ضدّ آرنت
- المجتمع المدني، كما أدركه غرامشي، بخلاف ما يتصوّره الليبراليون اليوم، ليس فاعلاً مستقلاً بل ساحة صراع تُخاض فيها المعارك على الهيمنة.
- ليس مستبعداً أن يفتح هجوم إدارة ترامب الباب أمام المثقّفين اليساريين للاتصال بالقوى السياسية والاجتماعية الحيّة التي طال عزلهم عنها. وإن تحقّق ذلك، يكون ترامب قد أسهم، من دون قصد، في ولادة «أمير حديث» جديد.
من بين الدروس الكثيرة التي تحملها عودة ترامب إلى البيت الأبيض، يبرز درس أساسي يتعلّق بالمجتمع المدني: مفهوم مراوغ يبعث على الإحباط، لكن لا مهرب منه. استُعير هذا المفهوم من فلسفة الحق لهيغل، حين كانت عبارة Bürgerliche Gesellschaft تُشير على نحو ملتبس إلى كلّ من المجال الناشئ للتبادل السوقي، وإلى الطبقات المتأخّرة في العصور الوسطى. سعى ماركس إلى تعرية البنية الكامنة للمجتمع المدني وقوانين حركته الداخلية غير أنّه في تحقيقه لهذا الاختراق الفكري، فَقَدَ شيئاً من الأهمّية السياسية والثقافية لذلك المجال من الجمعيات ومجموعات المصالح، الذي ميّز هذا «المستوى الثاني من البنية الفوقية»، المتموضع، كما أشار غرامشي، بين الاقتصاد الإنتاجي والدولة. صحيح أنّ ماركس عاد إلى هذا المعنى السابق في تحليله للبونابرتية، حين قابل الدولة الفرنسية المتضخّمة في طورها المطلق المتأخّر بالمجتمع المدني.
ينحدر خطّ فكري آخر من دو توكفيل، مروراً بدوركهايم، وصولاً إلى علم الاجتماع السياسي والعلوم السياسية المعاصرة .انصبّ اهتمام هذا الخطّ على فضائل البُنى الوسيطة، التي تستدعي إلى الأذهان، في بعض وجوهها، فكرة «السلطات الوسيطة» لدى مونتسكيو، والتي تتمثّل وظيفتها الأساسية في كبح إفراطات الديمقراطية الحديثة، ذلك النظام الذي رأى دو توكفيل أنّه يمكن التوفيق بينه وبين الحرّية بشرط وجود فضاء جمعياتي مزدهر، يقوم مقام العائلات الإقطاعية الكبرى في النظام القديم بوصفه بديلاً وظيفياً عنها. كانت هنا آرنت هي من جمعت بين التقليدين الماركسي والتوكفيلي في تفسيرها للتوتاليتارية الحديثة (وإن لم يَرِد ما يشير إلى أنّها قرأت غرامشي). رأت آرنت أنّ الشرط الحاسم لقيام النظام الشمولي هو تفتيت المجتمع المدني، ذلك التفكّك الذي أفضى إلى عزل المجتمع الجماهيري، المكوَّن من أفراد تائهين ومشوَّشين، جاهزين للانجراف خلف الحركات الجماعية الديماغوجية.
الشرط الحاسم لقيام النظام الشمولي هو تفتيت المجتمع المدني، ذلك التفكّك الذي أفضى إلى عزل المجتمع الجماهيري، المكوَّن من أفراد تائهين ومشوَّشين، جاهزين للانجراف خلف الحركات الجماعية الديماغوجية
بعد انقطاع دام بضعة عقود، عاد المفهوم إلى الواجهة بقوّة في خلال الفترة القصيرة من تسعينيات القرن العشرين المعروفة باسم «نهاية التاريخ»، وهي مرحلة اتّسمت بازدواجية غريبة: احتفاءٌ بانهيار البديل الشيوعي وقلقٌ من تآكل الديمقراطية الليبرالية في الغرب. بدا المجتمع المدني ذا صلةٍ بالمسارين معاً، في تفسير انهيار الاشتراكية الدولتية من جهة، وتقديم صيغةٍ لتجديد الديمقراطية الانتخابية المترنّحة في مركز النظام الرأسمالي من جهة أخرى. عاد المفهوم اليوم إلى الواجهة من جديد، وإن في سياق مغاير تماماً، بعدما شرع مثقّفو الليبرالية ونشطاء المنظّمات غير الحكومية في استحضار كتاب أصول التوتاليتارية لآرنت، داعين المجتمع المدني إلى التصدّي للخطر السلطوي المتنامي.
يركّز تيموثي سنايدر، الذي يُعدّ كتابه عن الطغيان المرجع الإلزامي للمعلّقين السياسيين الليبراليين من ذوي الادّعاء الثقافي، على أهمّية دعم «المنظمات المعنيّة بحقوق الإنسان» تفادياً لما وصفته آرنت بـ«انحدار المجتمع إلى غوغاء». تقول ريبيكا باربر، الكاتبة في مجلة NonProfit Quarterly المتخصّصة في شؤون المنظّمات غير الحكومية: «من المهم أن نتذكّر أنّ المجتمع المدني قد نهض في وجه التهديدات من قبل، وهو قادر على فعل ذلك مرّة أخرى». يوافقها زميلها ديفيد سنايدر الرأي، قائلاً إنّه «في هذا الزمن من تعمّق الأزمة، لا بدّ للمجتمع المدني أن يتحرّك». أمّا راندي وينغارتن، رئيسة اتحاد المعلّمين الأميركي، وإيمي سبيتالنِك، المديرة التنفيذية للمجلس اليهودي للشؤون العامة، فتعيدان تعريف المجتمع المدني في مجلة News Week بوصفه «شبكة حيّة تتنفّس، من أشخاص ومنظّمات يعملون يومياً لتحسين مجتمعاتنا». هكذا، يغدو المجتمع المدني في هذا الخطاب كائناً يتحرّك ويقاوم بل يعيش ويتنفّس.
حركة «اجعلوا أميركا عظيمة مجدداً» لا تسعى إلى تدمير مجال الجمعيات ومجموعات المصالح، بل إلى استعماره
مهما كانت المخاوف من هجمات إدارة ترامب على قطاع المنظّمات غير الربحية مبرّرة، فإنّ معظم هذا الخطاب يعاني التباساً مزدوجاً: التباساً في فهم تاريخ التوتاليتارية، والتباساً في تحديد ماهيّة المجتمع المدني نفسه. وفي ما يتعلّق بسوء الفهم الأوّل، ينبغي التأكيد على أنّه، على الرغم من الطروحات القيّمة الكثيرة التي يقدّمها كتاب أصول التوتاليتارية، ولا سيّما في ما يخصّ الإمبريالية، فإنّ حجّته المركزية خاطئة إلى حدّ كبير. في إيطاليا وألمانيا، وهما النموذجان الأوضح لولادة الفاشية ما بين الحربين، كان المجتمع المدني مزدهراً قبل صعود السلطوية إلى الحكم. منذ عام 1870، شهدت التعاونيات والكنائس والنقابات والأحزاب وجمعيّات المعونة المتبادلة توسّعاً كبيراً ومتواصلاً. والفكرة القائلة إنّ ألمانيا وإيطاليا قبل الفاشية كانتا مجتمعين جماهيريّين مفكّكين مُضلّلة. فما الذي فعله الفاشيّون بهذه البُنى التنظيمية بعد وصولهم إلى السلطة؟ استولوا عليها وأخضعوها لمقتضيات النظام. وفي ذلك درسٌ أساسيّ عن ماهية المجتمع المدني، وما ليس هو عليه. فالمجتمع المدني، كما أدركه غرامشي، بخلاف ما يتصوّره الليبراليون اليوم، ليس فاعلاً مستقلاً بل ساحة صراع تُخاض فيها المعارك على الهيمنة.
يحمل هذا الأمر راهنيّة بالغة في السياق الأميركي اليوم. فحركة «اجعلوا أميركا عظيمة مجدداً» لا تسعى إلى تدمير مجال الجمعيات ومجموعات المصالح، بل إلى استعماره. فهي لا تُحبط المشاركة المدنية، بل تعمل على تعزيز أشكالها الخاصّة منها. وهكذا عقب اغتيال تشارلي كيرك، حثّ جاي. دي. فانس مستمعي بودكاست كيرك على «الانخراط ثم الانخراط ثم الانخراط»، مفسّراً أنّ المجتمع المدني «ليس أمراً يتدفّق من الحكومة، بل من كلّ واحدٍ منّا». أعلن رايان وولترز، المشرف السابق على المدارس العامة في أوكلاهوما، عن طموحه في إنشاء فرعٍ لمنظّمة Turning Point USA في كلّ مدرسة ثانوية وجامعة في الولاية. إنّها معركة من أجل الهيمنة تُخاض على أرض المجتمع المدني، لا صراعاً من أجل (أو ضدّ) مجالٍ أسطوري من التوافقات ما قبل السياسية وحلّ المشكلات العملية، بل ما كان غرامشي ليصفه بـ«حرب المواقع».
إنّها معركة من أجل الهيمنة تُخاض على أرض المجتمع المدني، لا صراعاً من أجل (أو ضدّ) مجالٍ أسطوري من التوافقات ما قبل السياسية
تكمن هنا مفارقة عميقة لا يعيها الترامبيون على الأرجح. فبدل أن يتمتّع اليسار والمثقّفون التقدّميون بنفوذٍ ثقافي كما يُشيع اليمين، جرى تطويقهم داخل منظومة الجامعة والمنظّمات غير الحكومية، حيث يعيشون كطائفة فكرية مميّزة ولكن شبه معزولة. هناك، تشكّلت ما وصفه غرامشي بـ«الإنتلجنسيا التقليدية»، تتداول خطابها الغامض في ما بينها، تاركة اليسار عاجزاً ومفتقراً إلى الصوت الجماهيري. ليس مستبعداً أن يفتح هجوم إدارة ترامب على هذا الطوق العازل الباب أمام إمكانٍ غير متوقّع: أن يجد المثقّفون اليساريون طريقاً جديداً للاتصال بالقوى السياسية والاجتماعية الحيّة التي طال عزلهم عنها. وإن تحقّق ذلك، يكون ترامب قد أسهم، من دون قصد، في ولادة «أمير حديث» جديد، من زمن الشبكات الاجتماعية والانتشار الرقمي والذكاء الاصطناعي وصناعة الثقافة الكليّة. لتصبح «ماغا» بذلك القابلة لولادة ما كانت ترتعب من ظهوره.
نُشِر هذا المقال في 3 تشرين الأول/أكتوبر 2025 في New Left Review، وتُرجِم إلى العربية ونُشِر في موقع «صفر» بموافقة مسبقة من الجهة الناشرة.