لماذا تنبّأ عاشق الرأسمالية جوزيف شومبيتر بحتمية زوالها؟
- مراجعة لكتاب جوزيف شومبيتر «الرأسمالية والاشتراكية والديمقراطية»، الصادر عام 1942، والذي لا يزال واحداً من أكثر الكتب تأثيراً في فهم الرأسمالية الحديثة. يناقش الكتاب مفارقة لافتة: نجاح الرأسمالية ليس سبب بقائها، بل قد يكون السبب الذي يقود إلى تآكلها. وبعد أكثر من 8 عقود، لا يزال السؤال الذي طرحه شومبيتر مفتوحاً: هل تستطيع الرأسمالية أن تنجو من نجاحها؟
قبل 80 عاماً، واجه العالم مأزقاً تاريخياً بالغ الخطورة. كان الرايخ الثالث يسيطر على معظم أوروبا، والاتحاد السوفياتي يخوض معركة ستالينغراد، فيما لم يكن قد مضى سوى أشهر قليلة على دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية. في تلك اللحظة، بدا مستقبل الرأسمالية شديد الغموض، حتى إن السؤال الذي شغل عقول الاقتصاديين والمفكرين لم يكن: من سيفوز بالحرب؟ بل: هل ستصمد الرأسمالية تحت الحطام؟
في خضم تلك اللحظة التاريخية الحاسمة، وتحديداً عام 1942، نشر الاقتصادي النمساوي جوزيف شومبيتر1 أحد أشهر كتبه، «الرأسمالية والاشتراكية والديمقراطية». وكان السؤال المحوري الذي انطلق منه وحاول الإجابة عنه هو: «هل يمكن للرأسمالية البقاء؟». أما جوابه فكان حاسماً: «كلا، لا أعتقد ذلك».
لم يتنبأ جوزيف شومبيتر بأن الرأسمالية ستُهزم على يد أعدائها، أو حتى بفعل أزماتها وإخفاقاتها الاقتصادية، بل رأى أنها ستسقط ضحية «نجاحها الساحق». فقد شبّه الرأسمالية بلوحات الفنان النمساوي غوستاف كليمت؛2 مزيجاً آسراً من الزخارف الذهبية البراقة والوجوه الشاحبة التي تنذر بقرب الزوال.
جعله هذا التصور واحداً من أكثر المفكّرين الاقتصاديين إثارة للجدل في القرن العشرين، لا لأنه هاجم الرأسمالية من موقع عدائي كما فعل كارل ماركس، بل لأنه أُعجب بها وآمن بعبقريتها الإنتاجية، وفي الوقت نفسه أدرك أنها تحمل في داخلها بذور فنائها الحتمي. ولم يكن سعيداً بهذا الاستنتاج، فكتب: «إذا تنبأ طبيب بأن مريضه سيموت قريباً، فهذا لا يعني أنه يرغب في ذلك».
لفهم منطق جوزيف شومبيتر الاقتصادي، لا ينبغي أن نبدأ من إعجابه بالرأسمالية، بل من حياته نفسها. فقد كانت حياةً حافلة بتقلبات دراماتيكية بين الصعود والهبوط، جعلت منه رجل المفارقات بامتياز. عاش في حقبة أوروبية عاصفة شهدت انهيار الإمبراطورية النمساوية المجرية، واندلاع الحرب العالمية الأولى بكل فظاعتها، وقيام الثورة الروسية، وصعود الفاشية، والكساد العظيم، ثم الحرب العالمية الثانية. كما تنقل بين 7 دول، وهي تجارب انعكست بعمق على رؤيته للنظام الرأسمالي بوصفه نظاماً غير مستقر ومعرضاً لاضطرابات جذرية، على نحو تجاوز آراء معظم أبناء عصره، بعدما رأى الرأسمالية من موقع من فقد كثيراً، وأدرك أن مصير الأشياء إلى زوال.
جوزيف شومبيتر: رجل المفارقات
وُلد جوزيف شومبيتر عام 1883، في العام نفسه الذي توفي فيه كارل ماركس ووُلد فيه جون ماينارد كينز. وكانت ولادته في مدينة تريش، الواقعة آنذاك في إقليم مورافيا ضمن الإمبراطورية النمساوية المجرية (الهابسبورغية)، والتي أصبحت اليوم جزءاً من جمهورية التشيك.
لم يتنبأ جوزيف شومبيتر بأن الرأسمالية ستُهزم على يد أعدائها، أو حتى بفعل أزماتها وإخفاقاتها الاقتصادية، بل رأى أنها ستسقط ضحية «نجاحها الساحق»
نشأ شومبيتر في قلب أوروبا، في مرحلة كانت الإمبراطوريات الكبرى تدخل طور التصدع والصراع، ولا سيما الإمبراطوريتين الهابسبورغية والعثمانية. ومنذ سن مبكرة، شهد كيف يمكن لكيانات تبدو راسخة أن تتهاوى، وهي خبرة تركت أثراً عميقاً في رؤيته الفكرية، وستجد صداها لاحقاً في أطروحته عن مستقبل الرأسمالية.
ينتمي جوزيف شومبيتر إلى عائلة ميسورة نسبياً، إذ كان والده يمتلك مصنعاً للنسيج. غير أن وفاة والده المبكرة، وهو لم يتجاوز الرابعة من عمره، تركت أثراً نفسياً عميقاً فيه، وشكّلت أول منعطفات حياته. بعد ذلك، انتقل مع والدته إلى فيينا، عاصمة الإمبراطورية، في وقت كانت المدينة تعيش ذروة ازدهارها الثقافي، قبل أن تطغى طبول الحرب على صخب الفنون والآداب. وهناك التحق بإحدى مدارس النخبة، ثم درس القانون والاقتصاد السياسي في جامعة فيينا، حيث تأثر بأفكار المدرسة النمساوية في الاقتصاد، ونشر 3 أبحاث في القانون. وبعد حصوله على درجة الدكتوراه عام 1906، بدأ مسيرة أكاديمية واعدة، فعمل أستاذاً للاقتصاد في عدد من الجامعات، من بينها جامعة فيينا.
ولأن شومبيتر كان من أنصار الإمبراطورية النمساوية المجرية، فقد فوجئ بعرض تولي منصب وزير المالية في الحكومة الديمقراطية الاشتراكية لجمهورية النمسا الجديدة عام 1919، في محاولة لإنقاذ الاقتصاد المنهك بعد انهيار الإمبراطورية مع نهاية الحرب العالمية الأولى. إلا أن تجربته الوزارية لم تستمر سوى 6 أشهر، إذ اضطر إلى الاستقالة بعدما أخفقت سياساته في مواجهة التضخم الجامح والاضطرابات السياسية، فضلاً عن المعارضة الشديدة التي واجهها من اليمين واليسار على حد سواء. بعد ذلك، تولى رئاسة بنك النمسا الائتماني، وتمكن من تكوين ثروة صغيرة من المضاربة، لكنه سرعان ما أفلس وخسر منصبه، ليقضي سنوات في سداد ديونه. ولم يخرج من أزمته إلا عام 1925، عندما وفرت له وظيفة أكاديمية في جامعة بون فرصة للعودة إلى الحياة الأكاديمية.
كان جوزيف شومبيتر ناقداً حاداً لنظام ستالين، حتى إنه حذّر من أن ستالين أخطر من هتلر، وهو ما عرّضه لتحقيق من قبل مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي للاشتباه في تعاطفه مع النازية، قبل أن يُغلق الملف من دون توجيه أي اتهامات إليه.
تميّز شومبيتر بثقة كبيرة في نفسه وطموح لا يعرف الحدود. فقد أراد أن يترك بصمة استثنائية، سواء في الاقتصاد أو السياسة، واشتهر في أواخر حياته بمقولته الساخرة: «كان طموحي في شبابي أن أكون أعظم عاشق في فيينا، وأعظم فارس في النمسا، وأعظم اقتصادي في العالم. لقد حققت اثنين منها، لكنني للأسف لم أكن فارساً جيداً».
وفي أواخر عشرينيات القرن العشرين، دُعي لإلقاء محاضرات في جامعة هارفارد، ثم استقر في الولايات المتحدة، وحصل لاحقاً على الجنسية الأميركية، وظل فيها حتى وفاته عام 1950. وهكذا أصبح شومبيتر مثالاً على الكيفية التي يمكن أن تتداخل بها التجارب الشخصية والتحولات التاريخية والثقافية والسياسية في تشكيل الفكر الاقتصادي؛ فقد نظر إلى الرأسمالية بعين من عرف الصعود الأرستقراطي، واختبر السقوط المالي، وعاش إحباط الفشل السياسي.
منطق التدمير الخلّاق الشومبيتيري
لا تفسر التجارب الشخصية وحدها المكانة التي احتلها شومبيتر في عالم الاقتصاد؛ فإسهامه الحقيقي بدأ عندما حاول فهم الآلية الداخلية للرأسمالية نفسها. فعلى خلاف النظرة التي سادت لدى كثير من رواد الاقتصاد الكلاسيكي، من آدم سميث إلى ألفريد مارشال، والتي تعاملت مع الرأسمالية بوصفها نظاماً لإنتاج الموارد وتوزيعها، نظر شومبيتر إليها باعتبارها قوة تاريخية متجددة، تبني وتهدم وتعيد البناء باستمرار.
ورأى أن الرأسمالية ليست حالة من التوازن، بل عملية ابتكار دينامية يقودها رواد الأعمال الجدد، الذين يدخلون إلى الأسواق بأفكار وتقنيات غير مسبوقة، فتزيح الابتكارات الجديدة ممارسات الأعمال القديمة والأقل كفاءة. ولذلك كتب خلال سنوات الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن العشرين: «من دون ابتكارات، لا يوجد رواد أعمال؛ ومن دون إنجازات ريادية، لا توجد عوائد رأسمالية ولا قوة دافعة للرأسمالية».
وفي وقت كان كثير من المفكرين يعتقدون أن التكنولوجيا بلغت حدودها، وأن الرأسمالية تجاوزت ذروة تطورها، كان شومبيتر يرى العكس تماماً. فنحن نعيش في عالم معقد وديناميكي، يحتل فيه الابتكار وريادة الأعمال موقعاً حاسماً في التنمية الاقتصادية. ووفقاً لشومبيتر، فإن «الابتكار هو الوظيفة الأساسية الوحيدة في التاريخ»، فيما تؤدي ريادة الأعمال إلى «استبدال الوضع الأمثل الحالي بآخر جديد ومختلف غداً».
الرأسمالية لا تنمو بالاستقرار، بل بالتغيير المستمر، فكل ابتكار لا يخلق قيمة اقتصادية جديدة فحسب، بل يهدّم أيضاً نموذجاً اقتصادياً سابقاً كان يبدو راسخاً، وعلى أنقاض القديم، تنشأ صناعات جديدة تُخلق وظائف
وانطلاقاً من ذلك، رأى شومبيتر أن رائد الأعمال هو البطل الحقيقي في المجتمع الرأسمالي؛ فهو الشخص الذي يخاطر بثروته وسمعته من أجل تحويل فكرة مبتكرة إلى مشروع جديد، فيكسر حالة التوازن القائمة ويخلق واقعاً اقتصادياً مختلفاً. ومن خلال هذا الابتكار، الذي يمثل جوهر الرأسمالية، تنشأ ما وصفه شومبيتر بـ«العاصفة المستمرة من التدمير الخلّاق»، حيث لا تقوم الرأسمالية على إدارة المؤسسات والهياكل القائمة بقدر ما تقوم على ثنائية الهدم والبناء.3 وفي هذا المنطق، لا يبقى نجاح أي شركة أو صناعة دائماً؛ فعملاق اليوم قد يصبح ذكرى الغد، لأن الرأسمالية، بحسب شومبيتر، تُدمّر ما تُنتج، وتُنتج ما ستُدمّره. ولهذا شبّهها كثيرون بطائر العنقاء الأسطوري الذي يحترق ثم ينهض من رماده، ليظل الابتكار القلب النابض للنظام الرأسمالي، والمحرك الأساسي لتاريخ التطور الاقتصادي.4
قدّم جوزيف شومبيتر مفهوم «التدمير الخلّاق» للمرة الأولى في فصل لم يتجاوز 5 صفحات من كتابه الأشهر «الرأسمالية والاشتراكية والديمقراطية»، على الرغم من أن الكتاب بأكمله يمتد إلى 431 صفحة. ومع ذلك، أصبح هذا الفصل من أكثر النصوص تأثيراً في تفسير آليات عمل النظام الرأسمالي ومآلاته.
وكتب شومبيتر: «إن عملية التدمير الخلّاق تعدّ من الحقائق التي لا جدال فيها في النظام الرأسمالي... إن الدافع الأساسي الذي يحرك ويحافظ على استمرار عمل المحرك الرأسمالي، ويُبقيه في حالة دوران مستمر، ينبع من سلع المستهلكين الجديدة، وأساليب الإنتاج أو النقل الجديدة، والأسواق الجديدة، والأشكال الجديدة للتنظيم الصناعي التي تخلقها المؤسسة الرأسمالية... إذن، الرأسمالية بطبيعتها شكل أو منهج للتغيير الاقتصادي، وهي ليست ثابتة أبداً، بل لا يمكنها أن تكون ثابتة أبداً».
جاء هذا المفهوم بعد أن لاحظ شومبيتر أن الرأسمالية لا تنمو بالاستقرار، بل بالتغيير المستمر. فكل ابتكار لا يخلق قيمة اقتصادية جديدة فحسب، بل يهدّم أيضاً نموذجاً اقتصادياً سابقاً كان يبدو راسخاً. وعلى أنقاض القديم، تنشأ صناعات وشركات جديدة، وتُخلق وظائف وفرص عمل، فيما تتراجع صناعات أخرى، وتختفي شركات ومنتجات ومهن كانت تبدو يوماً جزءاً ثابتاً من الاقتصاد. ولعل اختراع السيارة خير مثال على ذلك؛ إذ لم يؤدِ إلى ظهور صناعة السيارات فقط، بل أسهم أيضاً في تراجع صناعة العربات التي تجرها الخيول، وفتح الباب أمام صناعات جديدة، مثل صناعة الإطارات.
وقد شبّه شومبيتر هذه العملية بالتطور الدارويني؛ فهي عملية انتقاء مستمرة، تبقى فيها الابتكارات الأكثر قدرة على المنافسة، بينما تتراجع النماذج الأقل كفاءة. وقد يحدث «التدمير الخلّاق» داخل الشركات الكبرى المبتكرة، مثل تويوتا وجنرال إلكتريك ومايكروسوفت، لكنه يكون أكثر حضوراً في الشركات الناشئة، ولا سيما مع توافر التمويل عبر «رأس المال المغامر». وكان شومبيتر من أوائل الاقتصاديين الذين لفتوا إلى أهمية هذا النوع من التمويل، وإن لم يستخدم المصطلح بصيغته الحالية، عندما كتب عن تمويل الابتكار وريادة الأعمال.
ووفقاً لشومبيتر، هناك 5 أنواع رئيسية من الابتكارات تشعل هذه العملية الداروينية: إدخال منتج جديد مثل الهاتف المحمول، الذي أدى إلى تراجع الهواتف التقليدية والكاميرات الرقمية المستقلة. ابتكار طريقة إنتاج جديدة مثل خطوط التجميع الآلية في صناعة السيارات، التي خفضت تكاليف الإنتاج ورفعت الكفاءة، على حساب أساليب الإنتاج اليدوية. فتح أسواق جديدة مثل توسع التجارة الإلكترونية، الذي أدى إلى تراجع وإغلاق أعداد كبيرة من المتاجر التقليدية. اكتشاف مصادر جديدة للإمداد مثل التوسع في مصادر الطاقة المتجددة، الذي يهدد مكانة صناعة النفط التقليدية. ابتكار شكل جديد لتنظيم الأعمال مثل نموذج «الاقتصاد التشاركي» الذي تبنته شركات مثل أوبر، وأعاد تشكيل سوق النقل على حساب نموذج سيارات الأجرة التقليدي.
استعار شومبيتر مفهوم «التدمير الخلّاق» من كارل ماركس، الذي أشار في كتاب رأس المال إلى أن الابتكار يمثل جوهر التقدم في النظام الرأسمالي، وأن بقاء هذا النظام يعتمد على إحداث ثورة مستمرة في وسائل الإنتاج من أجل خلق قيمة جديدة
قال شومبيتر في كتابه «الرأسمالية والاشتراكية والديمقراطية» «إن فتح أسواق جديدة، سواء كانت أجنبية أو محلية، والتطور المؤسسي من الورشة الحرفية والمصنع الصغير إلى كيانات ضخمة، مثل شركة الصلب الأميركية، يصفان بجلاء عملية التحور الصناعي نفسها - إن جاز استخدام المصطلح البيولوجي - التي تواصل إحداث ثورة في شكل البنية الاقتصادية من الداخل، وتواصل هدم الشكل القديم وبناء شكل جديد». ثم يضيف «إن النقطة الأساسية التي يجب إدراكها هي أننا، في التعامل مع الرأسمالية، نتعامل مع عملية تطورية».
بهذا المعنى، لا تعرف الرأسمالية السكون؛ فهي نظام تُعيد فيه الابتكارات تشكيل الأسواق بصورة متواصلة، بما يعكس طبيعتها التنافسية. ولذلك، لا تملك الشركات الراسخة سوى خيارين: إما التكيف المستمر مع موجات الابتكار، أو التراجع والزوال. وكما يقول شومبيتر، فإن على الشركات أن تسعى دائماً إلى «البقاء صامدة، على أرض تتلاشى من تحت أقدامها». فمن يستثمر في الأفكار الجديدة يمتلك فرصة قيادة السوق، أما من يركن إلى نجاحه السابق، فيجد نفسه خارج سباق التطور. وهكذا، لا يستطيع أي رائد أعمال أن يطمئن إلى نجاحه، لأن كل ما يُبنى اليوم قد تهدمه غداً فكرة أفضل، أو تقنية أفضل، أو نموذج أعمال أكثر كفاءة.
ومن المفارقات أن شومبيتر، أحد أبرز المدافعين عن الرأسمالية، استعار مفهوم «التدمير الخلّاق» من فكر كارل ماركس، أبرز نقادها. فقد أشار ماركس في كتابه رأس المال إلى أن الابتكار يمثل جوهر التقدم في النظام الرأسمالي، وأن بقاء هذا النظام يعتمد على إحداث ثورة مستمرة في وسائل الإنتاج من أجل خلق قيمة جديدة. لكنه رأى في الوقت نفسه أن هذه العملية تقوم على استغلال قوة العمل، وتؤدي إلى تعميق التفاوت الطبقي، فيما يتغير المجتمع بوتيرة أسرع من قدرته على التكيف.
كانت أفكار شومبيتر آنذاك أقرب إلى التأمل الفلسفي منها إلى البرهان العلمي، حتى بدت لكثير من زملائه من الاقتصاديين خروجاً على المألوف. غير أن العقود اللاحقة أثبتت أن ما طرحه لم يكن نبوءة رومانسية، بل وصفاً دقيقاً لآلية التطور الاقتصادي.
وفي تشرين الأول/أكتوبر من العام الماضي، أعادت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم إحياء أفكاره، عندما استندت إلى مفهوم «التدمير الخلّاق» ضمن حيثيات منح جائزة نوبل في الاقتصاد لعام 2025 إلى جويل موكير (نصف الجائزة)، وفيليب أغيون، وبيتر هاويت (النصف الآخر مناصفة)، تقديراً لأبحاثهم التي تفسّر كيف تقود عملية «التدمير الخلّاق» النمو الاقتصادي المستدام.
وهكذا، فإن المفهوم الذي صاغه شومبيتر في أوائل أربعينيات القرن الماضي، والذي بدا في زمنه مجرد أطروحة جريئة لعالم اقتصاد مثير للجدل، أصبح اليوم أحد المفاهيم الأساسية لفهم تطور الرأسمالية، من الثورة الصناعية الأولى وصولاً إلى عصر الذكاء الاصطناعي.
الرأسمالية إلى زوال
لكن كيف يمكن للدينامية نفسها التي تجعل الرأسمالية أكثر قدرة على الابتكار أن تقود، في نهاية المطاف، إلى سقوطها؟
لم يقدّم جوزيف شومبيتر إجابة بسيطة عن هذا السؤال، بل صاغ إطاراً فكرياً لفهم التناقضات الداخلية التي تحكم النظام الرأسمالي. فما يميز رؤيته أنه لم يتعامل مع الرأسمالية بوصفها نموذجاً مثالياً، وإنما كنظام يزخر بالتوترات الداخلية؛ فهو قادر على إنتاج الابتكار والثروة بمعدلات غير مسبوقة، لكنه يحمل في الوقت نفسه بذور فنائه.
ولهذا، فبعد أن خصص الجزء الأول من كتابه الرأسمالية والاشتراكية والديمقراطية لتحليل القوة الاستثنائية للرأسمالية، كرّس ما تبقى من فصوله لشرح إخفاقاتها ولماذا أعتقد أن مصيرها سيكون الزوال، لتحل محلها اشتراكية تكنوقراطية. وفسّر هذا التحول من خلال 3 مسارات مترابطة ومتداخلة.
كلما نجحت الرأسمالية في خلق الثروة، ولّدت في الوقت نفسه تفاوتات اجتماعية واقتصادية تدفع المجتمعات إلى المطالبة بمزيد من العدالة. ومع مرور الوقت، يؤدي هذا المسار إلى تآكل مبادئ السوق الحرة ويفتح الطريق أمام شكل من الاشتراكية التكنوقراطية
المسار الأول، تآكل دور رائد الأعمال وصعود البيروقراطية: تنبأ جوزيف شومبيتر، في فصل «سحق الجذر» من كتابه الرأسمالية والاشتراكية والديمقراطية، بأن الرأسمالية ستبلغ مرحلة تصبح فيها الحاجات المادية لمعظم أفراد المجتمع ملباة، وعندها يفقد رائد الأعمال دوره التاريخي. وشبّه رواد الأعمال بالجنرالات في زمن السلم؛ فبعدما كانوا القوة المحركة للتغيير، لن يعود أمامهم الكثير ليفعلوه، وسيتجه أكثرهم براعة إلى مجالات أخرى. وفي هذا المسار، يتحول الابتكار تدريجياً من مغامرة فردية يقودها رائد أعمال إلى عملية مؤسسية روتينية تُدار داخل أقسام البحث والتطوير في الشركات العملاقة. ومعها يصبح النمو الاقتصادي أقل ارتباطاً بالأفراد وأكثر اعتماداً على المؤسسات. لذلك كتب: «من منطلق أن المشروع الرأسمالي، بفضل إنجازاته الخاصة، يميل إلى أتمتة التقدم، فإننا نستنتج أنه يميل إلى جعل نفسه غير ضروري، أي يتحطم تحت وطأة نجاحه». ورأى شومبيتر أن هذه العملية تُفسح المجال أمام صعود المديرين البيروقراطيين على حساب رواد الأعمال. فهؤلاء يوفرون قدراً أكبر من الاستقرار، لكنهم يمنحون الأولوية للإدارة والتخطيط والتقارير الدورية، أكثر من سعيهم إلى إحداث طفرات ابتكارية. وبذلك، تتراجع الدينامية التي صنعت الرأسمالية في بداياتها. ويترافق ذلك مع تحول الفرد من مالك مباشر لمشروعه، يدافع عنه بوصفه امتداداً لمصالحه، إلى مجرد موظف أو مساهم في شركة عملاقة، فتضعف تدريجياً الرابطة العاطفية والسياسية التي كانت تمنح الملكية الخاصة جزءاً كبيراً من شرعيتها الاجتماعية.
المسار الثاني، تحلل الطبقة البرجوازية وتآكل الأطر الاجتماعية: يرى شومبيتر أن الرأسمالية، بمنطقها القائم على المنافسة والتغيير الدائم، لا تعيد تشكيل الاقتصاد فحسب، بل تعيد تشكيل المجتمع أيضاً. فهي تعزز النزعة الفردية، وتخلق شعوراً دائماً بعدم اليقين، بما يضعف الروابط التقليدية التي قامت عليها الطبقة البرجوازية، وفي مقدمتها الأسرة والزواج. فالرأسمالية، على الرغم من أنها وفرت للفرد مستويات غير مسبوقة من الرفاه والحرية مقارنة بالنظام الإقطاعي، فإن منطقها العقلاني النفعي أضعف تدريجياً الأطر الاجتماعية التي كانت تمنح المجتمع تماسكه. ومن نتائج هذا التحول أيضاً صعود طبقة من المثقفين وقادة الرأي، الذين أتاح لهم النظام الرأسمالي نفسه فرص التعليم والثقافة، لكنه لم يمنحهم دائماً موقعاً يتناسب مع طموحاتهم داخل البنية الاقتصادية. لذلك، وجد شومبيتر أنهم أصبحوا أكثر ميلاً إلى نقد النظام الذي أتاح لهم الارتقاء، وأكثر استعداداً للتشكيك في شرعيته والبحث عن بدائل له. ولهذا كتب في الرأسمالية والاشتراكية والديمقراطية: «الرأسمالية تحاكم أمام قضاة يحملون حكم الإعدام في جيوبهم. سيصدرون الحكم مهما كانت الحجج التي قد يسمعونها». وكان يقصد بـ«القضاة» المثقفين، الذين رأى أنهم يتولون تفكيك شرعية الرأسمالية، وتأليب الرأي العام ضدها، والدفع نحو مزيد من القيود والتشريعات التي تحد من حرية السوق وروح المبادرة الفردية، وتوسع في المقابل دور البيروقراطية والدولة.
المسار الثالث، ضغط الديمقراطية وتنامي التدخل الحكومي: حذّر شومبيتر من أن الرأسمالية، كلما نجحت في خلق الثروة، ولّدت في الوقت نفسه تفاوتات اجتماعية واقتصادية تدفع الناخبين في المجتمعات الديمقراطية إلى المطالبة بمزيد من العدالة والحماية الاجتماعية. ومع تزايد هذه المطالب، تتوسع أدوار الدولة تدريجياً في تنظيم الاقتصاد، وتوفير الضمانات الاجتماعية، وفرض القيود على السوق. ورأى أن هذا المسار يؤدي، مع مرور الوقت، إلى تآكل مبادئ السوق الحرة التي قامت عليها الرأسمالية، ويفتح الطريق أمام شكل من أشكال الاشتراكية التكنوقراطية، حيث تتولى البيروقراطية والمؤسسات الحكومية إدارة جوانب متزايدة من النشاط الاقتصادي، من دون الحاجة إلى ثورة سياسية أو انهيار مفاجئ للنظام الرأسمالي.
هل تحققت نبوءة جوزيف شومبيتر؟
بعد أكثر من 8 عقود، يبرز سؤال منطقي: هل كان جوزيف شومبيتر محقاً في نبوءته بشأن زوال الرأسمالية؟
يشير الواقع إلى أن الرأسمالية لم تنهَر كما توقع، لكنها تحولت بصورة لافتة. فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، واصلت ممارسة منطق «التدمير الخلّاق» بوتيرة متسارعة، وانتقلت من اقتصاد تقوده الصناعات الثقيلة والموارد الطبيعية إلى اقتصاد تقوده المعرفة والابتكار والتكنولوجيا الرقمية.
وفي هذا السياق، لا يختلف ما يُعرف اليوم بـ«الابتكار المزعزع» كثيراً عن مفهوم «التدمير الخلّاق» الذي صاغه شومبيتر. فقد أعادت شركات مثل أمازون ونتفليكس وأوبر وتسلا رسم حدود قطاعات اقتصادية كاملة، وأزاحت نماذج أعمال كانت تبدو راسخة، مؤكدة أن الابتكار لا يزال القوة المحركة للرأسمالية، وأن المبادرات الفردية قادرة على إعادة تشكيل الأسواق.
لم تتحقق نبوءة شومبيتر بزوال الرأسمالية، لكن تشخيصه لتناقضاتها الداخلية بقي حاضراً بقوة. فما كتبه عن تركّز الشركات، والعلاقة المعقدة بين الابتكار والديمقراطية، لا يزال يساعد على فهم كثير من التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي
ومع ذلك، لم تتحقق نبوءة شومبيتر كاملة. فقد افترض أن الرأسمالية ستجد نفسها أمام خيارين: إما رأسمالية تولّد الثروة على حساب اتساع اللامساواة، أو اشتراكية تكنوقراطية تحقق قدراً أكبر من العدالة الاجتماعية، لكنها تحد من روح المبادرة والابتكار. إلا أن الرأسمالية أثبتت قدرة أكبر على التكيف مما توقع؛ إذ استطاعت استيعاب كثير من الضغوط التي كان يعتقد أنها ستقود إلى زوالها، عبر دمج نقابات العمال في النظام الاقتصادي، وتوسيع شبكات الأمان الاجتماعي، والتوفيق بين الأسواق الحرة والتدخل الحكومي، وحتى تحويل كثير من أشكال النقد والتمرد الثقافي إلى منتجات قابلة للتسويق.
وهكذا، لم تتحقق نبوءة شومبيتر بزوال الرأسمالية، لكن تشخيصه لتناقضاتها الداخلية بقي حاضراً بقوة. فما كتبه عن تركّز الشركات، وصعود البيروقراطية، وتراجع دور رائد الأعمال، والعلاقة المعقدة بين الابتكار والديمقراطية، لا يزال يساعد على فهم كثير من التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي. وربما تكمن مفارقته الكبرى في أنه أخطأ في التنبؤ بمصير الرأسمالية، لكنه أصاب في تفسير الطريقة التي تتغير بها باستمرار.
- 1
جوزيف شومبيتر (1883-1950): اقتصادياً مناصراً للرأسمالية، ومؤرخاً اقتصادياً، وعالماً سياسياً نمساوياً. عاش مسيرة محفوفة بالمفارقات: كان وزيرًا للمالية في النمسا عام 1919، وفشل. ثم أدار مصرفاً خاصاً فأفلس. ثم انتقل إلى هارفارد عام 1932 وعمل أستاذاً بجامعتها هارباً من أوروبا التي بدأت تشتعل بالفاشية. غيّرت أعماله طريقة فهم الاقتصاديين للرأسمالية والابتكار ودور رواد الأعمال. من أهم أعماله كتاب «نظرية التنمية الاقتصادية» الصادر عام 1911، وكتاب «تاريخ التحليل الاقتصادي» الذي صدر بعد وفاته عام 1954.
- 2
غوستاف كليمت (1862-1918): رساماً نمساوياً، عرف بأسلوبه الزخرفي الإيروتيكي، خاصة في «المرحلة الذهبية»، حيث استخدم ورق الذهب في أعماله الفنية. تعتبر لوحته «القبلة» من أشهر الأعمال الفنية العالمية التي اُنجزت في القرن العشرين.
- 3
Russell S. Sobel and Jason Clemens, The Essential
Joseph Schumpeter, Fraser Institute, 2020. - 4
مارك دودجسون، ديفيد جان، «الابتكار: مقدمة قصيرة جداً»، الفصل الثاني، ترجمة: زينب عاطف، مؤسسة هنداوي للنشر، عام 2013.