aquaculture

قراءة في تشريع الصيد المائي وتربية الأحياء المائية في لبنان
البحر مالح

منذ قرن تقريباً، ظلت إدارة الصيد البحري في لبنان خاضعة لنصّ وُضع في عهد الانتداب الفرنسي، بموجب القرار رقم 2775 الصادر عام 1929. أمّا منذ تموز/يوليو 2026، فقد استعاض المشرّع اللبناني عن تلك القوانين المبعثرة بقانون جديد ينظم الصيد المائي وتربية الأحياء المائية. احتفى وزير الزراعة بالقانون، واعتبره ثمرة مسار امتدّ عقداً من الدراسة والتشاور مع منظمات عدّة، منها منظّمة الأغذية والزراعة (FAO) والهيئة العامة لمصايد أسماك البحر الأبيض المتوسط، فضلاً عن ممثلي الصيادين، وأثنى عليه مؤيدوه بوصفه خطوة تاريخية نحو «الاقتصاد الأزرق». 

لكن، بعد أيام قليلة من إقراره، أعلن تجمّع تعاونيات ونقابات الصيادين في لبنان، من ميناء ضبية، رفضه شبه الجماعي للقانون بصيغته المعتمدة. ويضمّ التجمّع صيادين من الناقورة جنوباً إلى العريضة شمالاً. وقد وصف القانون بأنه يتضمّن أحكاماً مبهمة تخدم الشركات والمحتكرين على حساب الصيد الحرفي. وهو ما نبّه إليه أيضاً النائب أسامة سعد، مطالباً بتأجيل التصويت وإعادة النص إلى اللجنة، ومحذّراً من أن «هناك حيتاناً تتربص» في إشارة إلى حيتان المال والسياسة.  

لا يختلف أحد في ضرورة تحديث نصّ عام 1929، بمن فيهم المعترضون على الصيغة الحالية. فلا يمكن لقانونٍ كُتب قبل ظهور كثير من الأدوات الحديثة المستخدمة في صيد الأسماك والاستزراع أن يضمن مصالح الأطراف جميعاً وحقوقهم، فضلاً عن حماية البيئة والتنوع الحيوي. لكن الضرورة لا تعني العدالة، إذ يمكن أن يكون القانون حديثاً من الناحية التقنية، ومتحيزاً في الوقت نفسه إلى فئة على حساب أخرى.  

عندما تصف حكومة قانوناً ما بأنه وُضِع للحماية، فيما ترى فيه غالبية المعنيين به تهديداً لها، يصبح الاختلاف بين الموقفين حقيقة من حقائق الاقتصاد السياسي، تستحق التفسير والتحليل، لا التغاضي عنها. وهنا ينتقل السؤال من جدوى تطوير القانون إلى مدى قدرته على حماية ما تبقى من حرفة ذات جذور تاريخية وضمان ديمومتها. 

 ما لَهُ بإيجاز 

ينبغي أن ينطلق أي تقييم منصف لقانون من تحديد مآلاته بالدرجة الأولى. وللمرة الأولى تقريباً،  بات لدى لبنان مرجع قانوني واحد وموحّد يغطي حرفة صيد الأسماك وتربية الأحياء المائية، ويحلّ محل مجموعة متفرقة من نصوص عهد الانتداب والقرارات الوزارية المبعثرة. ويُدخل القانون مصطلحات لم تكن موجودة سابقاً في التشريعات البحرية اللبنانية، ويحدّد معايير بيئية وتقنية واضحة تخدم حماية البيئة وتنظيم الاستغلال البحري. 

تُعدّ هذه الأمور عموماً من التدابير الاعتيادية لحماية التنوّع الحيوي والحفاظ على البيئة، وقد ورد بعضها في تشريعات سابقة. أما المسائل العالقة، فتتمحور حول مصالح صغار الصيادين الذين يمسّ التشريع الجديد حياتهم ومصدر رزقهم. 

الإصغاء والنيات الحسنة لا يضمنان بالضرورة توزيعاً عادلاً للثروات، خصوصاً أن ثمار البحر، قبل تخصيصها، هي في الأصل مال مباح لكل من استطاع إليها سبيلاً

بفضل التعديلات التي اقترحتها النائبة عناية عز الدين (صوت الفرح، 2026)، واعتُمدت في النسخة النهائية، بات القانون يتضمّن تعريفاً لـ«الصيد الحرفي صغير النطاق»، وهو الصيد الذي يمارسه أفراد العائلات أو منتسبو التعاونيات باستخدام قوارب تقليدية يقل طولها عن 12 متراً، وتعتمد أساساً على العمل اليدوي أو البدني. كما يُعفي القانون هذه القوارب من شرط التبريد الميكانيكي ومن سجلات الصيد المعقّدة، ويستبدل بهذه السجلات دفاتر مبسّطة. وكانت هذه الشروط الإقصائية في صلب ما حذّرت منه تعاونيات الصيادين وهيئات ومنظّمات المجتمع المدني في مراجعاتها الأولية، ولذلك يُعدّ إلغاؤها بالغ الأهمية. لكن تجدر الإشارة إلى أن نسخة القانون التي بين يدي لا تتضمّن هذا التعديل، لأن القانون لم يُنشر بعد في الجريدة الرسمية، وتستند هذه القراءة عموماً إلى النسخة الأخيرة المنشورة على منصات الإنترنت.

تروّج وزارة الزراعة للقانون باعتباره نتاج مسارٍ فني امتدّ 12 عاماً، وتشاورت خلاله مع منظمة الأغذية والزراعة (FAO) والهيئة العامة لمصايد أسماك البحر الأبيض المتوسط. وتؤكد أنه يوسّع منطقة الصيد المعترف بها للصيادين اللبنانيين من 6 أميال بحرية إلى 12 ميلاً بحرياً، بالمقارنة مع نص عام 1929 (وزارة الزراعة، 2026).

لكن الإشكالية تكمن في أن الإصغاء والنيات الحسنة لا يضمنان بالضرورة توزيعاً عادلاً للثروات، خصوصاً أن ثمار البحر، قبل تخصيصها، هي في الأصل مال مباح لكل من استطاع إليها سبيلاً. ومن هنا، تشوب نهج السلطة خمسُ مشكلات أساسية أناقشها تباعاً.

بلدٌ قوامُه القوارب الصغيرة

تشير الإحصاءات الأشمل والأحدث إلى أن أسطول الصيد في لبنان حرفي بأغلبيته الساحقة. إذ يقلّ طول 96% من المراكب عن 12 متراً، ويبلغ متوسط طول القارب نحو 7 أمتار، فيما يتجاوز متوسط عمر الصياد 50 عاماً (الحركة الزراعية في لبنان، 2025). وإذا دل ذلك على شيء، فهو أن هذا القطاع ليس قطاعاً صناعياً لا يشكّل فيه الصيد الحرفي سوى جزء صغير، بل هو قطاع حرفي تكاد تنعدم فيه المشاريع الاستثمارية الصناعية.

من هنا، يمكن الاستدلال على أن البنية التنظيمية للقانون صُمِّمت لهدف محدّد تماماً: تهيئة بيئة استغلالية لجهات من خارج مجتمعات الصيد المحلية. فالحد الأقصى المسموح به للصيد، وجُهد الصيد المقاس بساعات الجرف وسحب الشباك، ومراقبة المراكب، وسقوف تراخيص الصيد، والعمليات في المنطقة الاقتصادية الخالصة، وشهادات الصيد، وسلاسل التبريد، والقدرة على العمل في أعالي البحار، هي أدوات لإدارة الصيد الصناعي، لا ما يُعرف بالصيد الحرفي. وحتى لو أُدخلت هذه الأدوات واعتُمدت هذه الأساليب داخلياً، فإن ذلك لا يشكّل شرطاً لتنمية الصيد الصناعي المحلي بل يهيّئ نظاماً قانونياً وإدارياً في بلدٍ لا يمتلك حالياً أي أسطول من هذا النوع أصلاً.

طبّق القانون معياراً واحداً يساوي بين قاربٍ عائلي، من جهة، ومشغّل أسطولٍ كامل، من جهةٍ أخرى، ما يصبّ عملياً في مصلحة مَن يستطيع تحمّل تكاليف الامتثال والالتزام

بالتالي، يُطرح السؤال: من يقدر على تلبية هذه الشروط؟ والجواب المباشر: بالتأكيد ليس صياداً، ولا مجموعة من الصيادين، على متن فلوكة صغيرة.

يتطلّب الاستخراج بالحجم الذي تطمح إليه السلطة، وفق القانون، رأسمالاً ومراكب مبرّدة وتراخيص للصيد في أعالي البحار واستثماراتٍ في أجهزة الصيد ومعداته، فضلاً عن القدرة الإدارية على التعامل مع نظام معقّد من أذونات الصيد والتراخيص. وباختصارٍ شديد، يتطلب ذلك كله التزاماتٍ لا تستطيع تلبيتها سوى شركاتٍ ذات حجمٍ ونفوذ، لا تعاونيات ولا صيادين صغار.

لهذا السبب، يظهر الخلل الأصلي في القانون أولاً في التعريفات. فمن خلال التعامل مع «الصيد الاحترافي» بوصفه فئة قانونية واحدة، طبّق القانون معياراً واحداً يساوي بين قاربٍ عائلي، من جهة، ومشغّل أسطولٍ كامل، من جهةٍ أخرى، ما يصبّ عملياً في مصلحة مَن يستطيع تحمّل تكاليف الامتثال والالتزام. وعلى الرغم من أن تعديلات النائبة عناية عز الدين تخفّف هذا الخلل، وفقاً لما تقوله، عبر استحداث فئة مخصصة للصيد الحرفي، فإنها لا توفر، إذا تأكّد ورودها عند نشر القانون، سوى استثناءاتٍ وإعفاءات، لا أولوية. فالقانون يعترف بالصيادين الحرفيين الصغار بوصفهم فئة تستحق التزاماتٍ أخفّ، لكنه لا يمنحهم حق الوصول التفضيلي إلى الموارد البحرية نفسها، أي المال المباح كما سبقت الإشارة. 

هذا التمييز هو جوهر الحجة برمّتها. فالخطوط التوجيهية الطوعية لمنظمة الأغذية والزراعة (الفاو) لضمان استدامة مصايد الأسماك صغيرة النطاق في سياق الأمن الغذائي والقضاء على الفقر، والتي أقرّها لبنان بصفته عضواً في المنظمة، تلزم الدول بتأمين حقوق الحيازة لمجتمعات الصيد صغير النطاق ومنحها حق الوصول التفضيلي إلى المياه الساحلية (الفاو، 2015). لكن القانون اللبناني لا يحجز أي شريط ساحلي للصيد الحرفي، على النحو الذي اقترحته الحركة الزراعية عبر إنشاء منطقة حصرية للصيد الحرفي بعمق 6 أميال بحرية. ولا يضمن للصيادين الحرفيين أي حصة من أي «كوتا» قد يحدّدها الوزير. فالإعفاء من عبءٍ لا يساوي بالضرورة حماية حقّ قائم.

وقد لخّص النائب أسامة سعد النتيجة السياسية بوضوح خلال الجلسة النيابية، محذّراً من إمكان استغلال كبار المستثمرين الثغرات الواردة في النص، وواصفاً إياهم بالحيتان المتربّصة (النهار، 2026).

يكفينا شرّ خصخصة الشاطئ

يأتي الفصل السابع من القانون، المتعلق بمنشآت تربية الأحياء المائية، لينقل إعادة التوزيع إلى الحيّز المكاني. ويخوّل وزارة الزراعة ترخيص منشآت لتربية الأحياء المائية في المياه اللبنانية، على الأملاك الخاصة والعامة على حد سواء، لمدد قابلة للتجديد تصل إلى 20 عاماً. كما يمنح صاحب الترخيص، فرداً كان أو مؤسسة، ملكية المخزون المُنتَج طوال مدة دورة الإنتاج (المواد 81 و86 و87 من القانون).

ليس لدى الصيادون أي سبب يدعوهم إلى التساهل أو الاطمئنان إلى هذا الأمر. فخصخصة المناطق الساحلية هي الإخفاق الأكثر توثيقاً في البلاد في ما يتعلّق بالأملاك العامة عموماً، والأملاك البحرية العامة خصوصاً. لدينا في شركة سوليدير مثال حيّ (راجع فيفيان عقيقي، 2026)، ناهيك بعقودٍ متواصلة من إنشاء المنتجعات والمشاريع القائمة على ردم البحر والإنشاءات غير المرخصة، التي حوّلت المال العام إلى مجموعة من الامتيازات الخاصة، في ظل ضعف إنفاذ القانون وتكرار الإعفاءات بين حين وآخر (صاغية والبعيني، 2025).

إن أي قانون يُوسّع منطق الترخيص والتخصيص من البر إلى البحر، ضمن البيئة المؤسسية نفسها، من دون نص صريح يحظر إقامة المزارع السمكية في مناطق الصيد التقليدية، ومن دون اشتراط إجراء مشاورات مسبقة وملزمة مع الصيادين المتأثرين، لا يُقدّم ترتيباً تقنياً محايداً، بل ينقل نمطاً معروفاً من الاستيلاء إلى مساحة جديدة. وقد أشارت الحركة الزراعية في لبنان إلى ذلك أيضاً تحت مسمى «الاستيلاء على الشاطئ» (الحركة الزراعية في لبنان، 2025).

أي قانون يُوسّع منطق الترخيص والتخصيص من البر إلى البحر لا يُقدّم ترتيباً تقنياً محايداً، بل ينقل نمطاً معروفاً من الاستيلاء إلى مساحة جديدة 

والنتائج العملية لهذه الترتيبات متوقعة. فالأقفاص العائمة تُنشئ مناطق حظرٍ واستبعادٍ تُضيّق مساحة الصيد المتاحة أمام القوارب التي تعمل أساساً ضمن رصيفٍ قاري ضيق. كما يؤدّي الاستزراع المائي المكثف إلى تركيز بقايا الأعلاف والمضادات الحيوية ومسبّبات الأمراض في المياه الساحلية. وفضلاً عن ذلك، قد يهدّد هروب الأسماك المُستزرعة المخزونات البحرية غير المستزرعة، وهي المخزونات نفسها التي يعتمد عليها الصيادون الحرفيون. وعلى الرغم من أن القانون يشترط إجراء تقييم للأثر البيئي (المادة 84)، فإن مصداقية هذا التقييم في لبنان تظل مرتبطة بقدرات الإنفاذ والتطبيق، وهي قدراتٌ لم يُقدّم القانون أي تمويلٍ أو أفق لتعزيزها.

تدأب وزارة الزراعة على تبرير هذه الإشكالية القانونية بالقول إن القانون يمنح التعاونيات البحرية الأولوية في الاستثمار في الاستزراع المائي. وإذا كانت هذه الأولوية فعلية في النص النهائي، وليست مجرد تمنيات، فإنها تُشكل ضمانة حقيقية. لكنها تظل أولوية ورقية ضمن نظام تراخيص يمنح الوزير صلاحياتٍ تقديرية واسعة من دون اشتراط الشفافية، في ظل غياب سجل علني للتراخيص وشروط منحها والمستفيدين الحقيقيين منها. وقد أثبتت التجربة التاريخية أن هذا النوع من الترتيبات لا يصمد أمام الممارسة الإدارية اللبنانية. وكما سبقت الإشارة، يظل من الصعب على التعاونيات، بشكلها الحالي، الاستثمار في هذه المشاريع من دون الشراكة مع شركات كبرى.

الأساطيل الأجنبية، والثمار، ومسألة الأمن الغذائي

ينظّم القانون نشاط مراكب الصيد الأجنبية؛ إذ تجيز المادة 50 لهذه المراكب الصيد في المنطقة الاقتصادية الخالصة اللبنانية بموجب ترخيصٍ وزاري، بينما تسمح المادة 53 بتفريغ صيدها، طازجاً كان أم مجمداً، في الموانئ اللبنانية.

تدعم بعض الآراء هذا التوجّه انطلاقاً من أنّ مراقبة السلطات للموانئ وإجراءات التسجيل والتفتيش تستند إلى معايير منظمة «الفاو» لمكافحة الصيد غير القانوني؛ فتأطير عمل المراكب الأجنبية وتنظيمه يضعان الدولة في موقع أفضل بكثير من تجاهله.

غير أن القانون يمنح حق الوصول من دون الشروط التي تجعله مقبولاً أو قابلاً للدفاع عنه. فهو لا يشترط إثبات وجود «فائض صيد» علمياً قبل منح التراخيص للمراكب الأجنبية، ولا يفرض حداً أدنى لعدد أفراد الطاقم اللبناني على متنها، ولا يجعل تفريغ الصيد ومعالجته داخل لبنان شرطاً إلزامياً للحصول على الترخيص، ولا يلزم بنشر شروط التراخيص للعلن. وكانت الحركة الزراعية في لبنان قد اقترحت هذه الشروط الأربعة، مستندةً إلى تجربة غرب أفريقيا، حيث أدت تراخيص الصيد الصناعي الأجنبي إلى استنزاف المخزونات البحرية وتقويض أساطيل الصيد الحرفي، في مقابل عوائد مالية متواضعة من رسوم التراخيص.

يفاقم ضعف الإنفاذ والتطبيق المشكلة على مستوى المراقبة. فالأجهزة الأمنية لا تمتلك مراكب دورية ولا ما يكفي من الوقود، وتفتقر إلى أنظمة المراقبة عبر الأقمار الصناعية والقدرات المخبرية اللازمة للتحقق مما تفعله المراكب الصناعية على بُعد 100 كيلومتر قبالة الشاطئ.

في بلدٍ فقدت فيه سبل العيش بسبب الأزمات المتكررة، وتُعدّ فيه الأسماك أحد مصادر البروتين الحيواني القليلة المتبقية في متناول العائلات الساحلية، تصبح إعادة التوجيه هذه قراراً يمسّ الأمن الغذائي، متستراً بعباءة السياسة الاستثمارية

تُلزم المادة 51 الربابنة الأجانب بتقديم ما يثبت عدم تورطهم في عمليات صيد غير قانونية، فيما تعتمد المادة 52 على المعلومات والأرقام التي يقدّمها الربّان بنفسه. وأي نظام مراقبةٍ يقوم على الإفصاح الذاتي من المشغلين الصناعيين، في قطاعٍ يشتهر بالتلاعب بالبيانات ليس سوى نظام صوري.

وتتصل النتيجة الاقتصادية مباشرة بمستوى معيشة أسر الصيادين الحرفيين. يستورد لبنان أصلاً نحو 90% من الأسماك التي يستهلكها. وإذا فرّغت المراكب الأجنبية المرخصة صيدها الصناعي في الموانئ اللبنانية وفق هياكل تكلفة مخفضة، فسيواجه الصيادون المحليون منافسة سعرية شرسة داخل سوقهم المحلية، ما يلحق بهم وبعائلاتهم ضرراً بالغاً ومباشراً.

وإذا وُجّه الاستزراع المائي، كما تدعو الغاية المعلنة للقانون إلى النهوض به على نطاق واسع، نحو أسماك التصدير وكبار المشترين ذوي القدرة الشرائية العالية، فسيغدو البحر مصدراً للعملة الصعبة بدلاً من أن يكون مصدراً للبروتين. وفي بلدٍ فقدت فيه سبل العيش بسبب الأزمات المتكررة، وتُعدّ فيه الأسماك أحد مصادر البروتين الحيواني القليلة المتبقية في متناول العائلات الساحلية، تصبح إعادة التوجيه هذه قراراً يمسّ الأمن الغذائي، متستراً بعباءة السياسة الاستثمارية.

الجباية في جيب الدولة

تنتهي عشرات المواد بترك تفاصيل جوهرية، مثل المواصفات الفنية، وأحجام فتحات الشباك، وأعداد تراخيص الصيد وأنواعها، ومواسم حظر الصيد، والمناطق المحمية، ومعايير الاستزراع المائي، للقرارات الوزارية، من دون تحديد أي مهلة زمنية قانونية لإصدارها (المادة 128).

يُعدّ تفويض التفاصيل الفنية ممارسة تشريعية اعتيادية. لكن تفويض كل قرارٍ يتعلق تقريباً بتوزيع الموارد، في دولةٍ تُعرف بجمود إصدار مراسيمها التطبيقية وتأخرها سنوات، أمرٌ مختلف تماماً. فهو يحوّل القانون إلى خيار قد تمارسه السلطة التنفيذية أو لا تمارسه، وينقل المساومة الحقيقية من السجالات البرلمانية العلنية إلى أروقة المكاتب الوزارية، حيث يمتلك رأس المال المنظم مزايا هيكلية تفوق بكثير ما تمتلكه التعاونيات البحرية.

الغرامة التي قد تدمّر المستقبل المالي لصياد بسيط لا تعدو كونها بنداً هامشياً في حسابات شركة كبرى

ويزيد نظام العقوبات الوضعَ سوءاً وتعقيداً. ففي النص الأصلي، كانت المخالفات الجسيمة، مثل استعمال المتفجرات أو السموم، أو تصريف النفايات الصناعية في البحر، أو تشغيل منشأة استزراع مائي من دون ترخيص، تُعاقب بغرامات تراوح بين مليون و5 ملايين ليرة لبنانية، وهي قيم حُدّدت قبل الانهيار النقدي، وفقدت قيمتها منذ زمن حتى غدت مبالغ رمزية. 

ألغت اللجان القيم النقدية المحدّدة، وربطت تعديلها مستقبلاً بمرسوم يستند إلى مؤشر التضخم (المادة 108). وعلى الرغم من أن ذلك يُعد تحسيناً في الآلية، فإنه يترك مسألة الردع معلقة من دون حل، ويرهنها مجدداً بمرسوم قد لا يصدر أبداً.

والأهم أن العقوبات المصمّمة لردع الأفراد تظل عاجزة هيكلياً عن ردع الشركات والمؤسسات. فالغرامة التي قد تدمّر المستقبل المالي لصياد بسيط لا تعدو كونها بنداً هامشياً في حسابات شركة كبرى. ولهذا، دعت الحركة الزراعية إلى فرض عقوبات مضاعفة، تصل في المخالفات التي تدمّر الأنظمة البيئية فعلياً إلى مصادرة المركب. 

ثم هناك وجهة صرف هذه الأموال. يوجه القانون 20% من عائدات الغرامات وحصيلة بيع المضبوطات والمصادرات في المزاد العلني إلى موظفي دائرة الصيد البحري (المادة 124). وعلى الرغم من أن الهدف هو توفير حافزٍ لإنفاذ القانون، فإن هذا الترتيب يخلق حافزاً عكسياً بالغ الضرر، لأنه يمنح الموظفين مصلحة مالية شخصية في زيادة عدد المخالفات المسجلة. ويحدث ذلك في قطاعٍ تكون فيه أسهل المخالفات كشفاً وملاحقة هي التي ترتكبها القوارب الصغيرة المعروفة وغير المنظمة، لا المراكب الصناعية في عرض البحر. كما يُعدّ هذا الإجراء غير سليم قانونياً ومالياً، على نحو ما جادل به النائب أسامة سعد في البرلمان، وما خلص إليه رئيس الجمهورية لاحقاً عند ردّ القانون.

لا يعني هذا الانتقاد أنه لا ينبغي توفير الموارد اللازمة للموظفين، بل إن هذه الأموال تُوجّه في المسار الخطأ. إذ كان يمكن لعائدات الغرامات والتراخيص أن تُموّل عمليات تقييم المخزون السمكي، واستبدال معدات الصيد، وترميم الموائل البحرية، أو إنشاء صندوق للحماية الاجتماعية وتحديث آليات الصيد الحرفي، وهذا تحديداً ما اقترحت الحركة الزراعية تخصيص غالبية العائدات له. لكن هذه العائدات تتدفق، بحسب القانون، إلى جهاز الإنفاذ والتطبيق. وأي قانون يقتطع من هذا القطاع دون أن يُعيد شيئاً إليه أو إلى العاملين فيه، يتناقض مع منطقه وأهدافه الذاتية.

غياب مشاركة أصحاب الحق، كالعادة

تكمن أخطر مشكلات هذا القانون في قصور إجرائي يفسّر النقائص الأخرى. فلم يُعامل الصيادون، في أثناء إعداده، بوصفهم أصحاب حقوق، ولم يكرّسهم نصه ومواده بهذه الصفة.

تنيط المادة 4 تخطيط إدارة المصايد بالوزير وحده، بناءً على اقتراح الدائرة المختصة. وتجيز المادة 97 إنشاء لجانٍ محلية للاستزراع المائي، وهي هيئات استشارية تقتصر مهمتها على الاستزراع المائي، وتُنشأ وفق تقدير الدائرة مباشرة. ويكمن العيب هنا في أن الآلية تمرّ عبر الوزارة دون أي إلزام باستشارة ممثلي الصيادين. 

لا يتضمن القانون أي هيكلٍ للإدارة المشتركة لمصايد الأسماك البحرية، ولا مجلساً وطنياً للمصايد يضم تمثيلاً منتخباً للتعاونيات البحرية، ولا ينص على إجراء مشاورات ملزمة قبل تحديد «الكوتا» أو مواسم الإغلاق أو إصدار التراخيص.

تؤطّر ديباجة القانون القطاع من منظور الاستثمار والنمو وإيرادات التصدير، ولا تلتفت إلى المجتمعات الساحلية بوصفها حاملة لممارسة ثقافية، ولا إلى الموانئ التاريخية بوصفها أماكن للحياة الجماعية، ولا إلى الهشاشة العامة والخاصة لصيادي الموانئ

وبالمقارنة تتعامل الخطوط التوجيهية الطوعية لمنظمة الفاو ضمان استدامة مصايد الأسماك صغيرة النطاق مع المشاركة في صنع القرار بوصفها حقاً، لا مجرد استشارة، وتربط حوكمة المصايد بالتنمية الاجتماعية وأمن الحيازة على الثمار والعمل اللائق (الفاو، 2015).

ولا يفرض القانون أي التزامٍ على الدولة بتوسيع مظلة الضمان الاجتماعي لتشمل الصيادين، ولا يوفر حمايةً صحية أو تغطية للحوادث لحاملي البطاقات التي جعلها القانون إلزامية. كذلك، يفتقر، وفق ما أشارت إليه المصادر المعترضة، إلى معايير عمل واضحة لحماية العاملين في منشآت الاستزراع المائي.

جاء ردّ الفعل من داخل القطاع حازماً ومباشراً. فقد عقد تجمّع صيادي الأسماك في لبنان، الذي يمثل التعاونيات والنقابات واللجان البحرية في 44 مرفأً، اجتماعاً طارئاً في ميناء ضبية، ضمّ صيادين من الناقورة جنوباً إلى العريضة شمالاً. ورَفَض المجتمعون القانون بالإجماع بصيغته المعتمدة، واصفين أحكامه بالعمومية والغموض على نحو يخدم الشركات والمحتكرين على حساب الصيد الحرفي (صيدا أونلاين، 2026).

وعقب اجتماعٍ عُقد في وزارة الزراعة في 5 آب/أغسطس 2026، احتج التجمع علناً على رواية الوزارة لما جرى الاتفاق عليه، مجادلاً بأن القانون يحمي رأس المال أكثر مما يحمي أناساً أمضوا حياتهم في أحضان البحر.

يتكرّر تهميش أصحاب الحقوق في كثير من القضايا الجوهرية في لبنان، وهو أمر يتجاوز حدود المنطق لسببين:

أولاً، الامتثال للقانون: إن قواعد مصايد الأسماك التي لم تساهم المجتمعات المحلية في وضعها لن تمتثل لها تلك المجتمعات. ولهذا، تتفوق الإدارة المشتركة عادة على أسلوب القيادة والسيطرة الذي تنتهجه السلطة السياسية، وهو ما بات عموماً واضحاً. 

ثانياً، هوية الساحل اللبناني: صيد الأسماك ليس نشاطاً هامشياً في لبنان، بل هو أحد مقوّمات هوية الساحل الممتد من الشمال إلى الجنوب. 

وبالعود على بدء، تؤطّر ديباجة القانون القطاع من منظور الاستثمار والنمو وإيرادات التصدير، ولا تلتفت إلى المجتمعات الساحلية بوصفها حاملة لممارسة ثقافية، ولا إلى الموانئ التاريخية بوصفها أماكن للحياة الجماعية، ولا إلى الهشاشة العامة والخاصة لصيادي الموانئ الذين أمضوا السنوات الأخيرة عاجزين عن العمل تحت النار الإسرائيلية، ولا سيما في الجنوب. وقد أثار التجمّع هذه النقطة بوضوح عندما لاحظ أن الدولة العاجزة عن حماية صياديها من الهجمات ليست في موقع يؤهّلها لإعطائهم دروساً في الامتثال. 

القانون مرّ والآتي أمرّ

ينتهي المشهد الحالي عند صدور المرسوم 3597 الذي ردّ بموجبه رئيس الجمهورية القانون. أمّا السبب الذي أعلنه الرئيس، فيتعلق بتخصيص إيرادات الغرامات خلافاً لمبدأ شيوع الموازنة. لكن هذه الذريعة هي، في هذه الحالة، أبغض الحلال، لأن ردّ رئيس الجمهورية لا يتناول وصول الأساطيل الأجنبية، ولا امتيازات الاستزراع المائي على الأملاك البحرية العامة، ولا غياب الإدارة المشتركة، ولا أولوية وصول صيادي الأسماك الحرفيين إلى الموارد.

يستحيل أن نعرف من السجلات العلنية ما إذا جاء ردّ القانون بسبب هذه النقطة الدستورية وحدها، أم أن التعبئة المستمرة لجمعية الصيادين ونداءاتها العلنية إلى رئاسة الجمهورية هي التي هيأت الظروف السياسية له. وقد فسّر الصيادون أنفسهم الخطوة على أنها تجاوب معهم، وأصدروا بيان شكر للرئيس في الأيام التالية. أما ما يمكن تأكيده، فهو أن الأساس المسوّغ للرد يُتيح للمجلس النيابي تعديل مادة واحدة وإعادة إقرار القانون بصيغته السابقة، من دون أي تغيير آخر. 

نحن، في النهاية، أمام مخاطرة وفرصة تجتمعان في آنٍ واحد. فالقانون المُعاد، من الناحية الإجرائية، هو قانون أُحيل مجدداً إلى المجلس لإعادة النظر فيه، وليس قانوناً باطلاً. ويمكن للمجلس النيابي أن يستغل إعادة النظر هذه للقيام بما طالبت به الأطراف المعترضة، خصوصاً أن تجمع الصيادين لا يعارض، من حيث المبدأ، تحديث التشريع ولملمته. واستناداً إلى مطالب أصحاب الحق (MTV, 2026)، يمكن القول إن أهل البحر قالوا كلمتهم، وينتظرون تعديلات جوهرية على القانون، مثل فصل صيد الأسماك عن الاستزراع المائي، والحدّ من السلطة التقديرية للوزير، واشتراط وجود فائض مثبت وتوفير فرص عمل للبنانيين قبل منح أذونات الوصول إلى الأساطيل الأجنبية، وحماية الأملاك البحرية العامة صراحة، وتوجيه إيرادات الغرامات نحو النظام البيئي والقطاع. والأهم إشراك الصيادين في هيكل الحوكمة، بدلاً من الاكتفاء بإدراجهم في قسم التعريفات. 

لكن الخوف الأكبر الآن هو تمرير القانون، كما مرّرت السلطة قوانين مهمة أخرى، مثل تحرير عقود الإيجارات القديمة، من دون إضافة ضمانات محدّدة في متن القانون. تعمل الإدارة اللبنانية الحالية جاهدة على تقريب وجهات النظر، من خلال وزير الزراعة، لكن هذه التطمينات لن تنفع ما دام الهدف الأساسي لمن يتحكم في مفاصل الدولة هو تلزيم البحر للاستثمار، من دون رقابة وعلى حساب صغار الكسبة. وهذه حقيقة متكررة ومعاشة في قطاعات كثيرة، وثابتة كثبات حقيقة أن البحر مالح.

    داني يونس

    باحث في العلوم الاجتماعية، يركز على علاقات العمل والحركات الاجتماعية وقضايا التعليم.