حين تُصبح العقوبات المالية حرباً على الفقراء

حين تُصبح العقوبات المالية حرباً على الفقراء

في عالمٍ يزداد افتتاناً بفكرة «العقوبات الذكية»، يبدو خطاب الإقتصاد السياسي الدولي وكأنه وجد أخيراً وسيلة أخلاقية لممارسة الضغط من دون إطلاق الرصاص. تُقدَّم العقوبات المالية اليوم بوصفها البديل الحضاري عن الحروب: لا دبّابات ولا قصف ولا احتلال، بل مجرّد قيود على التحويلات البنكية وتعطيل لأنظمة الدفع ومنع الوصول إلى الأسواق المالية العالمية. غير أن هذا الوصف المريح أخلاقياً يخفي حقيقة أكثر قسوة: حين يُفصل بلدٌ بأكمله عن النظام المالي العالمي، فإن أول من يدفع الثمن ليس الجنرالات ولا النخب السياسية، بل الأسر العادية التي لا تملك أصلاً حسابات في الخارج ولا نفوذاً في الداخل.

المفارقة أن العقوبات تُبَرَّر غالباً باسم حقوق الإنسان والدفاع عن الشعوب، لكنها في التطبيق تُنتِج أحياناً نتائج معاكسة تماماً. لا تُصيب العقوبات المالية «الدولة» ككيان مجرّد؛ فالدولة لا تجوع ولا تقلق على الدواء ولا تُخفّض استهلاكها من الغذاء والكهرباء. من يتلقّى الصدمة فعلياً هم الموظّفون والعمّال وصغار التجار والأسر المحدودة الدخل. وحين ترتفع الأسعار وتتآكل الأجور وتتراجع القدرة على الاستيراد، لا تتوزّع المعاناة بالتساوي. الاقتصاد لا يعرف العدالة التلقائية في توزيع الألم.

هذه الحالة ليست انطباع سياسي أو خطاب أيديولوجي بل هي حقيقة مدعومة بأدلة اقتصادية. لقد اعتمدت دراسة حديثة بعنوان «العقوبات ورفاهية الأسر: أدلة من إيران» على بيانات تفصيلية للأسر الإيرانية لقياس الأثر الحقيقي للعقوبات المالية التي فُرضت على إيران بعد فصل مصارفها عن نظام «سويفت» (SWIFT) عام  2012. الدراسة تعتمد على أدوات دقيقة في اقتصاد الرفاه لقياس مقدار الخسارة الفعلية التي تعرّضت لها الأسر.

نتائج الدراسة صادمة أخلاقياً. فقد أظهرت أن الأسر الفقيرة تكبّدت خسائر معيشية تفوق ما تكبدته الأسر الغنية بما يتراوح بين 2.3 و 2.8 مرات. كما احتاجت الأسر المرتبطة بالقطاع العام إلى تعويضات أكبر بكثير للحفاظ على مستوى معيشتها السابق بالمقارنة مع الأسر المرتبطة بالقطاع الخاص. والأكثر دلالة أن العقوبات المالية أصابت الفئات الأكثر هشاشة بصورة غير متكافئة، بعكس بعض التوقعات النظرية السابقة التي افترضت أن النخب أو الفئات الأعلى دخلاً ستكون الأكثر تضرراً.

حين يُفصل بلدٌ بأكمله عن النظام المالي العالمي، فإن أول من يدفع الثمن هم الأسر العادية التي لا تملك أصلاً حسابات في الخارج ولا نفوذاً في الداخل

هذا الاكتشاف يكشف خللاً أخلاقياً في فكرة العقوبات الحديثة. تُسَوَّق العقوبات المالية والإقتصادية سياسياً باعتبارها وسيلة للضغط على صنّاع القرار، لكنها عملياً تُمارس ضغطاً على من لا يملكون القرار أصلاً. وحين يُعاقَب نظام مصرفي كامل، فإن ذلك لا يعني صعوبة وصول الحكومة إلى احتياطاتها أو تعاملاتها الخارجية فقط؛ بل يعني أيضاً ارتفاع أسعار الغذاء والدواء والطاقة وتَعَطُّل سلاسل الاستيراد وتراجع فرص العمل وتآكل القدرة الشرائية للأجور الثابتة.

إن الفقر ليس مجرد انخفاض في الدخل، بل هشاشة أمام الصدمات. يمتلك الأغنياء دائماً هامشاً للتكيّف: مدخرات وأصول وعملات أجنبية وعلاقات وقدرة على نقل أموالهم أو تغيير أنماط استهلاكهم. أما الفقراء، فيعيشون أصلاً على الحافة. ولذلك، فإن أي ارتفاع حادّ في الأسعار أو أي اضطراب في الأسواق يتحوّل، بالنسبة إليهم، إلى تهديد مباشر للأمن الغذائي والصحّي والاجتماعي. ومن هنا، غالباً ما تنتهي العقوبات المالية، حتى عندما لا تستهدف الغذاء أو الدواء رسمياً، إلى تقليص الوصول إليهما فعلياً.

ولعل أكثر ما يدعو للتأمّل هو أنّ العقوبات المالية الحديثة تعمل بطريقة شديدة التعقيد وغير مرئية. فقد كان الحصار التقليدي واضحاً ومباشراً؛ أما العقوبات المالية فتبدو تقنية ومحايدة: فصل عن نظام دفع وتقييد للتحويلات وتشديد للامتثال البنكي وتوسيع لمخاطر التعامل التجاري. لكن تنتقل هذه الأدوات التقنية بسرعة من شاشات المصارف إلى موائد الطعام. الاقتصاد المعاصر قائم على التدفقات المالية بقدر قيامه على السلع نفسها. وإذا تعطلّت المدفوعات، تعطلّت التجارة، وإذا تعطلّت التجارة، تراجعت القدرة على الاستيراد والإنتاج والتشغيل.

وقد أظهرت الدراسة المشار إليها أن القطاعات الأكثر ارتباطاً بالاستيراد والتمويل والخدمات الحديثة كانت الأكثر تضرّراً. احتاجت الأسر العاملة في التصنيع والخدمات إلى تعويضات أكبر للحفاظ على مستوى استهلاكها السابق بالمقارنة مع أسر الزراعة والبناء. وهذا منطقي اقتصادياً؛ فالاقتصادات الحديثة مترابطة بصورة تجعل العزل المالي أشبه بقطع الشرايين عن الجسد الاقتصادي. 

لكن النقاش هنا لا يجب أن يتحوّل إلى دفاع عن أي نظام سياسي أو تبرير لسلوك الحكومات المستهدفة. فهذه ليست القضية أصلاً. يمكن للمرء أن يختلف جذرياً مع سياسات دولة ما وأن يعارض ممارساتها وأن يدعم محاسبة مسؤوليها ومع ذلك يرفض أن يتحوّل ملايين المواطنين إلى أدوات ضغط جماعي. المسألة الأساسية هنا أخلاقية قبل أن تكون سياسية: هل يجوز معاقبة مجتمع كامل لتحقيق أهداف سياسية؟ وهل يصبح الألم الجماعي مشروعاً لمجرد أنه يُمارَس بأدوات مالية بدلاً من أدوات عسكرية. 

يمتلك الأغنياء دائماً هامشاً للتكيّف: مدخرات وأصول وعملات أجنبية وعلاقات وقدرة على نقل أموالهم أو تغيير أنماط استهلاكهم. أما الفقراء، فيعيشون أصلاً على الحافة

ثمة وهم في العلاقات الدولية مفاده أن العقوبات أقل تكلفة أخلاقياً من الحرب، وبالتالي فهي الخيار «الإنساني». غير أن هذا التصوّر يحتاج إلى مراجعة. فالحرب تُحدث دماراً مرئياً وصادماً، أما العقوبات فتُنتج تآكلاً بطيئاً وممتدّاً في حياة الناس اليومية: سوء تغذية وتراجع خدمات صحّية وانهيار طبقات وسطى وهجرة كفاءات وتوسّع الاقتصاد غير الرسمي وتآكل الثقة بالمستقبل. وربما لهذا السبب تبدو العقوبات أكثر قبولاً سياسياً؛ لأن ضحاياها لا يظهرون على شاشات الأخبار بالوضوح نفسه.

الأخطر من ذلك أن العقوبات قد تُضعف المجتمع أكثر مما تُضعف السلطة. ففي كثير من الحالات، أثبتت الأنظمة السياسية قدرة كبيرة على التكيّف مع الحصار، بينما دفعت المجتمعات الثمن. تمتلك النخب السياسية عادة أدوات للالتفاف وشبكات حماية وأجهزة سيطرة، بينما يفقد المواطن العادي قدرته على الادخار والتخطيط والحفاظ على مستوى معيشته. وهنا تكمن المفارقة: العقوبات التي يُفترض أن تُنتج ضغطاً سياسياً قد تُنتج بدلاً من ذلك مزيداً من الاعتماد الاقتصادي والاجتماعي على الدولة نفسها.

اقتصادياً ، لا يمكن تجاهل أن العقوبات كثيراً ما تُنتج آثاراً طويلة الأمد تتجاوز لحظة الأزمة. فحين تنهار القدرة الشرائية وتتراجع الاستثمارات وتضعف المؤسسات المالية تصبح إعادة بناء الاقتصاد أكثر صعوبة حتى بعد تخفيف العقوبات. وهناك دراسات عدة تُظهر كيف تؤدي العقوبات إلى هروب الكفاءات وتراجع الإنتاجية واتساع الاقتصاد الموازي وارتفاع اللامساواة. وهذه كلها ليست مجرد مؤشرات تقنية؛ بل تحولات اجتماعية عميقة قد تستمر لعقود. 

ثم إن العقوبات تُعيد إنتاج تفاوت عالمي قائم أصلاً. تمتلك الدول الغنية والقوية قدرة أعلى على امتصاص الصدمات المالية، بينما تصبح الدول الأضعف أكثر هشاشة أمام العزل المالي العالمي. ولذلك، يمنح النظام الدولي الحالي الدول الكبرى قدرة هائلة على فرض تكلفة اقتصادية واجتماعية على شعوب بأكملها من دون مساءلة أخلاقية حقيقية بشأن النتائج الإنسانية.

هناك دراسات عدة تُظهر كيف تؤدي العقوبات إلى هروب الكفاءات وتراجع الإنتاجية واتساع الاقتصاد الموازي وارتفاع اللامساواة. وهذه كلها تحوّلات اجتماعية عميقة قد تستمر لعقود

لا يعني ذلك بالطبع أن المجتمع الدولي يجب أن يقف عاجزاً أمام الانتهاكات أو النزاعات أو التهديدات الأمنية. لكن ثمة فرقاً كبيراً بين استهداف أفراد أو شبكات محدّدة مسؤولة مباشرة عن أفعال معيّنة وبين فرض اختناق مالي واسع النطاق يُصيب الاقتصاد والمجتمع معاً. العقوبات الفردية الدقيقة والآليات القانونية الدولية والدبلوماسية المتعددة الأطراف والضغوط السياسية الموجهة كلها بدائل أقل كلفة إنسانياً من العقوبات الشاملة أو شبه الشاملة ولأي بلد حق في فرضها.

ما نحتاجه اليوم ليس نقاشاً في «فعالية» العقوبات فحسب، وإنما نقاشاً أعمق في مشروعيتها الأخلاقية. لا تُقاس السياسات بقدرتها على الإيلام فقط، بل أيضاً بعدالة توزيع هذا الألم. وإذا كانت الأدلة الاقتصادية تُظهر أن الفقراء والطبقات الهشّة يتحمّلون العبء الأكبر، يصبح الاستمرار في التعامل مع العقوبات كأداة أخلاقية نظيفة أمراً يصعب الدفاع عنه.

تحاول الدراسة المذكورة أعلاه والخاصة بإيران نقل النقاش من مستوى الشعارات إلى مستوى الإنسان العادي: كم خسر؟ كيف تغير استهلاكه؟ من دفع الثمن الأكبر؟ فهي تُعيد إدخال البشر إلى معادلات الجغرافيا السياسية، وتذكّرنا بأن الاقتصاد ليس مجرد أرقام كلية، بل حياة يومية ملموسة.

في النهاية، ربما تكون المشكلة الأعمق في العقوبات أنها تسمح للعالم بأن يشعر بأنه «فعل شيئاً» من دون أن يواجه التكلفة الأخلاقية الكاملة لما يفعل. فهي تمنح القوى الكبرى شعوراً بالتحرّك والحزم، لكنها تنقل العبء الحقيقي إلى أناس لا صوت لهم في قرارات الحرب والسلم. ولهذا السبب تحديداً، يجب أن نتعامل مع العقوبات المالية بالحذر الأخلاقي نفسه الذي نتعامل به مع استخدام القوة العسكرية. فالطفل الذي يُحرم من الدواء أو الغذاء لا يهمه إن كان السبب صاروخاً على مرفأ  أو تحويلاً مصرفياً مرفوضاً. وحين يكتب المؤرخون مستقبلاً عن عصر العقوبات المالية، قد لا يسألون إن كانت هذه العقوبات ناجحة سياسياً، بل إن كانت إنسانية أصلاً.

هذا المقال مستخلص من نتائج دراسة بعنوان «العقوبات ورفاهية الأسر: أدلة من إيران»، أعدّها جمال إبراهيم حيدر وسيد محمد كريمي ونشرت في مجلة The World Economy في 4 آب/أغسطس 2026. 

    جمال ابراهيم حيدر

    رئيس قسم الاقتصاد في الجامعة اللبنانية الأميركية، حائز على شهادة الماجستير في الاقتصاد التطبيقي من جامعة جونز هوبكينز، وشهادة الدكتوراة في الاقتصاد من جامعة السوربون، وأنهى دراسات ما بعد الدكتوراة في الاقتصاد في جامعة هارفارد.