من السرطان إلى المناخ
الجذور المشتركة لمرض البشر وأرضهم
أصبح من المعلوم بالضرورة أن التعرّض لبعض المواد الكيميائية، مثل تلك الموجودة في دخان السجائر، يسبّب السرطان. لكن هذه الحقيقة لم تكن معروفة في مطلع القرن العشرين. ففي ذلك الوقت، لم يكن العلماء يعلمون على وجه اليقين بوجود مواد كيميائية مسرطنة من الأساس. وكل ما كانوا يعرفونه هو أن العمّال في صناعات البارافين والنفط الصخري وقطران الفحم كانوا يُصابون بسرطان الجلد بمعدلات مرتفعة، من دون أن يعرفوا أيّ المواد الكيميائية الموجودة في تلك الزيوت والمواد النفطية هي المسؤولة عن ذلك.
وفي عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، توصّل علماء من معهد بحوث مستشفى السرطان في لندن، الذي أصبح لاحقاً «معهد بحوث السرطان»، إلى هذا الاكتشاف. فبعد سنوات من البحث، توصّل إرنست كينواي وفريقه إلى أن المواد المسبّبة للسرطان تنتمي إلى مجموعة من المركبات الكيميائية تُعرف بالهيدروكربونات الأروماتية متعدّدة الحلقات (PAHs). وفي عام 1932، اكتشفوا أول مركب من هذه الفئة، وهو البينزوأبيرين (Benzo(a)pyrene)، الذي شكّل أول مركب كيميائي خالص تُثبت خصائصه المسرطنة، وأول مادة مسرطنة تُكتشف في دخان السجائر. ونعرف اليوم أن دخان السجائر يحتوي أيضاً على كثير من المركبات الكيميائية الأخرى المسبّبة للسرطان.
تشير التقديرات إلى أن 90% من حالات الإصابة بالسرطان تعود إلى عوامل خارجية، مثل نمط الحياة، والبيئة المحيطة بالمريض، والملوّثات، وليس إلى أسباب وراثية أو جينية
عندما انضممت إلى معهد بحوث السرطان قبل نحو 20 عاماً باحثاً شاباً، شعرت بالفخر لأنني سأسير على خطى كينواي وزملائه. وكنت متحمساً للمساهمة في الجهود الرامية إلى فهم السرطان والوقاية منه. لكن، على الرغم من هذا الحماس، غادرت مجال بحوث السرطان بعد سنوات قليلة، واخترت بدلاً منه العمل في الإيكولوجيا السياسية والنضال من أجل العدالة المناخية والبيئية.
قد يتساءل القارئ عن سبب روايتي لهذه القصة، وما علاقة بحوث السرطان بالأزمة المناخية. أحاجج في هذا المقال بأن مجال بحوث السرطان، والعلوم الحيوية الطبية على نطاق أوسع، يقدّم دروساً كثيرة يمكن أن تساعدنا في مواجهة أزمة المناخ. وتنبع هذه الدروس، جزئياً، من أوجه التشابه والتوازي بين المناهج المتوافق عليها للتعامل مع كلتا المشكلتين: السرطان وتغيّر المناخ.
أتنقّل في هذا المقال بين المجالين لأبرز هذه التشابهات وأوجه التوازي، مستنداً إلى رحلتي الشخصية من باحث في السرطان إلى ناشط بيئي. وكما يقول الشعار المعروف: «الشخصي سياسي». وأعتقد أن تجربتي، على الرغم من أنها غير مألوفة، قد تتيح لنا بعض الأفكار المفيدة في النضال من أجل منع الانهيار المناخي.
السرطان مرض بيئي
عندما بدأت رحلتي باحثاً في الدكتوراه في معهد بحوث السرطان، كانت آمالي كبيرة في أن أُسهم في زيادة فهمنا للسرطان بما يساعد على القضاء عليه. وانصبّ بحثي آنذاك على ما يُعرف بـ«المسرطنات البيئية»، أي دراسة العوامل البيئية التي تسهم في تكوّن الخلايا والأورام السرطانية. وركّزت تحديداً على تأثير تعرّض الخلايا للمركبات المسرطنة، ولا سيما الهيدروكربونات الأروماتية متعددة الحلقات (PAHs) المذكورة أعلاه، الناتجة عن عمليات مثل حرق تبغ السجائر واحتراق الوقود الأحفوري.
ومع تزايد التجارب التي أجريتها أنا وفريقي، ومع اتساع اطلاعي على الأبحاث التي ينتجها المجتمع العلمي العالمي في هذا المجال، ازداد اقتناعي بأن السرطان، في جوهره، كارثة بيئية. إذ تشير التقديرات إلى أن 90% من حالات الإصابة بالسرطان تعود إلى عوامل خارجية، مثل نمط الحياة، والبيئة المحيطة بالمريض، والملوّثات، وليس إلى أسباب وراثية أو جينية فحسب. وتشمل أبرز هذه العوامل التبغ، الذي يسبّب نحو 90% من سرطانات الرئة، وسوء التغذية، وتعاطي الكحول، والتعرّض المفرط لأشعة الشمس، وبعض أنواع العدوى، وبعض المواد الكيميائية.
ولعل العامل الأهم هو تلوث البيئة. فالتلوث يُعدّ مشكلة صحّة عامة عالمية، وله آثار سلبية عديدة على الصحة، من بينها التسبب في الإصابة بالسرطان. وقد ثبت أن كثيراً من الملوّثات البيئية تُسبّب السرطان، مثل الأسبستوس، والبنزين، وعوادم محركات الاحتراق الداخلي، وملوّثات الغذاء والمياه، مثل سم الأرسنيك، والملوّثات العضوية طويلة الأمد مثل المبيدات والديوكسين، إضافة إلى دخان احتراق الوقود الأحفوري والمواد العضوية المستخدمة في التدفئة المنزلية.
وتؤدي هذه العوامل الخارجية، من التبغ والكحول إلى المبيدات والدخان، إلى إحداث طفرات جينية في أجسامنا قد تفضي إلى الإصابة بالسرطان. ومن هذا المنطلق، يمكن فهم السرطان بوصفه مرضاً بيئياً.
ويتمثل نصف الكوب الممتلئ في أن هذا الوباء يمكن الوقاية منه إلى حدّ كبير. أما نصف الكوب الفارغ، فهو أن هذه الوقاية لم تتحقق بعد، أو لم تتحقق بالقدر الكافي.
عقاقير أكثر وأكثر! علاج الأعراض لا القضاء على المرض
قد يتوقّع المرء، وربما ينطوي هذا التوقّع على شيء من السذاجة، أنه ما دام السرطان قد تبيّن أنه مرض بيئي، فإن معظم الأبحاث، ومعها تمويلها، ستتركّز على دراسة العوامل البيئية المسبّبة له بهدف القضاء عليها من المنبع. فمن شأن ذلك أن يخفّض بدرجة كبيرة عدد الإصابات بالسرطان والوفيات المرتبطة به، وأن يحقق، ببساطة، نتائج صحية أفضل للجميع. لكن، للأسف، هذا لا يحدث. لماذا؟
الرؤية التي تحرك القوى النافذة تقوم على استمرار إخضاع الاقتصاد لمصالح أرباح القطاع الخاص، عبر المزيد من خصخصة المياه والأرض والموارد والطاقة، بل وحتى الغلاف الجوي
تكمن الإجابة في أن البحوث الحيوية الطبية تتجه، إلى حدّ كبير، نحو علاج أعراض أمراض مثل السرطان، بدلاً من محاولة التصدي لأسبابها الجذرية. ولا شك في أننا بحاجة إلى علاج السرطان وغيره من الأمراض عندما تحدث. لكن، مقارنة بالوقاية، فإن العلاج أعلى تكلفة، سواء من الناحية المالية أو من حيث الآثار التي يتحملها المرضى نتيجة العلاجات السامة، مثل العلاج الكيميائي (كيمو-ثيرابي) والعلاج الإشعاعي (راديو-ثيرابي). وكما يقول المثل: الوقاية خير من العلاج.
لكن إذا كنا نعرف أن الوقاية خير من العلاج، فلماذا تركّز البحوث الحيوية الطبية على علاج الأعراض بدلاً من التصدي للمسبّبات الجذرية للأمراض؟ الإجابة هي الرأسمالية. فالتركيز المهيمن على علاج الأعراض لا يعود فقط إلى تبنّي نهج «واقعي» أو «براغماتي» يرى أن إثبات العلاقات السببية المباشرة بين العوامل البيئية والمرض أمر صعب أو يستغرق وقتاً طويلاً، بل هو أيضاً نتيجة للمنطق الرأسمالي وعلاقات الإنتاج الرأسمالية، وفي مقدمتها السعي إلى تعظيم الأرباح.
ودعوني أقدّم مثالاً لتوضيح هذه الفكرة. في عام 2010، خضع معهد بحوث السرطان لعملية إعادة هيكلة، أي لتصفية الأقسام التي اعتُبرت غير «رائجة» بما يكفي، بمعنى أنها لا تستقطب تمويلاً كبيراً أو لا تنسجم مع روح المرحلة. وشمل ذلك قسم العوامل المسرطنة الكيميائية والبيئية، حيث كان أجري أبحاث الدكتوراه، فأُغلق بالكامل. وقد شكّل ذلك صدمة، بالنظر إلى الدور الريادي الذي أدّاه المعهد في مطلع القرن العشرين، كما سبق أن أشرت. لكن أصحاب القرار لم يروا قيمة لهذا الإرث، لأن القسم، والنهج الذي كان يتبعه، اعتُبرا غير منسجمين مع أولويات المرحلة الجديدة، التي هيمنت عليها شركات الأدوية والطب «الشخصي» الساعي إلى تعظيم الأرباح، وكأن شعار المرحلة أصبح: «عقاقير أكثر وأكثر».
وقد فتحت هذه التجربة عيني. أدركت أن البحث العلمي ليس محايداً ولا بمنأى عن الأيديولوجيا الرأسمالية القائمة على تراكم الثروة والتربّح من الأزمات. ففي النموذج الرأسمالي، يُقاس نجاح البحث العلمي بعدد الأدوية التي تصل إلى الأسواق، بصرف النظر عن جدواها الحقيقية أو أثرها الفعلي في تحسين صحة الناس.
تطرح شركات الأدوية الكبرى في الأسواق عدداً متزايداً من الأدوية، أي المزيد من السلع، ليس بهدف القضاء على الأمراض، بل، في المقام الأول، لتحقيق أرباح هائلة. فهذا هو جوهر منطق عملها: أموَلة المشكلات الصحية والاستفادة من المرض.1 وتوجد أمثلة كثيرة على ذلك. فلم تُبدِ شركات الأدوية الكبرى اهتماماً يُذكر بتطوير لقاح ضد الملاريا، لأنه لا يحقق أرباحاً كافية، إذ تصيب الملاريا أساساً الشعوب الفقيرة في الجنوب العالمي. كما تفرض حقوق ملكية فكرية صارمة تعيق وصول الناس إلى علاجات منقذة للحياة، مثل أدوية الإيدز في جنوب أفريقيا، وتنخرط في ممارسات تسويقية تنطوي على التزييف والخداع، وتتجاهل فرض تدابير وتحذيرات السلامة، كما ظهر في دورها في أزمة المسكنات الأفيونية في الولايات المتحدة، التي تسببت في وفاة أكثر من 400 ألف شخص.
وهذا التفضيل للعلاج، في صورة المزيد من العقاقير الطبية، على الوقاية، في صورة التصدي للأسباب الجذرية مثل التلوث البيئي، هو ما قاد معهد بحوث السرطان إلى إغلاق القسم الذي كنت أعمل فيه. وكان ذلك الحدث، الذي شكّل محطة حاسمة في مساري المهني، جزءاً من عملية أوسع بكثير تمثلت في ترسّخ المنطق الرأسمالي، على مدى العقود الماضية، وربما منذ زمن أطول، في التعامل مع المرض ومسبباته: تسليع الصحة، والتركيز على حلول قصيرة الأجل تدرّ المزيد من الأموال والأرباح. فمن يحتاج إلى الوقاية إذا كان بالإمكان جني ثروة من بيع أدوية «خاصّة»2 تحقق أرباحاً هائلة؟
لا يمكن الحديث عن العدالة البيئية والمناخية من دون ربطها بأسئلة العدالة الاجتماعية والاقتصادية، والسيادة الوطنية والشعبية على الأرض والموارد
وبينما تهنّئ صناعة الأدوية العالمية نفسها على إنجازاتها في إنقاذ الأرواح، فإن ما يهمّها، على مستوى أعمق، كما أوضحت، هو تحقيق الربح. وبالنسبة إلى شركات الأدوية، يبقى الخيار الأكثر ربحية هو التعامل مع أعراض المرض أو علاجه بعد وقوعه وانتشاره، بدلاً من العمل على الوقاية منه. فهذا النهج يتعامل مع الشجرة، أي الأعراض، باعتبارها الغابة، أي المرض نفسه. أو كما يقول المثل الشعبي المتداول في منطقتنا عن الجهد الذي لا طائل منه: «يحجب الشمس بغربال».
ولا يقتصر هذا النهج، الذي يضع الربحية في المقام الأول، على صناعة الدواء أو على مكافحة الأمراض. ففي قطاعات كثيرة أخرى، تعمل مصالح نافذة بلا كلل على تكريس الوضع القائم ومنع تغييره. فصناعة الأغذية مسؤولة، إلى حد بعيد، عن تشكيل عاداتنا الغذائية غير الصحية، وكبرى شركات الزراعة التجارية (الأغري-بيزنس) مسؤولة عن ترسيخ نموذج زراعي كثيف الاستخدام للمواد الكيميائية، فيما تفضّل صناعة السيارات استمرار الاعتماد على الاستخدام الفردي للمركبات الملوثة للبيئة لأنه يتيح لها بيع المزيد منها.
ويجمع بين هذه الصناعات، وغيرها، أنها تنفق مبالغ طائلة للضغط على الساسة وصنّاع القرار، ولخوض حملات علاقات عامة تهدف إلى تحريف النقاش وصياغة سرديات مضلِّلة عن كيفية مواجهة الأزمات التي تسببت بها هي نفسها، من البدانة إلى تلوث الهواء. وغايتها في ذلك هي حجب الحلول الجذرية التي يمكن أن تهدّد مكانتها وأرباحها الهائلة.
لكن هذه الصناعات لا تكتفي بأنشطة العلاقات العامة والضغط على دوائر صنع القرار، بل تنشط أيضاً في تقويض الأبحاث العلمية التي تهدّد مصالحها. ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما فعلته صناعة التبغ العالمية، إذ أنفقت بسخاء لمنع الأبحاث العلمية من إثبات العلاقة السببية بين تدخين التبغ والسرطان، بما في ذلك تمويل علماء يمينيين لإنتاج أبحاث منحازة ترجّح الفرضيات التي روّجت لها صناعة التبغ، وتنفي وجود علاقة سببية بين التدخين والسرطان.
أحفر آباراً أكثر وأكثر! من بحوث السرطان إلى الإيكولوجيا السياسية
من هنا نصل إلى أزمة المناخ. فمثل شركات الأدوية وغيرها من القطاعات التي سبق ذكرها، تمثل صناعة الوقود الأحفوري قطاعاً رأسمالياً يسعى إلى الإبقاء على الوضع القائم، حتى وهو يعلم أنه يسبب أضراراً جسيمة للناس وللكوكب. وكما فعلت صناعة التبغ لعقود حين سعت إلى إنكار العلاقة بين التدخين والسرطان، أدّت شركات الوقود الأحفوري دور «تجّار الشك»، فعملت على إنكار الصلة بين الوقود الأحفوري وتغيّر المناخ، وأظهرت في ذلك إصراراً لافتاً على تقويض قضية الدفاع عن البيئة. وكما فعلت شركات الأدوية الكبرى في تعاملها مع السرطان، قدّمت صناعة الوقود الأحفوري حلولاً قصيرة الأجل لا تتجاوز كونها إجراءات تجميلية، تتعامل، في أحسن الأحوال، مع أعراض تغيّر المناخ، فيما تتجنب التحوّل الجذري اللازم للحد من تفاقم الأزمة.
والأهم من ذلك أن هذه الجهود، من صناعة التبغ إلى شركات الأدوية وصولاً إلى صناعة الوقود الأحفوري، تهدف إلى تجنّب الحوار الذي ينبغي أن نخوضه إذا أردنا الحفاظ على حياة كريمة للجميع: حوار في الأسباب الجذرية للتحديات الكبرى التي نواجهها. فهذا الحوار يقودنا، بالضرورة، إلى التفكير في الاقتصاد السياسي للرأسمالية وأمراضها. وفي عملي عن الإيكولوجيا السياسية والأزمة البيئية، أتبنى مقاربة «الاقتصاد السياسي»، التي تركّز على ديناميات رأس المال والإمبريالية المهيمنة.
بالنسبة إلى شركات الأدوية، يبقى الخيار الأكثر ربحية هو التعامل مع أعراض المرض بعد وقوعه وانتشاره، بدلاً من العمل على الوقاية منه
في عام 2013، وبعد سنوات قليلة من إغلاق قسم العوامل المسرطنة الكيميائية والبيئية في معهد بحوث السرطان، لم أعد أعمل في مجال بحوث السرطان. وانتقلت إلى توثيق الحراك المناهض للتنقيب عن الغاز بالتكسير الهيدروليكي (الغاز الصخري) في بلدي الأم، الجزائر، لصالح منظمة مقرها لندن تُدعى «بلاتفورم». ومن خلال هذا العمل، سعيت إلى تسليط الضوء على العلاقة المتنامية بين الجزائر وبريطانيا في قطاع النفط والغاز، وكذلك على التعاون العسكري بين البلدين.
وأتاح لي هذا العمل أن أرى في نضال الجزائريين ضد الغاز الصخري صراعاً اجتماعياً وبيئياً، ومقاومةً يخوضها المجرَّدون والمسلوبون من الموارد في مواجهة رأس المال الأحفوري، كما رأيته نضالاً ضد المحاولات المحلية والعالمية لنهب المزيد من الموارد عبر إنشاء «مناطق تضحية»، أي نطاقات جغرافية تُخصَّص لاستخراج الموارد على حساب السكان المحليين.
ومن خلال هذا العمل، تكوّنت لديّ رؤية أوضح للعلاقة بين صناعة الوقود الأحفوري وأزمة المناخ، وهو ما دفعني إلى التعمّق في دراسة نضالات العدالة المناخية حول العالم. وفي عام 2015، أطلقت مع زملائي في «بلاتفورم» كتاباً جماعياً بعنوان «ثورة شمال أفريقيا القادمة: النضال من أجل العدالة المناخية»، ربطنا فيه أجندة العدالة المناخية في المنطقة بالمطالب الثورية التي رفعتها الثورات العربية في مطلع العقد الثاني من الألفية: الخبز، والعدالة الاجتماعية، والكرامة، والحرية، والسيادة الشعبية.
وبعد إجراء أبحاث ميدانية في الجزائر والمغرب وتونس، ازددت اقتناعاً بأنه لا يمكن الحديث عن العدالة البيئية والمناخية من دون ربطها بأسئلة العدالة الاجتماعية والاقتصادية، والسيادة الوطنية والشعبية على الأرض والموارد. كما بدأت أدرك أن الصراعات الاجتماعية والبيئية ليست سوى أعراض للنموذج الاستخراجي النيوكولونيالي للتنمية، أو بالأحرى «وقف التنمية»، ولآليات النهب التي يقوم عليها. وأدركت أيضاً أن هذه الديناميات لا تقتصر على القطاعات الاستخراجية التقليدية، مثل الوقود الأحفوري، والتعدين، والأغري-بيزنس، بل تمتد إلى قطاع الطاقة المتجددة أيضاً. ومن هذا المنطلق، وثّقت هذه الفكرة مع إحدى زميلاتي في كتاب جماعي آخر بعنوان «تحدي الرأسمالية الخضراء: العدالة الطاقية والمناخية في المنطقة العربية» (2023).
ما خرجت به من هذه التجارب والأنشطة البحثية المتنوعة هو أن الآليات نفسها التي واجهتها خلال عملي باحثاً في السرطان، حيث تتسبب صناعات نافذة في المشكلة ثم تتصدّى، أو تتظاهر بالتصدي، لأعراضها من دون معالجة أسبابها الجذرية أو الوقاية منها، هي ذاتها التي تهيمن على التعامل مع أزمة المناخ.
ورأيت أوضح تجليات هذه الآليات في اختطاف الشركات والمصالح الخاصة، وفي مقدمتها صناعة الوقود الأحفوري، لمؤتمرات الدول الأطراف (كوب) التي تنظمها الأمم المتحدة. فقد ازداد عدد ممثلي لوبي الوقود الأحفوري باطّراد في هذه المؤتمرات، إلى أن تجاوز في مؤتمر كوب30 في بيليم (2025) عدد جميع الوفود، باستثناء وفد البرازيل. وزاد الأمر سوءاً أن مؤتمري كوب28 في دبي (2023) وكوب29 في باكو (2024) عُقدا برئاسة مسؤولين في شركات نفطية. وكأننا نطلب من مشعلي الحرائق أن يطفئوا الحرائق التي أشعلوها.
ولذلك، لم يكن مستغرباً أن تتجه هذه القمم العالمية، بدلاً من إلزام الدول الغنية وكبار الملوّثين والشركات متعددة الجنسيات بخفض الانبعاثات الكربونية ووقف إطلاق مشروعات جديدة لاستخراج الوقود الأحفوري، إلى الترويج المتزايد لحلول تقنية قصيرة الأجل تحقق الأرباح، مثل الهندسة الكوكبية (geo-engineering) وتقنيات احتجاز الكربون (carbon capture)، إلى جانب حلول سوقية زائفة، مثل تجارة الكربون، وما يُعرف بـ«صافي الانبعاثات الصفري» و«الحلول القائمة على الطبيعة».
في النموذج الرأسمالي، يُقاس نجاح البحث العلمي بعدد الأدوية التي تصل إلى الأسواق، بصرف النظر عن جدواها أو أثرها في تحسين صحة الناس
وكما يكشف وجود رؤساء شركات النفط على رأس مؤتمرات الدول الأطراف، فإن البنى السلطوية والجشعة نفسها التي أسهمت في تفاقم تغيّر المناخ هي التي ترسم اليوم آليات التعامل معه. وهدفها الأساسي، كما هو الحال في نهج شركات الأدوية الكبرى في التعامل مع أمراض مثل السرطان، هو حماية المصالح الخاصة وتعظيم الأرباح. وبينما تتولى اليوم المؤسسات المالية الدولية، مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، إلى جانب حكومات الشمال العالمي ووكلائها، صياغة الرؤية المهيمنة حول «الانتقال المناخي»، فإنها تطرح، في معظم الحالات، رؤية تقودها الشركات لانتقال رأسمالي، لا انتقال يقوده الناس العاملون ومن أجلهم.
ولا تتردد هذه الأطراف في التحذير من مخاطر الاحترار العالمي، بل تدعو أيضاً إلى تحرك عاجل، بما يشمل التوسع في استخدام الطاقة المتجددة ووضع خطط للتكيّف. لكن تحليلها يبقى قاصراً، بل وخطيراً، لأنه قد يعيد إنتاج أنماط السلب والنهب نفسها التي ميّزت منظومة الوقود الأحفوري. فالرؤية التي تحرك هذه القوى النافذة تقوم على استمرار إخضاع الاقتصاد لمصالح أرباح القطاع الخاص، بما في ذلك عبر المزيد من خصخصة المياه، والأرض، والموارد، والطاقة، بل وحتى الغلاف الجوي.
وكما أن معظم الأمراض السرطانية تنجم أساساً عن عوامل خارجية يمكن الوقاية منها، لا عن الجينات والعوامل الوراثية وحدها، فإن أزمة المناخ ليست قدراً محتوماً لا يمكن الوقاية منه أو إيقافه. فقد نشأت، وما زالت تتفاقم، نتيجة خيار يقوم على حرق المزيد من الوقود الأحفوري، وعلى الإيمان الوهمي بضرورة النمو الاقتصادي الدائم. وقد اتخذت هذا الخيار، في المقام الأول، شركات وحكومات في الشمال العالمي، بالتعاون مع الطبقات الحاكمة في الجنوب العالمي. وينطبق ذلك أيضاً على المنطقة العربية، حيث تُصاغ سياسات الطاقة والمناخ على أيدي نظم سلطوية، ونخب محلية طفيلية، وداعميها في الرياض، وأبو ظبي، وبروكسل، وواشنطن. وعلى الرغم من كل الوعود، تكشف ممارسات هذه الأطراف أنها تقف في مواجهة العدالة المناخية، بل وتهدد بقاء الإنسانية نفسها.
في خلاصة القول، انتقلت في مساري المهني، حتى الآن، من محاولة التصدي لأزمة كبرى، هي السرطان بوصفه وباءً عالمياً، إلى النضال ضد مسببات أزمة أكبر، هي أزمة المناخ. ومن خلال عملي في هذين المجالين، توصلت إلى قناعة مفادها أن القوى المستفيدة من الحفاظ على الوضع القائم تتبع التكتيكات والاستراتيجيات نفسها في الحالتين. فبدلاً من تغيير أنماط حياتنا وطرق إنتاجنا واستهلاكنا، تطلب منا شركات الأدوية الكبرى ألا نقلق، مؤكدةً أنها قادرة على تزويدنا بأدوية وعلاجات كيميائية «إعجازية» لحل جميع مشكلاتنا الصحية. والمنطق نفسه يحكم التعامل مع أزمة المناخ؛ فبدلاً من مواجهة رأس المال الأحفوري وإخضاعه للمساءلة، نجد أنفسنا مضطرين، إن لم نكن مجبرين، إلى قبول الحلول الزائفة التي يطرحها للأزمة التي تسبب بها. وقد تعلّمت من هذين المسارين أن وراء الإخفاق في التعامل الجدي مع السرطان وأزمة المناخ النمط نفسه من التسليع، وهيمنة الشركات، والسعي إلى تعظيم الأرباح.
وتعلّمت أيضاً ما أعتقد أننا نحتاج إليه للانتصار في هاتين المحنتين: كسر النموذج السائد في كلا المجالين. فبدلاً من الاكتفاء بالمزيد من الأدوية، علينا أن نغيّر أنماط حياتنا غير الصحية والمثقلة بالتوتر، وأن نواجه تلوث بيئاتنا المحلية. وبدلاً من التعاون مع صناعة الوقود الأحفوري في التعامل مع أزمة المناخ، علينا أن نواجهها. فلا يمكن ترك صحة البشر واستدامة الحياة على كوكب الأرض رهناً بالقطاع الخاص. وباختصار، فإن الخروج من هذا الواقع الكارثي يقتضي مواجهة رأس المال، ومقاومة منطقه القائم على الاستحواذ والاستخراج، واسترداد حياتنا من مخالب السوق القاتلة، ووضع الاحتياجات الإنسانية، إلى جانب الكائنات الأخرى، في صلب رؤية إيكولوجية اشتراكية قادرة حقاً على علاج أجسامنا وإنقاذ كوكبنا.
نُشِر هذا المقال في 2 تموز/يوليو 2026 على موقع المعهد العابر للقوميات، وتنشر النسخة العربية منه في «صفر» بموجب تعاون مع الجهة الناشرة.