كيف نقرأ «تاريخ القبح» اليوم؟
- مراجعة لكتاب أومبرتو إيكو «تاريخ القبح» تتتبع كيف لم يكن القبح يوماً مجرد نقيض للجمال، بل بناءً ثقافياً يكشف ما تستبعده المجتمعات وتخشاه وتضعه خارج حدود المقبول. وفي عصر يحوّل الجمال إلى صناعة، لا تختفي الأشياء التي نعدّها قبيحة بقدر ما يجري إصلاحها أو إخفاؤها أو دفعها إلى الهامش، فيما نواصل استهلاك صور الخراب والعنف والقبح بلا انقطاع.
«الجمال محدود، أما القبح فلا نهائي كالله». بهذه العبارة يلخص أومبرتو إيكو مشروع كتابه «تاريخ القبح» (On Ugliness). فالقبح في نظره ليس نقيض الجمال، ولا مجرد غيابه، بل فئة جمالية مستقلة تتجاوز التصنيفات، مشحونة عاطفياً ومتغيرة ثقافياً. فإذا كان الجمال يخضع لقواعد يمكن وصفها وقياسها كالتناسب والانسجام والتوازن، فإن القبح يتخذ أشكالاً متنوعة، فهو قد يكون مشوهاً، بشعاً أو مرعباً أو غريباً أو مقززاً أو مبتذلاً. «الجمال يفرض قواعد، أما القبح فلا يملك قانوناً واحداً»، يكتب إيكو ويضرب مثالًا بسيطاً يكشف هذا الاختلاف: الأنف الجميل يمكن وصفه بسهولة، أما الأنف القبيح «فقد يكون بطول أنف بينوكيو، أو بحجم خرطوم فيل».
صدر «تاريخ القبح» (2007) بعد كتابه «تاريخ الجمال» لكنه ليس الوجه المظلم من المشروع، بقدر ما يمثل امتداداً له. فإذا كان الكتاب الأول يتتبع تاريخ المُثل الجمالية للبشرية، فإن الثاني يفصل كل ما استبعدته الحضارات من تصورها للجمال: الوحوش، والشياطين، والخطاة، والجثث، والتشوهات، والجنون، والتحلل والموت. من خلال استعراض لوحات عصر النهضة والنحت الإغريقي والأدب والأساطير والسينما والثقافة الشعبية، يبيّن إيكو أن القبح ليس حقيقة ثابتة بل بناء ثقافي متغير، فما تعتبره حضارة تشوهاً قد تراه أخرى علامة على الأصالة، وما يرفضه جيل باعتباره معيباً أو ناقصاً قد يحتفي به جيل آخر باعتباره مثيراً للفضول وحتى الجمال. كما يلاحظ: «إذا كان تاريخ الجمال يمكن أن يُروى من خلال النماذج التي سعت كل حضارة إلى محاكاتها، فإن تاريخ القبح يُروى من خلال الأشياء التي حاولت كل حضارة استبعادها أو الخوف منها».
لا تتعلّق رؤية إيكو للقبح، في جوهرها، بالجماليات بقدر ما تتعلق بالتصنيف، فالوحوش مخيفة ليس لأنها قبيحة أو منفرة بل لأنها كما يكتب «تهدّد الحدود التي نعتمد عليها لفهم العالم». إنها كائنات تقع بين الفئات، فهي نصف بشرية ونصف حيوانية، حية وميتة. ولهذا ظل القبح نقيض النظام، فهو يُقلق بدلاً من أن يُطمئن، ويربك الفروق بين المقدس والمدنس والإنسان والوحش والمضحك والمرعب. ومن هنا، يكشف «تاريخ القبح» تدريجياً عن نفسه كتاريخ لمخاوف البشرية المتغيّرة أكثر منه تاريخاً للتشوهات. ففي مرحلة تاريخية احتل الوحش موقع القبح، وفي أخرى أصبح التشوه الجسدي علامة على الخطيئة، ومن ثم ظهرت أهوال الجحيم والطاعون الموت. أما العصر الحديث فقد أعاد تعريف القبح مرة أخرى، فلم يعد يقيم خارج المجتمع، بل انبثق من داخله في الجنون، والاغتراب، والحروب الصناعية، والقدرات التدميرية للحضارة الحديثة نفسها.
القبح ليس حقيقة ثابتة بل بناء ثقافي متغير، فما تعتبره حضارة تشوهاً قد تراه أخرى علامة على الأصالة، وما يرفضه جيل باعتباره معيباً أو ناقصاً قد يحتفي به جيل آخر باعتباره مثيراً للفضول وحتى الجمال
ولكن القبح عند إيكو ليس موضوعاً للخوف وحده، بل «مصدراً للمتعة الجمالية» كذلك، فقد يثير الجسد المتحلل أو الجحيم كما في لوحات هيرونيموس بوش، الخوف أو الاشمئزاز في النفس، لكن تمثيلها الفني قد يكون بالغ الجمال. وانطلاقاً من تقليد يعود إلى أرسطو، «حتى قبح الحياة يمكن تمثيله بصورة جميلة». ولا تتوقف هذه المتعة عند الصورة بل تمتد إلى السرد نفسه. تُسهب الروايات التاريخية في وصف الإعدامات والتعذيب والتشويه بتفاصيل مذهلة. ويشير إيكو إلى أن المؤرخين يبدون عاجزين عن مقاومة المبالغة في وصف مشاهد العنف بطريقة تتجاوز بكثير ما تتطلبه الوثائق التاريخية. ويورد مثلاً الوصف المطول الذي يقدمه المؤرخ البيزنطي نيكيتاس خونياتيس لتعذيب الإمبراطور أندرونيكوس: الأسنان المقتلعة، والعين المفقوءة، والجسد المعلق من قدميه، والأعضاء التناسلية المشوهة والطعنات المثقوبة بالاسياخ. لا يورد إيكو هذه النصوص بوصفها وثائق تاريخية بل لأنها تكشف أن الإنسان يرفض القبح وفي الوقت نفسه يجد متعة في تأمله ووصفه وإعادة إنتاجه.
في «تاريخ القبح» لا يدين الوجه القبيح صاحبه وحده بل روحه أيضاً. يشير إيكو إلى نزعة قديمة تتمثل في اعتبار القبح الجسدي دليلاً على الفساد الأخلاقي، فعلى مر التاريخ، تم اعتبار القبح الجسدي على أنه علامة خارجية على الخطيئة أو الشر أو الانحراف، مثلاً صوّر فن العصور الوسطى الساحرات بأنوف طويلة معوجة، والخونة بوجوه مشوهة، كما لو أن الشر يشوّه الجسد بطبيعته. ورثت الأدبيات اللاحقة المنطق نفسه، حيث يظهر الأشرار بندوب أو هيئات بشعة بينما تبدو الفضيلة جميلة ومتناسقة، وهكذا أصبح القبح أكثر من مجرد حكم جمالي، بل أصبح حكم أخلاقي. في عصرنا، لم يعد القبح يقرأ بوصفه دليلاً على فساد أخلاقي، بقدر اعتباره فشل فردي، حيث يُنظر إلى مظاهر الإرهاق والشيخوخة والسمنة ليس فقط كحالات صحية، بل كعلامات على عدم المسؤولية الشخصية أو التقصير في العناية بالنفس. وبهذا المعنى، يندمج الحكم الجمالي تدريجياً مع الحكم الاقتصادي: يُصبح تحسين الجسد والمظهر مشروعاً مستمراً من يعجز عن مواكبته يتم وصمه بأنه أقل نجاحاً أو استحقاقاً.
ولكن إذا كان كل عصر يبتدع قبحه الخاص، فما الذي اختار عصرنا استبعاده؟ الإجابة اقتصادية بقدر ما هي جمالية، فالنظام الرأسمالي المعاصر لا يربح من بيع الجمال وحده، بل كذلك من خلال إعادة تعريف ما يُعتبر عيباً أو نقصاً، فكل تعريف أو معيار جديد للجمال يخلق في المقابل تعريفاً جديداً لما هو بشع ولما ينبغي إصلاحه. من مستحضرات التجميل، والطب التجميلي، وبرامج تحرير الصور والفلاتر والذكاء الاصطناعي، تقوم صناعات كاملة على إقناعنا بأن شيئاً طبيعياً يحتاج إلى تحسين. لكن ربما لا تكمن خصوصية عصرنا في إنتاج القبح بقدر ما تكمن في إخفائه عن الأنظار. يُخفى الفقر وراء مشاريع إعادة تطوير المدن والإحلال السكاني (gentrification)، تخفي التجاعيد وتُنعم المنصات الرقمية الوجوه وتمحو العيوب. أصبحنا نعيش وسط نسخ مثالية من أنفسنا ومدننا وحياتنا. لم يختفِ القبح، بل أصبح شيئ يمكن تعديله أو نقله إلى الهامش.
أصبحنا نعيش وسط نسخ مثالية من أنفسنا ومدننا وحياتنا. لم يختفِ القبح، بل أصبح شيئ يمكن تعديله أو نقله إلى الهامش
ومع ذلك، لا تزال المفارقة التي أشار إليها إيكو قائمة، فبينما تزداد الحياة اليومية نقاء من الناحية الجمالية، لم يقل شغفنا بصور القبح. تنتشر الحروب والكوارث والمدن المدمرة والجثث المشوهة ومشاهد العنف والكوارث بلا انقطاع عبر هواتفنا - ربما لم يسبق أن استهلك البشر صور الخراب بهذا القدر - نتأرجح بين رغبتنا باستبعاد القبح من الحياة اليومية، وفي الوقت نفسه تحويله إلى مادة للاستهلاك والترفيه.
لعل هذا ما يجعل قراءة «تاريخ القبح» اليوم مختلفة، فالكتاب في ضوء الحاضر يتحول أو يكاد، إلى تاريخ لاختفاء القبح. وإذا كان لكل عصر قبحه الخاص، فإن السؤال الذي يتركه إيكو لنا، ليس ما هو القبيح، بل ما الذي أصبحنا غير قادرين على رؤيته، ليس لأنه اختفى، بل لأننا قررنا أنه لا ينبغي أن يكون جزءاً من الصورة.