معاينة المعتقدات الفاخرة

المعتقدات الفاخرة

  • مراجعة لكتاب روب هندرسون Troubled الذي يتناول القيم الأخلاقية بوصفها وسيلة للتباهي الاجتماعي. ويكشف عن مفهوم «المعتقدات الفاخرة»، في إشارة إلى أفكار تقدّمية تتبنّاها النخب من دون أن تتحمّل تكاليفها الحقيقية، بينما يدفع الفقراء الثمن. من قضايا البيئة إلى إصلاح الشرطة وبنية الأسرة، يطرح هندرسون تساؤلاً جريئاً: هل هذه القيم تُعبر عن التزام حقيقي أم مجرد إكسسوار للمكانة الاجتماعية؟ 

هل سبق لك أن واجهت صعوبة في إيجاد الكلمة المناسبة لوصف شخص يروّج بشغف لمعتقد ما من دون أن يكلّفه ذلك أي شيء، ومن دون مخاطرة شخصية حقيقة أو تضحية؟ بأسلوب يجمع بين السيرة الذاتية والتحليل الاجتماعي، يستعرض عالم النفس الأميركي روب هندرسون مفهوم «المعتقدات الفاخرة» في كتابه بعنوان Troubled، الذي يظهر كيف أن بعض النخب تتبنّى معتقدات أخلاقية أو اجتماعية «نبيلة» من دون أن يترتّب على ذلك أي تكلفة حقيقة عليهم، في حين يتحمّل الأقل امتيازاً عواقب هذه المعتقدات.

ويرى هندرسون أنّ المعتقدات التي تتبنّاها النخب، أو من يسمّيهم «النخب المتعلّمة» (Educated Elite)، هدفها مثل السلع الفاخرة كالسيّارة أو ساعة رولكس، هو التباهي بالثروة والتفوّق. كما أنهم يدافعون عن الكثير من الأفكار والدعوات الإصلاحية والتقدّمية التي قد تبدو مثيرة للإعجاب، ولكنها لا تؤثّر على حياتهم مثل شكل الأسرة وتمويل الشرطة وقوننة المخدّرات. وهذه مواقف لها قيمة مهمة، ولكنها قد تترك تأثيرات غير متناسبة على المجتمعات التي لا تتقاسم الامتيازات نفسها. ومن خلال نقاش مفاهيم الرعاية البديلة والأسرة والطبقة الاجتماعية، يدفع هندرسون القارئ إلى التفكير: هل نحن أمام نوع جديد من النفاق الطبقي أم أن هذه المعتقدات تعكس تحوّلات حقيقية في المجتمع؟

في هذا المقال، سنراجع مفهوم «المعتقدات الفاخرة» كما يطرحها هندرسون في كتابه ومقابلاته، وسنناقش الحجج المؤيدة والمعارضة لرؤيته في محاولة لفهم مدى صدقية هذا المفهوم، وتأثيره على النقاشات الاجتماعية المعاصرة في سياق الولايات المتّحدة، فضلاً عن امتداداته في المنطقة العربية، حيث تؤدّي الفوارق الطبقية والتحوّلات الثقافية دوراً أساسياً في تشكيل الخطاب العام.

البيئة

قبل الخوض في تفاصيل المعتقدات الفاخرة التي يناقشها هندرسون، وقد تكون أكثر صلة بالمجتمعات الغربية، يمكن البدء بمثال واسع هو الحفاظ على البيئة والعيش بشكل مستدام. وبطبيعة الحال، يعتبر تغيّر المناخ قضية حقيقية وملحّة، ولا يمكن بالطبع إنكار أهمّية خفض البصمة الكربونية ودعم مصادر الطاقة المتجدّدة. ولكن الحراك البيئي غالباً ما يقوده اولئك الذين لديهم الوسائل المالية لاتباع أنماط حياة خضراء، من تبنّي نظام نباتي وتجنّب السفر جوّاً أو دعم المزارع العضوية المحلّية. ولكن بالنسبة إلى الآخرين، فإن هذه الخيارات الخضراء بعيدة المنال مالياً، وأحياناً تأتي على حساب المجتمعات التي لا تستطيع تحمّل التغيير أو تكاليف «الوعي البيئي». إن التكاليف اليومية للعيش بطريقة صديقة للبيئة مثل شراء المنتجات العضوية والأدوات القابلة للتدوير أو للتحلّل والملابس المستدامة أو السيارات الكهربائية، تشكل ترفاً لا يستطيع كثيرون تحمّله ببساطة. من جهة أخرى، لا تزال الكثير من الصناعات المستهدفة في الحدّ من انبعاثات الكربون تعتبر وظائف بالغة الأهمية في المجتمعات المنخفضة الدخل. ولا يزال إنتاج الوقود الأحفوري، المرتبط بالانبعاثات العالمية مكوّناً مهمّاً من مكوّنات الاقتصاد في البلدان النامية، ولا يزال معدل الاستثمار في الطاقة المتجدّدة ضعيفاً جداً، ولا يكفي لاستيعاب عدد الوظائف التي ستتم خسارتها من هذا التحوّل.

إن التكاليف اليومية للعيش بطريقة صديقة للبيئة مثل شراء المنتجات العضوية والأدوات القابلة للتدوير أو للتحلّل والملابس المستدامة أو السيارات الكهربائية، تشكل ترفاً لا يستطيع كثيرون تحمّله ببساطة

وفي السياق نفسه، قد يخفّض الحدّ من استهلاك اللحوم ومنتجات الألبان الانبعاثات بنسبة 32% سنوياً، لكن يبدو أن الاتجاه المتزايد نحو النظام النباتي والمفيد للبيئة سهل قولاً أكثر منه فعلاً بالنسبة إلى كثيرين. فالأنظمة الغذائية القائمة على النباتات هي أكثر تكلفة وصعوبة في المجتمعات المنخفضة الدخل، حيث تكون خيارات المنتجات الطازجة والبروتين النباتي محدودة وغالية السعر مقارنة بالاطعمة المصنّعة أو مطاعم الوجبات السريعة. كما يمكن أن يكون وقت تحضير الوجبات النباتية عائقاً أيضاً، وخصوصاً للأسر العاملة. وبالنسبة إلى المجتمعات التي يشكّل الصيد أو تربية الحيوانات جزءاً من الاقتصاديات المحلّية ومصادر الغذاء، تؤثّر عليها دعوات التحوّل إلى النظام النباتي بشكل مباشر وتهدّد سبل عيشها. وأيضاً على الرغم من أن البلدان الفقيرة تنتج عُشر الانبعاثات، لكنها المناطق الأكثر تأثراً بتغيّر المناخ.

هناك شعور عام بأن دعوات الحفاظ على البيئة تتجاهل التكاليف الاجتماعية والاقتصادية بين أولئك الذين يستطيعون تحمل «الخضرة» وبين من لا يستطيعون التفكير بذلك حتى. بالتالي، يرى أصحاب نظرية «المعتقدات الفاخرة» أنه من السهل التمسّك بقيمة معيّنة عندما تكون غنياً ولا يترتّب على ذلك شيء - بالعكس سيرفع من مكانتك الاجتماعية - من دون العواقب الواقعية التي قد يواجهها الآخرون. وهذا يعني، أن هذه المعتقدات التي قد تكون آمنة للأثرياء، ليست كذلك لباقي المجتمع، ما يخلق انقساماً طبقيا لا يقوم فقط على الثروة، بل على المعتقدات التي تدل على الثروة.

الشرطة

بالعودة إلى هندرسون، يتمثّل واحد من الأمثلة الأساسية التي يطرحها بالدعوة إلى «سحب التمويل عن الشرطة» في الولايات المتّحدة، وهي فكرة تهدف إلى تحويل ميزانيات الشرطة نحو الخدمات المجتمعية، مثل الصحة النفسية والتعليم والإسكان وبرامج الإرشاد للشباب، التي يمكن أن تعالج الأسباب الجذرية للجريمة وتقلّل من الحاجة إلى الشرطة في المقام الأول.

بالنسبة إلى النخب، يمكن الوقوف عند هذه الفكرة ودعمها من دون بالمخاطرة بالكثير، خصوصاً بالنسبة إلى الذين يعيشون في مناطق غنية وآمنة ولا يحتاجون اصلاً لتواجد الشرطة. ولكن قد تكون الأمور مختلفة بالنسبة إلى من يعيشون في مناطق ترتفع فيها نسبة الجريمة. ويرى منتقدو إلغاء التمويل أن خفض ميزانيات الشرطة قد يؤدي إلى نتائج عكسية على الكثير من المجتمعات المنخفضة الدخل، التي تواجه معدّلات عالية من الجرائم العنيفة. فأصحاب الدخل المنخفض هم أكثر عرضة لأن يكونوا ضحايا الاعتداءات الجسدية والجنسية. وبالنسبة إلى البعض، فإن فكرة وجود عدد أقل من الضباط في الشوارع، وخصوصاً في المناطق التي لم يتم فيها الاستثمار ببرامج الخدمات الاجتماعية بعد، تثير مخاوف بشأن زيادة العنف، وبطء أوقات الاستجابة للطوارئ، وتآكل السلامة العامة بشكل عام.

الأسرة

يمتد مفهوم هندرسون إلى هياكل الأسرة، وخصوصاً الانقسام بين النماذج التقليدية والتقدّمية للحياة الأسرية. ويزعم هندرسون أن الأفراد الأكثر ثراء وتعليماً هم أكثر ميلاً إلى تبنّي الأفكار الليبرالية/التقدمية حول هياكل الأسرة والترويج لها، مثل الأبوة والأمومة الفردية بشكل اختياري، أو العيش المشترك من دون زواج أو غيرها من الأشكال غير التقليدية، في حين أنهم يمارسون العكس في حياتهم الشخصية لأنهم يعتقدون أن هيكل الأسرة التقليدي هو الأفضل للأطفال. ويقول هندرسون إن «الغالبية العظمى من خرّيجي الكليات الأميركية الذين لديهم أطفال متزوجون، والغالبية العظمي من الأثرياء هم الأكثر ميلاً إلى تعزيز وجهة النظر القائلة بأن الزواج غير مهم، بل مجرد قطعة ورق، على الرغم من أن سلوكهم يشير إلى خلاف ذلك». ويجادل هندرسون ومؤيديه أن النخب قادرون على تحمّل تكاليف تبنّي هذه الآراء لأنهم في كثير من الحالات لديهم الموارد اللازمة للتعامل معها. فكرة الأبوة الفردية عن طريق الاختيار أو ترتيبات الأبوة المشتركة خارج إطار الزواج ممكنة بالنسبة إلى الأثرياء لأنهم يستطيعون تحمّل تكاليف رعاية الأطفال والتعليم الخاص، كما يمكنهم الانقطاع عن العمل أو دفع تكاليف رعاية إضافية للأطفال عند الحاجة. بالنسبة إليهم، قد يشعرهم تبنّي وجهات نظر غير تقليدية بشأن الحياة الأسرية بأنهم يمثّلون موقفاً أخلاقياً يتمتعون بامتياز تبنّيه.

لكن الأمر مختلف بالنسبة إلى المجتمعات المنخفضة الدخل حيث تعمل بنية الأسرة التقليدية كمصدر للاستقرار الاقتصادي، وتحمّل المسؤوليات المشتركة، وتوفير نظام دعم أوسع. ويعكس هذا إلى حدّ كبير حقيقة بسيطة: شخصان بالغان لديهما القدرة على الكسب وتوفير الدعم أكثر من شخص واحد. بشكل عام، تواجه الأسر ذات الوالد الوحيد في المجتمعات المهمّشة مخاطر أعلى للفقر، وضغوط اقتصادية أكبر. ويشير هندرسون إلى أن معدّلات دخول السجن، وعدم الحصول على شهادة جامعية، وتعاطي المخدرات ترتبط ارتباطاً أقوى بالأطفال الذين لا يعيشون مع كلا الوالدين، أي أن النتائج السيئة أكثر احتمالاً للأطفال الذين لا يعيشون ضمن أسرة. إن قوننة المخدّرات هي أحد «معتقدات الرفاهية» الأخرى التي يحدّدها هندرسون في الكتاب، ويقول: «يمكن لطالب الميسور في إحدى الجامعات المرموقة أن يجرب الكوكايين وربّما يكون على ما يرام. أما الطفل الذي ينشأ في منزل غير مستقر مع غياب الوالدين فمن المرجح أن يستغل الجرعة الأولى من الميثامفيتامين ليدمّر نفسه». ويوضح هذا التباين الخطوط الطبقية لاستخدام المخدّرات. بالنسبة إلى ذوي الدخل العالي، قد تكون المخدّرات مجرّد «مرحلة» من تجربة الجامعة، ولها تأثير ضئيل عليهم اجتماعياً وقانونياً. في المقابل، يواجه الأفراد من ذوي الدخل المنخفض عواقب أكثر قسوة بما في ذلك احتمالية أكبر للإدمان والسجن والوصمة الاجتماعية.

المعتقدات التي قد تكون آمنة للأثرياء، ليست كذلك لباقي المجتمع، ما يخلق انقساماً طبقيا لا يقوم فقط على الثروة، بل على المعتقدات التي تدل على الثروة

يرى هندرسون أن معتقدات الرفاهية ليست عَملية أو مفيدة، هي مجرّد تمثيلية تظهر «تنوّر» المرء أو وعيه، ولكنها لا تأتي عن قناعة وفهم، ولا تتجذّر بالضرورة في النتائج التي تساعد المجتمع ككلّ. وكما هو الحال في قضية إصلاح الشرطة أو تغيير الهياكل الأسرية، تفشل هذه الدعوات في فهم العوامل الاجتماعية والاقتصادية، وتتجاهل الفجوة بين المعتقد والتأثير الفعلي. وعلى الرغم من أن هندرسون يركّز على الولايات المتّحدة، تعكس نظريته الانقسامات الطبقية داخل المجتمعات في مختلف أنحاء العالم، حيث من المرجّح أن يتحمّل أصحاب الامتيازات عواقب أقل حدّة للمعتقدات والسلوكيات نفسها.

نقد النظرية

لا تخلو نظرية هندرسون من النقد. يزعم البعض أن نظريته منحازة أيدولوجياً، وأن مفهوم «المعتقدات الفاخرة» لا يلتقط الصورة الكاملة، ولا يقدّم صورة حقيقية عن كيف يُمكن لتبني أفكار معيّنة أن تعمل على تنفير أو إلحاق الأذى بالطبقات الأخرى، أي أن النظرية تفترض أن البشر قادرون على التنبؤ بدقة بالتكاليف الطويلة الأجل المترتبة على أيديولوجياتهم، وهو ليس حقيقياً بالضرورة. ويزعم آخرون أن الكثير من هذه المعتقدات هي محاولات صادقة وإن كانت مُضلِّلة لفهم العالم أو تغييره، وإن كانت تتشكّل من خلال مرآة الثروة والامتياز. ويجادل البعض الآخر أنه من غير المنطقي جمع كل هذه الأفكار تحت عنوان «المعتقدات الفاخرة» لأن المعتقدات بشأن الاختيارات الشخصية – تعاطي المخدّرات والزواج مثلاً – وتلك المتعلقة بقضايا أوسع نطاقاً وذات آثار مجتمعية مثل إنفاذ القانون وتنظيم المخدّرات، تختلف اختلافاً جوهوياً ولا تحمل التكاليف نفسها، وتتجاهل الفروق والدرجات المتفاوتة من التأثير الذي يخلفه كل اعتقاد على شرائح مختلفة من المجتمع.

يرى آخرون أن الأمثلة التي ذكرها هندرسون عن الشرطة والأسرة والمخدّرات ليست معتقدات فاخرة بقدر ما هي نفاق، وأن ما يجعل معتقدات الرفاهية «ظاهرة حقيقية» هو التعامل مع جميع الأفكار الليبرالية بسوء نيّة. بعبارة أخرى، يجب أن يروّج هؤلاء الأفراد من أصحاب الامتيازات لهذه الأفكار وهم يعرفون «بشكل واعي» أنها سيّئة للمجتمع وأن لا يهمّهم حقاً ضررها. يكتب نواه سميث في Culture: «من المؤكد أن معظم المعتقدات أنانية. تجد البرجوازية أنه من المربح جداً الإيمان بالأسواق الحرّة، ويقاتل المهنيون من أجل الجدارة، لأن المنافسة هي ما يضمن صعودهم الاجتماعي. تستند الكثير من الأيديولوجيات إلى منطق المكانة الاجتماعية. لكن تميل هذه المصلحة الذاتية إلى أن تكون غير واعية. نحن لا نتحكم في اكتساب المعتقدات بالطريقة التي نكتسب بها حقيبة لويس فويتون بدلاً من حقيبة برادا».

هناك حجة أخرى ضدّ النظرية وهي أنها تتعامل مع القصد والتأثير كمرادفين. أن تكون هذه المعتقدات جذابة ومقنعة لأولئك الذين لديهم تعليم عالٍ أو امتياز معيّن، لا يعني بالضرورة أنها تتقصّد تنفير الأقل تعليماً. وإيمان الشخص بضرورة إصلاح السجون أو العمل المناخي ليس مجرّد وسيلة للتفاخر بالضرورة، بل قد تهدف إلى توسيع الحقوق وتحسين الظروف الاجتماعية للجميع، حتى لو يكن التأثير عادلاً وشاملاً كما هو مقصود. إن رفض هذه الأفكار باعتبارها «ترفاً» يعني تجاهل التعقيد والنوايا الحقيقية وراء الكثير منها، وقد يؤدي اعتبارها غير تمثيلية أو نخبوية إلى إغفال الصورة الأكبر للمعتقد نفسه. على سبيل المثال، في نقاش إلغاء تمويل الشرطة، إن أحد الجوانب التي لا يمكن إنكارها هو أن المجتمعات المنخفضة الدخل هي من تتحمّل وطأة عدوانية وعنف الشرطة والإفراط في فرض القانون. إن وجود الشرطة في هذه المناطق هو نوع من العقاب أكثر منه وقاية أو توفير للحماية بحسب البعض، بالتالي فإن نقاش «سحب التمويل عن الشرطة» فيه الكثير من الآثار المهمّة للمجتمعات المتضرّرة نفسها وليس للنخب فقط. إن قضية إصلاح الشرطة بالنسبة إليهم ليست موقفاً مجرّداً أو أيديولوجياً بل مسألة تتعلّق بالسلامة اليومية، ولهذا يسعى كثيرون إلى معالجة عنف الشرطة ويعتقدون أن إعادة تخصيص الموارد للخدمات المجتمعية سيحسّن السلامة العامة وليس العكس، خصوصاً أن هناك ادلة قليلة تشير إلى أن زيادة مراقبة الشرطة تؤدي في الواقع إلى انخفاض الجرائم أو توفير الحماية. ما تقوم به «المعتقدات الفاخرة» لا يتعلق بعملية تبني معتقد معيّن فحسب، بل تسلّط الضوء على الفجوة بين أولئك الذين ينظرون إلى المعتقدات كأفكار نظرية وأولئك الذين يختبرون ويعانون من آثارها العملية – بين أولئك الذين يتمتعون بامتياز تبنّي معتقد معيّن وأولئك الذين لا يستطيعون تحمّل المخاطر التي قد يجلبها.

السياق العربي

بينما يتبنّى هندرسون مفهوم «المعتقدات الفاخرة» في سياق المجتمعات الغربية، يمكن ملاحظة جوهر فكرته - أي التباين بين من لديه معتقدات أخلاقية من دون أن يدفع ثمنها وبين من يتحمّل العواقب الحقيقة لهذه الأفكار - في المنطقة العربية وإن كان بسياق مختلف.

معتقدات الرفاهية ليست عَملية أو مفيدة، هي مجرّد تمثيلية تظهر «تنوّر» المرء أو وعيه، ولكنها لا تأتي عن قناعة وفهم، ولا تتجذّر بالضرورة في النتائج التي تساعد المجتمع ككلّ

تظهر هناك أمثلة مختلفة في نقاشات الهوية والحداثة والتقاليد. وفي بعض الأوساط الثقافية العربية، هناك ترويج واسع لفكرة الحريات الفردية والمساواة الجندرية، وهي قيم تطرح عادة من النخب المتعلّمة. وعلى الرغم من أخلاقية هذه القيم، يكون متبنّوها محميون عادة بالمكانة الاقتصادية والاجتماعية، بمعنى يمكن للنخب ممارسة حياة أكثر حرية من دون الخوف من العواقب التي قد يواجهها الأفراد الذين يعيشون في بيئات اجتماعية محافظة، وقد يتعرّضون للتهميش أو العنف أو السجن في حال حاولوا تطبيق أو حتّى الترويج لهذه المعتقدات، ما يعني أن المجتمعات الأقل حظاً لا تتمتّع بالمساحة نفسها لتبنّي هذه القيم من دون مخاطر حقيقية.

وقد يكون خطاب حقوق المرأة في السياق العربي في جزء منه نوعاً من المعتقدات الفاخرة، حيث تتمتع النساء في العائلات الثرية بالاستقلالية وحرّية الاختيار، فيما تواجه النساء الأقل امتيازاً عقبات كبيرة في اتباع هذه المعتقدات، من غياب فرص العمل والقيود الاجتماعية وانعدام الحماية القانونية والقيمية. في جانب التحرّر الاقتصادي والاجتماعي، يتمّ مثلاً الترويج للقروض الصغيرة كوسيلة «لتمكين» النساء اقتصادياً ومساعدتهن على الخروج من دائرة الفقر، لكنها في بعض الأحيان تؤدّي إلى مفاقمة أوضاعهن الصعبة، وبدلاً من توفير فرص حقيقية للاستقلال المادي، تنتهي الكثير من النساء في دوامة من الديون بسبب الفوائد المرتفعة وفشل المشاريع الصغيرة في بيئات اقتصادية هشّة وغير داعمة. في كثير من الحالات، تضطر النساء لاستخدام القروض لتغطية الاحتياجات الأساسية مثل الطعام والمواصلات والتعليم بدلاً من إنشاء مشاريع منتجة، وبالتالي يتم إعادة إنتاج التبعية المالية بأشكال أخرى بدلاً من التحرّر الاقتصادي المفترض. تحمل فكرة «ريادة الأعمال» الأفكار نفسها، كمعتقد فاخر آخر، إذ انتشرت في السنوات الأخيرة بوصفها حلاً للبطالة في الدول العربية، مع نصح الشباب بعدم انتظار الوظائف الحكومية أو التقليدية. ولكن من يطرح هذه الأفكار هم بالعادة أفراد من خلفيات ميسورة يملكون رأس المال وشبكة علاقات أو خبرة عائلية تسهّل عليهم إطلاق مشاريع مختلفة وجديدة. وفي المقابل، لا تملك الغالبية الساحقة من الشباب القدرة المادية أو المهارات اللازمة لإنشاء مشاريع ناجحة، ما يجعل ريادة الأعمال «ترفاً» لا يمكن للجميع تحمّله. وبالعكس، في كثير من الحالات، تنتهي هذه المشاريع بالفشل والإفلاس والديون، ما يرسّخ الفجوة بين أولئك الذين يملكون رأس المال والمكانة الاجتماعية، وأولئك الذين يخاطرون بكل شيء من دون أي شبكة أمان وضمن قوانين اقتصادية واجتماعية غير منصفة ومن دون آليات لحماية الناس من الإفلاس أو توفير فرص لإعادة حياتهم. تجعل هذه الدينامية من ريادة الأعمال «فخاً نخبوياً» يزيد من العوز الاقتصادي بدلاً من كونه فرصة للتحقق.

في السياق السياسي، تردّدت أصداء هذا المفهوم في الحرب الأخيرة على غزة، إذ انتشرت دعوات المقاومة والصمود على وسائل التواصل الاجتماعي بطريقة تشبه في بعض الأحيان «المعتقدات الفاخرة». وفي حين كانت هذه الشعارات تعبيراً عن التضامن، إلا أنها أثارت أيضاً تساؤلات عما إذا كانت الدعوات إلى الصمود واقعية أو عادلة، خصوصاً أن من يطلقونها يعيشون في أمان على عكس من يواجهون العنف والخسارة بشكل مباشر ويومي. وهذا يشبه إلى حدّ ما الخطابات السياسية التي صاحبت الثورات العربية، إذ دعمت النخب السياسية والثقافية التغيير الجذري والاحتجاجات، لكنها في الوقت نفسه كان تمتلك وسائل للهروب أو التكيّف مع التغيير بخسارات أقل، بينما تحمّل المواطن العادي التكاليف الكبرى من تدمير البنى التحتية، وفقدان مصادر الرزق، وتفاقم الأزمات الاقتصادية من فقر وبطالة، بالإضافة إلى انهيار الأمان الشخصي.

لا شك أن بعض المعتقدات تعمل كمؤشرات على المكانة الاجتماعية، وقد يتم تبنيها مع رشّة من التفوّق الأخلاقي، ولكن لا يعني هذا أنها زائفة بطبيعتها أو خالية من القيمة. الفكرة الأساسية وراء مفهوم «المعتقدات الفاخرة» هي طرح أسئلة صعبة عن الفجوة بين المُثل والواقع المعاش، والمسافة بين النظرية، المبادئ المجرّدة وبين التجارب المعاشة. ومثلها مثل السلع الفاخرة، تأتي المعتقدات غالباً بتكلفة باهظة، ولهذا من المهم أن ننتبه من الذي يدفع الثمن في النهاية.