معاينة عمّال المنصّات الخدمية في مصر والحاجة إلى تمثيل نقابي

عمّال المنصّات الخدمية في مصر والحاجة إلى تمثيل نقابي

بشكل مفاجئ، أدرج مشروع قانون العمل الجديد عمّال المنصّات الرقمية ضمن مظلّته، لكنه فرّغ هذا المكسب من مضمونه، عندما كلّف وزير العمل بوضع قراراته التنفيذية بالتشاور مع منظّمات أصحاب الأعمال والنقابات العمّالية، مع العلم بأنه لا توجد نقابات عمالية تمثل هذا القطاع الاقتصادي المتنامي!

سار آلاف الشباب المصري العاملين في المنصات الرقمية على طريق الأشواك لسنوات، وسُفِكت دمائهم على الإسفلت لزيادة أرباح الحيتان من دون أدنى حماية قانونية. أحمد، واحد من هؤلاء الشباب يعمل في منصة «طلبات»، لم يكن يدرك أن رحلته على متن درّاجته البخارية، في حي سموحة السكندري، لتوصيل الطلب ستكون الأخيرة. فارق أحمد الحياة، وهو طالب جامعي بعد أن صدمته سيّارة مسرعة وهربت. نظّم زملاؤه مسيرة مهيبة بالدراجات البخارية في وداعه، جابت شوارع المدينة الساحلية. مات أحمد في شهر تشرين الأول/أكتوبر الماضي من دون أن تكون له حقوق، أو زي تأمين اجتماعي أو صحي.

وأحمد ليس حالة فريدة. في شوارع القاهرة والمدن المزدحمة التي تعجّ بالسيّارات والمارة يحاول آلاف الشباب من سائقي الدراجات الهوائية أو النارية التنقل بخفة من دون حماية أو تأمين، لتوصيل ما يحملونه من طلبات إلى زبائن منصّات الشراء الرقمية والتطبيقات الالكترونية. وقد سجّلت مصر 33,851 حالة وفاة في الفترة الممتدة بين عامي 2019 و2023، وفقاً للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

على الرغم من احتمال «سلق» القانون في البرلمان، يبقى تطوراً مهمّاً، بحسب نقابيين، حتى ولو كان هدفه الأساسي تحصيل الضرائب من الشركات العاملة رقمياً، لا حماية العمّال.

لم يكن موت أحمد بلا ثمن، فقد كان هو وعشرات الضحايا الآخرين، أحد الأسباب المهمّة التي دفعت جهات عمّالية ونقابية وحقوقية إلى رفع الصوت والمطالبة بتغيير قانون العمل الراهن. وامتدّت المطالبات إلى منظّمة العمل الدولية من أجل تمديد مظلة مشروع قانون العمل الجديد لتشمل العاملين في أنماط العمل الجديدة. وفي احتفالية اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية في 6 آذار/مارس الجاري، دافع أريك أوشلان مسؤول منظّمة العمل الدولية في القاهرة عن ضرورة توفير العمل اللائق لعاملي المنصّات قائلاً إن «ضمان مساهمة المنصّات الرقمية في توفير العمل اللائق للجميع هو جزء أساسي من التزامنا المشترك بالعدالة الاجتماعية».

وفي استجابة حكومية نادرة، أدرِج عمّال المنصّات الرقمية والدليفري ضمن قائمة المخاطبين بمشروع قانون العمل الجديد. وعلى الرغم من احتمال «سلق» القانون في البرلمان، يبقى تطوراً مهمّاً، بحسب نقابيين، حتى ولو كان هدفه الأساسي تحصيل الضرائب من الشركات العاملة رقمياً، لا حماية العمّال.

عرّف مشروع القانون أنماط العمل الجديدة بأنها «كل عمل يقوم به العامل بطريقة غير تقليدية، أياً كان شكل أداء العمل، أو طريقة تنفيذه، ويقدّم لصالح صاحب العمل وتحت إدارته وإشرافه مقابل أجر أياً كانت صورته».

وحدّد مشروع القانون أنواع ذلك العمل في 6 أنماط هي: أولاً، العمل عن بعد، وهو أداء العمل في مكان يختلف عن المقر التقليدي للمنشأة، ويتم تنفيذه من خلال الوسائل التكنولوجية، وفقاً للأماكن التي يقبلها صاحب العمل. ثانياً، العمل عبر المنصات الرقمية. ثالثاً، العمل لبعض الوقت أو جزء من الوقت. رابعاً، العمل المرن، وهو أداء العمل بعدد ساعات العمل نفسها المطلوبة من العامل، وفي أوقات غير متصلة يتم الاتفاق عليها بين طرفي علاقة العمل. خامساً، تقاسم العمل، هو العمل الذي يقوم بإنجازه أكثر من شخص ويتقاسمون فيه الأدوار أو الأوقات، كما يتقاسمون الأجر، وفقاً لما يتم الاتفاق عليه. وسادساً، أي صور أخرى للعمل يصدر بتحديدها قرار من الوزير المعني».

قانون مُفرّغ من معناه

مع ذلك، يفقد هذا التطوّر الكثير من أهمّيته، لأنه يتم في ظل تغييب متعمّد للصوت العمّالي المستقل، بحسب دار الخدمات النقابية والعمالية.

محمد، على سبيل المثال، شاب ثلاثيني، عمل في شركات عدة في القطاع الخاص قبل أن يعمل في مشروع النقل الذكي «أوبر». لا يعرف بأن قانون العمل الجديد يجري إقراره حالياً في البرلمان، ويقول ساخراً «القوانين لا يتم تطبيقها ولا نسمع عنها إلا في التلفاز». محمد، المتزوج حديثاً، ويضطر للعمل لساعات طويلة للحصول على مقابل مناسب، مشيراً إلى أن سيارته تتعرّض نتيجة لذلك للإهلاك السريع.

هذا ما يشير إليه موقع «إيجي كار» المتخصّص في سوق السيارات، إذ ذكر في تقرير حديث، أن الاستهلاك السريع للسيارة يعتبر من عيوب العمل مع شركة «أوبر». وعندما سألت محمد، لماذا لا يتوجّه الى مقر الشركة لتقديم شكواه، أجاب: «لا أعرف مقراً لها».

قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات نما بنحو 16.3% في العام المالي 2022-2023، ليكون بذلك القطاع الأعلى نمواً في الدولة لمدة 5 سنوات متتالية. كما حقّق إيرادات بقيمة 315 مليار جنيه بمعدّل نمواً بلغ 75% مقارنة بالعام المالي السابق

كانت هذه الأوضاع «الضبابية» محل تساؤل في البرلمان المصري في أيار/مايو الماضي. استنكر النائب عمرو درويش، عضو لجنة الاتصالات بمجلس النواب، عدم وجود مقرات لشركة «أوبر» مطالباً بتوفير مقرّ رئيس في مصر ومسؤول في كل محافظة وعدم الاكتفاء بمركز إقليمي. كما أوصى بالإفصاح عن الوضع المالي لشركتي «أوبر» و«كريم» وجميع شركات النقل الذكي لمعرفة مكاسبها، مؤكدا أنه لا توجد رقابة حقيقية على تلك الشركات وهي مسؤولية وزارة النقل مانحة التراخيص.

ودفع غياب مشاركة أصحاب المصلحة عن مناقشة القانون، فضلاً عن عصفه بحقوق أساسية للعاملين بأجر، اتحاد تضامن النقابات العمّالية تحت التأسيس (اتحاد مستقل) لرفض القانون الجديد قائلاً في بيان «بدلاً من إشراك النقابات العمالية والجهات المعنية في حوار جاد يضمن صياغة تشريعات تحمي حقوق العمّال، تتسارع الخطى نحو إقرار قانون جديد يتجاهل مطالب الكادحين».

أفردت دار الخدمات النقابية تقريراً لملاحظاتها على القانون، وأشادت بتناول القانون للمرّة الأولى أنماط العمل الجديدة، مشدّدة على أنها في انتظار «القرارات التي يصدرها وزير العمل بالتشاور مع المنظمات النقابية العمالية ومنظمات أصحاب الأعمال، لتحديد صور أنماط العمل الجديدة، وطرق إثبات علاقة العمل، وآليات حصول العاملين على حقوقهم»، بما يضمن عدم تكرار تجاهلها للقوانين والقرارات الوزارية.

والطريف أنه لا يوجد نقابات تمثّل أنماط العمل الجديدة حتى اليوم، وهي الطرف التي من المفترض أن يتشاور معها وزير العمل قبيل إصدار القرارات، هذا إلى جانب اختلال موازين القوى بين طرفي علاقة العمل في مصر، وغياب أي دور فعّال للنقابات العمالية، بالإضافة إلى غموض طريقة تطبيق تلك المكتسبات مع السماح بالعمل لدى أكثر من صاحب عمل.

نمو مفرط يقابله استغلال وفقر مفرطين

يثير اقتصاد المنصات تساؤلات جوهرية عن طبيعة العمل وقيمته في مصر، خصوصاً مع تزايد نسبة الفقر. على الرغم من زيادة معدلات نمو قطاع المعلومات في الاقتصاد المصري غير أن عمّاله بلا نقابات، بالإضافة إلى الصعوبات المتعلقة ببيئة العمل، التي تقف حجر عثرة في مواجهة التنظيم.

في كانون الثاني/يناير 2019، أعلن المدير التنفيذي لشركة «أوبر»، أن شركته «لا تنظر إلى مصر كسوق لخدماتها فقط، وإنما كمركز إقليمي لخدمات الشركة في الشرق الأوسط»، وأن الشركة «استثمرت 100 مليون دولار في إنشاء مراكز تفوق وخدمة عملاء لخدمة أفريقيا والشرق الأوسط». وفي كانون الثاني/يناير 2022، أعلنت «أوبر» أن عدد السائقين الذين عملوا لديها في مصر بلغ 703 ألف سائق.

أدّت الطبيعة المتفرقة والمعزولة للعمل المستقل إلى عوائق كبيرة أمام النقابات والمفاوضة الجماعية، ما خلق بيئة يصعب فيها تحقيق التضامن العمالي

ويشير تقرير لمركز معلومات مجلس الوزراء صدر في العام 2024، إلى أن قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات نما بنحو 16.3% في العام المالي 2022-2023، ليكون بذلك القطاع الأعلى نمواً في الدولة لمدة 5 سنوات متتالية. كما حقّق إيرادات بقيمة 315 مليار جنيه بمعدّل نمواً بلغ 75% مقارنة بالعام المالي السابق. وأضاف التقرير أن «حجم الاقتصاد الرقمي في مصر بالأسعار الجارية قد ارتفع ليسجل نحو 276 مليار جنيه في خلال العام المالي 2022-2023 بمعدل نمو مركب بلغ 19% في خلال العقدين الماضيين». ويشير التقرير كذلك إلى تدفق الاستثمارات إلى قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في خلال الأعوام الماضية، فقد تم تخصيص استثمارات قدرُها 83.3 مليار جنيه في خطة العام 2023-2024 للقطاع، في مُقابل 56 مليار جنيه استثمارات خلال العام المالي 2022-2023، بمُعدَّل نمو 48.8%.

هذا، ويؤدي القطاع الخاص الدور الرئيس في تسريع نمو هذا القطاع؛ ففي خلال العام 2023-2024، ساهمت الاستثمارات الخاصة بقرابة 52.4 مليار جنيه، بنسبة 63% من إجمالي استثمارات قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في مقابل 31 مليار جنيه استثمارات عامة بنسبة 37% من الإجمالي. ولكن هذا التوسّع الرأسمالي لم يقطف ثماره منتجوه، وفي آخر نسخة منشورة من «بحث الدخل والإنفاق» الذي أصدره الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في كانون الأول/ديسمبر 2020، بلغ معدل الفقر 29.7% حتى آذار/مارس 2020. تتعمّد الحكومة إخفاء الأرقام الجديدة لمستوى الفقر في البلاد، ولكن البنك الدولي أعلن أن الحكومة المصرية أوضحت له في نيسان/أبريل الماضي أن «معدل الفقر الوطنى ارتفع إلى 32.5%، ضمن طلب قدمته للحصول على تمويل برنامج الإنتاج الزراعي المرن لتغيّر المناخ، بقيمة 250 مليون دولار».

الحاجة إلى تمثيل نقابي

تتزايد أهمية تشكيل نقابات، وسط أنماط العمل الجديدة والمتنامية، كما يقول أمين العمّال في حزب الكرامة، جمال عثمان، وذلك من أجل التفاوض مع وزير العمل على القرارات التنفيذية التي سيصدرها لوضع آلية لتنفيذ القانون، التي يتوقع أن تكون منحازة لرأس المال. ويلقي عثمان الضوء على الوضع المتراجع للحركة العمّالية قائلاً، إن «إجمالي قوة العمل في مصر تصل إلى 33.1 مليون شخص، من ضمنهم 13,6 مليون شخص فقط مؤمن عليهم في الضمان الاجتماعي للدولة». إلى ذلك، توضح بيانات منظمة العمل الدولية أن 63% من القوى العاملة تعمل في الاقتصاد غير الرسمي التي تحاول الدولة تنظيمه.

وإلى جانب محاربة الدولة للنقابات العمّالية المستقلّة ووضعها العراقيل أمام تشكيلها، يلفت تقرير لمركز «مسار» الانتباه إلى الصعوبات التي تعترض طريق العمل الجماعي في أنماط العمل الجديدة، مشيراً إلى أن «بنية اقتصاد الوظائف المؤقتة مصممة ببراعة لمنع العمل الجماعي وتثبيط الآليات التقليدية التي تجمع العمال معاً تاريخياً للمطالبة بحقوقهم. وقد أدّت الطبيعة المتفرقة والمعزولة للعمل المستقل إلى عوائق كبيرة أمام النقابات والمفاوضة الجماعية، ما خلق بيئة يصعب فيها تحقيق التضامن العمالي». وبحسب تقرير «مسار»، غالباً ما تستخدم المنصّات «سيطرتها الخوارزمية كأداة لقمع جهود المفاوضة الجماعية، فيمكنها تغيير شروط الخدمة من جانب واحد أو تعديل الخوارزميات أو تعطيل العمال من دون إشعار، ما يغرس مناخاً من الخوف وعدم الاستقرار، ويمنع العمال من اتخاذ إجراءات جماعية».

ومن الأفكار المهمّة والملهمة لحماية العاملين في منصّات الخدمات هو ما أطلق عليه إنزو ويبر، أستاذ أبحاث سوق العمل في جامعة ريغنسبورغ الألمانية، رؤيته لحماية العاملين في منصات الخدمات بالأنترنت عبر «التضامن الاجتماعي الرقمي». ويوضح ويبر، أن تطبيق الحماية الاجتماعية الرقمية يتم عن طريق تحويل نسبة من المقابل المادي للخدمة المُقدمة إلى حساب «التضامن الاجتماعي الرقمي» لكل عامل، على أن يُضاف نصف هذه النسبة إلى الراتب المتفق عليه ويتم خصم النصف الآخر كاشتراك في شبكة الضمان الاجتماعي.   ويضيف في مقالة منشورة له على موقع مركز «حلول للسياسات البديلة» التابع للجامعة الأميركية في القاهرة، سيكون حساب «التضامن الاجتماعي الرقمي» لكل فرد، جزء من شبكة تقوم بمراكمة المساهمات الناتجة عن أنشطة المنصة الإلكترونية كافة، وتحويلها بشكل دوري إلى نظام للتضامن الاجتماعي في البلد التي يتبع لها كل عامل. ويمكن أيضاً تحويل تلك المساهمات إلى الهيئات القومية مباشرةً إن كان لديها نُظُم للتعامل مع الضمان الاجتماعي الرقمي.

الطريف أنه لا يوجد نقابات تمثّل أنماط العمل الجديدة حتى اليوم، وهي الطرف التي من المفترض أن يتشاور معها وزير العمل قبيل إصدار القرارات، هذا إلى جانب اختلال موازين القوى بين طرفي علاقة العمل في مصر

هكذا تحتفظ أنظمة الحماية الاجتماعية القومية بسيادتها ومرونتها؛ فهي، مثلاً، من سيحدّد كيفية توزيع الاشتراكات على فروع الحماية الاجتماعية المختلفة. وكذلك من الممكن أن تلجأ المنصات الإلكترونية إلى شركات التأمين الخاصة أو غير الحكومية في حال عدم وجود نظام اجتماعي قومي. ويشدّد ويبر على «إمكانية أن يبدأ تطبيق الضمان الاجتماعي الرقمي بشكل تجريبي، ما يسمح للمشاركين في السوق وصانعي القرار باكتساب الخبرة مع هذه الأداة الجديدة. وسيكون بالإمكان توسيع نطاقه عند تأسيس الهياكل المؤسسية وتطويرها بشكل أكبر. ويوصَى بأن تبرمج الدول أنظمة الضمان الاجتماعي الرقمي بشكل يسمح بعمل تطويرات في المستقبل وإضافة المزيد من المشاركين مع الوقت».

وعلى الصعيد السياسي، ستقع مسؤولية تنظيم الضمان الاجتماعي على السلطة التشريعية. فالتحدي الجديد الذي يمثله العمل على منصّات الإنترنت مشترك بين الجميع.   غير أن الأستاذة المشاركة في قسم العلوم السياسية في الجامعة الأميركية بالقاهرة ومديرة مشروع «حلول للسياسات البديلة»، رباب المهدي، ترى أن تحسين أوضاع العاملين بأجر يستدعي العمل من أجل «وضع استراتيجية اقتصادية ديمقراطية تتبنى توجهاً لصالح الفقراء ومعالجة قيود ميزان المدفوعات وتطوير سياسات بديلة للصادرات والواردات ونظام سعر الصرف والتركيز على الانتقال الأخضر». وتضيف، في مقالة منشورة لها على موقع الجامعة الأميركية تحت عنوان «استراتيجية مصر الاقتصادية عام 2024-2030-: طموحات غير واقعية»، أن تبني الاستراتيجية الديمقراطية التي تقترحها سيكون بمقدورها، «أن توفر الاحتياجات الأساسية للمواطنين وتوزّع الموارد بشكل أفضل بين القطاعين العام والخاص، وتوجّهها نحو احتياجات غالبية السكان بدلاً من بعض الفئات المختارة».