Preview مهدي عامل

استئناف نقاش مع فكر مهدي عامل (2)
هل الفكر الماركسي اللينيني مفقود في الفكر العربي؟

«نمط الإنتاج الكولونيالي» لمهدي عامل (1976) هو الجزء الثاني من دراسة بعنوان «مقدّمات نظرية لدراسة أثر الفكر الاشتراكي في حركة التحرّر الوطني». يثير العنوان الفرعي سؤالين: الأول، ما معنى أن تكون دراسة أثر الفكر الاشتراكي على حركة التحرّر الوطني العربية «دراسة نظرية»؟ والسؤال الثاني، ما سبب الاختلال بين الفكر والممارسة في المعادلة؟ ألم تنتج حركة التحرّر الوطني فكرها؟

يعرِّف مهدي عامل دراسته بأنها ليست دراسة تاريخية لواقع «تجريبي» معيّن كالعالم العربي مثلاً، وهو لو أراد ذلك لما استطاع لأنه ليس مؤرّخاً. بل هي «دراسة نظرية، موضوعها واقع مفهومي ليس معطى، بل يجب إنتاجه في عملية متميّزة من الإنتاج، هي عملية إنتاج معرفي» (6-7)، ذلك أن التفكير في الأدوات المفهومية شرط مسبق للتفكير في واقع الحركة التاريخية. والباعث على هذا الامتحان للأدوات المفهومية سببان: الأول، أن الطبقة العاملة لم تكن ممارستها ممارسة بروليتارية دوماً، بل مرّت بفترات طغى عليها الطابع البرجوازي الصغير. والثاني، أن المرحلة التاريخية الراهنة هي مرحلة الأزمة في قيادة البرجوازية الكولونيالية المتجدّدة لحركة التحرّر الوطني فهي بالتالي مرحلة الضرورة الراهنة في القيادة البروليتارية للحركة التحرّرية.(8)

تجريدات الثالوث نظرية-واقع مفهومي-إنتاج معرفي- تمرُّ في معظمها في العلاقة بين النظرية والتاريخ. سيّان أكان مهدي عامل أو لم يكن مؤرّخاً، فقسمٌ لا بأس به من كتابه يتعلّق بالتاريخ، منهجاً وممارسة،

من يضع نفسه في جوّ نقاشات تلك المنطقة وعلى الخصوص عدداً من مفاهيم الحركة الشيوعية العربية، سوف يلقى في الكتاب نقاشاً نقدياً لمفاهيم «الرأسمالية الوطنية» و«الطريق اللارأسمالي إلى الاشتراكية»، وخصوصاً «الأنظمة التقدّمية» أو «أنظمة البرجوازية الصغيرة» أو «السلطات المستلمة باسم البرجوازية الصغيرة»، حسب تعبير مهدي، إلخ. لكن هذه ليست أبرز الأدوات الفكرية التي تعني مهدي في هذا الكتاب، وإن تكن الإشارات إليها متفرّقة وهامشية وضمنية في كثير من الأحيان، كما سوف يتبيّن.

على أن ما أود نقاشه ابتداءً هو أن تجريدات الثالوث نظرية-واقع مفهومي-إنتاج معرفي- تمرُّ في معظمها في العلاقة بين النظرية والتاريخ. سيّان أكان مهدي عامل أو لم يكن مؤرّخاً، فقسمٌ لا بأس به من كتابه يتعلّق بالتاريخ، منهجاً وممارسة، موضوعه التاريخ الاقتصادي الاجتماعي العربي، يتناول أمثلة من لبنان ومصر خصوصاً، ويقارن مع وقائع وتطوّرات من التاريخ الأوروبي، والفرنسي خصوصاً، ناهيك عن أن الكتاب يحتوي فصلاً في مراجعة كتاب رفعت السعيد «تاريخ الحركة الاشتراكية في مصر 1900-1925».

وما يدلي به مهدي في التاريخ ليس بقليل. يعرّف النظرية التي يشتغل بها - الماركسية اللينينية - على أنها «علم التاريخ». ويجزم بأن الفكر الماركسي اللينيني خير فكر قادر على تأريخ الماضي، ويؤكّد على أهمية استعادة تأريخ «أضاعته منا الذاكرة»، وينحاز إلى ميزة التاريخ عندما تكتبه الجماهير، وعن أهمّية استعادة تاريخنا من أيدي الإمبرياليين. وينصح بأن تكون كتابة التاريخ مستندة إلى وعي نظري يكون على الدوام حاضراً في ممارستها. وبالجملة يضع المؤلّف مقياساً للنجاح في كتابه «نمط الإنتاج الكولونيالي» أن يكون قد أنتج أبجدية المادية التاريخية في حركة التحرّر الوطني. 

الواقع المفهومي/الواقع التجريبي

النظرية تخترع التاريخ

في «تأريخ» عامل لتكوّن بورجوازية تابعة في لبنان القرن التاسع عشر يلاحظ أن تكوّنها ترافق مع القضاء على ما يمكن اعتباره تكون وتطوّر «بورجوازية وطنية»:

«إن تكوّن البرجوازية الكولونيالية في لبنان رافقه مثلاً قضاء على صناعة الحرير التي كانت مزدهرة في النصف الأول من القرن التاسع عشر».(73)

لنفترض أن هذا المثال بمثابة «واقع مفهومي»، كما يريدنا الكاتب. إلّا أنه اضطر لأن يستدلّ عليه من خلال «واقع تجريبي». ولكن ما نصيب عملية التكوّن الجنيني لقطاع صناعي عاجله الموت من الصحة؟ إلى أي مدى يلتقي القول بالقضاء على صناعة الحرير التي كانت مزدهرة، في «لبنان» النصف الأول من القرن التاسع عشر، مع ما نعرفه عن التاريخ الاقتصادي الاجتماعي لتلك الفترة، وبحدود ما تسمح به تلك المعرفة؟

هذا ما نعرفه. 

لم يكن يوجد «لبنان» في النصف الأول من القرن التاسع عشر. يطلق مهدي التسمية على جبل لبنان وبيروت والساحل التي سوف تكون المحور الذي نشأ حوله الكيان الذي سُمِّي «لبنان الكبير» في العام 1920. 

لم تكن صناعة الحرير مزدهرة في النصف الأول من القرن التاسع عشر بل كانت في طور النشوء والتكوّن. والحال أنها لم تكن صناعة حرير بل صناعة حلّ الشرانق وإنتاج الحرير الطبيعي الخام. ثم أن تلك الصناعة عرفت فترة ازدهارها في النصف الثاني، لا الأول من القرن التاسع عشر، في إطار متصرّفية جبل لبنان (1861-1915) ذات الحكم الذاتي المحدود ضمن السلطنة العثمانية.

ولم يقتصر أمر الحرير على وجهه الصناعي. كان نظاماً اقتصادياً متكاملاً يضم الزراعة، التي غطّت قسماً كبيراً من الأراضي الزراعية في تلك المنطقة، ومشاغل الحِرَف، ومعامل إنتاج الحرير الخام، ويرتبط به قطاع مالي يتولّى تمويل الإنتاج الزراعي والاستثمار في الإنتاج المعملي، إضافة إلى قطاع تجاري يتولّى تصدير المحاصيل إلى فرنسا واستيراد مستلزمات ذلك الاقتصاد.

واقتصاد الحرير في ظل متصرّفية جبل لبنان وبيروت نموذج عن اقتصاد كولونيالي وعن علاقات التبعية الاستعمارية. وهو واقعة من وقائع قسمة العمل الدولية في خلال تلك الحقبة بين أوروبا والشرق المتوسط، يتم خلالها عملية التبادل غير المتكافئ بين موارد طبيعية وزراعية من جهة، ومنتجات مصنوعة من جهة أخرى. ويمثّل اقتصاد الحرير هذا حالة نموذجية من «اقتصاد المنتوج الواحد» (monoculture) المرتهن تسويقه بالطلب في مدينة ليون عاصمة الحرير الفرنسي. وقد أدّى قيام تلك الزراعة إلى التخلّي المتسارع عن الزراعة الكفافية في جبل لبنان وقسم كبير من الساحل، الذي غطّته ملايين أشجار التوت، وغلبة الإنتاج السوقي النقدي للحرير الخام تنتجه مئات حلالات الحرير، أكبرها وأحدثها تابع لأسر صناعية وتجارية فرنسية لا يتجاوز عددها أصابع اليدين. على أن علاقات التبعية الاقتصادية لم تقتصر على هذا. كان اقتصاد الحرير يعني تحكم تجّار مارسيليا وصناعيي ليون بسعر الحرير، وسعر بزر القز، والأدوات الزراعية وبأسعار ما يعيدون تصديره من منتجات منسوجة. وقد ارتبط باقتصاد الحرير أيضاً نشوء بيوتات تجارية ومالية فرنسية ومحلّية ووكالات بحرية. وجدير بالذكر أن فرنسا كانت تستورد الحرير الخام بالدرجة الأولى من المنطقة فيما كانت بريطانيا تغزوها بالمنسوجات القطنية.

ليس من دليل على أن الحلالات الفرنسية الكبرى قضت على الحلالات المحلّية الصغيرة والمتوسطة. بل العكس صحيح، ذلك أن رأس المال الفرنسي ما لبث أن انسحب من إنتاج الحرير واكتفى بعوائد التسليف والفوائد والأرباح المتأتية من التجارة الخارجية الأقل توظيفاً لرأس المال والأكثر إدراراً للربح. 

وقد لعب اقتصاد المنتوج الواحد الكولونيالي هذا دوراً كبيراً في موجة الهجرة التي انطلقت في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، وفي المجاعة أيام الحرب العالمية الأولى بدافع من فشل حلّ مسألة الأرض لمصلحة الفلّاحين والتسليع المتسارع للاقتصاد.

وأخيراً، ليس آخراً، بدأ اضمحلال اقتصاد الحرير في العقد الثالث من القرن العشرين بسبب تقلّص الطلب عالمياً على الحرير الطبيعي الذي تعرّض لمنافسة الحرير النباتي. وجرى تدارك جزئي للأزمة الناجمة عن ذلك، باستبدال أشجار التوت في جبل لبنان بالأشجار المثمرة وبنمو قطاع الاصطياف.

أعلاه عيّنة عن اقتصاد كولونيالي يمكن إدراجها بسهولة فيما يُسمّى «نمط الإنتاج الكولونيالي». لكن مهدي عامل اختار «الواقع المفهومي» - الذي يتبيّن أنه مأخوذ من «واقع تجريبي» هو تدمير الاستعمار البريطاني لصناعة النسيج الهندية - وتطبيقه على جبل لبنان في القرن التاسع عشر. فقدّم مثالاً بين أمثلة عن اختراع النظرية للتاريخ.

الفكر الاشتراكي وحركة التحرّر الوطني

في عودة إلى موضوع أثر الفكر الاشتراكي على حركة التحرّر الوطني، يأخذ مهدي على التأريخ للحقبة الأولى من ذلك الفكر في كتاب رفعت سعيد على أن المؤلّف اكتفى بربط نشأة الفكر الاشتراكي في مصر بواقع الاقتصاد والصراعات، في حين كان يتوجّب ربط تاريخ الفكر الاشتراكي بحركة الصراعات الطبقية في مصر، بحيث بقيت العلاقة عند المؤرّخ المصري علاقة خارجية بين حركة الأفكار وحركة الصراعات الطبقية. ويتجلّى من هذه وتلك، أن تكوّن الفكر الاشتراكي، في المرحلة ما بين الحربين العالميتين، قد تمّ تحت الهيمنة الفكرية للبرجوازية الصغيرة. ويستخدم المؤلّف الثنائية الهوياتية تماثل/اختلاف لتعيين اختلاف فكر البرجوازية الصغيرة عن فكر الطبقة العاملة. وهو أن الأولى ترفض الصراع الطبقي والثورة كطريق للتحرّك الاجتماعي الذي تقول به الثانية. ويستطرد مهدي بأنه عندما يكون الفكر الاشتراكي متجسّداً في البرجوازية الصغيرة في السلطة يتحوّل الاختلاف إلى تضاد بينها وبين الطبقة العاملة.(326)

 لا يلبث مهدي أن يقفل الدائرة على نفسه عندما يقول إن الطبقة العاملة لن تستطيع تحرير البرجوازية الصغيرة من أسِر أيديولوجيتها ما لم تقم هي في البدء بتحرير أيديولوجيتها نفسها من كل ما يخضعها لسيطرة الأيديولوجية البرجوازية الصغيرة

هذا التعريف نموذج عن نهج النرجسية الطبقية الذي سبق أن عثرنا على عيّنات منه في «نقض» فكر ميشال شيحا. هو نهج يُعرّف المعرَّفَ به بما ليس هو قياساً إلى المعرِّف. أي بما يذكّر بمعادلة زياد الرحباني عن الفكر الطائفي المنغلق على ذاته العاجز عن تصوّر وجود آخر ليس هو: 

-«المحمودات، مسيحيي شي؟»

-«لا»

-«ليش بدي حبّن؟» 

وسوف تستأثر ثنائية تماثل/اختلاف الهوياتية بقسم لا بأس به من محاجّات مهدي عامل في هذا الكتاب، مع أنه يصعب العثور على صلة فعلية لها بالفكر الماركسي.

مهما يكن، وعلى الرغم من هذا التمييز، فإن الطبقة العاملة لم تستقل فكرياً إلّا بعد الحرب العالمية الثانية عندما مارست الصراع الطبقي المستقل عن البرجوازية الصغيرة، «قاطعة بذلك علاقة التبعية عن تلك الطبقة».(331)

استنتاج أول: الفكر الاشتراكي الذي نقتفي أثره على حركة التحرّر الوطني ليس هو فكر مرحلة نشوء ذلك الفكر في الفترة بين الحربين الأولى والثانية. فمن شروط انتقال الفكر الاشتراكي من وعي البرجوازية الصغيرة وممارساتها الطبقية إلى وعي الطبقة العاملة وممارساتها هو تحوّل ذاك الفكر إلى عِلم. من هنا ضرورة دعوة المؤلف إلى «القطع المعرفي» أو «إقامة الحدّ المعرفي» بين هذا الفكر العلمي وفكر البرجوازية الصغيرة. «إقامة الحدّ المعرفي»! أليست قوية بعض الشيء في التحالفات الطبقية؟ فهمنا «القطيعة المعرفية» المستعارة من اجتهاد فرنسي في الفكر العلمي. أما «إقامة الحد» فيا له من عقاب ربّاني من طبقة اجتماعية على أخرى، ولو على يد مفكر علماني!

مهما يكن، ليست تنتهي مسألة «إقامة الحدّ» عند هذا الحد. يحمِّل المؤلف الطبقة العاملة مهمة تحرير البرجوازية الصغيرة ذاتها من أسْر أيديولوجيتها الطبقية، فإذا «إقامة الحد المعرفي» هنا هي الوسيلة التي بها تستعيد الأيديولوجية البرجوازية الصغيرة «وجهها الثوري» وقد تحوّل إلى وجه محافظ رجعي عندما ارتقت إلى السلطة، أو جرى تسلّم السلطة باسمها(332-333). مهما يكن، لا يلبث مهدي أن يقفل الدائرة على نفسه عندما يقول إن الطبقة العاملة لن تستطيع تحرير البرجوازية الصغيرة من أسِر أيديولوجيتها ما لم تقم هي في البدء بتحرير أيديولوجيتها نفسها من كل ما يخضعها لسيطرة الأيديولوجية البرجوازية الصغيرة. وهذا بعد أن كان أعلمنا في الصفحة السابقة أن الطبقة العاملة قد قطعت علاقة التبعية عن البرجوازية الصغيرة.

ولكن هل استقلت الطبقة العاملة فعلياً بعد الحرب العالمية الثانية؟ هل ولد الفكر العلمي المكلّف بـ«إقامة الحد المعرفي» بينه والفكر الاشتراكي البرجوازي الصغير؟ وماذا عن الماركسية في فكر الأحزاب الشيوعية العربية بعد الحرب؟ 

هل الفكر الماركسي اللينيني مفقود في الفكر العربي؟

لا جواب واضحاً عند مهدي في مراجعته «تاريخ الفكر الاشتراكي في مصر». لكن لدينا منه جواب ورد في مقابلته في مجلّة «الحرية» المذكورة سابقاً يقطع فيه على نحو مفاجئ بقوله: «الفكر الماركسي اللينيني مفقود في الفكر العربي» (29 آب/أغسطس 1977)، ويعيّن في المقابل ثلاثة مصادر للماركسية في العالم العربي: «الماركسية الكونية»، ممارسة الحركة الثورية العالمية، وممارسة حركة التحرّر العربية.

هل ننصف مهدي إن صحّ تفسيرنا لسعيه على أنه ليس دراسة تأثير الاشتراكية على حركة التحرّر الوطني العربية، بل هو دراسة نظرية لاستخراج ما في حركة التحرّر الوطني العربية من آثار للماركسية والاشتراكية؟

يمكننا ابتداءً أن نأخذ مقولة مهدي على وجه أول هو أنه يؤكّد عبث البحث في الفكر العربي عن الماركسية اللينينية. في لا أكثر من صفحة واحدة في كتابه، يعلن رفض منطق الاستمرارية التاريخية، والحفاظ على الأصالة، والافتراض بأن الاشتراكية العلمية قادرة على «أن تكون فينا» أو أن تجدّد فكرنا المعاصر. فنتوهم أنه يمكن أن نأتي تلك الماركسية اللينينية عن طريق «السلف الصالح»، كأن يكون ابن رشد او ابن خلدون بديلاً من ماركس وأبو ذر الغفاري بديلاً من لينين، مثلاً. تلك «استحالة موضوعية في الفكر أن يُخرج بُنيته من حقل الممارسة الأيديولوجية المحدّدة للصراع الطبقي الذي هو حقله التاريخي».(334)

هذا وجه آخر من مهدي المؤرّخ عن غير اختصاص، هو وجهه «التاريخاني». يحكم بجرّة قلم واحدة على تراث كامل من شغل بحاثة ومؤرّخين وأدباء نبشوا ما في التاريخ العربي من فكر يرهص بالحرية والمساواة وبالنزعات المادية كما الجدلية، من بندلي جوزي في الثلاثينيات إلى حسين مروة بعد نصف قرن، والحبل على الجرّار بالعشرات ممن سعوا في هذا الحقل. بناءً على ثنائية استمرارية/قطع، يقطع مهدي بأنه لا يعقل أن «يكون فينا» من الأفكار والنزعات والتيّارات والحركات ما يعبّر عن صراع الطبقات والأفكار بين قديم وجديد، وتقدّمي ومحافظ، وبين فكر يدافع عن التراتب والتمييز وفكر يسعى إلى العدالة والمساواة.

أما أن تلك ليست تتطابق مع ما توصل إليها الفكر في العصر الحديث، فأمر مؤكّد. لكن اعتبار البحث وإنتاج المعارف عن التراث الفكري والثقافي العربي، تتجه في ذاك الاتجاه، هي جهد مستحيل لأنه لن ينتج ما قد نتج عن تطوّر لاحق في فكر ماركس أو لينين، أمر عجيب حقاً. 

ما الاعتراض على استظهار هذا التعبير الرائع عن المادية التاريخية عند ابن خلدون في هذين القولين/المفهومين مثلاً «الناس بزمانهم أشبه منه بآبائهم»؛ و«إن اختلاف الأجيال في أحوالهم إنما هو باختلاف نحلتهم من المعاش»؟ أليس الأجدر من الهوس بمفهوم العصبية وقد أفرغ من جدليّته التي يمكن أن توصلك إلى عبثية الدولة ومسار اضمحلالها المكتوب في معنى المفردة أصلاً؟ ثم لماذا يطبّق مفهوم العصبية على كل البنى الهوياتية: قبيلة، عشيرة، طائفة، إلخ. أليس المفهوم قابلاً للتطبيق على التماسك والتضامن لدى الطبقات؟

مهما يكن، فإن استظهار عناصر ذلك التراث يجعلنا أيضاً أكثر أهلية لاستيعاب وتمثل الصيغة أو الصيغ العصرية من تلك الأفكار، في حقلها التاريخي الجديد، فتخدم بما هي قواعد استقبال للفكر الماركسي اللينيني وما يرتبط بها من الوعي والحركات والممارسات، بدل أن نعتبر الماركسية اللينينية مجرد أفكار ونزعات وتيّارات تأتينا من خارج. فليس من معنى لرفض ما يأتينا من داخل إلا بتفضيل ما يأتينا من خارج. ولعل مهدي كان يدري أن ما يأتي من خارج، في الأكثرية الساحقة من الحالات، هو ما يأتينا من «كونية» المركزية الأوروبية.

ويمكن أن نفترض من جهة ثانية أن مقولة مهدي عن فقدان الفكر الماركسي اللينيني في الفكر العربي تتعلّق بما هو أكثر معاصرة. يريد المؤلف أن ينفي بها وجود «ماركسية عربية» مثلما درج سابقاً نفيُ وجود «اشتراكية عربية» بالحجّة ذاتها، أي بالتأكيد على وحدانية النظرية الماركسية وكونيّتها، ووحدانية مصدرها والمرجعية، والأمر ذاته كان ينطبق على الاشتراكية. في تلك الفترة كانت كونية الماركسية اللينينية والاشتراكية تعني الوحدانية السوفييتية في تمثيل الماركسية اللينينية كمرجع أوحد. ولقد تفكّكت تلك الوحدانية عملياً مع نهاية العهد الستاليني، على الأقل بالنسبة للأحزاب الشيوعية الأوروبية، وتعدّدت التيّارات والتأويلات. ولكن ماذا كانت تعني «كونية الماركسية اللينينية» في السبعينيات عندما كان مهدي عامل يكتب؟ أين المرجعية والمرجع؟ افترض أن مهدي عامل ليس يتحدث عن المرجعية السوفييتية؟ فنحار جواباً.

لننتقل إلى وجه آخر من هذه المسألة. على امتداد نحو قرن، استخدم مفكّرون ومناضلون وقادة في حركة التحرّر العربية النظرية الماركسية أو تأثّروا بها، لإنتاج معارف عن بلدانهم والسلطة السياسية والمجتمع والاقتصاد والثقافة. شكّلت تلك المساهمات علامة فارقة في الفكر العربي، قدر ما شكّلت دليل عمل في إطار حركة التحرّر الوطني والاجتماعي العربية. وإن شئنا اتّباع سياق التاريخ للفكر الاشتراكي، حسب مهدي عامل، يمكن اعتبارهم جميعاً من مفكّري ما بعد الحرب العالمية الثانية. وهذه بعض الأسماء: محمد حربي، مصطفى الأشرف في الجزائر؛ علي يعته، المهدي بن بركة، في المغرب؛ محمد حرمل في تونس؛ عبد الفتاح اسماعيل، عبد الله باذيب في اليمن؛ هنري كورييل، محمود أمين العالم، سمير أمين، أنور عبد الملك، محمود حسين في مصر؛ عبد الخالق محجوب، محمد إبراهيم نقد في السودان؛ خالد بكداش، ياسين الحافظ، الياس مرقص في سوريا؛ فرج الله الحلو، سليم خياطة، نقولا الشاوي، حسين مروة في لبنان؛ جبرا نقولا، إميل توما، في فلسطين، ويمكن أن يضاف إليهم عدد من قادة ومفكّري «اليسار الجديد» ببلدانه العربية وتيّاراته المختلفة. وقد أنتج هؤلاء فكرهم في إطار مشاركتهم في حركة التحرّر الوطني العربية، وشكّلوا يسار تلك الحركة، بأكثر من معنى وموقع. إلى هذا، لم يقتصر نتاجهم على التحرّر الوطني بل تعدّاه إلى الفكر النقدي في مرحلة الاستعمار الجديد، ونقد رأسماليات الدولة والترويج للاشتراكية وطرائق الانتقال إليها.

هل لهذا النتاج من عنوان؟ وبأي معنى ولأي سبب يمكن حذفه من الوجود كفكر ماركسي لينيني في الفكر العربي؟ أو كفكر ماركسي عربي؟ وعكساً، بأي معنى يمكن رفض وضع ذاك النتاج تحت عنوان «أثر الفكر الاشتراكي في حركة التحرّر الوطني العربية»؟ 

الجواب عند مهدي هو البديل الآتي: «الماركسية الكونية»، ممارسة الحركة الثورية العالمية، وممارسة حركة التحرّر العربية. لكي نستمر في محاولة فهم ما يسعى إليه، يمكننا القول إننا بصدد جهد فكري يسعى لاستخراج الماركسية من ممارسة حركة التحرّر الوطني العربية. هل ننصف مهدي إن صحّ تفسيرنا لسعيه على أنه ليس دراسة تأثير الاشتراكية على حركة التحرّر الوطني العربية، بل هو دراسة نظرية لاستخراج ما في حركة التحرّر الوطني العربية من آثار للماركسية والاشتراكية؟ وهذا جرياً على منهجه القائل بأن النظرية هي نظرية الممارسة. هذا حتى لا نعقّد المسألة ونتحدّث عن النظرية كممارسة. وقد عرّف مهدي منهجه على أنه نظرية ممارسة الطبقة العاملة من خلال حزبها ويمكن الافتراض أنه يجوز مدّ لذلك للحديث عن نظرية ممارسة الطبقة العاملة والبرجوازية الصغيرة من خلال حركة التحرّر الوطني العربية. قد يغرينا السؤال عن الدجاجة والبيضة: ما الأسبق، الأدوات النظرية، التي تفحّص مهدي البعض منها في الكتاب، ام الممارسة الطبقية الخام؟  لكن الأجدر أن نؤجله إلى وقت آخر. 

يبقى السؤال عن مرجعية «الماركسية الكونية»؟ ما لدينا منها في هذا الكتاب مستوحى بالدرجة الأولى من أداتين نظريتين، «نظرية التبعية» وأحد فروعها الأساسية «نمط الإنتاج الكولونيالي». 

فلنلقِ نظرة على هذه وتلك.