساء المتعاقبين من بيل كلينتون، مروراً بجورج بوش الابن، ووصولاً إلى باراك أوباما ثم جو بايدن. 

على الرغم من رواج أطروحة «نهاية التاريخ» لفرانسيس فوكوياما التي بشرت بانتصار الليبرالية الغربية المطلق، إلا أن أصواتاً استشرافية داخل الأوساط الأكاديمية الأميركية، مثل عالم السياسة صامويل هانتنغتون، حذرت مبكراً من وهم هذه المقاربة. وتوقع هانتنغتون حتمية الدخول في طور «صدام الحضارات»، وتراجع العولمة المرتكزة على الغرب لصالح نظام متعدد الأقطاب يعيد الاعتبار للهويات الإقليمية والثقافية. 

ومع دخول القرن الحادي والعشرين، تحولت هذه التوقعات النظرية إلى واقع جيوسياسي ملموس تمثّل في اصطدام استراتيجية العولمة الغربية بعقبات موضوعية وجبهات مقاومة متزامنة أعادت رسم خريطة القوى الدولية. 

فقد خرجت روسيا تدريجياً من عباءة التبعية والتهميش التي فرضت عليها في التسعينيات، وبدأت في إعادة تعزيز سيادتها الوطنية ورؤيتها الأمنية الخاصة بالأمن القومي لمحيطها. وتجلى هذا التوجه بدءاً من كلمة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين التاريخية في مؤتمر ميونيخ للأمن عام 2007، مروراً بأحداث جورجيا عام 2008، وضُم القرم عام 2014، ووصولاً إلى إطلاق العملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا عام 2022، والتي شكلت تحدياً مباشراً وغير مسبوق للمنظومة الأمنية الأطلسية. 

يضاف إلى ذلك، الصعود الصيني المستقل والذكي. فتحت قيادة شي جين بينغ، نجحت الصين في توظيف آليات العولمة الاقتصادية لتعظيم قدراتها الإنتاجية والتكنولوجية، لكنها وضعت في الوقت ذاته خطوطاً حمراء صارمة أمام أي تمدد ليبرالي يهدد سيادتها أو أمنها الداخلي. وطرحت بكين مبادرات كبرى عابرة للقارات مثل «الحزام والطريق»، ما جعلها قطباً اقتصادياً موازياً ينافس بضراوة النفوذ الأميركي في أسواق العالم وداخل النظام المالي الدولي. فضلاً عما شهدته الهند من صعود لافت للتيارات القومية والتقليدية مع وصول رئيس الوزراء ناريندرا مودي إلى السلطة، حيث تبنت نيودلهي سياسة خارجية براغماتية تركز على مصالحها الوطنية العليا والنمو الاقتصادي، رافضة الانصياع التلقائي للإملاءات الغربية ومدافعة عن موقعها كقوة كبرى مستقلة. 

أيضاً، وعلى الرغم من النجاح الرمزي لتكتل «بريكس» في التوسع وجذب دول الجنوب الساعية للتخفيف من الهيمنة النقدية الغربية، أثبت الواقع الميداني حدود هذا التحالف الاستراتيجي. فالتكتل لا يمثل قطباً سياسياً موحداً، بل تجمعاً هجيناً تحكمه التناقضات؛ حيث عجزت عواصمه عن اتخاذ أي تموضع مشترك أو فعال إزاء الحروب المشتعلة في أوكرانيا وغزة ولبنان، أو في مقاربة الملف الإيراني. ويرجع هذا الشلل الجيوسياسي إلى الحذر الصيني البالغ؛ إذ تخشى بكين الانجرار وراء رغبة موسكو وطهران في الصدام المباشر مع الغرب، وتفضل عوضاً عن ذلك حماية مصالحها التجارية الضخمة مع الأسواق الغربية. ويتعاظم هذا الانكفاء الصيني في ظل السياسات المتشددة لإدارة دونالد ترامب، والتي تلوح بفرض تكتلات جمركية خانقة وتصعيد الحرب التجارية ضد بكين. وفي ظل هذا الابتزاز الاقتصادي الأميركي، وغرق روسيا المستمر في مستنقع الحرب الأوكرانية الذي يستنزف ثقلها الدولي، يتراجع زخم «بريكس» السياسي ليتحرك ببطء كبديل نقدي وتجاري تدريجي، عاجز تماماً عن ترجمة وزنه الديمغرافي إلى نفوذ رادع في عالم تحسمه القوة الصلبة وصراعات الأقطاب الكبرى.

وضعت هذه التحولات الجيوسياسية المتسارعة «الدولة العميقة» والنخب المعولمة في واشنطن أمام مأزق تاريخي حقيقي: فإما مواصلة الضغط لفرض الأحادية القطبية بالقوة والمحاصرة السياسية، وإما الاعتراف بحدود القوة الأميركية والتعامل مع واقع دولي تفتتت فيه الهيمنة وبات يتطلب أدوات تفاوضية مختلفة تماماً؛ وهي البيئة التي استثمرها دونالد ترامب ليقدم رؤيته القائمة على الصفقات والبراغماتية بدلاً من الشعارات الدولية الفضفاضة. 

بنية السلطة وآليات إدارة الدولة: الخروج عن النمط التقليدي

لا يمكن اختزال «الترامبية» في مجرد شعارات انتخابية أو اندفاعات فردية، إنما يتعين علينا فحص الهيكل الفعلي لكيفية ممارسة السلطة وإدارة مؤسسات الدولة تحت قيادة دونالد ترامب. ويمكن فهم هذا النموذج عبر تقاطع مفهومين أساسيين في علم الاجتماع السياسي والتحليل المؤسساتي، هما  استقلالية السلطة التنفيذية في ظروف الأزمات، والإدارة القائمة على الولاء الشخصي والشبكات الخاصة. 

يبتعد الأسلوب القائم على «المنفعة المتبادلة» عن القواعد والاتفاقيات الدولية المستقرة، ما يسبّب تصدعات مستمرة مع الشركات العابرة للحدود وقطاعات التكنولوجيا والمال العالمية التي تفضل بيئة قانونية عامة ومتوقعة على الصفقات المخصصة والمتقلبة

ينشأ النمط الأول عندما يمر النظام السياسي بأزمة تمثيل حادة وانقسام عميق داخل النخب التقليدية وصناع القرار، مصحوباً بحالة شلل في معالجة القضايا الاقتصادية والاجتماعية الملحة. وهذا ما تسميه الماركسية البونابرتية (أنظر.ي كتاب كارل ماركس 18 برومير لويس بونابرت). في مثل هذه الظروف، تضيق المساحة البرلمانية والتقليدية لإدارة الخلافات، ما يمنح السلطة التنفيذية، ممثلة في شخص الرئيس، هامشاً واسعاً من الاستقلالية والتحرك الفردي. ولا تهدف هذه الاستقلالية إلى خدمة قطاع محدد من النخبة الاقتصادية بشكل مباشر، بل تهدف إلى تفكيك القواعد القديمة وتسيير الاقتصاد الوطني وفق رؤية جديدة يفرضها الرئيس وحلفاؤه مباشرة.

أمّا النمط الثاني فيتعلق بالطريقة اليومية لإدارة أجهزة الدولة وصناعة القرار، حيث يتم استبدال «السلطة القانونية العقلانية» القائمة على كفاءة البيروقراطية والمؤسسات المحايدة، بنموذج يعتمد على العلاقات والولاءات الشخصية. وتسمى التراثية بالمفهوم الفيبري، وتعني إدارة الدولة كملكية شخصية؛ حيث تُمنح الوظائف بناءً على الولاء المطلق وليس الكفاءة، وتتحول القوانين إلى أدوات للمكاسب الشخصية والصفقات الخاصة. وفي هذا النموذج، يُنظر إلى مفاصل الدولة ومواردها كأدوات قابلة للتوجيه الشخصي والمباشر؛ فيصبح معيار البقاء والتأثير في الدائرة القريبة هو مدى الولاء للرئيس، في حين تمنح المناصب والامتيازات بناءً على هذا المعيار بدلاً من التدرج المهني أو التخصص الفني. 

في خلال ولاية ترامب الأولى، واجه الأسلوب الثاني ممانعة شديدة من جانب المؤسسات الدستورية المستقرة، والمستشارين التقليديين، وقادة الأجهزة العسكرية والاستخباراتية والمدنية المحترفة، الذين وُصفوا آنذاك بـ«العقلاء في الغرفة»، ما كبح جماح هذا التوجه نحو التسيير الشخصي للدولة. غير أن هذا المشهد تغير جذرياً في الولاية الثانية، إذ تلاشت تلك الكوابح والضوابط المؤسساتية إلى حد كبير، ونجحت الإدارة الجديدة في تفكيك مراكز الممانعة البيروقراطية لبناء طاقم تنفيذي يدين بالولاء المباشر والمطلق للرئيس وتوجهاته، ما مهد الطريق لنمط حكم يتسم بتركيز شديد للسلطة الرئاسية وتسييس غير مسبوق للقوانين واللوائح الإدارية. 

ويتجلى هذا السلوك العملي في صياغة السياسات الاقتصادية والتجارية عبر قنوات خاصة ولقاءات فردية، كأن تتم مقايضة الإعفاءات الجمركية أو التسهيلات الضريبية بوعود استثمارية مباشرة في الداخل الأميركي. ويبتعد الأسلوب القائم على «المنفعة المتبادلة» عن القواعد والاتفاقيات الدولية المستقرة، ما يسبّب تصدعات مستمرة مع الشركات العابرة للحدود وقطاعات التكنولوجيا والمال العالمية التي تفضل بيئة قانونية عامة ومتوقعة على الصفقات المخصصة والمتقلبة. 

الأبعاد النفسية والأنثروبولوجية لشخصية ترامب القيادية

لا يمكن عزل صعود ترامب وحفاظه على قاعدة دعم صلبة ومتماسكة عن جاذبيته الشخصية وطبيعة تواصله غير التقليدي مع الجمهور، وهي الخصائص التي تمنحه دوراً فريداً من الناحية الأنثروبولوجية والاجتماعية. 

لا يتجنب ترامب الفضائح السياسية أو الجدل الإعلامي بل يتغذّى عليهما؛ إذ يستغل كل هجوم قانوني أو إعلامي ضده لتعزيز سردية «المستهدف من قبل النخبة المتآمرة»، ما يوثق روابط الانتماء العاطفي والولاء الأعمى بينه وبين قاعدته الانتخابية 

يمثل ترامب تجسيداً سياسياً لنمط «المخادع» (The Trickster) أو «المشاكس» المعروف في الثقافات الإنسانية والأنثروبولوجيا؛ وهو الفاعل الذي يستمد قوته من كسر القواعد المتعارف عليها وخلق فوضى منظمة لإعادة صياغة شروط اللعبة السياسية. ويمنحه هذا الدور ميزة فريدة؛ حيث يُنظر إليه شعبياً كـ«متمرد محارب» يقف وحيداً في مواجهة المنظومة القائمة والمؤسسات التقليدية، على الرغم من كونه في الواقع ملياردير وجزء من النخبة الاقتصادية لعدة عقود قبل دخوله المعترك السياسي. 

وعلى عكس القادة السياسيين التقليديين الذين يعتمدون على الفصاحة والبلاغة اللغوية والخطاب المتوازن، يعتمد ترامب على لغة تواصلية مبسّطة للغاية، ومكرّرة، ومصمّمة لمخاطبة المشاعر المباشرة والمخاوف العميقة لدى مؤيديه. علاوة على ذلك، لا يتجنب ترامب الفضائح السياسية أو الجدل الإعلامي بل يتغذّى عليهما؛ إذ يستغل كل هجوم قانوني أو إعلامي ضده لتعزيز سردية «المستهدف من قبل النخبة المتآمرة»، ما يوثق روابط الانتماء العاطفي والولاء الأعمى بينه وبين قاعدته الانتخابية.

ويشكل الهجوم الممنهج على السياسات الثقافية والاجتماعية التقدمية لليسار الليبرالي، والمعروفة بـ«الووك» أو سياسات التنوع والإنصاف والدمج (DEI)، مرتكزاً أساسياً في خطابه السياسي. فمن خلال مهاجمة هذه المبادئ وتصويرها كـ «هندسة اجتماعية قسرية» تضر بالكفاءة الفردية والاستحقاق الذاتي، يقدم ترامب بديلاً يدمج البراغماتية الشعبية بالواقعية السياسية. ويتحول هذا الطرح في نظر مؤيديه إلى دفاع مشروع عن القيم والمبادئ التقليدية للمجتمع الأميركي ضد ما يعتبرونه تطرفاً ثقافياً تقوده نخب أكاديمية وإعلامية منفصلة عن واقع الحياة اليومية للمواطن العادي. 

تفكيك النظام الدولي والسياسة الخارجية لـ «ترامب الثاني»

شهد العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945 نشوء نظام دولي قائم على القواعد والمؤسسات متعددة الأطراف؛ نظام رعته الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون عبر شبكة معقدة من المعاهدات والأطر التنظيمية والمؤسسات النقدية والأمنية، مثل الأمم المتحدة، وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، ومؤسسات بريتون وودز. ومع صعود إدارة ترامب الثانية، حدث انتقال جذري ومفصلي في السياسة الخارجية الأميركية؛ فلم يعد الأمر يتعلق بمجرد تعديل في الأولويات الدبلوماسية، بل تحوّل إلى عملية تفكيك ممنهج لهذا الإرث المؤسساتي لصالح العودة إلى منطق «الواقعية السياسية للقرن التاسع عشر» (Realpolitik). 

تتسم السياسة الخارجية الحالية بنظرة متباينة للغاية للملفات الساخنة حول العالم، تعكس تخلياً عن العقيدة الأطلسية التقليدية

ترتكز هذه المقاربة الجديدة على مبدأ السيادة المطلقة للقوة، وتقسيم العالم إلى مناطق نفوذ متبادلة بين القوى العظمى، وإبدال القانون الدولي ومنظومته القانونية بصفقات ثنائية مباشرة تقوم على موازين القوى والمقايضات المادية الصارمة.

تميل إدارة «ترامب الثاني» إلى استبدال القنوات الدبلوماسية الرسمية، التي تقودها وزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي، بعلاقات تفاوضية شخصية ومباشرة بين الرئيس ورؤساء الدول الأخرى. وفي هذا الإطار، تم إحلال «الروافع الاقتصادية الجمركية» محل المبادئ الأمنية؛ إذ تحولت الرسوم الجمركية والتهديد بفرض العقوبات التجارية من مجرد أدوات اقتصادية إلى أدوات ضغط سياسي واستراتيجي مستمر لانتزاع تنازلات مباشرة. يقلل هذا النمط من دور المؤسسات الاستخباراتية والأمنية المستقلة في صياغة القرار الخارجي، ويعيد إنتاج السياسة الخارجية كملف تجاري تفاوضي يديره الرئيس وفريقه المقرب كصفقات خاصة. 

تتسم السياسة الخارجية الحالية بنظرة متباينة للغاية للملفات الساخنة حول العالم، تعكس تخلياً عن العقيدة الأطلسية التقليدية. 

في الملف الأوكراني، تشهد المقاربة الأميركية تحولاً جذرياً؛ إذ تبذل إدارة «ترامب الثاني» ضغوطاً حثيثة لإنهاء الحرب الروسية-الأوكرانية وإجبار الطرفين على الجلوس إلى طاولة المفاوضات. تنطلق هذه الرؤية من قناعة ترامب وفريقه بأن هذا الصراع يمثل عبئاً مالياً وجيوسياسياً ضخماً تبنته النخب المعولمة والإدارة الديمقراطية السابقة دون عائد ملموس على المصالح الأميركية. ولم تعد واشنطن تقارب هذا الملف من منظور قانوني يتعلق بـ «سيادة الدول»، بل بمنظور «تجاري نفعي» يسعى إلى فرض خطط سلام قسرية؛ تقوم على «تجميد الواقع الميداني» والمقايضة على الحدود السياسية الحالية، مع التلويح المستمر بقطع المساعدات عن كييف لنقل التزاماتها الأمنية والمالية بالكامل إلى عاتق الاتحاد الأوروبي. ومع ذلك، تصطدم هذه الرغبة الترامبية في إبرام «صفقة سريعة» بالواقعية الصلبة والحسابات الاستراتيجية للكرملين؛ إذ يرفض الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أي تجميد مؤقت للنزاع لا يضمن تحقيق أهدافه العسكرية والسياسية كاملة. ويصر بوتين على شروط ميدانية قاسية تشمل اعترافاً دولياً شاملاً بضم الأقاليم الأوكرانية الأربعة، وإنهاء أي طموح لكييف للانضمام إلى حلف الناتو.ومن هنا يبرز التعارض: فبينما يريد ترامب تسوية تجارية تخلّص أميركا من أعباء الملف لتتفرغ للمحيط الهادئ والصين، يستغل بوتين زخم الميدان ويسعى لتحويل أي تفاوض إلى أداة لانتزاع تنازلات استراتيجية كبرى وتكريس واقع جيوسياسي جديد، متجاوزاً منطق الصفقات السطحية التي يعرضها البيت الأبيض.

أما في الشرق الأوسط فتتبنّى واشنطن انحيازاً استراتيجياً راسخاً للتوجهات الأساسية لحكومة بنيامين نتنياهو، يتجلى في دعم مشروعات التوسع الإقليمي، وتجاوز الصيغ الدبلوماسية التقليدية كحل الدولتين لصالح مسارات تطبيع أمني واقتصادي يعيد رسم خريطة النفوذ في المنطقة. ومع ذلك، فإن هذا الانحياز لا يعكس تطابقاً تاماً في الملفات الإقليمية الكبرى؛ إذ يبرز خلاف حاد وتعارض تكتيكي بين الطرفين بخصوص التعامل مع إيران ولبنان. فبينما تسعى الإدارة الأميركية إلى كبح جماح التصعيد وصياغة تفاهمات دبلوماسية تضمن إنهاء العمليات العسكرية وتأمين الملاحة الدولية، يصر نتنياهو على استغلال قوة الردع لفرض وقائع ميدانية جديدة في لبنان واستمرار ضرب العمق الإيراني، متجاوزاً التحذيرات والخطوط الحمراء التي تضعها واشنطن للحفاظ على توازن استقرار المنطقة.

وثمة محاور أساسية تفسر الخلاف الراهن. فبينما تدعم واشنطن إسرائيل عسكرياً بشكل كامل، إلا أن الجبهة الإيرانية كشفت عن تباين عميق في الحسابات الاستراتيجية. تدرك إدارة ترامب أن الدخول في حرب شاملة ومفتوحة مع إيران يهدد الاقتصاد العالمي، وأمن الملاحة في الخليج ومضيق هرمز. لذا، تسعى واشنطن جاهدة لترسيخ تفاهمات سياسية ودبلوماسية (مثل «مذكرة التفاهم» ومفاوضات روما وقطر) للوصول إلى صيغة إنهاء الحرب والحد من التصعيد. فيما يرى نتنياهو في هذه اللحظة التاريخية فرصة لتقويض النظام الإيراني وتدمير منشآته الحيوية بشكل كامل، ويعتبر أي تفاهمات أميركية-إيرانية بمثابة "طوق نجاة" لطهران، وهو ما دفع إسرائيل أحياناً لتنفيذ ضربات مفاجئة (في طهران والضاحية) لإحراج الإدارة الأميركية وعرقلة مسار مفاوضاتها. 

إلى ذلك، يمثل لبنان حقل الألغام الأوضح الذي تتقاطع فيه الضغوط الأميركية مع العناد الإسرائيلي. تضغط واشنطن من أجل تطبيق «اتفاق إطار» أو تفاهمات برعاية دولية تضمن انسحاباً تدريجياً لإسرائيل من «المناطق التجريبية» في الجنوب مقابل ترتيبات أمنية طويلة المدى تضمن سيادة الدولة اللبنانية. واشنطن تريد «فصل الملف اللبناني» لتهدئة الساحة. في المقابل، يرفض نتنياهو وحكومته ربط التهدئة في لبنان بالمسار الإيراني العام. إسرائيل تصر على مواصلة عملياتها العسكرية واختراق الأجواء والحدود اللبنانية بذريعة «فرض شروطها الأمنية» ومنع إحياء القوة العسكرية لحزب الله، ما يضع الإدارة الأميركية في موقف حرج ويظهرها بمظهر العاجز عن كبح جماح حليفها. 

أيضاً، يمثل التعامل الترامبي مع حلف شمال الأطلسي (الناتو) ذروة الانتقال من «مأسسة العلاقات» إلى «منطق الصفقات». فلم تعد واشنطن ترى في الحلف ركيزة استراتيجية للحفاظ على التفوق الغربي، بل عبئاً مالياً تلتزم فيه أميركا بحماية حلفاء لا يقدمون مقابلاً مكافئاً. ومن خلال استبدال العقيدة الأطلسية التقليدية ببراغامتية «أميركا أولاً»، فكك ترامب مفهوم «الدفاع الجماعي التلقائي» ليعوضه بـ«الأمن المشروط»؛ ما جعل الحلف أداة ضغط أميركية لابتزاز أوروبا اقتصادياً وتوجيه سياستها التجارية بما يخدم المصالح الأميركية، تاركاً خاصرة أوروبا الشرقية في مهب الهواجس الأمنية المباشرة.

إلى ذلك، تجد القارة الأوروبية نفسها اليوم في مواجهة أزمة وجودية حقيقية لعلها الأشد عمقاً وتأثيراً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فمع التراجع الفعلي لواشنطن عن تقديم ضماناتها الأمنية التلقائية والتقليدية التي كفلها حلف الناتو لعقود، انقشعت المظلة الدفاعية الأميركية. لقد أخرجت إدارة «ترامب الثاني» حلف الناتو من سياقه الاستراتيجي كحلف سياسي وعسكري قائم على القيم الغربية المشتركة والدفاع الجماعي (المادة الخامسة)، وحوّلته إلى ما يشبه «شركة تأمين تجارية» تخضع لابتزاز مالي مباشر؛ حيث تُقايض واشنطن الحماية العسكرية بمدى التزام العواصم الأوروبية بزيادة إنفاقها الدفاعي وشراء السلاح الأميركي، بل وتلويح ترامب برفع الحماية عن الدول «المتقاعسة» مالياً. هذا المأزق التاريخي يفرض على العواصم الأوروبية لزاماً التخلي عن تموضعها كـ«تابع آمن» والاندفاع الحثيث نحو صياغة «سيادة استراتيجية» حقيقية.

آليات الاستجابة السياسية والمجتمعية البديلة

أمام هذا التحول الترامبي العميق، والمدعوم من تيارات وقوى محافظة متشددة تعتمد على وثائق ورؤى منهجية مثل «مشروع 2025» الصادر عن مؤسسة «هيريتيج» الفكرية، شهد الشارع الأميركي حراكاً ومظاهرات شعبية واسعة، كحملات «لا ملوك» (No Kings) والدفاع عن مكتسبات الضمان الاجتماعي والصحي. ومع ذلك، يكشف تحليل هذا المشهد الاحتجاجي عن ثغرات استراتيجية في طريقة تعاطي القوى المعارضة، ما يفرض إعادة التفكير في أدوات التغيير وفق محورين عمليين. 

السياسات الاقتصادية والخدمية التي تبنتها النخبة الديمقراطية لعقود، واتسمت بالتقشف وإهمال القطاعات الخدمية والصناعية المحلية، هي التي أوجدت بالأساس حالة التهميش الاقتصادي والاجتماعي التي غذّت الصعود الشعبي للترامبية

أولاً، تجاوز حماية «الوضع القائم» نحو بناء بدائل اقتصادية ملموسة. تثبت التجربة الواقعية أن المراهنة التقليدية للقوى المعارضة لترامب على مجرد التحالف مع الحزب الديمقراطي والمؤسسات الليبرالية القائمة تحت شعار «إنقاذ الديمقراطية» قد وصلت إلى طريق مسدود. فالسياسات الاقتصادية والخدمية التي تبنتها النخبة الديمقراطية لعقود، واتسمت بالتقشف وإهمال القطاعات الخدمية والصناعية المحلية، هي التي أوجدت بالأساس حالة التهميش الاقتصادي والاجتماعي التي غذّت الصعود الشعبي للترامبية. ولذلك، فإن الحاجة باتت ملحة لبناء تنظيمات ومؤسسات تمثيلية مستقلة تركز بصورة مباشرة على تلبية المصالح المادية المباشرة للشرائح الاجتماعية الأكثر تضرراً، بدلاً من الاكتفاء بالدفاع عن نظام سياسي مأزوم ومرفوض شعبياً. 

ثانياً، من الاحتجاجات الموسمية إلى العمل التنظيمي المستدام. يتضح من قراءة الحراكات المدنية أن الاعتماد على موجات التظاهر العفوية والمسيرات الموسمية المؤقتة يظل قاصراً عن إحداث تأثير حقيقي مستدام؛ إذ سرعان ما تتلاشى طاقة الشارع دون تحقيق نتائج ملموسة ما لم يتم تأطيرها ومأسستها داخل هياكل دائمة. هذا التأطير يعني بناء أدوات تنظيمية فاعلة تعبر عن شواغل المواطنين اليومية، مثل نقابات وروابط المستأجرين لمواجهة أزمات السكن، ولجان الدفاع عن حقوق العاملين في مواقع الإنتاج. 

وقد تجسدت جدوى هذه المقاربة في تجارب سياسية واعدة، مثل تجربة زهران ممداني وحملته الناجحة في نيويورك وصعوده كشخصية قيادية ذات برنامج اجتماعي واضح. فقد أثبتت هذه النماذج أن النجاح في استعادة القواعد الشعبية وبناء حائط صد حقيقي يتطلب تركيزاً كاملاً على العمل القاعدي والارتباط العضوي بالقطاعات المهنية والخدمية الاستراتيجية، كالرعاية الصحية والخدمات اللوجستية والنقل، بدلاً من الغرق في حملات انتخابية فردية معزولة تفتقر إلى حاضنة تنظيمية مستمرة تدعمها على الأرض. 

ما بعد الترامبية والبحث عن بدائل تاريخية

في التحليل الأخير، يظهر جلياً أن «الترامبية» في عهدتها الثانية لم تعد مجرد ظاهرة استثنائية عابرة أو مجرد عَرَض مرتبط بشخصية رئيس نيويوركي مشاكس، بل هي الانعكاس السياسي الصارخ لأزمة هيكلية وعضوية عميقة يعاني منها نموذج الليبرالية الجديدة الذي ساد أميركا والعالم منذ نهاية القرن العشرين. 

وعلى الصعيد الدولي، يضع هذا التحول الجذري والبراغماتي العاري الجميع أمام حقائق جيوسياسية جديدة؛ فأوروبا الغارقة في مأزقها الوجودي تبحث ببطء عن سيادة استراتيجية متعثرة جراء تصدع العقيدة الأطلسية، وتكتل «بريكس» يراوح مكانه كبديل مالي وتجاري فضفاض، عاجز عن صياغة موقف سياسي موحد تجاه الأزمات الكبرى نتيجة الحذر الصيني الحاد من الابتزاز الجمركي لإدارة ترامب، والاستنزاف الروسي المستمر في الميدان الأوكراني.  يثبت هذا المشهد العالمي المأزوم أن هدم القواعد والمؤسسات الدولية المشتركة قد فتح الباب على مصراعيه لعصر القوة الصلبة والصفقات الفردية القاسية. 

ومع ذلك، فإن هذا التداعي العالمي ما هو إلا انعكاس مباشر لمعقل الأزمة ومختبرها الأول في الداخل الأميركي؛ حيث تكشف العودة الترامبية المدعومة بـ«مشروع 2025» أن مواجهة هذا المد لن تتحقق بالمراهنة العبثية والتقليدية على إنعاش الخطاب الليبرالي القديم، أو مجرد الالتفاف حول الحزب الديمقراطي لحماية المنظومة القائمة؛ فالسياسات الاقتصادية والخدمية القائمة على التقشف وإهمال القطاعات الصناعية المحلية هي التي غدّت الصعود الشعبي للترامبية بالأساس. 

بناءً على ذلك، تتلخص المهمة التاريخية والملحة للقوى البديلة داخل المجتمع الأميركي اليوم في تجاوز أساليب الاحتجاج العفوية والموسمية التي سرعان ما تتلاشى من دون أثر مستدام، والاندفاع نحو بناء تنظيمات ومؤسسات تمثيلية مستقلة ومؤطرة داخل هياكل دائمة. إن حائط الصد الحقيقي لاستعادة القواعد الشعبية يبدأ من «العمل القاعدي والارتباط العضوي» بالشرائح الاجتماعية الأكثر تضرراً داخل مواقع الإنتاج وفي قطاعات الخدمات الاستراتيجية، كالرعاية الصحية والنقل واللوجستيات، عبر أدوات تنظيمية تلامس المصالح المادية المباشرة للمواطن، مثل روابط المستأجرين لمواجهة أزمة السكن ونقابات العمال للدفاع عن الحقوق المهنية. 

إن مواجهة الترامبية ومستقبل النظام العالمي لا يكمنان في البكاء على أطلال نظام قديم أثبتت التحولات الواقعية تهافته وعدم قدرته على الاستمرار، بل في صياغة برنامج سياسي واقتصادي جديد وجريء قادر على التغلغل في العمق الأميركي؛ برنامج يرسخ توازناً حقيقياً بين التنمية والعدالة الاجتماعية، ويؤسس لنموذج ملموس من «الديمقراطية الاقتصادية» التي تضع تطلعات ومصالح الفئات الشعبية الواسعة في صدارة أولوياتها وفي قلب صناعة القرار. 

    سعود المولى

    أستاذ علم الاجتماع والإبيتمولوجيا ومناهج البحث السوسيولوجي في الجامعة اللبنانية (1983- 2013)، أستاذ زائر في عدد من الجامعات في أميركا وفرنسا، باحث أول ومدير قسم الترجمة في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (2013- 2017)، أستاذ زائر في برامج السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية في معهد الدوحة للدراسات العليا (2017- 2023). زميل أول زائر في مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية (2024-).