رأسمالية «الشوغر دادي»
- مراجعة لكتاب بيتر فليمنغ «رأسمالية الشوگر دادي: الوجه المظلم للاقتصاد الجديد»، تشرح كيف تحوّلت وعود الحرية والمرونة والاستقلال في سوق العمل النيوليبرالي إلى غطاء لنزع الحماية الاجتماعية وتعميم الهشاشة وتعميق اختلال موازين القوة بين العامل وصاحب العمل. وتقرأ «الأوبرة» والعمل عبر المنصات بوصفهما امتداداً لهذا التحول، حيث يُحمّل العامل المخاطر والتكاليف فيما تتسع قدرة رأس المال على مراقبته وإخضاعه والتحكم في حياته المهنية والشخصية.
في عام 2019، قدّم المخرج السينمائي البريطاني كين لوتش فيلمه Sorry We Missed You، الذي تدور أحداثه حول سائق توصيل طلبات يدعى ريكي، يوقّع عقداً للعمل الحر، ويُقال له بموجبه إنه أصبح سيد نفسه، وشريكاً يتمتع بامتيازات، و«مالكاً لعمله الخاص»، لا موظفاً لدى الشركة. غير أنه يكتشف تدريجياً الفخ النيوليبرالي الذي وقع فيه، وأن هذه الشراكة المزعومة لا تحميه حين يُصاب أو يمرض أو يحتاج إلى يوم راحة، وأن الحرية الموعودة في «اقتصاد المنصات» غالباً ما تعني حرية العامل في تحمّل المخاطر وحده، بعدما صار موظفاً لدى خوارزمية، يقضي غالبية ساعات يومه في تفقّد هاتفه، مترقّباً وصول أي إشعار من التطبيق يمنحه طلبية أخيرة تُنقذ مردود يومه من الخسارة.
يكاد الفيلم يكون وثيقة سينمائية تشرح بدقة كيف يتحوّل سحر شعارات الحرية والمرونة والاستقلال الوظيفي المزعومة إلى عبودية خوارزمية مغلّفة بشعارات الرأسمالية النيوليبرالية، في تجسيد حرفي، وإن كان غير متفق عليه، لما سبق أن تناوله الاقتصادي وعالم الاجتماع البريطاني بيتر فليمنغ 1 في كتابه «رأسمالية الشوگر دادي: الوجه المظلم للاقتصاد الجديد» (Sugar Daddy Capitalism: The Dark Side of the New Economy)، عن تطور ديناميات بيئة العمل في القرن الحادي والعشرين، وحظي، منذ صدوره عام 2018، باهتمام واسع بوصفه إضافة جريئة إلى أدبيات النقد الاجتماعي للرأسمالية المعاصرة.
حلم كينز الطوباوي
قدّم بيتر فليمنغ في أطروحته ما يشبه تشريحاً أخلاقياً يربط بين الفضائح الأخلاقية الكبرى وهشاشة الهياكل النيوليبرالية، التي تُنتج أشكالاً من الخضوع تعيد تشكيل طبيعة العمل ومكانه وشكل العلاقة بين صاحب العمل والعامل، بما يتجاوز البُعد الاقتصادي، وتُنتج أبشع صور الاستغلال والتمييز والتحيّز والتعسّف خلف الأبواب المغلقة.
أصبحت علاقات القوة غير المتكافئة المشابهة، التي تُقايَض فيها الخدمات العاطفية والجسدية بالأمان الوظيفي والمستقبل المهني، جزءاً من التنظيم المؤسساتي للعمل نفسه
تجبرنا أفكار كتاب «رأسمالية الشوگر دادي» على استرجاع مفارقة تاريخية بدأت قبل نحو قرن من الزمن، حين كتب الاقتصادي جون ماينارد كينز مقالته «الإمكانات الاقتصادية لأحفادنا» (Economic Possibilities for Our Grandchildren)، المنشورة عام 1930، وخلص فيها إلى أن التقدّم التكنولوجي سيؤدي إلى مضاعفة حجم الإنتاجية، ما سيحرّر البشر تدريجياً من عبء العمل القسري، بعدما يصلون إلى حدّ الكفاية، فيبدأون بالتفكير في أوجه أخرى غير مادية للحياة، ويخصّصون وقتاً أطول للراحة وتلقّي الفنون المختلفة، ليعيشوا حياة أكثر إنسانية. وتنبّأ كينز بأن يصبح أسبوع العمل مكوّناً من 15 ساعة، في تعبير عن تفاؤل عَمِدَ إلى إعادة توزيع ثمار النمو نحو تحقيق جودة الحياة، بدلاً من الركض وراء التراكم المستمر.
غير أن هذا الحلم الطوباوي لم يتحقق بمرور الزمن، بفعل صعود الرأسمالية النيوليبرالية التي تمجّد العمل المتواصل بوصفه فضيلة، فأعادت توجيه المكاسب الإنتاجية نحو مزيد من الاستهلاك، وبالتالي زادت ساعات العمل لمواجهة تنامي الرغبة في الشراء وحب الامتلاك، بدلاً من تقليصها لصالح الوقت الحر. وتوحّشت النيوليبرالية أكثر، وباتت تطالب العاملين بتحقيق فائض قيمة غير اقتصادي، يتمثّل في تقديم تنازلات أخلاقية وعاطفية وجسدية كشرط لبقائهم في العمل.
عصر رأسمالية الشوگر دادي
من هذا المنظور، وبعد مرور قرابة 88 عاماً على حلم كينز الطوباوي، انطلق بيتر فليمنغ في كتابه، مستعيراً مصطلح «الشوگر دادي» من عالم المواعدة، وموظفاً إياه كمفتاح تحليلي لفهم ما يحدث في سوق العمل داخل الاقتصاد النيوليبرالي الأوسع. ففي الثقافة الشعبية المعاصرة، يشير المصطلح إلى رجل ثري كبير في السن يدخل في علاقة مالية-جنسية غير متكافئة مع شريكة أصغر منه سناً، مقدّماً لها مبلغاً محسوباً من المال والامتيازات، يكفي لإبقائها واقفة على قدميها، في ظل ظروف من الخضوع الشديد والنزوات التي يصعب التنبؤ بها، بهدف فرض السيطرة والتبعية العاطفية، وأحياناً القرب الجسدي.
ويؤكد فليمنغ أن هذه الممارسة، بعيداً من كونها مجرد سلوك فردي غير أخلاقي، تعكس الميكانيكيات الهيكلية السائدة في سوق العمل الحديث، مثل الاختلالات الصارخة في موازين القوى، والهشاشة المالية العميقة، ووهم الشراكة الطوعية، والتسليع الجائر للذات البشرية.
ولعل قوة استخدام صورة «الشوگر دادي» تكمن في بساطتها المجازية؛ إذ يُظهر بيتر فليمنغ من خلالها كيف أصبحت علاقات القوة غير المتكافئة المشابهة، التي تُقايَض فيها الخدمات العاطفية والجسدية بالأمان الوظيفي والمستقبل المهني، جزءاً من التنظيم المؤسساتي للعمل نفسه. ويبرهن على ذلك باستحضار الكثير من القصص الحقيقية، ليؤكد أن ما يبدو فضيحة أخلاقية داخل بيئة العمل ليس سوى تبعات لآليات أعمق في بنية الاقتصاد الحديث، حوّلت المكاسب الإنتاجية إلى أدوات للتحكّم الاجتماعي في العاملين، لا إلى وقت أطول للراحة والترفيه، كما تخيّل كينز في ثلاثينيات القرن المنقضي.
الابتزاز الأخلاقي داخل بيئة العمل
لإثبات أن علاقة القوة غير المتكافئة بين صاحب العمل والعامل ليست مجرد تشبيه مجازي، يستهل المؤلف كتابه «رأسمالية الشوگر دادي» بنموذج إيبستيني موغل في الوضاعة، متمثلاً في فضيحة المنتج الهوليوودي هارفي واينستين في خريف عام 2017، التي تُعدّ واحدة من أشهر الفضائح في عالم الأعمال. وقد بدا معها أن العالم يواجه أزمة أخلاقية تتعلق بالتحرش الجنسي واستغلال النفوذ، بعدما ساهمت الشهادات المنشورة عن سوء سلوك المنتج السينمائي في الانتشار العالمي السريع لحركة #MeToo، عقب إدانته بارتكاب جرائم جنسية بحق ممثلات طامحات إلى النجومية وموظفات في شركته، مستغلاً سلطته الاقتصادية المطلقة وقدرته على تدمير مسيرتهن المهنية لضمان صمتهن، ومستفيداً من هشاشة وضعهن داخل سوق عمل شديدة المرونة، إلى درجة تجعل استبدالهن بأخريات يمتلكن المهارات نفسها ويتقاضين أجوراً أقل أمراً بالغ السهولة.
عندما يكون سؤال «الجوع أم البقاء؟» همّاً يومياً، يصبح الاختيار الحر من المستحيلات في ظل غياب النقابات العمالية وضعف قوانين العمل
بيد أن فليمنغ يرى أن الاقتصار على إدانة الفرد يخفي وراءه السؤال الأكثر أهمية: ما الذي يجعل هذا النوع من السلوك ممكناً ومتكرراً داخل بيئات العمل؟ في هذا الإطار، يربط بين نموذج «الشوگر دادي» وسوق عمل مرن يفتقر إلى الحماية القانونية، حيث تتحوّل هشاشة العمالة، من النساء والموظفين المؤقتين، إلى ورقة ابتزاز تُستخدم لفرض الإذعان كشرط للاستمرار في العمل، أو الحصول على ترقية أو امتيازات مهنية. فالمشكلة ليست في الأشخاص وحدهم، وإنما في النظام الاقتصادي السائد حالياً، الذي يمنح أصحاب العمل قدرة هائلة على التحكم في مصائر العاملين. وكلما ازدادت هشاشة الوظائف واتسعت الفجوة بين المدير والموظف، أصبح العامل أكثر استعداداً لقبول ما لم يكن ليقبله في ظروف أكثر عدلاً.
ويشير فليمنغ في كتابه «رأسمالية الشوگر دادي» إلى أن هذه الدينامية لا تقتصر على صناعة السينما فحسب، وإنما تمتد إلى ساحات السياسة، حيث تواجه مساعدات البرلمان البريطاني واقعاً مشابهاً بسبب طبيعة عقودهنّ المؤقتة التي تحرمهنّ من وسائل الحماية. ويؤكد أن هذا الوضع انعكاس لما أسماه «اقتصاديات الدناءة»، التي حوّلت القوة الاقتصادية إلى أداة للابتزاز الأخلاقي داخل بيئة العمل. فعندما يكون سؤال «الجوع أم البقاء؟» همّاً يومياً، يصبح الاختيار الحر من المستحيلات في ظل غياب النقابات العمالية وضعف قوانين العمل. فيقول: «إن السبب الرئيس الذي يجعل الناس يتحمّلون تقلبات ما يمكن تسميته اقتصاداً داخلياً مظلماً (أي غير رسمي وتعسفي) يعمل حالياً في ظلال الرأسمالية النيوليبرالية يتمثل في اضطرارهم إلى ذلك. ثمة خيارات قليلة، لأن الفشل في التملق لرئيسك أو التظاهر بالانقياد أو تحمّل المضايقة يمكن أن يؤدي إلى العوز».
وعليه، يسود منطق «الشوگر دادي» الذي يمنع ويمنح ما يشاء كيفما يشاء، ويدمج الاستغلال الجنسي والسلطوي داخل بيئة العمل. وهو ما تدعمه الأرقام العالمية؛ فقد كشفت أول دراسة استقصائية عالمية معمقة لمنظمة العمل الدولية عن العنف والتحرش في عالم العمل لعامي 2022 و2024،2 أن أكثر من شخص واحد من كل 5 أشخاص في سوق العمل، أي ما يقارب 23% من القوى العاملة العالمية، تعرضوا لشكل واحد على الأقل من أشكال العنف والتحرش خلال حياتهم المهنية.
تبعات نزع الرسمية
تشكل فكرة «نزع الرسمية»، عبر التفكيك المتعمد للوائح التنظيمية التقليدية في مكان العمل، وعقود التوظيف المعيارية، ونقابات العمال، تحت ستار الاستقلالية والمرونة، مفهوماً محورياً في أطروحة فليمنغ. ويوضح أن تخليص الاقتصاد المعاصر من «الروتين الحكومي» والبيروقراطية الإدارية لم يحرّر القوى العاملة، بل على العكس تماماً، جرّدها من آليات الحماية الأساسية. وينتقد فليمنغ الخطاب النيوليبرالي الذي يصوّر العامل بوصفه رائد أعمال نفسه، يتمتع بحرية كاملة، ويرى أن هذه الحرية غالباً ما تكون وهمية، لأن الخيارات الحقيقية تضيق تحت ضغط الديون وارتفاع تكاليف المعيشة وانعدام الاستقرار الوظيفي. وهكذا يتحوّل الاختيار الحر إلى استجابة للإكراه الاقتصادي.
ويتناول فليمنغ كذلك مسألة غلاء الإيجارات السكنية، مشيراً إلى أن الشباب لم يعودوا قادرين على امتلاك منزل أو بناء استقرار اقتصادي طويل الأجل، بل باتوا يعيشون في دوامة من الإيجارات والديون والعمل المؤقت، على نحو يجعلهم أكثر اعتماداً على أصحاب رأس المال وأقل قدرة على رفض ظروف العمل المجحفة. ويؤدي ذلك إلى إعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية نفسها؛ فكلما ازداد انعدام الأمن الاقتصادي، أصبح الأفراد أكثر استعداداً لقبول التنازلات، سواء في العمل أو في حياتهم الخاصة، لأن البديل قد يكون البطالة أو الفقر.
انهيار العقد الاجتماعي
يفسّر فليمنغ هذه الوقائع بوصفها نتيجة تحوّل تاريخي أوسع في العلاقة بين رأس المال وقوة العمل في الاقتصاد الرسمي. ومن هنا ينتقل من دراسة حالات الابتزاز إلى تتبع انهيار العقد الاجتماعي الذي حكم سوق العمل طوال القرن العشرين؛ فنراه يستعرض آليات السيطرة والإخضاع في ظل بيئة العمل الحديثة بوصفها جزءاً من انهيار ذلك العقد الاجتماعي، الذي بُني على فلسفة نموذج «الأبوية المؤسسية»، حيث يُعدّ العامل جزءاً من عائلة الشركة، ويُمنح راتباً ثابتاً ومستقراً، وتأميناً صحياً، ومعاشاً تقاعدياً، ورصيد إجازات مدفوعة الأجر، مقابل ولائه المطلق والتزامه بالعمل.
فنجد، على سبيل المثال، أن هنري فورد أطلق عام 1914 نموذج «يوم العمل بـ5 دولارات، ومناوبة العمل 8 ساعات». وقبل هذا التغيير، كان عمال شركة فورد يتقاضون عادةً ما يزيد قليلاً على دولارين مقابل نوبة عمل مدتها 9 ساعات، ما شكّل تحولاً جذرياً في ممارسات العمل والعلاقة بين أصحاب العمل والعمال، ومنح العمال استقراراً اجتماعياً ورفع قدرتهم الشرائية، ليتمكنوا من شراء السيارات التي يصنعونها.
فقد عمل نموذج «الأبوية المؤسسية» كاستراتيجية ذكية، مفادها أن العامل المستقر مادياً ونفسياً ليس سوى عامل أكثر إنتاجية وأقل ميلاً إلى الاستقالة أو الإضراب، على نحو جعل حلم العامل في خمسينيات القرن الماضي أن يصبح «رجل المؤسسة»، بحسب توصيف الصحافي الأميركي ويليام إتش. وايت في كتابه المنشور عام 1956، والذي حمل العنوان نفسه. والمفارقة هنا أن هذا النموذج، على الرغم مما حمله من نزعة أبوية وقيود على الفرد، كان يقدّم للعامل شيئاً فقده تماماً في عالم اليوم، ألا وهو الشعور بالاستقرار والانتماء.
الشباب لم يعودوا قادرين على امتلاك منزل أو بناء استقرار اقتصادي طويل الأجل، بل باتوا يعيشون في دوامة من الإيجارات والديون والعمل المؤقت، على نحو يجعلهم أكثر اعتماداً على أصحاب رأس المال
إذ استُبدل هذا النموذج اليوم بـ«الشوگر دادي» من أصحاب الشركات الناشئة في وادي السيليكون ومالكي المنصات الرقمية للعمل الحر، الذين لا يريدون موظفين ثابتين بعقود عمل واضحة البنود، وإنما طبقة من المستقلين أطلق عليها الاقتصادي البريطاني غاي ستاندينغ اسم «البريكاريا»، بالدمج بين كلمتي «هش» و«بروليتاريا»، ليعكس انعدام الأمان الوظيفي وغياب الاستقرار، واصفاً ظهور طبقة عمّالية جديدة ناشئة عن العولمة وتحوّلات سوق العمل، تعتمد على العمل المؤقت أو الحر أو عقود «الفريلانس»، ولا تشعر بالانتماء إلى مهنة، وإنما إلى مهام عمل متقطعة تفتقر إلى المنافع الاجتماعية المشتركة، حيث يُحمّل العمّال المستقلون جميع التكاليف والمخاطر، في مقابل وعود زائفة بالحرية الفردية والاستقلالية، وبامتلاك القدرة على تحصيل الدخل الفوري بلمسة زر.
وقد حذّر ستاندينغ من أن هذه الطبقة العاملة الجديدة، حين تشعر بالغضب ويتراكم رفضها من دون أفق سياسي واضح، قد تتحوّل إلى وقود لإثارة الخطابات المتطرفة وقيام الحركات الشعبوية، بما يهدد الاستقرار الديمقراطي والمجتمعي. وهي قراءة سياسية تضيف بُعداً لم يتوسع فيه فليمنغ كثيراً، إذ ركّز الأخير على الجانب الأخلاقي والنفسي لتبعات الاستغلال أكثر من الجانب السياسي لتبعاته.
سيطرة نظام الأوبرة
وهكذا، إذا كانت البريكاريا هي الطبقة العاملة الجديدة، فإن ما يسميه فليمنغ نظام «الأوبرة» (Uberization) يشكّل النموذج الاقتصادي والأيديولوجي الذي جسّد منطق «الشوگر دادي» وفرضه على بيئة العمل الحديثة، بعدما أصبحت شركة «أوبر» رمزاً لنموذج «اقتصاد العمل المؤقت» أو «اقتصاد العمل الحر»، الذي يعتمد على تجزئة العمل إلى مهام صغيرة ومؤقتة، واستبدال الضمانات الاجتماعية بوعود زائفة بالحرية، مصحوبة ببعض الامتيازات الشكلية، مثل مساحة عمل أنيقة تضم كراسي قابلة للنفخ، إلى جانب ركن لشرب القهوة مجاناً واشتراك ترفيهي في نتفليكس.
غير أن الشركات المالكة لمنصات العمل الحر ترفع أيديها تماماً عن أي التزام حقيقي تجاه إصابات العمل، أو تأمين معاشات التقاعد، أو حتى الحق في يوم عطلة مدفوع الأجر، بينما تُخضع العمال لمراقبة دقيقة ولحظية عبر «الإشعارات» وتقييمات التطبيق. وفي الوقت نفسه، تطالبهم بحب العمل والتفاني فيه إلى أقصى درجة، ودمج هويتهم الشخصية في العلامة التجارية للشركة المالكة للمنصة الرقمية، وذلك حتى تمنحهم الفتات، داعية إياهم إلى الامتنان لأنها أتاحت لهم فرصة العمل الحر عبر منصتها، ما يضع العمال في وضع وظيفي هش يشبه علاقة التبعية غير المتكافئة.
الفرق الوحيد أن «السوط» الذي كان يلوّح به مراقب العمال في المصنع استُبدل بإشعارات تلاحق العامل المستقل حتى في أوقات الراحة داخل غرفة نومه، بعدما أقنعه «الشوگر دادي» بأنه مدير نفسه وأن مرونة أوقات العمل ممكنة
ويستحضر هذا المشهد عوالم تشارلز ديكنز في روايته «أوقات عصيبة» (Hard Times)، حيث تتحول مدينة «كوكتاون»3 الصناعية إلى آلة طاحنة تُختزل فيها إنسانية العامل إلى رقم إنتاجي. إذ ليس هناك فرق كبير بين عمال النسيج في الرواية المنشورة عام 1854 وبين سائقي «أوبر» أو المبرمجين المستقلين على منصة Upwork اليوم. والفرق الوحيد أن «السوط» الذي كان يلوّح به مراقب العمال في المصنع استُبدل بإشعارات تلاحق العامل المستقل حتى في أوقات الراحة داخل غرفة نومه، بعدما أقنعه «الشوگر دادي» بأنه مدير نفسه وأن مرونة أوقات العمل ممكنة، بينما الحقيقة أن منصة العمل الحر التي يملكها تتحكم فيه وفقاً لقواعد اللعبة التي وضعتها منذ البداية. ولهذا يشبّه فليمنغ هذا الواقع بعلاقة «الشوگر دادي» الذي يقدّم وعوداً دائمة بالحرية، في مقابل اعتماد متزايد على الطرف الأقوى.
العصر المظلم الجديد
يُحيل فليمنغ هذا الواقع إلى الإرث الفكري لمدرسة شيكاغو الاقتصادية اليمينية وقادتها، مِمَن حلموا بمجتمع يكون فيه منطق المال والمصلحة الذاتية الرابطين الوحيدين بين أفراده، فوق أي اعتبارات إنسانية أو اعتبارات تتعلق بجودة الحياة. ويجادل بأن المشروع النيوليبرالي، الذي بشّر به فريدريك هايك في كتابه الشهير «الطريق إلى العبودية» (The Road to Serfdom)، المنشور عام 1944، والقائل إن تحرير الأسواق من قبضة الدولة يضمن تحقيق الحرية الفردية، أفضى إلى نتيجة معاكسة تماماً، قادتنا إلى «عصر مظلم جديد»، بفعل الأسواق الحرة التي تسلّلت إلى أدق تفاصيل الحياة الشخصية، حتى غرفة النوم، حين تُؤجَّر لغريب عبر منصة رقمية، أو حين تُستبدل بخدمات ذات طابع جنسي في اقتصاد الظل.
إذ يرى فليمنغ أن تطبيق هذه الأفكار دفع نحو إلغاء التنظيم واللامركزية الاقتصادية، وحرّر الرأسمالية من رقابة الحكومة؛ ففُكّكت بموجبها النقابات، وأُلغيت العقود الدائمة، وقُلّصت الحماية الاجتماعية، ما أدى إلى الاغتراب واستغلال الأضعف وطمس الحدود بين الحياة الاقتصادية والشخصية، بصورة «سيئة السمعة» أحياناً. وكل ذلك تحت شعار تحرير الفرد من قيود البيروقراطية، على نحو جعل الموظّف وحيداً في مواجهة استغلال أصحاب العمل، إذ يقول: «إن ما يجعل الرأسمالية النيوليبرالية الجديدة مزعجة بشكل خاص في صياغتها الحالية يتمثل في الطريقة التي تمزج فيها هذه العزلة الفردية بالقلق الاقتصادي».
وهنا يلاحظ فليمنغ أن الغرب شهد ظواهر مشابهة من قبل، خلال فترة «العصر المذهب»4 في الولايات المتحدة الأميركية، الذي اتسم بالاستغلال. أي إن أطروحته ليست جديدة كلياً، بل تمثل عودة إلى نمط تاريخي معروف، سبق أن أشار إليه كارل بولاني في كتابه «التحول العظيم» (The Great Transformation)، المنشور عام 1944، الذي وصف فيه الاضطراب الاجتماعي الذي رافق نشوء نظام السوق الحر وآلياته، موضحاً أنه، من أجل إفساح المجال لعقلانية السوق، كان لا بد من تفكيك آليات التضامن الاجتماعي، أي إن الاقتصاد كان لا بد أن يُنتزع من نسيج المجتمع، ما نتج عنه أزمات كبرى مثل الكساد العظيم وظهور الفاشية والحرب العالمية الثانية.
وعلى الرغم من أن فليمنغ يركز على النيوليبرالية المعاصرة، ويكتب في سياق ما بعد الأزمة المالية عام 2008 واقتصاد المنصات، فإن جذور تحليله تمتد إلى النقد الماركسي الكلاسيكي للاغتراب، حيث يفقد العامل سيطرته على منتَج عمله وعلى ذاته في آن واحد. ولا يمكن الحديث عن هذا المعنى من دون استحضار فيلم شارلي شابلن (Modern Times) من إنتاج عام 1936، الذي تحوّل فيه جسد العامل حرفياً إلى ترس في آلة الإنتاج، إلى حد أن حركاته العصبية التكرارية تستمر حتى خارج المصنع. فنجد أن فليمنغ يحدّث هذا المشهد في ضوء تطورات بيئة العمل الرقمية في القرن الحادي والعشرين؛ إذ إن العامل الرقمي اليوم لا تبتلعه آلة واحدة مرئية، وإنما خوارزمية لامرئية تقيّم أداءه لحظياً عبر تطبيق هاتفه، الذي تحولت شاشته إلى خط التجميع الجديد. هكذا تحقق حلم كينز معكوساً.
هل من مخرج؟
في عصره، قال الكاتب الروسي ليو تولستوي: «إننا نعيش في عصر النظام والثقافة والحضارة، لكننا ما زلنا بعيدين عن العيش في عصر الأخلاق. ففي ظل وضع البشر الحالي يمكن القول إن سعادة الدول تنمو جنباً إلى جنب مع شقاء البشر: ألم نكن أسعد في الحالة البدائية، عندما لم تكن لدينا ثقافة، مما نحن عليه الآن؟». وهو الجرح ذاته الذي يفتحه بيتر فليمنغ في أطروحته عن «رأسمالية الشوگر دادي»؛ ففي ظل الاقتصاد المعاصر، تتصاعد مؤشرات النمو الاقتصادي على حساب استنزاف الإنسان، الذي أصبح أكثر هشاشة ووحدةً واعتماداً على أصحاب السلطة والثروة عقب نفاد طاقته النفسية، ما يغذّي لديه شعوراً بالحنين إلى الماضي، وتحديداً إلى حقبة «العصر المذهّب»، التي يُنظر إليها اليوم باعتبارها درّة زمن الأبوية المؤسسية والعقد الاجتماعي، فيما يُطمس تاريخها بوصفها عصراً للفساد السياسي الصارخ، والتفاوت الاجتماعي الحاد، والفقر المدقع للمهاجرين الجدد والمزارعين، وسطوة الاحتكارات، واستغلال العمالة في ظروف عمل قاسية، بما في ذلك عمالة النساء والأطفال، وسحق النقابات، من أجل مراكمة الثروة في أيدي قلّة رأسمالية استطاعت تحويل نفوذها الاقتصادي إلى سلطة سياسية واجتماعية وثقافية.
المشكلة لا تكمن في أخلاق أصحاب العمل وحدهم، بل في اقتصاد سياسي أعاد تصميم سوق العمل بحيث أصبحت الهشاشة خصيصته التشغيلية الأهم، أي القاعدة لا الاستثناء، ليغدو الاستغلال نتيجة منطقية لبنية النظام التي جعلت من السلعة المعيار الوحيد لقيمة الإنسان
أمام هذا التشريح القاسي لما آلت إليه «رأسمالية الشوگر دادي»، يبرز السؤال: هل أُغلق باب الخروج تماماً، أم أن هناك أفقاً لإعادة بناء بيئة عمل إنسانية؟ غير أن فليمنغ لا يقدّم حلولاً حاسمة؛ فتشخيصه للأزمة يبدو أكثر تفصيلاً من المقترحات التي قدّمها للحل. وهذا ليس قصوراً شخصياً بقدر ما هو انعكاس لموقفه الفكري، كونه ناقداً ثقافياً-أخلاقياً أكثر منه مصمم سياسات. فلا يناقش بعمق كيف يمكن تنظيم اقتصاد المنصات، أو تطوير تشريعات للعمل الرقمي، أو إعادة بناء النقابات بما يتلاءم مع الاقتصاد الجديد؛ إذ يترك القارئ أمام أسئلة كبرى أكثر مما يقدّم إجابات نهائية، موضحاً أن الأزمة أيديولوجية وبنيوية، فيقول: «من المؤكد أن النظام الاجتماعي والاقتصادي المعاصر في حالة سيئة، لكن ما يعد أكثر إثارة للقلق أن الاتجاهات التي نوقشت في هذا الكتاب لم تتطور بشكل كامل حتى الآن، إذ يمكن أن تزداد الأمور سوءاً في حالة عدم اتخاذ تدابير تصحيحية». وهو ما يعكس نقاشاً أوسع بين من يرى أن مشكلة النيوليبرالية بنيوية تستوجب تفكيك المنطق السوقي نفسه، ومن يراها إجرائية تحتاج إلى تنظيم أفضل، لا إلى نبذ الحرية الاقتصادية.
وعلى الرغم من القوة التفسيرية لأطروحة فليمنغ، فإنها ليست بمنأى عن النقد؛ فنجد أن استعارة «الشوگر دادي» تكشف اختلال موازين القوى داخل سوق العمل، غير أنها تختزل تعقيدات الرأسمالية المعاصرة في صورة واحدة. فإذا كانت كل علاقة عمل غير متكافئة تشبه علاقة «الشوگر دادي»، فهل نفقد القدرة على التمييز بين درجات الاستغلال المختلفة؟ هناك فرق بين شركة تمارس الابتزاز الجنسي، وأخرى توفّر ظروف عمل سيئة وتنتهك حقوق العمال، وثالثة تقدّم أجوراً منخفضة مع التزامها بقوانين العمل. كما أن المشكلة لا تكمن في أخلاق أصحاب العمل وحدهم، بل في اقتصاد سياسي أعاد تصميم سوق العمل بحيث أصبحت الهشاشة خصيصته التشغيلية الأهم، أي القاعدة لا الاستثناء، ليغدو الاستغلال نتيجة منطقية لبنية النظام التي جعلت من السلعة المعيار الوحيد لقيمة الإنسان.
وتغرق أطروحة فليمنغ في التمركز الغربي، بناءً على خبرة أوروبا الغربية وأميركا الشمالية، لكن الواقع يقضي بأن الرأسمالية الأميركية ليست الرأسمالية الألمانية، كما أن كليهما يختلف عن رأسمالية دول الجنوب. فإذا كانت «الأوبرة» في الغرب قد فككت عقود «الأبوية المؤسسية» التي تمتّع بها الموظف طوال القرن العشرين، فإن الوضع في اقتصادات الجنوب العالمي والدول النامية يأخذ بُعداً أكثر قسوة؛ ففي مصر أو الهند أو نيجيريا مثلاً، لم يوجد أصلاً ذلك العقد الاجتماعي الذي يتحدث عنه فليمنغ بالشكل الذي عرفته دول أوروبا الغربية. وهنا تجدر الإشارة إلى أن استعارة فليمنغ قوية أدبياً، لكنها قد تتحول إلى عدسة ترى كل شيء باللون نفسه.
في النهاية، تعد تجربة ريكي، بطل فيلم Sorry We Missed You، الشاهد الحي على ما تفعله «رأسمالية الشوگر دادي» بحياة ملايين العمال يومياً؛ حيث تُسلب من الإنسان كرامته واستقراره، ليُترك وحيداً خائفاً في مواجهة الخوارزمية، منتظراً معجزة تنقذه من الفخ النيوليبرالي الرقمي، أو عقداً اجتماعياً جديداً يعيد إليه إنسانيته المهدورة. فالخروج من هذا «العصر المظلم الجديد» لن يتأتى بانتظار شفقة الرأسمالية الرقمية أو هبات صانعيها، وإنما يبدأ من الاعتراف بأن الهشاشة التي يعاني منها عمال «البريكاريا» ليست سوى خيار سياسي واقتصادي، صيغ بعناية من أجل تحقيق مزيد من التراكم الرأسمالي بعيداً عن كل القيم الأخلاقية والإنسانية، مع ضرورة إعادة التفكير في مفهوم العمل ذاته، حتى لا يكون سوطاً يطارد الإنسان في أدق تفاصيل حياته. وإلى أن يحدث ذلك، سيبقى النضال من أجل عقد اجتماعي جديد السبيل الوحيد لاستعادة إنسانية العمال والخروج من تحت عباءة «الشوگر دادي»، الذي يقدّم الوهم في يد، ويُمسك بالسوط في اليد الأخرى.
- 1
بيتر فليمنغ، أكاديمي وعالم اجتماع واقتصادي أسترالي بارز، شغل مناصب أكاديمية في عدد من الجامعات البريطانية والأسترالية المرموقة، من بينها جامعة سيتي لندن وجامعة التكنولوجيا في سيدني. ويُعدّ أحد أبرز الأصوات النقدية المعاصرة في مجال سوسيولوجيا العمل الحديث في ظل الرأسمالية المتأخرة. وله مؤلفات تهتم بتحليل آثار النيوليبرالية على بيئة العمل وثقافة الشركات والهوية المهنية، تُرجم منها إلى العربية كتاب «الأسوأ لم يأت بعد: دليل ما بعد رأسمالي للنجاة» وكتاب «رأسمالية الشوگر دادي: الوجه المظلم للاقتصاد الحديث».
- 2
نُشرت النتائج التفصيلية للمسح الميداني الشامل في نهاية عام 2022، وتبنّتها منظمة العمل الدولية في تقاريرها اللاحقة لعام 2024 بوصفها قاعدة بيانات أساسية لبناء سياسات السلامة والصحة المهنية لمكافحة العنف في بيئات العمل الحديثة.
- 3
كوكتاون: مدينة صناعية خيالية في شمال إنكلترا، ابتكرها الكاتب تشارلز ديكنز لتكون مسرحاً لأحداث روايته الشهيرة «أوقات عصيبة» (Hard Times)، التي نُشرت عام 1854.
- 4
العصر المذهّب: فترة في التاريخ الأميركي امتدت من سبعينيات القرن التاسع عشر حتى عام 1900 تقريباً، وشهدت نمواً اقتصادياً هائلاً وصعوداً لعمالقة الصناعة، لكنها اقترنت بفساد سياسي وتفاوت طبقي حاد وظروف عمل قاسية. وصاغ المصطلح الأديب الأميركي الشهير مارك توين في روايته «العصر المذهّب: حكاية اليوم» (The Gilded Age: A Tale of Today)، المنشورة عام 1873، ليصف مجتمعاً يبدو من الخارج براقاً كالذهب، بينما يخفي في داخله أزمات اجتماعية واقتصادية عميقة. (لمزيد من التفاصيل، يُرجى الاطلاع على الفصل الأول من كتاب «الحركة التقدمية في أميركا: مقدمة قصيرة جداً»).