عن العنف المكاني واحتلال حواس الطفولة
طابة، جندي، لعبة
- العتبة، والدرج، والمساحة أمام الدار، والزقاق، وأول الطريق، ليست داخلاً خالصاً ولا خارجاً خالصاً، بل امتداد للحياة المنزلية والاجتماعية إلى الحيّز المشترك. وعندما تمتدّ السلطة العسكرية إلى هذه المساحات، لا تعيد تشكيل الحركة فيها فقط، بل تعيد أيضاً تشكيل الكيفية التي يُدرَك بها المكان ويُعاش جسدياً وحسياً.
- عسكرة المدينة تقوم على إدخال المواقع والحركات والبنى التحتية اليومية في منطق عسكري ممتدّ؛ فالطرق، وحركة السكان، والبيوت، والمواصلات، والفضاءات المدنية لا تبقى مجرّد خلفية تجري عليها المواجهة، بل تتحوّل هي نفسها إلى عناصر قابلة للرصد والتصنيف والتحكّم.
تتدحرج الطابة أبعد قليلاً ممّا ينبغي. من عتبة البيت إلى الزقاق، ومن الزقاق إلى أوّل الشارع. يركض أحد الأطفال خلفها، بينما يبقى الآخرون في أماكنهم ينتظرون عودته. في الظروف العادية، لا يحمل هذا المسار أي دلالة استثنائية؛ إنه واحد من أبسط الخطوط التي يرسمها جسد طفل في المكان. بضعة أمتار من الحركة لا تحتاج إلى خريطة، ولا إلى تصريح، ولا إلى حساب للمخاطر. الطابة ترسم مجال اللعب، والركض يوسّعه، والشارع يتحوّل للحظات إلى امتداد للبيت. في طريقها ترتطم الطابة بحذاء جندي يقف على طرف الحارة، تنحرف قليلاً، يلتقطها الطفل أو يعيدها بقدمه، وتستمرّ اللعبة. لا يتوقّف أحد طويلاً عند ما حدث. لا ينسحب الأطفال إلى البيوت، ولا يتحوّل وجود الجنود إلى حدث منفصل عن المشهد. تبقى الطابة تتحرّك بين الأجساد والعتبات والجدران والمركبات العسكرية، كما لو أن هذه العناصر جميعها أصبحت تنتمي، على نحو غير متكافئ، إلى الجغرافيا اليومية نفسها.
طابة، جندي، لعبة: ثلاث كلمات يمكن قراءتها كما نقرأ: حجرة، ورقة، مقص. ليست لأنها تشكّل لعبة جديدة، بل لأنها تكشف عن صراع على قواعد المكان. تتحرّك الطابة بلا اكتراث بالحدود؛ يأتي الجندي محمّلاً بالحدود والأوامر ومجالات الرؤية والسيطرة؛ أما اللعبة فتوجد بينهما، تحاول الاستمرار داخل حيّز تتغيّر شروط استخدامه باستمرار.
في هذا المشهد، لا تكمن المسألة في أن الجندي دخل إلى فضاء كان منفصلاً عنه، ولا في أن اللعب توقّف أمام حضوره؛ بل في أن الاستعمالين أصبحا يتراكبان داخل المكان نفسه. يظلّ الزقاق مساحة للعب والعبور والجلوس أمام البيوت، لكنه يصبح في الوقت نفسه مجالاً للمراقبة وضبط الحركة وإمكان الإغلاق والتدخّل. هنا تبدأ المسألة المكانية التي يحاول هذا النص فهمها: كيف يمكن للمكان أن يحتفظ بوظائفه اليومية، فيما يُعاد تنظيم شروط استخدامه من خلال سلطة قادرة على تحديد الحركة والوصول والرؤية والبقاء؟
تظهر هذه المسألة بوضوح أكبر في المساحات العتبية التي تصل البيت بالشارع: العتبة، والدرج، والمساحة أمام الدار، والزقاق، وأول الطريق. فهي ليست داخلاً خالصاً ولا خارجاً خالصاً، بل امتداد للحياة المنزلية والاجتماعية إلى الحيّز المشترك. وعندما تمتدّ السلطة العسكرية إلى هذه المساحات، لا تعيد تشكيل الحركة فيها فقط، بل تعيد أيضاً تشكيل الكيفية التي يُدرَك بها المكان ويُعاش جسدياً وحسياً. بذلك، لا يبقى العنف المكاني مسألة تتعلّق بالأرض والحدود والحركة وحدها، بل يصل إلى علاقة الجسد بمحيطه: ما يستطيع أن يراه، وما يسمعه، وما يلمسه، وما يشمّه، وحتى ما يتذوّقه.
في الفكر المكاني، لا يُفهم المكان بوصفه سطحاً محايداً تقع فوقه الأحداث، بل بوصفه شيئاً يُنتَج من خلال الممارسات والعلاقات التي تجري داخله. شكّل هنري لوفيفر هذا التحوّل أساساً لمفهوم إنتاج الفضاء؛ فالفضاء بالنسبة إليه ليس إطاراً سابقاً للحياة الاجتماعية، وإنّما أحد منتجاتها وأدوات تنظيمها في آنٍ. وما نسمّيه شارعاً أو ساحة أو حيّاً لا يتحدّد فقط بخصائصه المادية ــ عرضه، وواجهاته، وأرصفته، ومداخله ــ بل أيضاً بالطرق التي يُستعمل بها، والحركات التي يسمح بها، والصور والقواعد والسلطات التي تحدّد كيف ينبغي أن يُعاش. بذلك، يصبح إنتاج الحيّز مسألة سياسية بقدر ما هو مسألة معمارية: من يستطيع أن يشغله، ومن يستطيع أن يعيد تعريف وظيفته، ومن يمتلك القدرة على فرض استعمال معيّن له على حساب استعمال آخر؟
تدفع دورين ماسي هذا التصوّر خطوة إضافية حين تصف الفضاء بوصفه حاصلاً لتقاطع مسارات وعلاقات متعدّدة، يبقى بسببها دائماً «قيد التشكّل». إلا أن هذه العلاقات لا تتوزّع بالتساوي. فمن خلال مفهوم «هندسات القوة» (power-geometries)، تشير ماسي إلى أن الأفراد والجماعات لا يشتركون في المكان بالشروط نفسها؛ فبعضهم يمتلك القدرة على الحركة والوصول والاتصال، بينما يمتلك آخرون القدرة على إيقاف تلك الحركة أو تنظيمها أو منعها. لذلك، لا تكمن السلطة المكانية فقط في امتلاك الأرض، بل أيضاً في امتلاك القدرة على تنظيم الإمكانات التي يوفّرها المكان للآخرين. يستطيع جسدان أن يقفا في الشارع نفسه، لكنهما لا يشغلانه بالمقدار نفسه من القوة: أحدهما يتحرّك ضمن شروط المكان، بينما يستطيع الآخر أن يغيّر تلك الشروط ذاتها.
في السياق الاستعماري، تصبح العلاقة بين إنتاج الحيّز وتفاوت القدرة أكثر حدّة. فالسيطرة لا تحتاج دائماً إلى محو المكان أو استبدال بنيته المادية كي تعيد تشكيله؛ قد يبقى الطريق طريقاً، والبيت بيتاً، والزقاق زقاقاً، لكن تتغيّر شبكة الإمكانات التي تصل بينها. يصبح المرور مشروطاً، والتوقّف قابلاً للمنع، والرؤية أداة للمراقبة، والمسافة قابلة للإغلاق، والمسار اليومي قابلاً للتحويل أو التعليق. بهذا المعنى، لا تعمل السلطة على المكان من خارجه، بل تدخل في القواعد التي تجعل استعماله ممكناً أصلاً.
ومن داخل الحالة الفلسطينية، يمنح ساري حنفي هذه العملية تسمية أكثر ارتباطاً بالبنية الاستعمارية للمكان من خلال مفهوم «القتل المكاني» (Spacio-cide). فالمشروع الاستعماري، في قراءته، لا يستهدف السكان بمعزل عن الفضاء الذي يجعل حياتهم الاجتماعية ممكنة، بل يعمل عبر تفتيت الأرض والبيئات المأهولة، وفصلها، وإعادة هندسة الحركة والوصول والاستمرارية بينها. تكمن أهمية هذا المفهوم هنا في أنه يوسّع معنى السيطرة المكانية إلى ما بعد التدمير المباشر: فقتل الحيّز لا يحدث فقط عندما يُهدم البيت أو يُمحى الطريق، بل كذلك عندما تبقى العناصر المادية قائمة، بينما تُفكّك العلاقات التي تمنحها معناها وقدرتها على العمل معاً. قد يبقى البيت قائماً، لكن الطريق إليه يصبح مشروطاً.
قتل الحيّز لا يحدث فقط عندما يُهدم البيت أو يُمحى الطريق، بل كذلك عندما تبقى العناصر المادية قائمة، بينما تُفكّك العلاقات التي تمنحها معناها وقدرتها على العمل معاً. قد يبقى البيت قائماً، لكن الطريق إليه يصبح مشروطاً
ومن هنا، يمكن العودة إلى الخط الصغير الذي رسمته الطابة في المشهد الأول. قد تبقى قادرة على الانتقال من الدرج إلى الزقاق، ومن الزقاق إلى الشارع، إلا أن المسافة التي تعبرها لم تعد تتحدّد بالأمتار وحدها. ما يحدّدها أيضاً هو من يستطيع المرور ومتى، وأين يمكن التوقّف، وأي اتجاه يبقى مفتوحاً، ومن يستطيع مراقبة من، ومن يمتلك القدرة على تعليق هذه الإمكانات كلها في لحظة واحدة. قد يبقى الشكل المادي للمكان كما هو، فيما تتغيّر بصورة جذرية شروط إمكان استعماله. وعند هذه النقطة تحديداً، يصبح من الضروري الانتقال من المقياس الأوسع للسيطرة المكانية إلى أكثر مواقعها اليومية حساسية: المسافة القصيرة الواقعة بين باب البيت والشارع.
هذا بالضبط ما يجعل العنف المكاني مختلفاً عن العنف الذي يمكن اختزاله في لحظة إطلاق نار أو اعتقال أو مواجهة. يوضّح ستيفن غراهام، في مفهومه عن العمران العسكري الجديد، أن عسكرة المدينة تقوم على إدخال المواقع والحركات والبنى التحتية اليومية في منطق عسكري ممتدّ؛ فالطرق، وحركة السكان، والبيوت، والمواصلات، والفضاءات المدنية لا تبقى مجرّد خلفية تجري عليها المواجهة، بل تتحوّل هي نفسها إلى عناصر قابلة للرصد والتصنيف والتحكّم. بذلك، لا تأتي الحرب إلى المدينة بوصفها حدثاً خارجياً فحسب، بل يتسلّل منطقها إلى الطريقة التي تُنظَّم بها الحياة الحضرية ذاتها.
في فلسطين، يأخذ هذا التداخل شكلاً معمارياً شديد المادية. يبيّن إيال وايزمان كيف يمكن للطريق، والحاجز، والجدار، والارتفاع، وخط النظر، والمستوطنة، بل وحتى المجالين الجوي وتحت الأرض، أن تتحوّل إلى عناصر فاعلة داخل منظومة السيطرة المكانية. لكن قراءة هذه المنظومة من الجغرافيا الكبرى وحدها تُخفي مقياساً آخر أكثر التصاقاً بالحياة اليومية: مقياس الجسد والمسافة التي تفصله عن باب البيت. ماذا يعني أن يصبح الخط الممتدّ من العتبة إلى آخر الزقاق قابلاً، في أي لحظة، لأن يتقاطع مع جندي أو مركبة عسكرية أو حاجز مؤقت أو أمر بالتوقّف؟ وما الذي يحدث عندما لا تبقى هذه العناصر عند حدود المدينة أو الطريق الرئيسي، بل تظهر داخل المساحات التي تصل المنزل بحياته الاجتماعية المحيطة؟
تزداد أهمية هذا السؤال في المساحات التي لا تستقرّ أصلاً ضمن التقسيم الصارم بين «الخاص» و«العام». في عمل ساندي هلال، وخصوصاً في مشروع «المضافة» (Al-Madhafah) وفي تجربتها مع مخيم الفوار، تظهر العمارة الفلسطينية بوصفها قادرة على إنتاج أوضاع لا يكون فيها المنزلي نقيضاً للعام؛ فقد يتحوّل فضاء منزلي إلى مجال للضيافة والاجتماع والفعل السياسي، كما يمكن إنشاء درجة من الحميمية داخل فضاء عام من خلال بناء عتبة مادية واجتماعية له. تصف هلال المضافة نفسها باعتبارها واقعة بين المجال المنزلي والعام، وتستخدم العتبة معمارياً لإعادة التفاوض حول علاقات الداخل والخارج، الضيف والمضيف، والانتماء والاستبعاد.
من هذه الزاوية، لا تعود العتبة والدرج والحوش والمساحة أمام الدار والزقاق مجرّد مراحل متتالية تقود هندسياً من المنزل إلى الشارع. إنها نسيج عتبي تتمدّد عبره الحياة المنزلية إلى المجال المشترك. الكرسي الذي يُخرَج إلى أمام الباب، الطفل الذي ينتقل باللعب من الدرج إلى الحارة، الجار الذي يتوقّف للحوار، والنظر الممتدّ من النافذة نحو الطريق، جميعها ممارسات تجعل حدود المنزل أكثر سمكاً من جداره. فالخاص والعام لا يفصل بينهما هنا خط واحد، بل سلسلة من درجات القرب والكشف والحميمية والاختلاط.
هنا، يصبح عمل ناصر أبو رحمة مهمّاً بصورة خاصة. ففي قراءته للحياة اليومية الفلسطينية بين المخيم والحاجز، يحذّر من اختزال الواقع الاستعماري في الثنائية المألوفة بين العنف والمقاومة؛ فالحياة تستمرّ في إنتاج روتينها وحركاتها وعلاقاتها حتى داخل فضاء مجزّأ وخاضع للسيطرة. ويصف كيف يناور السكان، بمن فيهم الأطفال والنساء وكبار السن، داخل أوضاع مكانية وزمنية متضاربة، بحيث تصبح الحياة اليومية نفسها ممارسة تفاوض مستمرّة مع التجزئة والحاجز وعدم اليقين. وفي عمل آخر، يسمي هذا، بصورة مكانية دقيقة، نوعاً من الفيضان أو الانسكاب (spilling-over): الحياة اليومية لا تبقى محتواة في الفئات والحدود التي تحدّدها السلطة، بل تتجاوزها باستمرار، فتنسكب الحياة الاعتيادية إلى السياسي، والخاص إلى المشترك، والمؤقت إلى الدائم.
هذه القراءة تجعل مشهد الطابة أكثر تعقيداً. استمرار الطفل في اللعب قرب الجندي لا يحتاج إلى أن يُقرأ فوراً بوصفه فعل تحدٍّ، كما لا يمكن اختزاله في الاعتياد أو اللامبالاة. إنه يكشف قبل ذلك عن خاصية في الحيز نفسه: تراكب نظم مكانية مختلفة داخل المساحة ذاتها. الزقاق لا يفقد وظيفته الاجتماعية حين تتمّ عسكرته؛ تبقى فيه الحركة واللعب والجلوس والعبور، ولكنها تجري داخل مجال أصبحت فيه القدرة على المراقبة والإغلاق والمنع حاضرة معها في الوقت نفسه. لذلك لا يقع العسكري واليومي في فضاءين منفصلين؛ إنهما يتصادمان ويتراكبان داخل بضعة أمتار بين باب البيت ونهاية الحارة.
وحين يصل هذا التراكب إلى المساحات العتبية، لا تكون المسألة أن المجال العسكري اقترب جغرافياً من البيت فقط. ما يتغيّر هو درجة المسافة بين الحميمي والمكشوف: ما كان يُرى من أهل الحارة فقط يمكن أن يدخل في مجال مراقبة عسكرية؛ وما كان مساراً عفوياً للطفل يصبح قابلاً للتوقّف والتفتيش؛ وما كان امتداداً مألوفاً للبيت يصبح قابلاً لأن يُقرأ فجأة بوصفه مجال عمليات. لا يُمحى الحدّ بين الداخل والخارج، وإنما يُعاد توزيع قدرته على الحماية والإخفاء والوصول.
هنا، تبدأ السلطة المكانية في تجاوز العمارة بمعناها المادي. فبعد أن تعيد تنظيم الطريق، والحركة، والعتبة، ومجالات الوصول والرؤية، تصل إلى الجسد الذي يعبر هذه المساحات: إلى الطريقة التي يتعرّف بها إلى الخطر، ويقرأ الأصوات، ويستجيب للضوء والحركة والرائحة والملمس. عند هذه النقطة، لا يعود السؤال متعلقاً فقط بمن يسيطر على المكان، وإنما بكيف يدخل المكان المسيطَر عليه إلى الحواس نفسها.
وهنا نصل من احتلال المكان إلى احتلال الحواس.
تستخدم نادرة شلهوب-كيفوركيان هذا المفهوم لوصف الكيفية التي تعمل بها السلطة الاستعمارية عبر ما يُرى ويُسمع ويُشمّ ويُحسّ، وعبر إدارة الجسد والزمن والمكان معاً. فالسيطرة لا تحدث خارج الإنسان فقط؛ بل تدخل في الطريقة التي يستقبل بها محيطه ويفهمه ويتحرّك داخله.
الجندي، بهذا المعنى، لا يحتلّ نقطة في الشارع فقط.
إنه يدخل مجال الرؤية.
صوت المركبة يدخل مجال السمع.
رائحة الغاز والغبار والبارود تدخل مجال الشم.
خشونة الإسفلت، الجدار الذي يستند إليه الجسد، والبوابة المعدنية والحاجز تدخل مجال اللمس.
حتى الهواء والغبار والغاز الذي يصل إلى الفم يجعل التذوّق جزءاً من التجربة السياسية للمكان.
تتحوّل الحواس الخمس، التي يكتشف الطفل العالم من خلالها، إلى أجهزة إنذار.
وهذا التحوّل ربما يكون أحد أكثر أشكال العنف المكاني عمقاً: أن يتعلّم الجسد الخوف من المكان الذي تعلّم فيه اللعب.
هنا يكتسب التفكير المعماري في الحواس أهمية إضافية. ففي كتاب «The Eyes of the Skin»، ينتقد يوهاني بالاسما اختزال التجربة المعمارية في البصر، ويؤكّد أن علاقتنا بالمكان تتشكّل من تفاعل الجسد كله مع المادة والصوت والرائحة والملمس والحرارة والمسافة. فالعمارة، بهذا المعنى، لا تُرى فقط؛ إنها تُسمع وتُلمس وتُشم وتُختبر من خلال حضور الجسد داخلها.
وإذا كان بالاسما يستخدم هذا التصوّر لفهم كيفية تشكّل الانتماء والتجربة المكانية، فإن شلهوب-كيفوركيان تقلب العلاقة في السياق الاستعماري: الحواس نفسها التي تربط الجسد بمحيطه يمكن أن تصبح مجالاً تعمل السلطة من خلاله. عندها، لا تعود السيطرة مسألة تتعلّق بما يستطيع الجسد الوصول إليه فقط، بل تمتدّ إلى الكيفية التي يستطيع بها أن يشعر بالمكان الذي وصل إليه.
يتحوّل مجال الرؤية حين يصبح الجسد مدركاً باستمرار لاحتمال المراقبة أو ظهور الجندي في نهاية الشارع؛ ويتغيّر المجال السمعي عندما لا يبقى صوت المركبة أو الطائرة أو إطلاق النار مجرّد صوت في الخلفية، بل معلومة مكانية تحدّد القرب والبعد والخطر والحركة. تدخل رائحة الغاز والغبار والبارود في ذاكرة المكان، فيما تحمل الأسطح - الإسفلت، والجدار، والبوابة، والحاجز - علاقتها الخاصة بالجسد عبر اللمس والاحتكاك والتوقّف. وحتى التذوّق، الذي يبدو أبعد الحواس عن العمارة، يمكن أن يدخل في هذه التجربة عندما يصل الغبار أو الغاز إلى الفم. هكذا، لا يعود المكان مجموعة عناصر تُرى من الخارج؛ يصبح وسطاً حسياً كاملاً يتعلّم الجسد قراءته باستمرار.
استمرار اللعب لا يعني أن العنف فقد أثره، ولا أن الأطفال تجاوزوه، ولا أن الحيّز المستعمَر أصبح حرّاً بفعل اللعبة. كما أن وصف كل حركة يومية بأنها «مقاومة» ينطوي على خطر تحويل الحياة الفلسطينية نفسها إلى وظيفة سياسية دائمة
في صور الأطفال الذين يواصلون لعب كرة القدم أو «حجرة، ورقة، مقص» بينما تتحرّك القوة العسكرية في الخلفية، لا يكفي أن نقرأ المشهد من خلال التناقض البصري بين «براءة الطفل» و«قسوة الجندي». هذه القراءة، مهما كانت قوتها العاطفية، تُبقي الطفل ثابتاً في موقع الضحية، وتحوّل اللعب إلى مجرّد خلفية تُبرز حجم العنف المحيط به. تذهب نادرة شلهوب-كيفوركيان، من خلال مفهوم «نزع الطفولة» (unchilding)، أبعد من ذلك، إذ تبيّن كيف لا يستهدف العنف الاستعماري الطفل بوصفه جسداً فقط، بل يتدخّل في الشروط السياسية والمكانية التي تجعل «الطفولة» ممكنة أصلاً: إمكان الحركة، والأمان، واللعب، والحماية، والوصول إلى الفضاءات التي يُفترض أن تُعاش فيها الحياة اليومية.
من هنا تكتسب اللعبة أهميتها المكانية. فاللعب ليس نشاطاً يحدث داخل فضاء جاهز، بل إحدى الممارسات التي تُنتج الفضاء وتمنحه وظيفة مؤقتة. حين يضع الأطفال حجرين ليصبحا مرمى، أو يحوّلون الدرج إلى مقعد، أو الجدار إلى حدّ للملعب، أو جزءاً من الزقاق إلى مساحة للركض، فإنهم يعيدون كتابة البرنامج المكاني للمكان بأجسادهم. لا يحتاج هذا التحوّل إلى تغيير معماري دائم؛ تكفي حركة، واتفاق مؤقت على قاعدة، ومسافة يتشاركها عدد من الأجساد حتى يتحوّل الشارع، ولو لوقت قصير، إلى ملعب. بهذا المعنى، لا يكتشف الطفل المدينة فحسب، بل يشارك في إنتاجها.
تساعدنا هنا قراءة ميشيل دو سيرتو للحياة اليومية على فهم الفرق بين السلطة التي تخطّط المكان وتضع شروطه، وبين الممارسات التي تستعمل ذلك المكان من داخله بطرق لم تحدّدها السلطة مسبقاً. يميّز دو سيرتو بين «الاستراتيجية»، التي تعتمد على امتلاك موقع يمكن منه تنظيم المجال وإدارته، وبين «التكتيك»، الذي يعمل من دون امتلاك هذا الموقع، ويستفيد من اللحظات والثغرات التي يتيحها النظام القائم. من هذه الزاوية، يمكن قراءة لعب الأطفال لا باعتباره استعادة كاملة للشارع، ولا بوصفه مقاومة واعية بالضرورة، وإنما بوصفه استعمالاً تكتيكياً لحيّز لا يملكون سلطة تحديد شروطه. الطفل لا يملك الحاجز، ولا يستطيع فتح الطريق المغلق أو إنهاء المراقبة؛ لكنه يظلّ قادراً، ضمن حدود ضيّقة ومؤقتة، على إنتاج استعمال آخر للمكان نفسه.
وهذا التفريق مهم. فاستمرار اللعب لا يعني أن العنف فقد أثره، ولا أن الأطفال تجاوزوه، ولا أن الحيّز المستعمَر أصبح حرّاً بفعل اللعبة. كما أن وصف كل حركة يومية بأنها «مقاومة» ينطوي على خطر تحويل الحياة الفلسطينية نفسها إلى وظيفة سياسية دائمة، وكأن اللعب لا يحقّ له أن يكون لعباً إلا عندما يؤدّي دوراً نضالياً. ما تكشفه اللعبة قبل ذلك هو قدرة الحياة اليومية على الاستمرار في إنتاج استعمالات لا تتطابق تماماً مع البرنامج الذي تفرضه السلطة على المكان.
هنا يعود التوتّر الذي بدأ منه المقال. الجندي والطفل لا يصنعان مكانين منفصلين، بل يعملان داخل الأرض نفسها ومن خلال منطقين مختلفين لإنتاجها. تستطيع القوة العسكرية إغلاق الشارع، ومراقبته، وتغيير اتجاه الحركة داخله، وفرض التوقّف، أو تحويله مؤقتاً إلى مجال أمني أو عسكري. أما اللعبة فتمنحه، في اللحظة نفسها، حدوداً وقواعد ووظائف أخرى: هنا مرمى، هنا خط نهاية، هنا مساحة للركض، وهنا يقف من ينتظر دوره. لا تتساوى القوتان، ولا ينبغي تصويرهما كذلك؛ فإحداهما تمتلك القدرة على تعليق شروط استعمال المكان، بينما تعمل الأخرى داخل تلك الشروط وتحاول توسيع ما يبقى ممكناً بينها.
بهذا المعنى، لا تكمن قوة المشهد في انتصار اللعبة على الجندي، بل في استحالة اختزال المكان في الوظيفة التي تفرضها القوة عليه. فالزقاق الذي يمكن أن يُراقَب يظلّ قابلاً للعب؛ والشارع الذي يمكن أن يُغلق يظلّ، قبل إغلاقه وبعده، طريقاً للعبور واللقاء؛ والعتبة التي أصبحت مكشوفة تظلّ مكاناً للجلوس والانتظار والمشاهدة. لا تلغي هذه الاستعمالات نظام السيطرة، لكنها تكشف أن إنتاج المكان لا يكتمل من الأعلى وحده، وأن بين المخطّط والمراقَب والممنوع يظلّ هناك حيّز يُنتَج من الممارسة اليومية نفسها.
وهنا تصبح العودة إلى الطابة ضرورية. فهي لا تمحو الحاجز، ولا تغيّر ميزان القوة، ولا تستعيد الأرض بمعنى كامل ونهائي. لكنها ترسم، في كل مرة تتحرّك فيها، خريطة صغيرة لما لا يزال ممكناً فعله داخلها. تمرّ من العتبة إلى الدرج، ومن الدرج إلى الزقاق، وتغيّر للحظات معنى المسافة التي تعبرها. وفي الجهة الأخرى، تقف سلطة تستطيع أن توقف هذه الحركة متى شاءت.
بين هذين النظامين، لا تتحدّد المسألة بمن «يفوز» في اللعبة، بل بالسؤال الذي ظل حاضراً منذ بدايتها: كيف يستطيع المكان أن يحتفظ بحياته اليومية، فيما تمتلك سلطة أخرى القدرة على إعادة تنظيم شروط تلك الحياة؟
طابة، جندي، لعبة: ليست ثلاثة عناصر في صورة واحدة، بل ثلاث طرق مختلفة لقراءة الأرض نفسها: جسد يختبرها، سلطة تنظّم إمكاناتها، ولعبة تواصل، ولو مؤقتاً، اختراع ما يمكن للمكان أن يكونه.
وبينها جميعاً، تظلّ الطابة تتدحرج.