اتفاقية العمل عبر المنصات وحدود حمايتها في لبنان
صاحب عمل عند السيطرة ووسيط عند المسؤولية
يختار سائق «أوبر» الوقت الذي يفتح فيه التطبيق ويبدأ العمل، لكنه لا يختار تعرفة الرحلة أو نسبة العمولة أو الطريقة التي تصل بها الطلبات إليه. تحدّد المنصة هذه الشروط، فيما يتحمّل السائق كلفة السيارة والوقود والصيانة وفترات الانتظار ومخاطر انقطاع الدخل. ومع ذلك، لا تعني هذه السلطة التي تمارسها المنصة بالضرورة أنها تُعامل قانوناً بوصفها صاحب عمل، ولا أن السائق يتمتع بحقوق الأجير.
لا يقتصر التحوّل نحو العمل الرقمي في لبنان على سائقي «أوبر» و«بولت» و«إن درايف» و«تاكسي آب» وعمّال التوصيل في «توتِرز». فهو يمتد إلى أنشطة تمر عبر منصات وأدوات رقمية مختلفة، من موظفي المحال الوكيلة لشبكات مثل «ويش موني» و«OMT» و«ويسترن يونيون»، إلى صانعي المحتوى على «فايسبوك» و«إنستغرام» و«تيك توك». ولا تخضع هذه الفئات كلها لعلاقة العمل نفسها، ولا تدخل حكماً ضمن تعريف واحد، لكنها تكشف اتساع التحوّل الذي تفرضه الرقمنة على تنظيم العمل والعلاقة بين من يؤدّيه ومن يسيطر على شروطه.
تظهر المشكلة بوضوح عندما تحتفظ المنصة بسلطة تنظيم جانب أساسي من العمل، فيما يُصنَّف العامل لحسابه الخاص، فتنتقل إليه كلفة العمل ومخاطره من دون أن تنتقل إليه الحماية التي يرتبها قانون العمل للأجراء. وفي لبنان، لا يوجد إطار قانوني خاص يحدّد متى يكون العامل مستقلاً فعلاً، ومتى تبلغ سلطة المنصة عليه مستوى يجعل العلاقة علاقة استخدام. كما لا توجد سوابق قضائية محلية مستقرة تحسم هذه المسألة.
في حزيران/يونيو 2026، اعتمد مؤتمر العمل الدولي «اتفاقية العمل اللائق في اقتصاد المنصات، 2026 (رقم 193)»،وهي أول اتفاقية دولية مخصّصة لتنظيم هذا النوع من العمل. تمنح الاتفاقية عمّال المنصات مجموعة من الحقوق الأساسية، وتنظّم استخدام الخوارزميات والقرارات المؤتمتة، وتطلب تحديد وجود علاقة استخدام بالاستناد إلى وقائع العمل، لا إلى الاسم الوارد في العقد وحده.
لكن الاتفاقية لا تحسم التناقض بالكامل. فهي لا تعتبر جميع عمّال المنصات أجراء، وتبقي حقوقاً أساسية، من بينها ضمان الحد الأدنى للأجر والتعويض عن نفقات العمل، مرتبطة بوجود علاقة استخدام، كما تترك للدول مساحة واسعة في تحديد قواعد التنفيذ. لذلك لا يقتصر السؤال بالنسبة إلى لبنان على ما إذا كان سيصدّق على الاتفاقية، بل على القواعد التي سيضعها لتحديد متى تصبح المنصة صاحب عمل، وما المسؤوليات التي تترتب عليها عندئذ.
مرونة للعامل أم تبعية للمنصة؟
تصنّف منصات رقمية العاملين لديها ضمن فئة «العاملين لحسابهم الخاص»، فتتجنّب بذلك المسؤوليات والالتزامات التي يرتّبها قانون العمل على صاحب العمل. وتقدّم هذا الترتيب بوصفه عملاً مرناً، يتيح للسائق اختيار أوقات عمله والدخول إلى التطبيق والخروج منه متى يشاء. إلا أن هذه الاستقلالية تبقى محدودة عندما تحتفظ المنصة بالقدرة على وضع الضوابط التي تنظّم العمل وتحديد جزء أساسي من شروطه، فيما يتحمّل العامل نفقاته ومخاطره.
تقدّم «أوبر» نموذجاً لهذه العلاقة. دخلت الشركة سوق النقل الرقمي في لبنان في عام 2015، ووسّعت حضورها خلال السنوات اللاحقة. وبحسب تقدير غير رسمي قدّمه مصدر يعمل مع «أوبر» منذ نحو 10 سنوات إلى «صفر»، سجّل نحو 5,000 سائق على التطبيق منذ إطلاقه في لبنان، فيما يبلغ عدد السائقين الناشطين عليه حالياً نحو 2,000.
يختار السائق متى يفتح التطبيق، لكن المنصة تحدّد تعرفة الرحلة ونسبة العمولة وطريقة الوصول إلى الزبائن، بينما يتحمّل السائق كلفة السيارة والوقود والصيانة وفترات الانتظار
وفّرت المنصة عند انطلاقها للسائقين وسيلة للحصول على طلبات الركوب من دون التجوال بحثاً عن الزبائن، ومنحتهم مرونة في اختيار أوقات العمل. لكن توسّعها وترسّخ حضورها في السوق زادا اعتماد جزء من السائقين عليها للحصول على الزبائن. ويصف مصدر عمل لسنوات لدى شركات في القطاع هذا التحوّل بقوله إن «أوبر اكتسحت السوق إلى حد بات معه من لا يعمل معها لا يجد عملاً خارجها».
في المقابل، يواجه السائقون انخفاض بدل الرحلات وارتفاع تكاليف تشغيل سياراتهم. يبلغ الحد الأدنى لتعرفة الرحلة عبر «أوبر» 500 ألف ليرة لبنانية، تقتطع الشركة 25% منها، فيبقى للسائق 375 ألف ليرة قبل احتساب الوقود والصيانة والتصليحات. ويقدّر المصدر نفسه أن الدخل الشهري الصافي للسائق لا يتجاوز عادة 400 دولار أميركي، باستثناء فترات الذروة، مثل عطلة الصيف ونهاية العام.
لا ينتظم هذا الدخل، لأنه يتوقف على عدد الطلبات التي تصل إلى السائق. ويقول مصدر عمل سائقاً لسنوات إن فترة انتظار طلب واحد قد تمتد إلى ساعتين، حتى عند استخدام تطبيقات أخرى مثل «إن درايف» و«بولت».
في هذا النموذج، يختار السائق متى يفتح التطبيق، لكن المنصة تحدّد تعرفة الرحلة ونسبة العمولة وطريقة الوصول إلى الزبائن، بينما يتحمّل السائق كلفة السيارة والوقود والصيانة وفترات الانتظار. ويصف ربيع جميل، الأستاذ الجامعي في جامعة كيبيك في مونتريال والمتخصص في سوسيولوجيا العمل والمنظمات، هذه العلاقات بأنها علاقات عمل «صفرية، أي صفر حقوق اجتماعية، وصفر ضمانات، وصفر أمان وظيفي، وصفر ضمان لحدّ أدنى من الأجور، وصفر حماية من مخاطر التشغيل وحوادث العمل».
التصنيف يحدّد الحقوق
لا يضع القانون اللبناني إطاراً خاصاً لتنظيم العمل عبر المنصات الرقمية، ولا يعرّف هذه المنصات أو طبيعة علاقتها بالعاملين من خلالها. لكن ذلك لا يعني غياب القوانين التي قد تنطبق على نشاطها بصورة مطلقة. يوضح ربيع جميل أن العاملين قد يخضعون لبعض القوانين القائمة، مثل قانون السير، فيما يغيب إطار صُمّم أساساً لمعالجة طبيعة العمل التي تفرضها المنصات الرقمية.
تظهر أهمية هذا الغياب عند تحديد صفة العامل. فإذا تعاملت المنصة معه باعتباره عاملاً لحسابه الخاص، فقد يبقى خارج نطاق الحماية التي يوفرها قانون العمل للأجراء. ولا يحسم الوصف الوارد في العقد وحده حقيقة العلاقة، إذ يبقى السؤال متصلاً بطريقة تنظيم العمل ومقدار السلطة التي تمارسها المنصة على العامل. غير أن غياب قواعد خاصة وسوابق قضائية لبنانية يجعل حسم هذه الصفة أكثر صعوبة.
لا تشير المعطيات المتاحة إلى وجود أحكام قضائية لبنانية أرست مبادئ واضحة لتطبيق القوانين القائمة على العلاقة بين المنصات والعاملين من خلالها. ويربط المحامي والباحث القانوني كريم نمّور هذا الغياب بتعطّل مجالس العمل التحكيمية خلال السنوات الأخيرة بسبب الإضرابات، إضافة إلى عجز كثير من العاملين عبر المنصات عن تحمّل تكاليف توكيل محامين للدفاع عن حقوقهم. ويقول كريم نمّور إن القضاء اللبناني قد يستأنس بالاجتهاد القضائي المقارن في دول مثل بريطانيا وفرنسا. فقد استند القضاء الفرنسي، في بعض قراراته التي اعتبرت العلاقة بين المنصة والعامل علاقة عمل، إلى مؤشرات تدل على التبعية، من بينها إخضاع العاملين لمدونة سلوك وفرض إجراءات تأديبية عليهم عند مخالفة القواعد التي تضعها المنصة.
تتجاوز المشكلة، إذاً، غياب قانون خاص بالمنصات. فهي تشمل أيضاً غياب اجتهاد قضائي محلي مستقر، وصعوبة وصول العاملين إلى القضاء، وعدم وضوح المعايير التي تفصل بين العمل المستقل وعلاقة الاستخدام. ويترك ذلك العامل أمام عقد يصفه بأنه مستقل، فيما قد تمارس المنصة عليه بعض سلطات ربّ العمل.
حقوق في مواجهة الإدارة الخوارزمية
تضع اتفاقية العمل اللائق في اقتصاد المنصات أول معيار دولي مخصص لتنظيم هذا النوع من العمل. ويشمل نطاقها العاملين عبر المنصات، سواء ارتبطوا بها بعلاقة استخدام أم عملوا لحسابهم الخاص، وسواء أُنجز العمل في موقع محدد، مثل النقل والتوصيل، أم عبر الإنترنت. وتكمن أهميتها في إقرار مجموعة من الحقوق والحمايات المشتركة التي لا تتوقف جميعها على الصفة التي تمنحها المنصة للعامل.
تُلزم المادة الثالثة الدول باحترام المبادئ والحقوق الأساسية في العمل ضمن اقتصاد المنصات، وتشمل حرية تكوين الجمعيات والحق في المفاوضة الجماعية، والقضاء على العمل الجبري وعمل الأطفال والتمييز، وتوفير بيئة عمل آمنة وصحية. وتسري هذه المبادئ على «عامل المنصة الرقمية» الذي تعرّفه الاتفاقية بأنه الشخص الذي يؤدي عملاً عبرها بصرف النظر عن تصنيف وضعه في الاستخدام.
تمنح الاتفاقية العامل، بذلك، حقوقاً أساسية في مواجهة المنصة وقراراتها المؤتمتة بصرف النظر عن صفته التعاقدية. لكنها لا تلغي الفارق بين الأجير والعامل لحسابه الخاص في جميع الحقوق
وتعالج الاتفاقية أيضاً شكلاً من السلطة لا يظهر بالطريقة نفسها في عقود العمل التقليدية: إدارة العامل بواسطة الأنظمة المؤتمتة والخوارزميات. فقد تستخدم المنصة هذه الأنظمة لتوزيع الطلبات، وتقييم الأداء، والتأثير في ما يحصل عليه العامل، وتعليق حسابه أو إلغائه. لذلك تفرض الاتفاقية قواعد تتعلق بالشفافية وحماية البيانات والاعتراض على القرارات التي تصدرها هذه الأنظمة.
وبموجب المادة 15، يتعيّن على الدول إلزام المنصات بتقديم تفسير مكتوب للقرارات المؤتمتة التي تؤثر بصورة كبيرة في ظروف عمل العامل، وإتاحة مراجعة بشرية للقرارات التي تؤدي إلى حجب مستحقاته أو تعليق حسابه أو إلغائه أو إنهاء عمله. كما تشترط مستوى مناسباً من الإشراف البشري على أنظمة اتخاذ القرار المؤتمتة.
تكتسب هذه الحماية أهمية خاصة في لبنان، حيث يشكو سائقون يعملون عبر «أوبر» وتحدثوا إلى «صفر» من مواجهة ما يصفونه بـ«جدار رقمي» عند تقديم اعتراض أو طلب تفسير. ويصعب عليهم الوصول إلى شخص يمكنه معالجة المشكلة، وغالباً ما يأتي الرد البشري، إن وصل، من موظف خارج لبنان لا يعرف ظروف العمل المحلية. ولا تمتلك «أوبر»، بحسب المصدر، مكتباً أو فريقاً مخصصاً لإدارة عملياتها في لبنان.
تمنح الاتفاقية العامل، بذلك، حقوقاً أساسية في مواجهة المنصة وقراراتها المؤتمتة بصرف النظر عن صفته التعاقدية. لكنها لا تلغي الفارق بين الأجير والعامل لحسابه الخاص في جميع الحقوق، وهو الفارق الذي يحدد خصوصاً الحماية المتعلقة بالأجر ونفقات العمل والضمان الاجتماعي.
حدود الاتفاقية
لا تعني الحقوق التي أقرتها الاتفاقية أنها حسمت النزاع بين المنصات والعاملين. فمنظمة العمل الدولية مبنية على تمثيل الحكومات وأصحاب العمل والعمال، ويأتي النص النهائي لاتفاقياتها نتيجة تفاوض بين هذه الأطراف. لذلك تعكس الاتفاقية رقم 193 حدود التسوية التي أمكن التوصل إليها بشأن نموذج عمل تمسكت المنصات بالحفاظ على أجزاء أساسية منه.
ظهر هذا النزاع خصوصاً في ثلاثة مواضع: الحقوق التي بقيت مشروطة بتصنيف العامل أجيراً، والتعريف الذي يحدد الأنشطة الداخلة في نطاق الاتفاقية، والمساحة التي تُركت للقوانين الوطنية لتقرير كيفية التنفيذ. وتحدّد هذه المواضع مقدار ما تستطيع الاتفاقية تغييره، والمنافذ التي قد تسمح باستمرار جزء من النموذج القائم.
1. حماية مشتركة وحقوق مشروطة
تشمل الاتفاقية عمّال المنصات بصرف النظر عن تصنيفهم، لكنها لا تمنح الأجير والعامل لحسابه الخاص الحقوق نفسها. وتعيد المادة التاسعة التصنيف إلى قلب الحماية، إذ تلزم الدولة باتخاذ تدابير تضمن تحديد وجود علاقة استخدام أو انتفائها بالاستناد أساساً إلى وقائع أداء العمل والمقابل الذي يحصل عليه العامل، إلى جانب عناصر أخرى، مع مراعاة خصائص العمل عبر المنصات. لا تفترض الاتفاقية أن جميع عمّال المنصات أجراء، ولا تمنع العمل المستقل. ويعني ذلك أن بعض الحقوق تبقى مرتبطة بالصفة التي تنتهي إليها عملية التصنيف. وكانت مسودة الاتفاقية الصادرة في آذار/مارس 2026تنص على أن تحديد علاقة الاستخدام يستند «في المقام الأول إلى الوقائع المرتبطة بأداء العمل والمقابل الذي يحصل عليه العامل». أما النص النهائي فيطلب أن «يستند التصنيف أساساً إلى هذه الوقائع، إلى جانب عناصر أخرى». ويسجّل محضر لجنة وضع المعايير أن الصياغة النهائية نتجت من مشاورات بين الحكومات ومجموعتي أصحاب العمل والعمال، وأن ممثلي العمال فضّلوا نص المسودة قبل قبول التسوية. ولا يكفي اختلاف العبارة وحده لتوقع ما ستقرره المحاكم. إلا أن الصياغة النهائية تنص صراحةً على مراعاة «عناصر أخرى» عند تحديد الصفة، مثل شروط العقد وفرص الربح والخسارة والحصرية والاستثمارات التي يتحملها العامل.
العامل قد يحصل على حق الاعتراض على قرار الخوارزمية وحماية بياناته، لكنه يبقى من دون ضمان الحد الأدنى للأجر أو استرداد نفقات العمل إذا صُنّف عاملاً لحسابه الخاص
ويظهر أثر هذا التمييز بوضوح في الأجر ونفقات العمل والضمان الاجتماعي. تضمن المادة العاشرة لجميع عمّال المنصات الحصول، في موعده وبالكامل، على المبلغ المستحق لهم وفق القانون أو الاتفاق الجماعي أو العقد. لكنها تحصر ضمان ألا يقل الأجر عن الحد الأدنى القانوني أو المتفاوض عليه بالعاملين المرتبطين بعلاقة استخدام. أما العاملون لحسابهم الخاص، فتطلب الاتفاقية من الدولة أن تنظر في إمكان توسيع هذه الحماية إليهم، من دون أن تلزمها بذلك. وكانت مسودة آذار/مارس أكثر تقدماً في هذا المجال. فقد نصّت على أن يحصل العامل المرتبط بعلاقة استخدام على أجر «كافٍ» لا يقل عن الحد الأدنى القانوني أو المتفاوض عليه، وعلى تعويض معقول عن نفقات العمل، كما تضمنت صيغة أقوى لتوسيع هذه التدابير إلى العاملين الذين لا تربطهم علاقة استخدام. أما النص النهائي، فحذف وصف الأجر بأنه «كافٍ»، وربط التعويض عن النفقات بالقانون والممارسة الوطنيين، وحوّل توسيع الحماية إلى المستقلين إلى أمر يُطلب من الدولة النظر فيه. وتظهر محاضر المفاوضات أن مجموعة العمال عارضت هذه التعديلات، فيما دعم ممثلو أصحاب العمل حذف معيار كفاية الأجر وعارضوا تطبيق الحد الأدنى والتعويض عن النفقات على المستقلين. وتضمن المادة نفسها للعاملين في علاقة استخدام التعويض عن النفقات والتكاليف التي يتحملونها أثناء أداء العمل، وفقاً للقانون والممارسة الوطنيين، من دون أن تمنح هذا الضمان صراحةً للعاملين لحسابهم الخاص.
أما المادة 12، فتلزم الدولة بإتاحة الحماية الاجتماعية لعمّال المنصات بشروط لا تقل ملاءمة عن تلك المطبقة على غيرهم من العاملين ذوي الوضع نفسه. وبذلك تُقارن حالة العامل المستقل بالعاملين المستقلين الآخرين، لا بالأجراء المشمولين بأنظمة الحماية المرتبطة بعلاقة الاستخدام.
تكشف هذه الفوارق حدود الحماية التي توفرها الاتفاقية. فالعامل قد يحصل على حق الاعتراض على قرار الخوارزمية وحماية بياناته، لكنه يبقى من دون ضمان الحد الأدنى للأجر أو استرداد نفقات العمل إذا صُنّف عاملاً لحسابه الخاص. لذلك لا يصبح الخلاف على التصنيف مسألة لغوية في العقد، وإنما صراعاً على الجهة التي تتحمل كلفة العمل وعلى الحقوق التي يستطيع العامل المطالبة بها.
2. تعريف يترك بعض أشكال العمل الرقمي خارجه
تتوقف الحماية التي توفرها الاتفاقية بدايةً على دخول النشاط ضمن تعريف «منصة العمل الرقمية». وتعرّفها المادة الأولى بأنها شخص اعتباري، أو طبيعي عندما يجيز القانون الوطني ذلك، يستخدم التكنولوجيا الرقمية وأنظمة اتخاذ القرار المؤتمتة لتنظيم عمل يؤديه أشخاص لقاء مقابل، بهدف تقديم خدمة بناءً على طلب متلقيها أو طالبها.
يضع التعريف بذلك شرطين أساسيين: أن تنظّم المنصة خدمة تُقدَّم بناءً على طلب متلقيها، وأن تستخدم أنظمة مؤتمتة في تنظيم العمل أو تيسيره. وقد اقترحت الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان في لبنان، في ملاحظاتها على مسودة الاتفاقية، حذف عبارة «بناءً على طلب متلقي الخدمة أو طالبها»، محذّرة من أنها قد تحصر التعريف بالمنصات السوقية التي تربط العامل مباشرةً بالمستهلك، وتستبعد ترتيبات أخرى للعمل بواسطة الأدوات الرقمية.
يرى ربيع جميل أن هذا الشرط قد يترك خارج التعريف أعمالاً رقمية لا تبدأ بطلب مباشر من المستهلك، ومنها بعض أشكال إنتاج المحتوى المستخدم لتوليد الطلب على السلع والخدمات عبر «إنستغرام» و«فايسبوك». كما قد يستبعد شرط الأنظمة المؤتمتة أعمالاً تُنظَّم بواسطة أدوات رقمية أبسط. فقد تتلقى شركة توصيل طلباً عبر «واتساب» وتوزعه يدوياً على أحد العاملين، من دون استخدام خوارزمية أو نظام مؤتمت لاتخاذ القرار. ويظهر سؤال النطاق أيضاً في حسابات الأطفال المستخدمة للإعلان على «تيك توك» و«إنستغرام». فقد يكون الحساب مسجلاً باسم أحد الوالدين، فيما يعتمد إنتاج المحتوى وتحقيق الدخل منه على ظهور الطفل وأدائه. ويرى جميل أن النشاط الذي يولّد قيمة ودخلاً يمكن أن يحمل سمات العمل، ما يطرح سؤالاً عن انطباق التزام الاتفاقية بالقضاء على عمل الأطفال عليه. لكن الجواب يتوقف على طبيعة العلاقة نفسها: هل المنصة تنظّم عملاً مأجوراً يؤديه الطفل، أم تكتفي باستضافة محتوى ينشره صاحب الحساب؟ ويكشف هذا التمييز حدود تعريف المنصة أكثر مما يقدم جواباً قانونياً محسوماً.
كذلك، لا يحوّل استخدام «إنستغرام» أو «واتساب» في البيع أو التواصل النشاط تلقائياً إلى عمل عبر منصة رقمية بالمعنى الذي تعتمده الاتفاقية. تظهر المشكلة عندما تؤدي هذه الأدوات وظيفة قريبة من المنصة، فتنظّم عملاً مأجوراً وتربط العامل بطالب الخدمة، لكنها تبقى خارج التعريف بسبب طريقة تلقي الطلب أو غياب النظام المؤتمت.
لا يعني خروج هذه الأنشطة من تعريف الاتفاقية أنها تصبح خارج أي حماية قانونية، إذ قد تنطبق عليها قوانين العمل أو التجارة أو غيرها بحسب طبيعة العلاقة. لكن الاتفاقية لن تضمن لها تلقائياً الحماية الخاصة التي وضعتها للعمل عبر المنصات. وسيكون على المشرّع اللبناني، عند تنظيم القطاع، أن يحدد ما إذا كان سيكتفي بهذا التعريف أو يعتمد نطاقاً أوسع يشمل علاقات عمل رقمية لا تستوفي الشرطين.
3. حماية تعتمد على القانون الوطني
تضع الاتفاقية معياراً دولياً مشتركاً، لكنها تترك للدول مساحة واسعة لاختيار وسائل تطبيقه. فمواد عدة تحيل إلى القانون والممارسة الوطنيين، فيما تجيز المادة 24 تنفيذ أحكام الاتفاقية بواسطة القوانين والأنظمة والاتفاقات الجماعية والأحكام القضائية أو بمزيج من هذه الوسائل. لذلك لن تنتج المصادقة نظاماً موحداً أو تفصيلياً للعمل عبر المنصات في جميع الدول.
يظهر أثر هذه الإحالة في حقوق أساسية. فالمادة العاشرة تربط تعويض الأجير عن نفقات العمل بالقانون والممارسة الوطنيين، وتطلب المادة 18 من الدولة، وفقاً لقانونها وممارستها، ضمان حصول العامل على معلومات واضحة وفي وقت مناسب عن شروط استخدامه أو تشغيله. وكلما كانت القواعد الوطنية أضعف أو أقل وضوحاً، تقل قدرة هذه المواد على تغيير شروط العمل فعلياً.
تثير المادة 19 مسألة القانون الواجب تطبيقه على علاقة قد تتوزع أطرافها بين دول مختلفة. فهي تنص على أن شروط استخدام عمّال المنصات أو تشغيلهم يُفترض، قدر الإمكان، أن تخضع لقانون البلد الذي يُنجز فيه العمل، مع مراعاة الترتيبات التعاقدية، ما لم تنص القوانين الوطنية أو الصكوك الدولية أو الاتفاقات الثنائية أو المتعددة الأطراف على خلاف ذلك.
لا تمنح هذه الصياغة المنصة حقاً مباشراً في خرق قانون البلد الذي يعمل فيه السائق، لكنها لا تجعل تطبيقه قاعدة مطلقة أيضاً. وقد تسمح للمنصة ببناء ترتيباتها التعاقدية بطريقة تستفيد من الاستثناءات التي يجيزها القانون الوطني أو الاتفاقات الدولية لإزاحة قانون بلد تنفيذ العمل.
تكمن حدود الاتفاقية في أنها تحدد اتجاه الحماية من دون أن تحسم جميع أدواتها. وهذه المرونة تصبح أكثر إشكالية في لبنان، حيث لا يوجد أصلاً إطار خاص يعرّف المنصة ويوزع مسؤولياتها ويحدد القانون والقضاء المختصين بالنزاعات الناشئة عنها
فالالتفاف هنا لا يحصل بالضرورة عبر مخالفة القانون، وإنما من خلال اختيار البنية التعاقدية والقانونية التي تسمح بها الاستثناءات. وتحذّر «Asian Labour Review» من أن هذه المرونة قد تفتح نزاعاً حول القانون المختص، ولا سيما عندما تكون المنصة مسجلة خارج بلد العامل أو تستخدم وسيطاً محلياً.
في المقابل، تلزم المادة 24 الدولة بتطبيق الاتفاقية على المنصات والوسطاء العاملين في إقليمها وعلى عمّال المنصات الذين يعملون فيه، كما تطلب منها توزيع المسؤوليات بين المنصة والوسيط عند وجوده. وتحد هذه القاعدة من إمكان استخدام البنية العابرة للحدود أو التعاقد مع وسيط للتنصل كلياً من الالتزامات، لكنها تترك للدولة مهمة تحويل المبدأ إلى قواعد قابلة للتنفيذ.
تكمن حدود الاتفاقية، إذاً، في أنها تحدد اتجاه الحماية من دون أن تحسم جميع أدواتها. وهذه المرونة تصبح أكثر إشكالية في لبنان، حيث لا يوجد أصلاً إطار خاص يعرّف المنصة ويوزع مسؤولياتها ويحدد القانون والقضاء المختصين بالنزاعات الناشئة عنها.
التصديق يفتح مسار الحماية
لا تدخل الاتفاقية حيّز النفاذ دولياً فور اعتمادها. فبموجب المادة 27 من نصها النهائي، تحتاج إلى تسجيل تصديق دولتين، وتصبح نافذة بعد 12 شهراً من تسجيل التصديق الثاني. وبعد تحقق هذا الشرط، يبدأ نفاذها بالنسبة إلى كل دولة تصدّق عليها بعد 12 شهراً من تسجيل تصديقها. لذلك يشكّل التصديق اللبناني خطوة أولى نحو إلزام الدولة بمعايير الاتفاقية، وليس حماية فورية تكتمل بمجرد إيداع وثيقة التصديق.
كذلك، لا تعوّض الاتفاقية تلقائياً غياب إطار لبناني خاص بالعمل عبر المنصات. فهي تلزم الدولة التي تصدّق عليها بتحقيق النتائج التي تنص عليها، لكنها تتيح تنفيذها بواسطة القوانين والأنظمة والاتفاقات الجماعية والأحكام القضائية وغيرها من الوسائل المتوافقة مع الممارسة الوطنية. ولا يمكن، من دون تدقيق دستوري وقانوني إضافي، افتراض أن جميع موادها ستُطبّق مباشرةً أمام مجالس العمل التحكيمية أو أنها ستصبح في كل نزاع المرجع القضائي الأول.
يمكن للاتفاقية، مع ذلك، أن توفر للقضاء والمشرّع مرجعاً دولياً لتفسير علاقة العمل عبر المنصات، ولا سيما في ما يتعلق بالنظر إلى وقائع العمل بدلاً من الاكتفاء بالصفة المكتوبة في العقد. لكن أثرها العملي في لبنان سيتوقف على القواعد التي تعتمدها الدولة لتحديد صفة العامل، وإلزام المنصات، والرقابة على تنفيذ الحقوق.
يحتاج التطبيق اللبناني، في الحد الأدنى، إلى تعريف واضح للمنصة والعامل، ووضع مؤشرات لتحديد وجود علاقة استخدام عندما تتحكم المنصة في عناصر مثل التعرفة وتوزيع الطلبات والتقييم والعقوبات. كما يتطلب تحديد مسؤوليات المنصة والوسيط، وإلزام الشركات بجهة اتصال يمكن للعامل مراجعتها، وتنظيم تعليق الحسابات وإلغائها والاعتراض على القرارات المؤتمتة. ويحتاج أيضاً إلى تحديد المسؤولية عن نفقات العمل والحوادث، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وبيان القانون والمحكمة المختصين عندما تكون الشركة مسجلة خارج لبنان، ومنح جهة رقابية صلاحيات الحصول على المعلومات وفرض الجزاءات. ومن دون هذه التدابير، قد تبقى الحقوق الواردة في الاتفاقية مبادئ عامة يصعب على العامل استخدامها في مواجهة منصة لا يملك وسيلة فعلية لمراجعتها.
تضع الاتفاقية حداً أدنى مهماً لحماية عمّال المنصات، ولا سيما في الحقوق الأساسية والإدارة الخوارزمية. لكنها لا تنهي وحدها النموذج الذي تحتفظ فيه المنصة بسلطة تنظيم العمل، فيما تنقل جزءاً كبيراً من نفقاته ومخاطره إلى العامل. ويتوقف تغيير هذا النموذج في لبنان على تحديد اللحظة التي تتجاوز فيها المنصة دور الوسيط التقني لتصبح صاحب عمل، وعلى المسؤوليات التي يرتبها القانون عليها عندئذ.