عمّال مصر في الجمهورية الثانية

عوامل الهشاشة وأثر الإكراه في تشكيلها
عمّال مصر في الجمهورية الثانية

منذ عام 2014، ومع تشكّل ملامح ما يُعرف بـ«الجمهورية الثانية»، شهدت العلاقة بين الدولة والعمال تحوّلات عميقة ارتبطت بإعادة هيكلة الاقتصاد وتراجع الدور الإنتاجي للدولة، بالتوازي مع تدهور الأوضاع المعيشية للعمّال وانحسار قدرتهم على التنظيم والاحتجاج. وجاءت هذه التحوّلات ضمن مسار أوسع ارتبط ببرامج التمويل الدولية وتصاعد الاعتماد على الديون الخارجية، وما رافقه من سياسات لضبط الإنفاق العام وإعادة هيكلة الدعم وتوسيع دور السوق.

وفي الوقت نفسه، شدّد النظام القيود على الحريات النقابية والحق في الإضراب، وعزّز احتكار التمثيل العمالي داخل الأطر الرسمية، في محاولة لإعادة تثبيت السيطرة عبر مزيج من الإكراه وإعادة إنتاج الشرعية، من دون معالجة الاختلالات البنيوية المرتبطة بالأجور والتفاوت وسوق العمل.

وقبل تناول أوضاع العمال في «الجمهورية الثانية»، يجدر التوقف عند بدايات تفكك العلاقة بين الدولة والعمال في السنوات الأخيرة من «الجمهورية الأولى». 

تفكّك الصفقة بين الدولة والعمّال

شهدت مصر بين عامي 2004 و2013 موجة احتجاجات عمالية غير مسبوقة منذ أواخر أربعينيات القرن الماضي، تزامنت مع تصاعد احتجاجات طالبي العمل والأهالي ضد تدهور الخدمات وتراجع الدعم، إلى جانب الاحتجاجات السياسية الرافضة لتمديد حكم حسني مبارك أو توريثه. وقد بلغت هذه الموجة ذروتها في عام 2013، في سياق تحولات أعمق شهدها الاقتصاد السياسي المصري.

عمّال مصر في الجمهورية الثانية

غرافيتي في شارع في القاهرة من 2021 بعد ثورة 2010 تقول: «المصانع للعمال مش لعصابة رأس المال» (تصوير: حسام الحملاوي)

ترى رباب المهدي أن تصاعد الاحتجاجات العمالية ارتبط بتفكّك «الصفقة التكوينية» التي حكمت العلاقة بين الدولة والطبقة العاملة منذ خمسينيات القرن الماضي، والقائمة على توفير التشغيل والأمان الاجتماعي وبعض المكاسب الاقتصادية مقابل الاستقرار السياسي والاندماج في المشروع التنموي للدولة. إلا أن هذه الصيغة بدأت بالتآكل مع التحوّل نحو السياسات النيوليبرالية منذ عام 1991، وتسارعت خلال فترة حكومة أحمد نظيف، مع تراجع دور الدولة كضامن للتشغيل والحقوق الاجتماعية، وتدهور الأجور الحقيقية، وارتفاع التضخم، وتراجع فعالية آليات الحماية الاجتماعية، ما وسّع دوافع الاحتجاج وأضعف ثقة العمال بالدولة.

وفي السياق نفسه، تربط نيكولا برات هذه التحولات بإعادة تموضع الدولة المصرية داخل الاقتصاد العالمي عبر برامج صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، والانتقال من نموذج اقتصادي تقوده الدولة إلى نموذج تتزايد فيه هيمنة آليات السوق. وترى أن هذا التحوّل قوّض أحد الأسس التاريخية للنظام في مرحلة ما بعد الاستعمار، إذ كان القطاع العام يؤدي دوراً إنتاجياً وتوزيعياً ويسهم في دمج الطبقة العاملة سياسياً واجتماعياً. وقد تعمق هذا المسار منذ التسعينيات مع الانفتاح الاقتصادي وإعادة إدماج مصر في الاقتصاد العالمي، بالتوازي مع تراجع الخطاب القومي والاجتماعي كمصدر رئيسي لشرعية الدولة.

وخلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، تعمّق اندماج مصر في الاقتصاد العالمي وتوسّعت شراكاتها الاقتصادية الدولية، بما عزّز شرعية قائمة على الاستقرار والانفتاح الاقتصادي بدلاً من الشرعية القومية والاجتماعية التقليدية، وانعكس مباشرة على أوضاع العمال ودوافع الاحتجاج.

ارتبط تصاعد الاحتجاجات العمالية بتفكّك «الصفقة التكوينية» بين الدولة والطبقة العاملة منذ الخمسينيات، والقائمة على توفير التشغيل والأمان الاجتماعي مقابل الاستقرار السياسي

بلغت هذه الديناميات ذروتها مع ثورة 25 كانون الثاني/يناير 2011، التي انتهت بتنحي حسني مبارك مع الإبقاء على البنية السياسية والمؤسسية الأساسية للنظام. وعلى الرغم من تصاعد الحراك العمالي، ولا سيما بعد تنحي مبارك، فإن الدولة لم تقدم تنازلات جوهرية تتعلق بالحقوق الأساسية للعمال، مثل حرية التنظيم النقابي والحق في الإضراب وتحسين الأجور، ما أبقى الأسباب البنيوية للاحتجاج قائمة.

ما بعد 2013: إعادة ضبط المجال العمالي

دخلت العلاقة بين الدولة والعمال بعد عام 2013 مرحلة جديدة اتسمت بإعادة تشكيل بنية السلطة وآليات ضبط المجال العام. وترافقت هذه المرحلة مع تصاعد أدوات القمع وانخفاض حاد في وتيرة الاحتجاجات العمالية، من عشرات الآلاف من التحركات الاحتجاجية في عام 2013 إلى أقل من ألف احتجاج بحلول عام 2024.

وجاء هذا التراجع بالتوازي مع إعادة صياغة الخطابين السياسي والإعلامي حول مفهومَي «الاصطفاف الوطني» و«مكافحة الإرهاب»، حيث جرى تقديم الاحتجاجات الاجتماعية، بما فيها العمالية، بوصفها تهديداً للاستقرار أو تعبيراً عن أجندات خارجية، مع تهميش جذورها الاقتصادية والاجتماعية. كما فقدت قضايا العمّال جزءاً كبيراً من حضورها في المجال العام مع تراجع دور الإعلام المستقل وتقدّم خطاب الأمن والاستقرار، ما حدّ من قدرة العمّال على إيصال مطالبهم أو كسب التعاطف معها.

عمّال مصر في الجمهورية الثانية

عاملة في مصنع للطوب في المنصورة.
صورة من سوق عمل تتسع فيه العمالة غير الرسمية، فيما تتراجع الحماية الاجتماعية وتستمر هشاشة العمل كواقع يومي لملايين العمال. (تصوير: ناصر نوري)

في هذا السياق، يمكن فهم أوضاع العمال في «الجمهورية الثانية» من خلال أربعة محاور مترابطة: التوسع في العمالة غير الرسمية، وتآكل الأجور الحقيقية، وإعادة تنظيم المجال النقابي على نحو عزّز احتكار التمثيل العمالي، وتحولات الاحتجاج العمالي في ظل تقييد الحق في الإضراب. وتعكس هذه المحاور مجتمعة أثر الهشاشة والإكراه في إعادة تشكيل علاقة العمال بالدولة وسوق العمل.

أولاً، هشاشة العمل واتساع التشغيل غير الرسمي

تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن العمالة غير الرسمية تمثل نحو 60% من قوة العمل في مصر، ما يعكس عمق التجزؤ في سوق العمل وضعف قدرة الاقتصاد على استيعاب العمالة ضمن علاقات عمل مستقرة ومنظمة. ويترافق ذلك مع تراجع حاد في الحماية الاجتماعية؛ إذ انخفضت نسبة المؤمن عليهم بين العمالة غير المنتظمة من نحو 42% عام 2004 إلى 2.5% فقط عام 2021.

وقد تعزز هذا الاتجاه مع التوسع في شركات توريد العمالة، التي أصبحت خلال العقد الأخير جزءاً بنيوياً من سوق العمل، خصوصاً بعد تقنينها بصورة أوسع في قانون العمل رقم 14 لسنة 2025. وتشير تقارير صحافية إلى انتشار هذا النمط في قطاعات حيوية، منها البترول والبنوك الحكومية، حيث تتعايش داخل المؤسسة الواحدة أنماط تشغيل متعددة تشمل العمالة الدائمة والمؤقتة وعمال المقاولات والعمل اليومي، مع تفاوتات واسعة في الأجور والحقوق والاستقرار الوظيفي.

دخلت العلاقة بين الدولة والعمال بعد عام 2013 مرحلة اتسمت بإعادة تشكيل بنية السلطة وآليات ضبط المجال العام، وترافقت مع تصاعد القمع وانخفاض الاحتجاجات العمالية

كما شهدت السنوات الأخيرة توسعاً ملحوظاً في عدد شركات التوريد، إذ ارتفع عددها من 597 شركة عام 2021 إلى 857 شركة بحلول نيسان/أبريل 2026، بما يعكس اتجاهاً متزايداً نحو التوظيف غير المباشر وما يرتبط به من هشاشة تعاقدية وضعف في الحماية الاجتماعية.

في المقابل، اتجهت الدولة إلى تعويض تراجع منظومة الحماية الاجتماعية الشاملة عبر تدخلات جزئية تستهدف الفئات الأكثر هشاشة، مثل برامج التحويلات النقدية وصندوق إعانة العمالة غير المنتظمة، من دون معالجة الأسباب البنيوية التي تدفع إلى اتساع العمل غير الرسمي.

ولا تقتصر آثار هذا التحول على هشاشة العمل فحسب، بل تمتد إلى إضعاف القدرة التفاوضية للعمال والضغط على الأجور وتقويض إمكانات التنظيم الجماعي. فكلما اتسعت دائرة العمل غير المستقر، تراجعت قدرة العمال على فرض مطالبهم عبر النقابات أو الاحتجاج، وهو ما يساعد في تفسير التوازي بين اتساع العمالة غير الرسمية وتآكل الأجور الحقيقية وتراجع الاحتجاجات العمالية.

ثانياً، تآكل الأجور وإعادة إنتاج التفاوتات

يشكل مسار الأجور مدخلاً أساسياً لفهم التفاوت في «الجمهورية الثانية»، إذ لم يعد التفاوت مجرد نتيجة لتوزيع غير متكافئ للدخل، بل أصبح جزءاً من بنية سوق العمل نفسها، عبر اتساع الفجوة بين الأجور الاسمية والحقيقية، وبين العمالة المستقرة والهشّة، وبين القطاعين الرسمي وغير الرسمي.

وعلى الرغم من الزيادات المتتالية في الحد الأدنى للأجور، الذي ارتفع من 700 جنيه عام 2012 إلى نحو 7,000 جنيه عام 2025، ظل أثرها محدوداً بسبب ضعف تطبيقها في قطاعات واسعة من سوق العمل، ولا سيما القطاع غير الرسمي، إضافة إلى تآكل قيمتها بفعل التضخم. فالمشكلة الأساسية لم تكن في مستوى الأجر الاسمي أو عدم الالتزام بتطبيقه فحسب، بل في تراجع قدرته الشرائية نتيجة موجات التضخم المتعاقبة منذ تعويم الجنيه عام 2016.

وتشير البيانات إلى أن الزيادات الاسمية في الأجور عجزت عن مواكبة ارتفاع تكاليف المعيشة، ما أدى إلى تراجع مستمر في الأجر الحقيقي. فقد انخفض متوسط الأجر الحقيقي للساعة من 21.9 جنيهاً عام 2012 إلى 17.3 جنيهاً عام 2023، فيما تراجع متوسط الأجر الأسبوعي الحقيقي من 1,252 جنيهاً عام 2019 إلى 705 جنيهات عام 2023، أي بخسارة قاربت 44% من قيمته الحقيقية خلال 4 سنوات فقط. 

عمّال مصر في الجمهورية الثانية

عمال قطاع النفط والغاز المضربون يتظاهرون أمام مبنى وزارة البترول بمدينة نصر، القاهرة، للمطالبة بتحسين الأجور وظروف العمل، 2011. (تصوير: حسام الحملاوي)

ولم يقتصر أثر هذا المسار على تآكل الدخول، بل أسهم أيضاً في تعميق الانقسامات داخل الطبقة العاملة نفسها، بين فئات تتمتع بدرجات متفاوتة من الاستقرار والحماية، وأخرى تخضع بالكامل لتقلبات السوق. وبذلك لم يعد التفاوت قائماً فقط بين العمل ورأس المال، بل داخل العمالة المأجورة ذاتها.

وفي الوقت نفسه، ظل النمو الاقتصادي موزعاً بصورة غير متكافئة. فعلى الرغم من ارتفاع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي من 3,221 دولاراً عام 2012 إلى 4,138 دولاراً عام 2024، استحوذت الشرائح الأعلى دخلاً على الحصة الأكبر من ثمار هذا النمو، في حين بقي نصيب الفئات الأدنى محدوداً للغاية. وتشير البيانات طويلة الأمد إلى أن أعلى 10% من السكان استحوذوا على نحو 48% من إجمالي الدخل خلال الفترة 1988-2022، مقابل نحو 15.5% فقط للنصف الأدنى من السكان.

تحمّل أصحاب الدخول الثابتة العبء الأكبر لارتفاع الأسعار، واستفادت الفئات المالكة لرأس المال من إعادة تقييم الأصول، ليصبح التفاوت جزءاً من آلية عمل النموذج الاقتصادي

ولا يمكن فصل هذه التحوّلات عن إعادة هيكلة الاقتصاد في إطار برامج التكيّف الهيكلي، التي أعادت تعريف دور الدولة من صاحب عمل وفاعل توزيعي إلى جهة تركز على ضبط الاستقرار الكلي عبر تحرير سعر الصرف وتقليص الدعم والإنفاق الاجتماعي وتعزيز مرونة سوق العمل. وقد أدّى ذلك إلى نقل جزء متزايد من تكاليف المعيشة وإعادة إنتاج قوة العمل من الدولة إلى الأسر، في وقت تراجعت فيه القيمة الحقيقية للأجور.

ومثّل تعويم الجنيه عام 2016 لحظة مفصلية في هذا المسار، إذ تحمّل أصحاب الدخول الثابتة العبء الأكبر لارتفاع الأسعار، بينما استفادت الفئات المالكة للأصول ورأس المال من إعادة تقييم الأصول المالية والعقارية. وبذلك أصبح التفاوت جزءاً من آلية عمل النموذج الاقتصادي نفسه، لا مجرد نتيجة جانبية له.

وعليه، يمكن فهم «الجمهورية الثانية» بوصفها نموذجاً يقوم استقراره الاقتصادي، جزئياً، على تآكل الأجور الحقيقية واتساع فجوات الدخل، بما يرجّح ميزان القوة لصالح رأس المال على حساب العمل.

ثالثاً، إعادة احتكار التمثيل العمالي

لم تقتصر إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والعمّال في «الجمهورية الثانية» على الأجور وسوق العمل، بل امتدّت إلى المجال النقابي نفسه بوصفه إحدى أدوات التفاوض الجماعي. فقد شهدت هذه المرحلة إعادة تنظيم للمجال النقابي اتسمت بتقييد الاستقلالية وتعزيز السيطرة المؤسسية وإعادة احتكار التمثيل العمالي داخل الأطر الرسمية.

وعلى الرغم من الانفراجة النسبية التي أعقبت عام 2011، وظهور عشرات النقابات المستقلة الساعية إلى بناء تمثيل عمالي أكثر استقلالاً عن الدولة، فإن هذا المسار لم يستمر طويلاً. فمنذ عام 2013، أُعيد تنظيم المجال النقابي قانونياً وإدارياً بما حدّ من التعدّدية النقابية وضيّق مساحة عمل التنظيمات المستقلة.

عمّال مصر في الجمهورية الثانية

صورة من فعالية أُقيمت في وسط القاهرة بمناسبة عيد العمال عام 2011، في ذروة موجة الاحتجاجات العمالية التي رافقت تفكك «الصفقة» التقليدية بين الدولة والعمال في مصر. (تصوير: حسام الحملاوي)
 

وتجسّد ذلك بصورة واضحة في قانون 213 لسنة 2017 وتعديلاته، الذي فرض شروطاً أكثر صرامة لتأسيس النقابات وممارسة نشاطها، وعزّز موقع الاتحاد العام لنقابات عمال مصر بوصفه القناة الرئيسية للتمثيل العمالي. وبذلك انتقلت الدولة من تعددية نقابية محدودة ظهرت بعد 2011 إلى نمط أقرب إلى الاحتكار المنظم للتمثيل العمالي.

كما واجهت النقابات المستقلة عقبات متزايدة في التأسيس والعمل والتفاوض، في حين حظيت النقابات التابعة للاتحاد الرسمي بأولوية في الاعتراف والتعامل المؤسسي. وقد دفع ذلك بعض التنظيمات المستقلة إلى الاندماج داخل الاتحاد الرسمي سعياً إلى الحصول على الاعتراف القانوني واستعادة بعض وظائفها التنظيمية، بينما تراجعت فاعلية التنظيمات التي حافظت على استقلالها.

تراجع دور النقابات بوصفها أداة مستقلة للدفاع عن مصالح العمال، وأصبحت أقرب إلى جزء من منظومة إدارة سوق العمل والحفاظ على الاستقرار، ما انعكس على قدرتها في التأثير

وترافقت هذه التحولات مع دمج قيادات نقابية من الاتحاد الرسمي في شبكات الدعم السياسي للسلطة، ما عزّز ارتباط العمل النقابي بالأطر الرسمية. كما ساهم اتساع القطاع غير الرسمي وتزايد أنماط التشغيل المرن في إضعاف القاعدة الاجتماعية للنقابات وتقليص قدرتها على الحشد والتفاوض.

ونتيجة لذلك، تراجع دور النقابات بوصفها أداة مستقلة للدفاع عن مصالح العمال، وأصبحت أقرب إلى جزء من منظومة إدارة سوق العمل والحفاظ على الاستقرار. وقد انعكس ذلك في محدودية قدرتها على التأثير في قضايا الأجور وشروط العمل، وفي غياب قنوات فعالة للتعبير الجماعي عن مصالح العمال.

وعليه، تعكس أوضاع النقابات في «الجمهورية الثانية» انتقالاً من محاولات محدودة لبناء تمثيل عمالي مستقل إلى إعادة إدماج التنظيم النقابي داخل بنية الدولة، بما يحد من استقلاليته ويضعف دوره التفاوضي.

رابعاً، من الاحتجاج الجماعي إلى الاحتجاج الفردي

لا يمكن فصل تحولات الاحتجاج العمالي عن إعادة تشكيل سوق العمل والمجال النقابي بعد عام 2013. فقد أدى تداخل القمع السياسي مع اتساع العمل الهش وإعادة إدماج التنظيم النقابي داخل الأطر الرسمية إلى إعادة تشكيل الفعل الاحتجاجي نفسه.

ولم يؤدِّ تراجع الاحتجاجات واسعة النطاق إلى اختفائها، بل إلى انتقالها من المجال الجماعي المفتوح إلى أشكال أكثر محدودية وتجزؤاً، مثل الشكاوى الفردية، والتحركات الفئوية الضيّقة، والامتناع الجزئي عن العمل، والاحتجاجات القصيرة وغير المعلنة. وتعكس هذه الأشكال بيئة تتسم بارتفاع مستويات الهشاشة وتراجع القدرة على التنظيم الجماعي وارتفاع كلفة الاحتجاج.

عمّال مصر في الجمهورية الثانية

عاملة مصرية على خط التجميع في مصنع «تيليمصر» (شركة النصر للتلفزيون والإلكترونيات) في ستينيات القرن الماضي. شكلت النساء نحو نصف القوة العاملة في الشركة في مرحلة ارتبط فيها العمل الصناعي بوعد الدولة بالتشغيل والأمان الاجتماعي. (أرشيف)

ومع تضييق المساحات التنظيمية، لم يعد الاحتجاج قادراً على التحول إلى ضغط جماعي مؤثر في السياسات أو شروط العمل، بل بات يُعبَّر عنه في صورة مطالب جزئية ومجزأة. كما أدى ضعف التمثيل النقابي المستقل إلى دفع عدد متزايد من العمال نحو قنوات رسمية وبيروقراطية محدودة الفاعلية، ما نقل جزءاً من الصراع من المجال العام إلى مسارات مؤسسية أكثر انضباطاً وأقل تأثيراً.

وبذلك، لم تختفِ الاحتجاجات العمالية، بل أُعيد تشكيلها. فبدلاً من الاحتجاج الجماعي الممتد، برزت أشكال متفرقة ومنخفضة التأثير تعكس استمرار الضغوط المرتبطة بالأجور وظروف العمل، في سياق يحدّ من إمكان تنظيمها وتحويلها إلى فعل جماعي واسع.

من إدارة الأزمات إلى إدارة التفاوت

تكشف «الجمهورية الثانية» عن تحوّل في طريقة إدارة العلاقة بين الدولة والعمل، حيث لم يعد التفاوت نتيجة جانبية لمسار النمو، بل جزءاً من آلية عمله. فقد ترافق اتساع التشغيل الهش وغير الرسمي مع إعادة ضبط المجال النقابي، وتقييد الفعل الجماعي، ونقل جانب متزايد من كلفة الاستقرار الاقتصادي إلى العمال.

وفي هذا السياق، لم تؤدِّ سياسات «الإصلاح» إلى تقليص اختلالات سوق العمل بقدر ما أعادت تشكيل موازين القوة داخله، ما عزّز موقع رأس المال وأضعف القدرة التفاوضية للعمل. كما لم يختفِ الاحتجاج العمالي، بل تحوّل من فعل جماعي واسع إلى أشكال أكثر تشتتاً ومحدودية تحت وطأة القيود السياسية والتنظيمية.

وعليه، يمكن فهم هذا النموذج بوصفه انتقالاً من إدارة الأزمات إلى إدارة التفاوت نفسه؛ إذ يتحقق الاستقرار، ليس عبر تقليص الفجوات الاجتماعية، بل عبر ضبطها وإعادة إنتاجها. ومن هذه الزاوية، تبدو هشاشة العمل، وتآكل الأجور، وتراجع التنظيم النقابي، وتفتت الاحتجاج، مكونات بنيوية في نمط إدارة الاقتصاد والعمل، أكثر منها نتائج عابرة لمرحلة مؤقتة.

    سلمى خالد

    باحثة في قضايا العمل والحركات النقابية.