حين تُباع اللعبة

تحقيق في صناعة كرة القدم العالمية
حين تُباع اللعبة

  • مراجعة لكتاب رومان مولينا «صناعة كرة القدم: الفيفا – الجريمة – السياسة» الذي يكشف كيف تحوّلت اللعبة الأكثر شعبية في العالم إلى ساحة تتقاطع فيها السياسة والمال والجريمة المنظمة. يقدّم الكتاب تحقيقاً استقصائياً يلاحق شبكات النفوذ التي تحكم كرة القدم العالمية، من الفيفا إلى أجهزة الاستخبارات والمافيا والمصارف، ما جعل كرة القدم صناعة للسلطة أكثر منها لعبة للجماهير.

يأتي كتاب «صناعة كرة القدم: الفيفا – الجريمة – السياسة»، للصحافي الفرنسي رومان مولينا، ضمن الأعمال الاستقصائية التي حاولت تفكيك الصورة اللامعة لكرة القدم الحديثة، والكشف عمّا يجري خلف الكاميرات والمدرجات والعقود الضخمة. 

صدر الكتاب عام 2023 عن دار النشر الفرنسية Exuvie، وهو عمل يتجاوز حدود الرياضة ليقترب من عالم السياسة والمال والنفوذ الدولي. 

يُعرف رومان مولينا بجرأته في تناول الملفات الحساسة داخل عالم الكرة، إذ اشتهر بتحقيقاته عن الفساد والانتهاكات داخل المؤسسات الرياضية، خصوصاً الاتحاد الدولي لكرة القدم وبعض الاتحادات القارية والوطنية. لذلك يبدو هذا الكتاب امتداداً طبيعياً لمساره الصحفي، حيث يحاول أن يقدّم للقارئ صورة أخرى لكرة القدم بعيدة من الأضواء والشعارات التي تتحدث دائماً عن «اللعبة الجميلة». 

منذ الصفحات الأولى يختار الكاتب عنواناً لافتاً: «العملاق ذو الأقدام الطينية». عنوان يحمل دلالة قوية، لأنه يصف الفيفا باعتبارها مؤسسة تبدو هائلة وقوية من الخارج، لكنها في الداخل قائمة على بنية هشّة ومليئة بالتناقضات. يريد الكاتب منذ البداية أن يهدم الصورة المثالية التي رافقت هذه المؤسسة لعقود، وأن يكشف أن القوة التي تبدو مطلقة قد تخفي ضعفاً أخلاقياً عميقاً.

يفتتح الكاتب عمله بمشهد يعود إلى 27 أيار/مايو 2015، حين ظهرت وزيرة العدل الأميركية لوريتا لينش أمام الصحافة لتعلن اعتقال عدد من كبار مسؤولي كرة القدم العالمية في مدينة زيورخ. لم يكن ذلك الحدث مجرد قضية قانونية عابرة، بل لحظة تاريخية هزّت عالم الكرة بأكمله، لأن الاعتقالات طالت شخصيات نافذة كانت تُعتبر فوق المحاسبة. وهنا تتجلى براعة الكاتب في اختيار نقطة البداية؛ فهو لا يدخل إلى عالم كرة القدم من أبواب الملاعب أو الجماهير أو النجوم، بل من بوابة العدالة والتحقيقات الجنائية، وكأنه يريد أن يضع القارئ مباشرة أمام حقيقة صادمة مفادها أن كرة القدم الحديثة أصبحت عالماً متشابكاً مع السلطة والجريمة والمصالح السياسية. ويبدو واضحاً أن الكاتب لا يهتم بسرد الوقائع فحسب، بل يسعى إلى خلق مناخ من التوتر والدهشة. فطريقة وصفه للوريتا لينش، بثقتها وهدوئها وخبرتها الطويلة في القضايا الحساسة، تمنح المشهد طابعاً درامياً قوياً. كما أن استحضار قضية «أبنر لويما» التي أشرفت عليها سابقاً لم يكن تفصيلاً عابراً، بل وسيلة لإظهار أن المرأة التي واجهت الفيفا تمتلك شخصية قانونية صلبة اعتادت التعامل مع الملفات المعقدة والعنيفة.

توضح مقدمة الكتاب فكرة أساسية ترافق كله: الفساد داخل كرة القدم لم يكن سراً مجهولاً، بل حقيقة يعرفها كثيرون، غير أن الصمت والمصالح المتبادلة جعلا هذه الملفات تبقى في الظل لسنوات طويلة. ولذلك يشير الكاتب إلى دور الصحافيين الاستقصائيين الذين سبق أن تحدثوا عن فساد الفيفا، لكن أصواتهم لم تُحدث الأثر نفسه الذي أحدثه تدخل وزارة العدل الأميركية. فحين تنتقل الاتهامات من مقالات الصحافة إلى قاعات القضاء، يصبح الأمر مختلفاً تماماً. وتكشف الصفحات الأولى أيضاً العلاقة المعقدة بين الرياضة والسياسة، إذ تظهر الفيفا كقوة عالمية لها نفوذ اقتصادي وسياسي وإعلامي واسع. ولهذا بدا سقوط بعض مسؤوليها وكأنه اهتزاز لصورة مؤسسة كانت تقدم نفسها باعتبارها الحارس الأول لشغف الملايين حول العالم.

ولعل من أكثر الجوانب التي تمنح النص قوته أن الكاتب يهاجم المنظومة التي استولت على كرة القدم. فهو يميز بوضوح بين اللعبة التي يحبها الناس وبين الصناعة التي تحيط بها. وكأن الرسالة الأساسية تقول إن المشكلة ليست في الكرة بوصفها مساحة للمتعة والانتماء، وإنما في المصالح الاقتصادية والسياسية التي حوّلتها إلى سوق ضخمة تتحكم فيها شبكات النفوذ. وبهذا الأسلوب يهيئ الكاتب القارئ للدخول إلى 11 فصلاً تبدو كرحلة داخل الوجه الخفي لكرة القدم العالمية. فالقارئ لا ينتظر بعد هذه الصفحات حديثاً عن التكتيك أو البطولات، بل ينتظر كشفاً تدريجياً لعالم مليء بالرشاوى والتحالفات والصفقات المشبوهة والعلاقات السياسية المعقدة. ومن هنا تتحوّل كرة القدم من مجرد لعبة شعبية إلى مرآة تعكس طبيعة العالم الحديث، حيث تختلط السلطة بالمال، ويتحول كل شيء – حتى الشغف الجماهيري – إلى صناعة تتحكم فيها المصالح.

تكمن قوة هذا الاستهلال في أنه يزرع الشك في ذهن القارئ منذ البداية. فكل ما يبدو جميلاً ومنظّماً فوق السطح يخفي تحته شبكة من العلاقات المعقّدة. ولهذا يشعر القارئ أنه مقبل على قراءة تحقيق طويل يحاول فهم الآليات التي سمحت لهذه المنظومة بأن تستمر كل هذه السنوات من دون مساءلة حقيقية. وهكذا ينجح رومان مولينا في شدّ القارئ منذ الصفحات الأولى عبر طرح سؤال عميق وهو كيف تحوّلت الرياضة الأكثر شعبية في العالم إلى مجال تتقاطع فيه السياسة والمال والجريمة؟ وهو السؤال المفتاح لفهم الفصول المقبلة، حيث يواصل الكاتب تفكيك البنية الخفية لصناعة كرة القدم العالمية، كاشفاً أن اللعبة التي توحّد الجماهير تخفي خلفها عالماً آخر تحكمه المصالح والنفوذ أكثر مما تحكمه الرياضة نفسها.

كارتل الرؤساء

يضع رومان مولينا عنواناً صادماً للفصل الأول من كتابه وهو «كارتل الرؤساء». ولا يبدو هذا الاختيار اعتباطياً أبداً. فكلمة «كارتل» تُستخدم عادة لوصف شبكات الجريمة المنظّمة والتحالفات السرّية التي تتحكّم في المال والنفوذ، لا لوصف مؤسّسات رياضية يُفترض أنها تدير اللعبة الأكثر شعبية في العالم. ومنذ الصفحات الأولى، يوضح الكاتب أن عالم كرة القدم أصبح فضاءً تتشابك فيه السياسة والاقتصاد والسلطة بطريقة تجعل بعض رؤساء الاتحادات أقرب إلى زعماء سياسيين منهم إلى إداريين رياضيين. 

يفتتح الفصل باقتباس شديد الدلالة للسياسي الأرجنتيني روبرتو ديغون، حين يقول: «سياسياً، مهاجمة كرة القدم نوع من الانتحار المهني. ستصنع لنفسك أعداءً أقوياء، وقد تخسر جزءاً من ناخبيك، لأن كرة القدم مهمة جداً في الحياة اليومية للناس». يختصر هذا الاقتباس الفكرة الأساسية للفصل بأكمله: كرة القدم ليست مجرد لعبة، بل قوة اجتماعية وسياسية ضخمة، تجعل الاقتراب من منظومتها أمراً محفوفاً بالمخاطر. فالرؤساء الذين يديرون الاتحادات الكروية يمتلكون نفوذاً شعبياً وإعلامياً يسمح لهم بالتأثير داخل مجتمعاتهم وحتى داخل دوائر الحكم. 

يتوقف مولينا عند دور البنوك الكبرى في تسهيل عمليات غسل الأموال وتحويل الرشاوى. فهو يذكر أسماء مؤسسات مالية عالمية دخلت في تسويات مع وزارة العدل الأميركية لتجنب العقوبات، وهو ما يوسّع دائرة المسؤولية لتشمل القطاع المالي الدولي أيضاً

من خلال سلسلة من الأمثلة والشهادات، يرسم مولينا صورة لرؤساء اتحادات تحوّلوا إلى شخصيات فوق المحاسبة. ويبرز هنا اسم رافائيل كاليخاس، الرئيس السابق للهندوراس ورئيس اتحاد كرة القدم في بلاده. فالرجل لم يكن مجرد مسؤول رياضي، بل رئيس دولة سابق، ما يكشف حجم التداخل بين السياسة وكرة القدم في أميركا اللاتينية. ويوضح الكاتب أن كاليخاس تورّط في قضايا غسل أموال واحتيال ورشوة مرتبطة بحقوق البث التلفزيوني، قبل أن تنتهي حياته وهو ينتظر الحكم النهائي عليه في الولايات المتحدة. لا يقدّم الكاتب هذه الشخصيات بوصفها حالات استثنائية، بل باعتبارها جزءاً من نظام كامل قائم على تبادل المصالح. فالفيفا، كما يصورها النص، كانت تستفيد من استمرار هذه الشبكات التي تضمن الولاءات والتحالفات الانتخابية داخل المؤسسة. ولذلك يبدو الفساد هنا جزءاً من طريقة عمله لا انحرافاً عن النظام. ويستمر الكاتب في عرض أسماء أخرى مثل جاك وارنر ونيكولاس ليوز وأوجينيو فيغيريدو، وكلهم شخصيات ارتبطت بالرشوة وغسل الأموال والابتزاز. اللافت أن معظم هؤلاء لم يكونوا مجرّد موظّفين عاديين، بل رجال نفوذ حقيقيين داخل بلدانهم وقاراتهم. فنيكولاس ليوز، على سبيل المثال، كان يُلقب بـ «العرّاب»، وهو لقب يكشف طبيعة السلطة التي كان يتمتع بها داخل أميركا الجنوبية. أما جاك وارنر فقد تحول بعد خروجه من كرة القدم إلى سياسي متفرغ، وكأن الانتقال بين الرياضة والسياسة أمر طبيعي داخل هذه المنظومة.

ومن أهم الأفكار التي يطرحها الفصل أن الفساد في كرة القدم لم يكن محصوراً في قارة معينة، حتى وإن كانت فضيحة «فيفاغيت» قد طالت أساساً مسؤولين من أميركا الجنوبية والكاريبي. يوضح الكاتب أن هؤلاء لم يكونوا «أكثر فساداً» من غيرهم، بل كانت مشكلتهم أنهم استخدموا بنوكاً أميركية، ما منح القضاء الأميركي صلاحية ملاحقتهم. وهنا يكشف النص جانباً آخر من طبيعة النظام العالمي، حيث تصبح العدالة مرتبطة أحياناً بالنفوذ المالي والسياسي أكثر من ارتباطها بالأخلاق نفسها. كما يتوقف مولينا عند دور البنوك الكبرى في تسهيل عمليات غسل الأموال وتحويل الرشاوى. فهو يذكر أسماء مؤسسات مالية عالمية دخلت في تسويات مع وزارة العدل الأميركية لتجنب العقوبات، وهو ما يوسّع دائرة المسؤولية لتشمل القطاع المالي الدولي أيضاً. وبذلك تتحوّل كرة القدم إلى جزء من شبكة اقتصادية عالمية ضخمة، لا يمكن فهم فسادها بمعزل عن المصالح البنكية والسياسية والإعلامية. ومن أكثر المقاطع قوة في هذا الفصل حديث الصحافي النيجيري أوساسو أوبايوانا عن «مكافحة العنصرية» داخل الفيفا، حين يقول: «الشيء الوحيد الذي يهمهم هو المظهر والصورة». 

تختصر هذه العبارة رؤية الكاتب للفيفا الحديثة: مؤسسة تهتم بإدارة صورتها أكثر من اهتمامها بحل المشكلات الحقيقية. فالشعارات المتعلقة بالنزاهة ومحاربة العنصرية والفساد تبدو، في كثير من الأحيان، مجرد أدوات تواصل وإعلان، بينما تستمر البنية نفسها في إنتاج الأزمات ذاتها. ويظهر هذا التناقض أيضاً في طريقة توزيع أموال الفيفا على الاتحادات المحلية. فبحسب شهادات واردة في النص، تبقى مراقبة الأموال ضعيفة وانتقائية، وغالباً ما تتأثر بالعلاقات الشخصية والسياسية. فإذا كانت العلاقة جيدة بين رئيس اتحاد محلي وبعض الشخصيات النافذة داخل الفيفا، فقد تمرّ التجاوزات من دون عقاب. وهنا تتضح طبيعة «الكارتل» الذي يتحدّث عنه الكاتب: شبكة من المصالح المتبادلة التي تحمي أعضاءها من المساءلة.

يتناول الفصل كذلك فكرة «التدخل السياسي»، وهي الورقة التي تستخدمها الفيفا كثيراً عندما تحاول الحكومات التدخل في شؤون الاتحادات المحلية بسبب الفساد. ففي حالة بولندا، مثلاً، هدّدت الفيفا بحرمان البلاد من تنظيم بطولة أوروبا بسبب محاولة وزارة الرياضة التدخل لإصلاح الاتحاد المحلي. هنا يكشف الكاتب مفارقة كبيرة: ترفع الفيفا شعار الاستقلالية الرياضية، لكنها تستخدم هذا الشعار أحياناً لحماية مسؤولين فاسدين من المحاسبة. 

وفي ختام الفصل، ينتقل النص إلى جانب نفسي واجتماعي مهم وهو إغراء السلطة داخل كرة القدم. فالنفوذ الذي يمنحه المنصب الرياضي قد يكون هائلاً لدرجة تجعل المسؤول يشعر وكأنه فوق الجميع. ويظهر ذلك بوضوح في شهادة هشام بوعجيلة، المستشار السابق لناصر الخليفي، حين يقول: «فجأة يبدأ الناس الذين لم يكونوا ينظرون إليك من قبل بالتملق لك… يمكنك أن تفقد عقلك سريعاً».  

تكشف هذه الشهادة أن كرة القدم لا تمنح المال فقط، بل تمنح الإحساس بالقوة والهيبة والقدرة على الوصول إلى ما كان مستحيلاً. ولذلك تتحوّل المناصب الرياضية إلى مساحة للإغراء السياسي والاجتماعي، وتجذب شخصيات تبحث عن النفوذ بقدر بحثها عن الرياضة نفسها. هكذا ينجح رومان مولينا في هذا الفصل في تفكيك صورة «الرئيس الرياضي» التقليدية، ليكشف أن بعض رؤساء كرة القدم أصبحوا جزءاً من منظومة سلطوية عالمية، تتحكّم فيها المصالح والتحالفات أكثر مما تتحكّم فيها القوانين والقيم الرياضية. فـ«كارتل الرؤساء» ليس مجرد عنوان استفزازي، بل وصف دقيق لعالم مغلق، حيث تتداخل السياسة والمال والإعلام في شبكة واحدة يصعب اختراقها.

لعبة بوكر في برج ترامب

يواصل رومان مولينا تفكيك البنية الخفية لعالم كرة القدم في الفصل الثاني من كتابه، لكن هذه المرة من زاوية أكثر تشويقاً وتعقيداً. يحمل الفصل عنوان «لعبة بوكر في برج ترامب» وهو عنوان يوحي منذ البداية بعالم من المؤامرات والمقامرة والتحالفات السرية. ويتحدّث الكاتب هنا عن شبكة مصالح تمتد من المافيا الروسية إلى المؤسسات المالية والسياسية الأميركية، مروراً بالفيفا نفسها. 

يفتتح مولينا الفصل باقتباس شديد الأهمية للصحافي الأمبركي كين بنسنغر يقول فيه: «قسم من مكتب التحقيقات الفيدرالي كان يحقق في شيء يحدث داخل برج ترامب. كانت هناك ألعاب قمار رياضية وبوكر غير قانونية تُدار من هذا المبنى. الهدف كان مافيوزياً روسياً… ومن هنا جاءت البداية الحقيقية لفضيحة الفيفا». تكشف هذه العبارة منذ البداية الفكرة المحورية للفصل وهي أن فضيحة «فيفاغيت» لم تبدأ من داخل الملاعب أو الاتحادات الرياضية، بل خرجت من عالم الجريمة المنظمة وغسيل الأموال. وهنا تتغير زاوية النظر بالكامل؛ فالفيفا لا تظهر فقط كمؤسسة فاسدة، بل كجزء من شبكة أوسع تتقاطع فيها المافيا والمال والسياسة الدولية.

يكشف مولينا أن كرة القدم الحديثة أصبحت مرتبطة مباشرة بتوازنات القوى العالمية. فاختيار دولة لتنظيم كأس العالم، أو التحقيق مع مسؤولين رياضيين، أو حتى توقيت الفضائح، كلها أمور لا تنفصل عن المصالح السياسية والاقتصادية الكبرى

الشخصية المحورية في هذا الفصل هي أليمزان توختاخونوف، المعروف بألقاب عديدة مثل «تايوانشيك» و«أليك». يقدمه الكاتب كشخصية تكاد تكون خارجة من أفلام الجريمة: رجل غامض، متعدد الهويات، محاط بالأساطير والتناقضات، ومطلوب من السلطات الأميركية بتهم تتعلق بغسيل الأموال والابتزاز والتلاعب الرياضي والمقامرة غير القانونية. ومن خلال هذه الشخصية، يحاول مولينا أن يربط بين عالم كرة القدم وعالم المافيا الروسية التي استطاعت، منذ نهاية الاتحاد السوفياتي، التغلغل داخل مجالات الاقتصاد والرياضة والإعلام.

ويبدو واضحاً أن الكاتب لا يهتم فقط بسرد سيرة رجل عصابات، بل يستخدم قصة «تايوانشيك» لفهم الكيفية التي يمكن أن تتحول بها الرياضة إلى أداة نفوذ. فالرجل، بحسب النص، بدأ حياته قريباً من كرة القدم، وكان يدّعي أنه لعب في بعض الأندية السوفياتية، قبل أن ينتقل تدريجياً إلى عالم القمار والعلاقات المشبوهة. وهنا يريد الكاتب أن يبيّن أن الحدود بين الرياضة والجريمة ليست دائماً واضحة كما يعتقد الناس. كما يربط مولينا بين هذه الشبكات وبين النظام السياسي والاقتصادي الذي نشأ بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. إذ لا يتحدّث الفصل عن أفراد معزولين، بل عن بيئة كاملة سمحت بصعود شخصيات تجمع بين المال والقوة والعلاقات السياسية. ولذلك يبدو «تايوانشيك» رمزاً لمرحلة تاريخية كاملة، حيث تحوّلت الفوضى الاقتصادية والسياسية إلى فرصة لظهور شبكات مافيوية عابرة للحدود.

ومن أكثر النقاط أهمية في هذا الفصل حديث الكاتب عن استخدام قانون RICO الأميركي ضد الفيفا، وهو قانون وُضع أصلاً لمكافحة المافيا والجريمة المنظّمة. وهذه المقارنة ليست عابرة، لأن الكاتب يريد أن يقول إن السلطات الأميركية لم تتعامل مع الفيفا كمؤسسة رياضية عادية، بل باعتبارها تنظيماً يعمل بطريقة قريبة من شبكات الجريمة. يورد الكاتب هنا اقتباساً بالغ القوة من تقرير لمنظمة الشفافية الدولية جاء فيه: «بعد انتخاب جواو هافيلانج رئيساً للفيفا سنة 1974، تحوّلت المؤسسة إلى شركة متعددة الجنسيات تشبه كوزا نوسترا أكثر مما تشبه الصليب الأحمر». ويكشف هذا التشبيه الصادم طبيعة الصورة التي أصبحت الفيفا تحملها لدى بعض المراقبين الدوليين. فبدل أن تُنظر إليها كهيئة تدافع عن الرياضة والقيم الإنسانية، أصبحت تُقارن بمنظمات المافيا الإيطالية. ومن خلال هذا الاستشهاد، يعزّز مولينا أطروحته الأساسية وهي أن الفساد داخل الفيفا ليس مجرد حالات فردية، بل ثقافة مؤسساتية.

لا يكتفي الكاتب بالحديث عن الجريمة، بل يربطها أيضاً بالسياسة الدولية. فهو يشير إلى غضب بعض المسؤولين داخل الفيفا من التدخل الأميركي، خصوصاً بعد فوز قطر بتنظيم كأس العالم 2022. وهنا يظهر بوضوح كيف يمكن لكرة القدم أن تتحوّل إلى ساحة صراع جيوسياسي. فبعض الشخصيات داخل الفيفا كانت ترى أن الولايات المتحدة تسعى للانتقام من خسارة ملف تنظيم المونديال، بينما كان آخرون يربطون القضية بعلاقات قطر العسكرية والاقتصادية مع واشنطن. ومن خلال هذه الإشارات، يكشف مولينا أن كرة القدم الحديثة أصبحت مرتبطة مباشرة بتوازنات القوى العالمية. فاختيار دولة لتنظيم كأس العالم، أو التحقيق مع مسؤولين رياضيين، أو حتى توقيت الفضائح، كلها أمور لا تنفصل عن المصالح السياسية والاقتصادية الكبرى.

ويتوقف الكاتب طويلاً عند عالم القمار غير القانوني الذي ازدهر داخل الأوساط الروسية. ويصف بدقة الأجواء التي كانت تُدار فيها ألعاب البوكر والمراهنات، حيث تختلط الشخصيات الرياضية بالمجرمين ورجال الأعمال والفنانين. وتظهر هنا براعة الكاتب السردية، لأنه يجعل القارئ يشعر وكأنه داخل رواية بوليسية، مليئة بالشخصيات الغامضة والتحالفات السرّية. لعل من أكثر الشخصيات رعباً في هذا الجزء شخصية «المغولي»، أحد زعماء المافيا الروسية، الذي كان يدير شبكات حماية وابتزاز بطرق وحشية. ويصف الكاتب أساليب التعذيب والخطف التي استخدمتها هذه العصابات، ليبين أن عالم المال والرياضة لم يكن منفصلاً عن العنف الحقيقي. وهنا يتحوّل الفصل من مجرد تحقيق في الفساد الرياضي إلى دراسة لعلاقة السلطة بالعنف والجريمة المنظمة. ويلفت الكاتب الانتباه إلى نقطة مهمة جداً وهي أن النفوذ لا يُبنى دائماً بالقوة فحسب وإنما بالعلاقات الاجتماعية والثقافية. فـ«تايوانشيك» لم يكن مجرد رجل عصابات، بل شخصية قادرة على التحرّك داخل الأوساط الفنية والسياسية الراقية في موسكو. كان ذكياً، مثقفاً، ويمتلك قدرة كبيرة على بناء العلاقات. وهذا ما جعل سقوطه صعباً لسنوات طويلة.

ومن خلال كل هذه التفاصيل، يريد مولينا أن يوضح أن عالم كرة القدم الحديثة لا يمكن فهمه بمعزل عن شبكات النفوذ المالي والسياسي والجريمة المنظمة. فالمشكلة ليست في مسؤول فاسد أو رشوة معزولة، بل في نظام عالمي كامل يسمح بتداخل الرياضة مع المصالح المظلمة. تكمن قوة هذا الفصل في أنه يوسّع زاوية النظر. في الفصل الأول ركّز الكاتب على رؤساء الاتحادات ونفوذهم السياسي، أما هنا فإنه ينقل القارئ إلى الخلفية الأعمق: عالم القمار، المافيا، البنوك، والأجهزة الأمنية. وكأن الكاتب يقول إن ما نراه على سطح كرة القدم ليس سوى الواجهة، بينما الحقيقة توجد في أماكن أخرى: في الفنادق الفاخرة، وغرف البوكر، والحسابات البنكية، والتحالفات السرية. هكذا ينجح رومان مولينا مرة أخرى في تحويل كرة القدم من لعبة شعبية إلى مرآة تعكس طبيعة العالم المعاصر، حيث تختلط الرياضة بالمال والجريمة والسياسة، حتى يصبح من الصعب أحياناً التمييز بين رجل الأعمال، والمسؤول الرياضي، وزعيم المافيا.

الجاسوس الذي جاء من عدن

في الفصل الثالث، ينجح رومان مولينا في نقل التحقيق من مستوى الفساد الإداري داخل الفيفا إلى مستوى أكثر عمقاً، حيث تصبح كرة القدم نقطة التقاء بين أجهزة الاستخبارات، والجريمة المنظّمة، والأوليغارشيات الروسية، والدبلوماسية الغربية، والأسواق المالية العالمية. فاختيار عنوان «الجاسوس الذي جاء من عدن» ليس مجرد إحالة إلى السيرة الشخصية لكريستوفر ستيل، بل هو إعلان بأن فهم الاقتصاد السياسي لكرة القدم العالمية لم يعد ممكناً من داخل المؤسسات الرياضية وحدها، وإنما يتطلب المرور عبر عالم الاستخبارات الذي يمتلك القدرة على رؤية ما لا تستطيع العدالة ولا الصحافة التقليدية رؤيته. يقدم مولينا كريستوفر ستيل بوصفه بطلاً فردياً، بل باعتباره تجسيداً لتحوّل مهم في العلاقات الدولية؛ فالاستخبارات هنا لا تبحث عن أسرار عسكرية، وإنما عن شبكات المال، وعن تحالفات الأوليغارشية الروسية، وعن البنية غير المرئية التي تجعل الفيفا جزءاً من منظومة النفوذ العالمي. وهنا تتحوّل كرة القدم إلى موضوع استخباراتي لأنها أصبحت مجالاً لإعادة توزيع القوة الرمزية والاقتصادية بين الدول. لذلك فإن انتقال ستيل من موسكو إلى ملف الفيفا ليس انتقالاً بين مجالين مختلفين، بل استمرار للعمل داخل الحقل نفسه: حقل الصراع على النفوذ.

فهم الاقتصاد السياسي لكرة القدم العالمية لم يعد ممكناً من داخل المؤسسات الرياضية وحدها، وإنما يتطلب المرور عبر عالم الاستخبارات الذي يمتلك القدرة على رؤية ما لا تستطيع العدالة ولا الصحافة التقليدية رؤيته

من خلال شخصية مايكل غايتا، يوضح الكاتب أن التحقيق الأميركي في الفيفا لم يولد من اهتمام مفاجئ بالرياضة، بل من تتبّع شبكات الجريمة المنظمة الروسية. وهذه نقطة مركزية؛ إذ يكشف الفصل أن كرة القدم لم تكن أصل المشكلة، وإنما أصبحت إحدى البنى التي استثمرت فيها المافيا العابرة للحدود لتبييض الأموال، وبناء العلاقات، واكتساب الشرعية الدولية. بذلك تتحوّل الفيفا إلى مساحة تلتقي فيها المصالح الاقتصادية مع الأجهزة الأمنية، بحيث يصبح الفصل بين عالم الرياضة وعالم الجريمة مجرد وهم قانوني. يبرز مولينا كذلك ظاهرة «لندنغراد»، أي تحول العاصمة البريطانية إلى ملاذ للأموال الروسية والأوليغارشيات المقرّبة من الكرملين.  لا يصف هذا المفهوم مدينة بقدر ما يصف نمطاً من العولمة المالية، حيث تستقبل الديمقراطيات الغربية الرساميل القادمة من أنظمة سلطوية، ثم تجد نفسها عاجزة عن ضبط آثارها السياسية والأمنية. لذلك فإن سلسلة الاغتيالات والوفيات الغامضة التي يعرضها الكاتب لا تُقرأ باعتبارها أحداثاً جنائية معزولة، بل باعتبارها تعبيراً عن تصدير الصراعات الجيوسياسية إلى قلب المدن الغربية، وهو ما يجعل الحدود بين الأمن القومي والأسواق المالية والرياضة حدوداً شديدة الهشاشة.

يكتسب الفصل قوة إضافية عندما يكشف أن المنافسة على تنظيم كأس العالم كانت بين تحالفات دولية تستخدم النفوذ الاقتصادي والاستخباراتي والدبلوماسي للوصول إلى النتيجة المطلوبة. فالتقرير الذي أعده ستيل لصالح الاتحاد الإنكليزي لم يكن محاولة لفهم قواعد التصويت، بل لفهم بنية القوة التي تتحكم في التصويت قبل أن يبدأ. هنا تصبح الانتخابات داخل الفيفا شبيهة بالانتخابات السياسية في الأنظمة الزبونية؛ فالولاءات تُشترى، والتحالفات تُبنى بعيداً من المؤسسات الرسمية، والقرار الحقيقي يُصنع داخل شبكات غير مرئية. كما يلفت مولينا الانتباه إلى نقطة سوسيولوجية بالغة الأهمية، وهي أن كرة القدم تخلق فضاءً اجتماعياً استثنائياً تختلط فيه جميع الفئات: رجال السياسة، ورجال الأعمال، والمافيا، وأجهزة الاستخبارات، والمشاهير، والمستثمرون. ويعكس هذا الاختلاط المكانة الفريدة لكرة القدم باعتبارها أكبر سوق عالمي لرأس المال الرمزي. فمن يمتلك القدرة على التأثير في هذه الصناعة لا يحقّق أرباحاً مالية فقط، بل يكتسب شرعية جماهيرية ونفوذاً سياسياً يتجاوز بكثير حدود الملاعب.

من خلال الربط بين قضية ليتفينينكو، وشبكات الأوليغارشية، وتحقيقات الـ FBI، وملفات استضافة كأس العالم، ينجح مولينا في تفكيك التصور التقليدي الذي يفصل بين الأمن والسياسة والرياضة. فالرياضة، في هذا الفصل، ليست مجالاً مستقلاً، وإنما امتداد للنظام الدولي نفسه، تخضع للقواعد ذاتها التي تحكم أسواق الطاقة، وصراعات النفوذ، وحروب الاستخبارات. لذلك فإن الفيفا لا تظهر باعتبارها منظّمة رياضية، بل باعتبارها عقدة داخل شبكة عالمية لإنتاج القوة.

في النهاية، يطرح الفصل فكرة شديدة العمق: عندما تصبح أجهزة الاستخبارات، بدل المؤسسات الرياضية، المصدر الأكثر قدرة على تفسير ما يحدث داخل كرة القدم، فإن الأزمة هي أزمة بنية عالمية تحوّلت فيها اللعبة الأكثر شعبية إلى أداة من أدوات الصراع الجيوسياسي. ومن هنا يصبح عنوان الفصل بالغ الدلالة؛ فـ«الجاسوس الذي جاء من عدن» ليس قصة رجل، بل قصة انتقال كرة القدم نفسها من فضاء المنافسة الرياضية إلى فضاء الاستخبارات، حيث لا تُحسم البطولات فقط داخل الملاعب، وإنما أيضاً داخل مكاتب الجواسيس، وشبكات المال، وغرف القرار السياسي. 

من الرشوة إلى اغتصاب الأجساد 

تكشف الفصول الخامس والسادس والسابع من كتاب رومان مولينا أن فساد كرة القدم لا يقتصر على اختلاس الأموال أو التلاعب بنتائج الانتخابات، بل يشكّل نظاماً سلطوياً متكاملاً يبدأ بشراء الولاءات، ويمرّ بإخضاع المؤسسات، وينتهي بالاستحواذ على الأجساد الأكثر هشاشة. فمن مظاريف بورت أوف سبين المملوءة بأوراق نقدية، إلى «مزرعة الجحيم» في هايتي، وصولاً إلى الأدوية والمنح والمساعدات الإنسانية التي تتحوّل إلى وسائل للمقايضة والابتزاز، يرسم الكاتب مساراً واحداً للسلطة حين تتحرّر من الرقابة: تتحوّل الرياضة من فضاء للترقي الاجتماعي إلى جهاز للاستغلال. في فصل «المظاريف البنية في بورت أوف سبين»، يظهر جاك وارنر باعتباره نموذجاً للزعيم الزبوني الذي لا يستمد قوته من القيمة الرياضية لمنطقته، بل من قدرته على تحويل الدول الصغيرة إلى كتلة انتخابية. فالاتحادات الكاريبية، على الرغم من ضعفها الكروي، تمتلك أصواتاً مساوية لأصوات الاتحادات الكبرى، وهو ما يجعل الفقر الرياضي مصدراً للثراء السياسي. يستثمر وارنر هذا الاختلال ليصبح وسيطاً إلزامياً بين المرشحين لرئاسة الفيفا وشبكة من الرؤساء التابعين له. إن المظروف الذي يحتوي 40 ألف دولار ليس مجرد رشوة فردية، بل هو عقد ولاء داخل نظام يقوم على تحويل «تنمية كرة القدم» إلى لغة لتبييض شراء الأصوات.

تُضخّم أعداد الضحايا، وتُختلق المراسلات، وتُحوّل الأموال عبر شبكات خاصة، ويصبح الحزن الوطني رأسمالاً قابلاً للاستثمار. يتداخل هنا المال الإنساني مع النفوذ السياسي والاستغلال الجنسي، بحيث لا تعود هناك حدود بين المنحة والرشوة، ولا بين الرعاية والابتزاز

تكشف الحادثة أيضاً أن الفساد لا يحتاج دائماً إلى السرية الكاملة، بل إلى تطبيع جماعي يجعل الجريمة تبدو عرفاً مهنياً. فقبول المظاريف كان بالنسبة إلى عدد كبير من الحاضرين أمراً عادياً، لأن المنظومة أعادت تعريف الرشوة باعتبارها هدية، والمقابل السياسي باعتباره مساعدة. لا تنهار هذه البنية بسبب يقظة الفيفا، بل نتيجة رفض فردي عرضي داخل الاتحاد البهامي، بما يبين أن أنظمة الفساد تسقط غالباً عندما ينشق أحد أعضائها، لا عندما تعمل الرقابة الرسمية. لكن الفصلين السادس والسابع يدفعان التحليل إلى مستوى أشد عنفاً. ففي هايتي، لا تعود السلطة الرياضية وسيلة لنهب الأموال فحسب، بل تتحوّل إلى سيادة على الأجساد. إن الفتيات القادمات من الفئات الفقيرة، والباحثات عن فرصة للالتحاق بالمنتخب أو الحصول على تأشيرة ومنحة، يجدن أنفسهن داخل نظام يربط المستقبل الرياضي بالطاعة الجنسية. وبذلك تصبح الحاجة الاجتماعية مادة خام للاستغلال: الفقر واليتم والهشاشة العائلية والطموح الرياضي، كلها تُعاد صياغتها كوسائل ضغط.

لا يقدّم مولينا الاعتداءات بوصفها انحرافات شخصية معزولة، وإنما بوصفها بنية مؤسساتية تشمل الرئيس، ونائبه، والوسطاء، والموظفين، والمدربين، والحراس، وشبكات العنف المسلح. فـ«المزرعة» مؤسسة تأديبية يُعاد فيها إنتاج الخضوع. من ترفض تخسر مسيرتها، ومن تقبل تحصل مؤقتاً على حذاء أو هاتف أو سفر، فيما يحتفظ المسؤول بحق سحب الامتيازات في أي لحظة. هنا تعمل السلطة بمنطق يجمع بين الاستمالة والعقاب: تمنح الأمل أولاً، ثم تحوّله إلى قيد. يكشف الترابط بين جان-بارت وجاك وارنر وسيب بلاتر أن الحماية ليست محلية فقط، بل عابرة للحدود. فقد منح شعار استقلالية الاتحادات الرياضية للرؤساء المحليين درعاً ضد الحكومات والقضاء، إذ يكفي التلويح بعقوبة «التدخل السياسي» لمنع أي محاولة للمحاسبة. وهكذا تتحول استقلالية الرياضة، التي يفترض أن تحميها من استبداد الدولة، إلى أداة تحمي الاستبداد داخل الرياضة.

أما المساعدات التي وصلت بعد زلزال هايتي، فتظهر الوجه الأكثر فجاجة لهذا النظام. فالكارثة لا تُنتج التضامن، بل تفتح سوقاً جديدة للنهب. تُضخّم أعداد الضحايا، وتُختلق المراسلات، وتُحوّل الأموال عبر شبكات خاصة، ويصبح الحزن الوطني رأسمالاً قابلاً للاستثمار. يتداخل هنا المال الإنساني مع النفوذ السياسي والاستغلال الجنسي، بحيث لا تعود هناك حدود بين المنحة والرشوة، ولا بين الرعاية والابتزاز. إن ما تجمعه هذه الفصول هو أن الفساد الرياضي ليس نقصاً في الأخلاق الفردية، بل نمط حكم. فالرؤساء يوزعون المال والفرص والتأشيرات والمناصب والحماية، مقابل الصمت والطاعة والأصوات والأجساد. وتحت واجهة «تطوير كرة القدم»، تنشأ دولة موازية لها مواردها، ورجالها، وعقوباتها، وتحالفاتها الدولية. لذلك لا تمثل كرة القدم في هذه الفصول مرآةً للمجتمع فقط، بل مختبراً مكثفاً لأشدّ أشكال السلطة المعاصرة قسوة: سلطة تشتري الضمير حين تستطيع، وتكسر الجسد حين يعجز المال عن إخضاعه.

لعنة الملوك ومحاسبو الظل

تكشف الفصول الثامن والتاسع والعاشر من كتاب رومان مولينا أن سقوط منظومة الفيفا لم يكن نتيجة انتصار مؤسسات الرقابة، بل حصيلة تصدعات داخلية في شبكة مغلقة بدأت تفترس نفسها. فمن «لعنة ملك الكاريبي» إلى الجريمة العابرة للحدود المطلة على برج إيفل، ثم إلى «المحاسب ذي المسدس»، يرسم الكاتب مسار انتقال كرة القدم من نظام للولاءات إلى مسرح للوشاية والابتزاز والملاحقة المالية. لم يعد الفساد هنا مجرد رشاوى، بل بنية سياسية عالمية تتقاطع فيها الدولة والمافيا والبنوك وأجهزة التحقيق. في الفصل الثامن، يظهر جاك وارنر بوصفه حاكماً لا رئيس اتحاد. قوته لا تستند إلى النتائج الرياضية، بل إلى التحكم في أصوات اتحادات صغيرة داخل منظومة تمنح لكل دولة صوتاً متساوياً. هكذا تتحوّل الهامشية الجغرافية إلى رأسمال سياسي، وتصبح دول الكاريبي، على الرغم من ضعفها الكروي، خزّاناً انتخابياً قادراً على ترجيح رئاسة الفيفا. غير أن هذا النظام الزبوني يحمل في داخله بذور سقوطه، فالطاعة التي تُشترى بالمال لا تنتج ولاءً دائماً، بل شبكة من الحقد والخوف والحسابات المؤجلة.

المؤسسة الرياضية تصبح ملجأً لرجال السلطة بعد خروجهم من الدولة، وتمنحهم ما فقدوه في المجال السياسي: الاعتراف، والموارد، والعلاقات الدولية. لذلك تستقبل كرة القدم رجالاً فاسدين، وتعيد تأهيلهم وتوفير شرعية جديدة لهم

يعمق مولينا هذه الصورة عبر شخصية باتريك جون، الذي ينتقل من رئاسة الحكومة ومحاولات الانقلاب إلى رئاسة اتحاد كرة القدم. لا يبدو هذا الانتقال قطيعة بين السياسة والرياضة، بل استمرارية في أساليب السيطرة. فالمؤسسة الرياضية تصبح ملجأً لرجال السلطة بعد خروجهم من الدولة، وتمنحهم ما فقدوه في المجال السياسي: الاعتراف، والموارد، والعلاقات الدولية. لذلك تستقبل كرة القدم رجالاً فاسدين، وتعيد تأهيلهم وتوفير شرعية جديدة لهم. 

أما الفصل التاسع فيوسع المشهد إلى الفضاء الروسي والأوروبي، حيث تصبح الجريمة أكثر تعقيداً وأشد قدرة على التخفي. فالمشبوهون لا يتحركون في الأزقة، بل في الحفلات الراقية، والمعارض، والمطاعم، والمناسبات الرياضية. وتكشف شخصية توختاخونوف أن الجريمة الحديثة لا تقدم نفسها في صورة العصابة التقليدية، بل تتخفى داخل شبكات الثقافة والفن والأعمال. إن قدرته على الاقتراب من السياسيين والرياضيين والمشاهير لا تعكس فقط مهارته الشخصية، بل تكشف طبيعة النخب العالمية التي لا تسأل كثيراً عن مصدر المال ما دام يمنحها النفوذ والمتعة. يشير عنوان «جريمة قتل بإطلالة على برج إيفل» إلى المفارقة بين أناقة المكان وعنف الشبكة. فباريس ولندن وموسكو ونيويورك ليست عوالم منفصلة، بل عقد داخل فضاء مالي وأمني واحد. ومن خلال هذا الربط، يهدم مولينا التصور الذي يحصر الجريمة المنظمة في مناطق الفوضى، ليبين أنها تنمو أيضاً داخل أكثر العواصم مؤسساتية. الجريمة لا تعيش خارج النظام، بل داخله، مستفيدة من البنوك والقوانين والعلاقات الدبلوماسية.

في الفصل العاشر، يحتل تشاك بلايزر مركز السرد. إنه النموذج الأكثر دلالة على فساد المنظومة، لأنه لم يكن هامشياً فيها، بل مهندساً وشريكاً ومحاسباً. كان يحصل على نسب من العقود، ويستولي على أموال المساعدات، ويحوّل ممتلكات الاتحادات إلى رصيد شخصي. غير أن سقوطه لا ينتج عن الندم، بل عن ضغط الإدارة الضريبية الأميركية. هنا تظهر الدولة لا كحارس للأخلاق، بل كجهاز يبحث عن نقطة قانونية قابلة للإثبات: الضرائب، والتحويلات البنكية، وغسل الأموال. تكمن قوة المحققين في إدراك أن الأموال، مهما تعددت واجهاتها، تمر عبر النظام المالي الأميركي. بذلك تتحول البنوك إلى أثر مادي يسمح للقانون بالدخول إلى عالم كان محصناً بالصمت. وما عجز الصحافيون عن إثباته عبر الشهادات، أمكن تتبعه عبر الحسابات. هكذا يصبح «المحاسب ذو المسدس» رمزاً لعدالة لا تدخل من باب الرياضة، بل من باب المال. تبلغ المفارقة ذروتها عندما يتحول بلايزر من فاعل في الفساد إلى شاهد على رفاقه. لا تسقط الشبكة بفعل الأخلاق، بل بفعل الخيانة. إن الشريك الذي عرف الأسرار والأسماء والحسابات يصبح الأداة الأهم لتفكيك المنظومة. ولذلك فإن هذه الفصول لا تروي قصة تطهير كرة القدم، بل قصة حرب أهلية داخل نظام مغلق، حيث يفترس أعضاؤه بعضهم حين تتغير موازين الحماية. وفي النهاية، لا تبدو الفيفا مؤسسة انهارت بسبب قوة العدالة، بل إمبراطورية بدأت تتداعى حين لم يعد ملوكها واثقين من صمت محاسبيهم.

خاتمة: الملاءات الملطخة بالدم 

في الفصل الحادي عشر، لا يقدّم رومان مولينا خاتمة لفضيحة الفيفا بقدر ما يكشف آلية إعادة إنتاجها. فـ«الملاءات الملطخة بالدم» ليست فقط إشارة إلى الأسرار الجنسية والسياسية التي تحيط بملف كريستوفر ستيل ودونالد ترامب، بل صورة مكثفة لمنظومة كاملة تحاول محو آثار العنف والفساد ثم تقديم نفسها في ثوب أخلاقي جديد. 

يبدو «فيفاغيت» أقل كونيّة مما يوحي به الخطاب الرسمي؛ إنها عدالة قوية حين تمس المعاملات المجال المالي الأميركي، لكنها ليست بالضرورة عدالة قادرة على تفكيك النظام العالمي للرياضة

هذا الفصل هو فصل الانكشاف الكبير، لكنه أيضاً فصل الخيبة: فبعد سنوات من التحقيق، والاعتقالات، والتسريبات، والشهادات، لا تسقط البنية التي أنتجت الفساد؛ بل تعيد ترتيب رجالها، وتغيّر خطابها، وتخرج أكثر قوة. في قلب السرد يقف تشاك بلايزر، أحد صانعي المنظومة وأكثرهم معرفة بأسرارها. حين يقرر التعاون مع العدالة الأميركية، لا يفعل ذلك بدافع صحوة أخلاقية، بل خوفاً من السجن واقتراباً من الموت. وهذه النقطة حاسمة، لأنها تكشف أن الحقيقة لا تظهر عندما تنتصر القيم، بل عندما تتشقق شبكة المصالح. يتحول بلايزر من شريك في الجريمة إلى أداة لإدانة شركائه، حاملاً جهاز تسجيل مخفياً، ومحولاً الثقة القديمة إلى مادة اتهام. هكذا تصبح الخيانة، لا الشفافية، المدخل الفعلي إلى العدالة. لكن مولينا لا يسمح للقارئ بالانخداع بصورة العدالة المنتصرة. صحيح أن مكتب التحقيقات الفيدرالي والإدارة الضريبية الأميركية نجحا في تفكيك مسارات الأموال، لكن التحقيق لم يكن مستقلاً عن منطق القوة الأميركية. فقد أمكن ملاحقة مسؤولي الفيفا لأن التحويلات المالية مرّت عبر بنوك أميركية، أي لأن السيادة القضائية للولايات المتحدة امتدت مع امتداد الدولار. لذلك يبدو «فيفاغيت» أقل كونيّة مما يوحي به الخطاب الرسمي؛ إنها عدالة قوية حين تمس المعاملات المجال المالي الأميركي، لكنها ليست بالضرورة عدالة قادرة على تفكيك النظام العالمي للرياضة. تحتل لوريتا لينش موقعاً رمزياً في الفصل. فهي تمثل لحظة الانتصار القضائي والإعلامي، لكن مسارها اللاحق يكشف حدود هذا الانتصار. انتقالها من الإشراف على التحقيق إلى العمل في مكتب محاماة يتعامل مع الفيفا، ثم ظهورها في فعاليات المؤسسة الجديدة، يختصر قدرة المنظومات الكبرى على استيعاب خصومها السابقين. هنا لا يعود الفرق واضحاً بين من يحقق في المؤسسة ومن يقدم لها الشرعية بعد سنوات. يتحول الصراع إلى دورة مهنية تتبادل فيها النخب المواقع من دون أن يتغير مركز السلطة. ويظهر التقرير الخاص بملفات استضافة كأس العالم باعتباره مثالاً صارخاً على احتواء الحقيقة. فحين تنتج لجان الأخلاقيات تقارير محرجة، يعاد تلخيصها، أو حذفها، أو نشرها بعد فوات الأوان. لا تحتاج المؤسسة إلى تكذيب الوقائع؛ يكفي أن تتحكم في توقيت ظهورها، وفي اللغة المستخدمة لتوصيفها. هكذا تتحول الأخلاقيات نفسها إلى أداة لإدارة الأزمة، لا لمحاسبة المتسببين فيها.

أما كريستوفر ستيل، فيجسد تداخل الاستخبارات بالرياضة والسياسة والإعلام. فمن ملف روسيا والفيفا إلى الملف المثير للجدل حول ترامب، يتحول رجل المعلومة إلى منتج للروايات القادرة على التأثير في التوازنات الدولية. غير أن الفصل يكشف هشاشة هذا الدور أيضاً؛ فالمعلومة الاستخباراتية قد تكون سلعة سياسية، وقد تتضخم قيمتها بفعل حاجة المؤسسات إلى قصة قابلة للتسويق. وهنا تتقاطع «الملاءات الملطخة بالدم» مع صورة الفيفا ذاتها: أسرار جنسية، صراعات جيوسياسية، معلومات غير قابلة للتحقق الكامل، وأجهزة تتنافس على امتلاك السردية. القوة الأعمق للفصل تكمن في انتقاله من فضيحة الماضي إلى نقد «الفيفا الجديدة». فمولينا يرفض فكرة أن تغيير الأشخاص يعني إصلاح المؤسسة. لقد رحل بلاتر ووارنر وبلايزر، لكن منطق الحكم بقي: مركزية القرار، ضعف الرقابة، شراء الولاءات، توظيف التنوع في الاتصال المؤسسي، وتوسيع العلاقات مع رؤساء الدول. لم تعد الشرعية تُبنى فقط عبر توزيع الأموال، بل أيضاً عبر خطاب الإصلاح، وتمثيل النساء، والتعدد الثقافي، والصور المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي.

تتحول القيم الحديثة إلى رأسمال دعائي. تعيين امرأة سوداء مسلمة في منصب قيادي لا يعني بالضرورة تغيير بنية المؤسسة، بل قد يصبح دليلاً بصرياً على انفتاحها. وبهذا تستبدل الفيفا الإصلاح المؤسسي بسياسة الصورة: الوجوه تتغير، لكن مسارات المال والرقابة تبقى غامضة. إن التنوع، حين ينفصل عن توزيع السلطة والمساءلة، يتحول إلى واجهة تجميلية لنظام قديم. وفي النهاية، يرسم مولينا الفيفا كقوة فوق وطنية لا تخضع فعلياً للدول، بل تفاوضها من موقع الندّية، وتلوح بنقل مقرها، وتطالب بالحصانات والامتيازات، وتستخدم الشغف الشعبي لحماية مسؤوليها. لذلك فإن «الملاءات الملطخة بالدم» ليست عنواناً عن فضيحة خاصة، بل استعارة عن عالم يُزال فيه أثر الجريمة دون إزالة شروطها. لقد كشفت التحقيقات الدم، لكن المؤسسة غيّرت الملاءات فقط. وما دام المال يشتري الصمت، والدول تفضّل الانتصار الكروي على المحاسبة، فإن الفيفا لن تكون ضحية فساد سابق، بل نظاماً عالمياً يتقن تحويل الفضيحة إلى مصدر جديد للقوة.

  • مؤلف الكتاب هو رومان مولينا، صحافي استقصائي وكاتب فرنسي، اشتهر بتحقيقاته في عالم كرة القدم، ولا سيما في ملفات الفساد، وسوء الإدارة، والاعتداءات الجنسية، والاتجار بالنفوذ داخل الاتحادات والأندية حول العالم. كما ألّف عدداً من الكتب عن صناعة كرة القدم وكواليسها. من بين القضايا التي ساهم في كشفها فضائح الاعتداءات الجنسية داخل الاتحاد الهايتي لكرة القدم، وهي قضية انتهت بإيقاف رئيس الاتحاد مدى الحياة من قبل الفيفا بعد تحقيقات صحافية متعددة، وملفات تتعلق بالفساد وسوء الإدارة في اتحادات كرة قدم في أفريقيا وأميركا الجنوبية وأوروبا، وتحقيقات عن الأوضاع الداخلية في أندية كبرى مثل باريس سان جيرمان ومانشستر يونايتد وغيرها. 

    فؤاد غربالي

    أستاذ علم الاجتماع ، تونس