Preview تونس

الجذور النيوليبرالية للشعبوية الصاعدة
الترميدور التونسي

  • المعارضة والنظام على السواء، سجناء الحاضر. لا أحد يريد العودة إلى جذور الأزمة. هما وجها الأزمة، لا يستغني أحدهما عن الآخر. فالمعارضة، التي كانت قبل الانقلاب في الحكم، هي السبب المباشر لوصول سعيّد إلى السلطة مشاركاً ثم منفرداً. فالرجل لم ينزل من السماء، وكذلك المعارضة ليست إلا حصيلة ما أفرزته ثورة 2011 من موازين قوى جديدة.
  • التحوّل الجذري الذي جرّ البلاد منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي، نحو تفكيك دولة الرعاية الاجتماعية والاندماج ضمن المنوال النيوليبرالي العالمي، جعل الحدود بين اليسار واليمين مجرد معارك ثقافوية، ومهّد الطريق لنضوج لحظة راديكالية تجلت في ثورة 2011.

يشارف «الانقلاب البونابرتي» للرئيس قيس سعيّد في تونس على إطفاء شمعته الثالثة، من دون أن يضع أياً من شعاراته التي رفعها حيز الممارسة العملية. تتبدّد أحلام الطبقة الوسطى والطبقات الشعبية، التي دعمته، وسط تدهور أوضاعها وأوضاع جهاز الدولة على نحو غير مسبوق. تكمن «بونابرتية» التحوّل الجذري الذي شهدته تونس في 25 تموز/يوليو 2021، في كون قيس سعيّد، بوصفه حينذاك رأس السلطة التنفيذية التي جعلت نفسها قوة مستقلّة، في نظام برلماني، قد فوّض نفسه مهمة حماية «النظام»؛ الذي كان يشارف على السقوط في ظل المدّ القوي للحركة الشعبية (الشبابية، النقابية). فهو على نحو ما مثّل هلع الطبقة الوسطى من إمكانية سقوط النظام، الذي ولد في العام 1956، ولم تنجح ثورة 2011 في إسقاطه نهائياً. بدا سعيّد حينذاك ينظر إلى نفسه مُمثلاً للشعب ضد الأوليغارشية، «ممثلاً يريد أن يسعد الطبقات الدنيا من الشعب ضمن إطار المجتمع البرجوازي»، كما يصف ماركس، لويس بونابرت في «الثامن عشر من برومير». لكن سعيّد لم يكن ليفعل ذلك من دون دعم البيروقراطية، الحزب الذي ليس له وجود ولكنّه الأكبر في الدولة. وهنا انقلبت البيروقراطية من «خادمة المجتمع إلى سيدته».

سعيّد لم يكن ليفعل ذلك من دون دعم البيروقراطية، الحزب الذي ليس له وجود ولكنّه الأكبر في الدولة. وهنا انقلبت البيروقراطية من «خادمة المجتمع إلى سيدته»

اليوم، وبعد انقشاع الضباب، وقد عرف كل طرف موقعه، يبدو البلد بلا أفق. تحوّلت فيه كل أحلام وشعارات الديمقراطية والسيادة الشعبية والعدالة الاجتماعية، إلى خطابات يردّدها فرد واحد، تتلخّص فيه الإرادة العامة، من دون أن تجد لها أي مكان على أرض الواقع. وفي المقلب الآخر، معارضة تسمّي نفسها بـ «الديمقراطية»، تتجه أماماً من دون أي مراجعة لأخطاء الماضي. وتحاول ضمن النظرة الاختزالية نفسها التي يسير وفقها النظام، اختزال الأزمة في شخص سعيّد، وإيهام الناس بأن غيابه عن السلطة فيه الشفاء المطلق من أمراض الراهن الكارثي. المعارضة والنظام على السواء، سجناء الحاضر. لا أحد يريد العودة إلى جذور الأزمة. هما وجها الأزمة، لا يستغني أحدهما عن الآخر. فالمعارضة، التي كانت قبل الانقلاب في الحكم، هي السبب المباشر لوصول سعيّد إلى السلطة مشاركاً ثم منفرداً. فالرجل لم ينزل من السماء، وكذلك المعارضة ليست إلا حصيلة ما أفرزته ثورة 2011 من موازين قوى جديدة. لكن الثابت في المشهد منذ سنوات ما قبل الثورة حتى اليوم هو النمط السائد للتصرّف في الثروة. فالتحوّل الجذري الذي جرّ البلاد منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي، نحو تفكيك دولة الرعاية الاجتماعية والاندماج ضمن المنوال النيوليبرالي العالمي، جعل الحدود بين اليسار واليمين مجرد معارك ثقافوية، ومهّد الطريق لنضوج لحظة راديكالية تجلت في ثورة 2011. إلا أن النظام تمكّن بعدها في إعادة الانتشار وفقاً لأشكال جديدة من الهيمنة، ولم يلبث حتى مهّد الطريق لنضوج اللحظة الشعبوية، عندما كان غير قادر على الاستجابة للسخط الاجتماعي والمطالب السياسية. ومع ذلك كانت «البيروقراطية التيرميدورية»،1  التي تمثل تحالفاً واسعاً بين كبار موظّفي الدولة – المدنيين والأمنيين – من جهة، والعائلات الكمبرادورية الاحتكارية من جهة أخرى، دائماً قادرةً على إنقاذ النظام من خلال إضفاء شكل جديد على الحكم.

تسعى هذه المقالة – من دون ادعاء اليقين – إلى تحليل المسار المادي التاريخي للشعبوية في تونس. أي كيف وصلنا إلى لحظة 25 تموز/يوليو 2021؟ ولماذا نجح قيس سعيّد – على خلاف كل أوهام المعارضة الديمقراطية – في توطيد دعائم حكمه، على الرغم من عدم تمكّنه من ترجمة أماني الطبقات التي دعمته إلى أفعال ملموسة، وذلك من خلال النظر في الخصائص الشعبوية للنظام، من زاوية علم النفس السياسي والاجتماعي.

الخصائص الشعبوية لنظام قيس سعيّد 

يبدو الإجماع على تعريف الشعبوية أمراً محل تشكيك. يقف المعنى التحقيري للكلمة أحياناً حالاً أمام وجود تعريف جامع لها، فهي خلافاً لبقية التصوّرات السياسية والفلسفية لا يتبنّاها أحد. يعرّف إرنستو لاكلاو الشعبوية بأنها استراتيجية خطابية تقسّم المجتمع إلى معسكرين مختلفين: «الشعب» و«النخبة».2   في هذا التعريف، الشعبوية ليست إيديولوجية معيّنة، بل هي أسلوب عمل سياسي يمكن أن يتخذ أشكالاً وأفكاراً أيديولوجية مختلفة في أزمنة وأماكن مختلفة. وهذه الطريقة مقترحة وممكنة في تلك اللحظات التي لا تعود فيها القوة الحاكمة قادرة على الحفاظ على ولاء وطاعة مرؤوسيها لأنها لا تستطيع الاستجابة لمطالبهم. في كتابهما المرجعي، «مقدمة قصيرة عن الشعبوية»، يقدم كل من، كاس مود وكريستوبال روفيرا، تعريفاً ذو ثلاث ركائز للشعبوية يمكن أن يكون مجدياً في توصيف الحالة التونسية: أولاً الشعب النقي، وثانياً النخبة الفاسدة، وثالثاً الإرادة العامة.3

النخبة هي مجموعة متجانسة وغير متمايزة، وتختلف في جميع النواحي عن الشعب الذي تهيمن عليه وتحكمه بالقمع. يتم تنظيم النخبة في الأوليغارشية أو الطبقة الاستبدادية التي تحتكر السلطة السياسية، ولكن أيضاً الاقتصادية والثقافية والإعلامية

في المركز، الشعب، بوصفه مجتمعاً رمزياً مثالياً، يمثّل جسماً سياسياً «نقياً» ومتجانساً، تم بناؤه من خلال سلسلة من الدلالات الثقافية أو العرقية أو الاجتماعية والاقتصادية. وهذا يجعل الشعبوية أحادية إيديولوجية، حيث يعمل خيالها وفقاً لمنطق «التبسيط». وهكذا فإن الشعبوية تعبّر عن تعددية المطالب الاجتماعية والسياسية التي تشكّل من أجلها هوية مشتركة في شخصية الشعب. في مواجهة هذا الشعب توجد النخبة الفاسدة. وبالتماثل مع مفهوم الشعب، فإن النخبة هي مجموعة متجانسة تماماً وغير متمايزة، وتختلف في جميع النواحي عن الشعب الذي تهيمن عليه وتحكمه بالقمع. يتم تنظيم النخبة في الأوليغارشية أو الطبقة الاستبدادية التي تحتكر السلطة السياسية، ولكن أيضاً الاقتصادية والثقافية والإعلامية على حساب الشعب. أما العنصر الثالث، فهو الإرادة العامة، التي تجعل من الشعب صاحب السيادة المصدر الحصري للسلطة السياسية. وفي الشعبوية، يجب ممارسة السيادة الشعبية من دون عوائق أو قوى مضادة، وتجريدها من الطابع التمثيلي للديمقراطية. ويتلخّص ادعاء الشعبويين في جعل الإرادة العامة لهذه «الغالبية الصامتة» تنتصر، استناداً إلى «الفطرة السليمة» للشعب من خلال تفضيل رابط مباشر أكثر «أصالة» ومن دون وساطة.

نظرياً تبدو الشعبوية تيّاراً شعبياً ينتصر للشعب ضد النخب الفاسدة ويسعى إلى تحقيق الإرادة الشعبية بالضد من احتكار الأوليغارشية للسلطة والثروة. لكن عملياً، يدور الصراع في الشعبوية حول محور أخلاقي مثالي، بين الفاسدين والأنقياء. وهنا يتم التعامل مع الشعب ككتلة واحدة، من دون تقسيم طبقي. في المقابل توضع النخب في صندوق واحد، سواء كانت تقدمية أو رجعية، يسارية أو يمينية، وطنية أم عميلة. والنخبة هنا مصطلح فضفاض في المعجم الشعبوي تعني: الأحزاب السياسية والنقابات العمّالية والجمعيات ومنظّمات المجتمع المدني والصحافة والإعلام والروابط الشعبية والطالبية والشبابية والنسوية والمثقفين، من دون تفرقة بينهم في مستوى الأفكار أو الانحيازات. ثانياً، تستعمل الشعبوية مفهوم الإرادة العامة بشكل مضلّل، فهو لا يعني كما يوحي لفظه إرادة الشعب، ولكن إرادة القائد الشعبوي أو الحزب الشعبوي، ذو النزوع الرِسالي والخلاصي، الذي يختلط فيه الأسطوري بالواقعي.

لو طبقنا جميع ما سلف على الحالة التونسية، سنجد أنفسنا أمام حالة شعبوية نموذجية، تحقّق التعريفات المعقدة للظاهرة. يقدم الرئيس قيس سعيّد نفسه دائماً بوصفه عدو النخب الحزبية والنقابية، التي يصفها بالفساد. حيث لم يظهر في أي مرّة من دون الإشارة إلى خصومه (أعدائه) من المعارضة من خلال أوصاف متنوّعة تتراوح بين نعتهم بــ «الجراثيم» وأحياناً بــ «الخلايا السرطانية» التي لا ينفع معها سوى «العلاج الكيماوي»، أو «اللصوص والعملاء والخونة»، أو من «يُريد أن يتسلّل كالحشرة». كما بدا واضحاً عدائه الشديد لأي مشاركة حزبية في السلطة، فيما لا يخفي عدائه للنقابات العمّالية ومنظّمات المجتمع المدني وخصوصاً الصحافة. في المقابل، يضفي على الشعب – كما يتخيّله – صفات النقاء والطهر من دون أي إشارة للتناقضات الاجتماعية الطبقية داخل هذا الشعب، الذي يريده كتلةً واحدةً صمّاء. وكذلك احتكاره الفردي للإرادة العامة، كما رسخّها في الدستور، الذي كتبه بنفسه، حيث أسند لنفسه صلاحيات إمبراطورية فوق الرقابة القضائية والبرلمانية. أما السمة الثانية فهي تجسيده لطبيعة القائد الشعبوي المنقذ. في مقابلة صحافية نشرت له قبل وصوله إلى السلطة، يقول قيس سعيّد رداً على سؤال الصحافية: «أنت متهم بالشعبوية (..)؟»، بالقول: «لا لا، يقولون ما يريدون لأنهم لا يعرفون ما يقولون أصلاً، أترشّح وأنا مكره على ذلك، قال تعالى، كتب عليكم القتال وهو كره لكم (...) المسؤولية هي كره، حينما تقف على جبهة القتال كالجندي لا يحب أن يقتل لكن كتب عليه أن يقاتل، العملية بالنسبة لي ليست طموحاً شخصياً».4  يبدو هذا النزوع الأسطوري لشخصية المخلص الشعبوي مرتبطاً بشكل أساسي بالحالة الأخلاقية للصراع في الشعبوية، كما تذهب إلى ذلك الباحثة الفرنسية، نولوين بايلي من أن العدوّ في هذا الصراع هو صورة يتم إنشاؤها بشكل استطرادي، فهو «الشر الكبير والمطلق». تعطي الشعبوية صورة لعدو قوي في رغبته في الشر وغير قابل للتدمير أو يُولد من جديد باستمرار من رماده، كي تقدّم مبرّراً لخوض صراعها الوجودي معه، إذ من دون عدوّ لا يوجد صراع ومن دون صراع لا يوجد بطل. وهكذا، فإن مجموعة الإجراءات الخِطابية التي تصدّرها الشعبوية لتهيئة العدو تهدف في الواقع لتهيئة تجلّي البطل المنقذ.5

هذه الطبيعة الخلاصية التي يريد سعيّد ترسيخها، ليست من خصال نظامه الشعبوي فقط، بل وسيلة لإنتاج علاقات ولاء قوية مع السكان. فهو الحريص دائماً على أن يُظهر أن إرادة السلطة هذه ليست في خدمة طموح شخصي ولكن في خدمة المصلحة العامة، مصلحة الشعب. لذلك يتظاهر بأنه الضامن للهوية المستعادة: إما منقذ للهوية الوطنية (يصبح سيادياً)، أو مدافعاً عن هوية أبناء الجهات المهمشة (يصبح أبوياً).6  وبما أنه يتمسك بفكرة أن القوى المعارضة تعارض بناء مشروعه الشعبي، فإنه يتظاهر بأنه منتقم يدعو إلى كراهية هؤلاء الأعداء الذين يتحدث عنهم من دون أن يحدّدهم. لذلك يعلن عن رغبته في الانفصال عن الممارسات السياسية في الماضي: ممارسات الطبقة السياسية الفاسدة. لهذا السبب يمكننا القول إن قيس سعيّد بوصفه شعبوياً نموذجياً، وإن لم يكن مرتبطاً بالفكر الديني، فإنه يقدم نفسه كنوع من المنقذ، قادر على سكب غضبه على الأشرار وقيادة الجماهير إلى السعادة القصوى. حيث يتجلّى خطابه وفقاً للترتيب السردي للقصة على ثلاث مراحل: وصم الشر، ثم عملية التطهير، وأخيراً التحوّل الجذري والفوري – الإعجازي – للمجتمع.7

يعتقد كاس مود وكريستوبال روفيرا، أن شخصية القائد الشعبوي، ليست واحدةً، بل مختلفةً باختلاف السياق والثقافة السياسية السائدة. «في مجتمع أكثر ذكورية وتقليدية، سوف تكون شخصية الرجل القوي أكثر فعالية في حين أن شخصية رجل الأعمال الشعبوي - مثل برلسكوني أو ترامب - سوف تثير اهتمام المجتمعات الرأسمالية. وفي جميع الأحوال، يجب أن تتوافق شخصية الزعيم الشعبوي مع الخيالات المشتركة للناس في البيئة التي هو فيها». في حالة قيس سعيّد، تبدو شخصية الرجل القوي، الرئيس والأب، القادر على تحقيق أماني الجماهير (أولاده) هي مصدر الجذب. والمستمدة من تقليد طويل في تونس، ذات النظام الرئاسي، الذي يضع الرئيس موضع القداسة، والذي كرّسه مؤسّس الدولة الحبيب بورقيبة (1956 – 1987). لذلك خدمت هذه الخصوصية التاريخية سعيّد على نحو كبير، وجعلت طريقه نحو السلطة سهلاً، وبقاؤه فيها ممكناً، على الرغم من الفشل الذريع.

الهجمة النيوليبرالية 

من أوهام المعارضة، التي تطلق على نفسها صفة الديمقراطية، في سبيل تبرئة ساحتها من مسؤولية هزيمة الثورة، هي إعادة كل هذا الخراب، إلى عوامل خارجية وإقليمية. ومن دون التقليل من هذا العامل، لابد من العودة إلى جذور الأزمة والإجابة عن سؤال: كيف خسرت أحزاب هذه المعارضة قاعدتها الاجتماعية العريضة لصالح قيس سعيّد؟ هذه القاعدة المكوّنة أساساً من الطبقة الوسطى التونسية، التي كانت على مدى عقود قاعدة نظام الحزب الواحد، ثم تفرّقت بين جناح محافظ يصوّت للإسلاميين، وجناح ليبرالي يصوّت للقوى العلمانية (الدستورية واليسارية). 

بين الاستقلال (1956) ومنتصف الثمانينيات، حافظ النظام التونسي على صيغة للمقايضة الطبقية بينه وبين الطبقة الوسطى، عبر الوسيط النقابي، الاتحاد العام التونسي للشغل، قوامها: الرعاية الاجتماعية مقابل الولاء السياسي. لكن أزمة النظام، مجسّدةً في شخص الرئيس بورقيبة، منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي، والتي بلغت ذروتها منتصف ذلك العقد، عرّضت هذه المقايضة إلى التفكّك التدريجي. وقد تجلّى ذلك أساساً في دخول البلاد تحت رحمة برنامج التعديل الهيكلي لصندوق النقد الدولي. ومن جهة الجماهير، كان ردّة الفعل انتفاضات (1984) وحراك سياسي راديكالي يساري وإسلامي (محاولة انقلابية 87). في العام 1987، ومن خلال صفقة دولية (الولايات المتحدة، إيطاليا، فرنسا) وإقليمية (الجزائر) جرى تحوّل من داخل النظام يضمن استمراريته. وذلك بصعود رئيس الوزراء الجنرال زين العابدين بن علي إلى السلطة. ترافق ذلك مع نزوع عالمي نحو تفكّك نظم الرعاية الاجتماعية نحو صعود النيوليبرالية. شرع بن علي في سلوك الطريق الجديد: تحرير الاقتصاد، التخلي عن جزء من أصول الدولة للقطاع الخاص والأجنبي، توقيع اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي. لكنه حافظ على الحد الأدنى من نظام الرعاية الاجتماعية في القطاعات الأساسية (التعليم، الصحة، النقل)، للحفاظ على روابط ولاء قوية مع الطبقة الوسطى. فقد تم دمج الاستبداد ونهج الدولة البوليسي في سياسات تراكم رأس المال والتسوية الطبقية. بمعنى أن السياسات الاقتصادية للبلاد كانت موجهة بشكل أساسي نحو المنافسة على رأس المال العابر للحدود الوطنية، بدلاً من التنمية طويلة الأجل للمجتمع المحلّي. كان التوجّه السياسي للدولة في خلال هذه الفترة يرجع في جزء كبير منه إلى الارتباط المباشر بين صناع السياسات والشركات عبر الوطنية. إلا أن ذلك التدحرج نحو النيوليبرالية أخذ طريقاً تدريجياً، حتى وصلنا إلى منتصف العشرية الأولى من القرن الحالي. فقد ثبت أنه من الصعب الحفاظ على هذه الاستراتيجية مع بدء القدرة المالية للدولة في التضاؤل نتيجة لانخفاض عائدات الضرائب على الشركات، والأزمة المالية لعام 2008، ما أدّى إلى تقويض البرامج الاجتماعية المختلفة المستخدمة لدرء السخط بين أولئك الأكثر تضرراً في ظل النظام النيوليبرالي الجديد. أدت السياسة النيوليبرالية لصالح الشركات عبر الوطنية إلى غضب اقتصادي عميق داخل البرجوازية المحلية. حيث تحوّل رجال الأعمال المحليين إلى مجرد شركاء صغار للرأسماليين الدوليين أو مقدمي خدمات أو موردين محليين، كما أصبحوا يواجهون بشكل متزايد الكتلة المهيمنة من السياسيين ذوي العقلية الليبرالية والشركات عبر الوطنية. فضلاً عن تمكّن أحلاف عائلية قريبة من السلطة من السيطرة على النسيج الاقتصادي باستعمال فائض نفوذها السياسي والأمني.

أدت السياسة النيوليبرالية لصالح الشركات عبر الوطنية إلى غضب اقتصادي عميق داخل البرجوازية المحلية. حيث تحوّل رجال الأعمال المحليين إلى مجرد شركاء صغار للرأسماليين الدوليين

أوصل هذا النهج البلاد إلى لحظة 17 كانون الأول/ديسمبر 2010، تاريخ اندلاع الثورة ضد نظام بن علي. وهنا توهم قطاع واسع من النخبة الثورية أن النظام قد سقط فعلاً. لكن ما سقط حقاً هو شكله السياسي. حيث حافظت الشركات الأجنبية على مصالحها، وتعزّزت قدرة الفاعلين الدوليين على التدخل المباشر في إدارة البلاد من خلال نظام الائتلافات الحزبية الذي تشكّل بعد 2011. تحوّل الصراع بين اليمين (الإسلاموي) واليسار والليبراليين إلى صراع ثقافي مداره الرئيسي الهوية والدين ودور الدين في الدولة. في المقابل كان هناك شبه تواطئ عامٍ بين غالبية الأطراف على طبيعة المنوال الاقتصادي. كان دخول صندوق النقد الدولي بوصفته التاريخية (خفض الإنفاق العام وتحرير الاقتصاد) في خلال العام الثاني من الثورة خطوة رمزية على نهاية الثورة وفشلها. أما الإسلاميون، الذين سيطروا على السلطة بين 2011 و2014، فقد أصبحوا ممثلين لطبقة برجوازية جديدة تريد أن تفتك مواقع نفوذ لها، في تضاد مع البرجوازية التقليدية، التي كان ممثلها السياسي حينذاك حزب نداء تونس (باجي قائد السبسي). 

صيف العام 2013، وفي أحد الأجنحة الفاخرة بفندق البريستول في الدائرة الباريسية الثامنة، اجتمع رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي مع رئيس حركة نداء تونس الباجي قائد السبسي، أي ممثل الطبقة البرجوازية الجديدة بممثل الطبقة البرجوازية التقليدية، لإيجاد تسوية تاريخية لتقاسم السلطة والنفوذ وإنقاذ النظام من السقوط نهائياً. وإذ يبدو هذا التحليل للوهلة الأولى مبالغاً فيه، إلا أن معرفة رعاة اللقاء التاريخي كفيلة بنزع أي دهشة أو شعور بالمبالغة، حيث أشرف على اللقاء، وساطةً وتنظيماً، كل من سليم الرياحي، أحد رموز البرجوازية الجديدة التي راكمت ثروتها خارج المسارات الاقتصادية الرسمية المحلية، ونبيل القروي، أحد رموز البرجوازية التقليدية التي ولدت وانتعشت في ظل نظام بن علي في خلال تسعينيات القرن الماضي، مستفيدة من فتح الاقتصاد المحلي على الرأسمال الأوروبي منذ العام 1995. في خلال هذا اللقاء وضع العجوزان الخطوط العريضة لنظام التوافقية الذي حكم البلاد بين العامين 2014 و2019، وأودى بها إلى ما تعيشه اليوم.8

خلق نظام التوافقية السياسية زخماً جديداً للنيوليبرالية التونسية، لكنه قسم المجتمع إلى فئتين: فئة أقلية مرتبطة برأس المال الدولي من خلال الشركات الأجنبية والمنظمات غير الحكومية، تعيش على نمط غربي بامتيازات مادية عالية. وتضم فئات نخبوية (سياسيين، نخب إدارية ومالية، مجتمع مدني، مثقفين الخ). وفئة ثانية، هي الغالبية، وتضم العمال وموظفي الدولة وأجراء القطاع الخاص المحلي وقطاع واسع من أشباه البروليتاريا (فلاحون بلا أرض، عمال مياومين، عاطلين عن العمل الخ). تعيش هذه الفئة بأجور محلية لا تنمو وفقاً لنمو الأسعار، وتفقد كل يوم امتيازات الرعاية الاجتماعية، التي كانت الدولة توفرها، من خلال تدهور أوضاع التعليم العمومي والصحة العمومية والنقل العمومي. هذا التقسيم الطبقي الجديد جعل فئات محظوظة من الطبقة الوسطى ترتقي إلى الفئة الأولى، فيما تدحرج القطاع الأوسع من هذه الطبقة إلى الفئة الثانية. وأصبح التقابل بين النخب وعموم الشعب واضحاً وذات أبعاد وشواهد مادية يومية في شكل اللباس، وفي الأحياء السكنية وفي أبسط تفاصيل اليومي والمعيشي. هذا الوضع الطبقي الجديد أطلق العنان لموجات الحنين إلى الماضي: دولة الرعاية الاجتماعية ونظام الحزب الواحد، الذي يصادر الحرية ويقدّم في مقابلها الطعام والسكن والصحة والتعليم. وبالتالي مهّد الطريق - نفسياً - إلى تحوّل جذري، كان واضحاً قدومه، إلا أن العمى السياسي الذي أصاب الائتلاف الحاكم حينذاك قد جعل رؤيته شبه مستحيلةً. في المقابل شرعت قطاعات شبابية وسياسية تمثل الطبقة الوسطى في الالتحاق بالحركة الجماهيرية الاحتجاجية، والتي زادت قوةً وتنظيماً خلال العامين 2018 و2019. وعند هذا الحدّ، بدا أن الطبقة الوسطى قد فقدت الثقة تماماً فيمن يدّعون تمثيلها منذ سنوات، وتوجّهت للبحث عن صيغ تمثيل جديدة. كان قيس سعيّد وبرنامجه الشعبوي أكثر إغواءً وتأثيراً، ليصعد بوصفه منقذاً ومخلصاً، وحلاً نهائياً للعبث الذي كان قائماً، قبل انتخابات 2019.

البحث عن المنقذ

أدّت هذه التحوّلات إلى تآكل اثنين من ركائز المثل الديمقراطية: المساواة والسيادة الشعبية، ما أدى إلى خلق وضع يوصف في كثير من الأحيان بأنه «ما بعد الديمقراطية». وهو وضع يتميز بحالة تسميها شانتال موف، «ما بعد السياسة»،9  والتي تمحو الحدود القائمة بين اليمين واليسار وتخلق حالة إجماع بين أحزاب يمين الوسط ويسار الوسط باعتباره تقدماً كبيراً للديمقراطية. وقد عبرت عنه التوافقية السياسية في تونس بشكل واضح. ومدار هذا الإجماع هو «لا يوجد بديل للعولمة النيوليبرالية». لذلك يختزل منظور ما بعد السياسة القرارات السياسية إلى مسائل فنية يجب أن يتعامل معها الخبراء. واقتناعاً منها بأن العولمة تتطلب «التحديث»، قبلت الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية إملاءات الرأسمالية المالية والقيود المفروضة على الدول في سياسات إعادة التوزيع. وبذلك يُحرم المواطنون من إمكانية الاختيار بين مشاريع سياسية مختلفة إلى حد كبير، ويتم تقليص الانتخابات إلى مجرد تناوب بسيط بين ما يسمى بالأحزاب «الحاكمة». مع الإعلان عن أن النموذج التنافسي للسياسة، مع انقسامه بين اليسار واليمين، قد عفا عليه الزمن، يدعو ما بعد السياسة إلى «سياسة بلا خصم»، والتي تتجاهل طابعها الحزبي. لكن هيمنة هذا الوضع لم تدم طويلاً. 

اقتناعاً منها بأن العولمة تتطلب «التحديث»، قبلت الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية إملاءات الرأسمالية المالية والقيود المفروضة على الدول في سياسات إعادة التوزيع

قيس سعيد قناص فرص. بين 2019 و2021، كان الرئيس التونسي مكبلاً بضيق الصلاحيات التي يمنحها إياه دستور 2014، الذي يقرّ نظاماً برلمانياً. مكث الرجل في قصره يراقب فشل خصومه، الذين سيطروا على الحكومة والبرلمان. ممعناً في بذر التناقضات داخل السلطة، كان سعيّد يكسب كل يوم أنصاراً جدداً إلى صفه هاربين من معسكر أعدائه الحزبيين. وهنا تلعب الأقدار لعبتها، بقدوم الوباء. تغرق حكومة الائتلاف، الذي تقوده حركة النهضة في شبر ماء. الدولة المثقلة بديون المؤسسات المالية الدولية، تقف عاجزةً عن ترقيع نظام خدماتها الاجتماعية، فيما يفشل نظامها الصحي العمومي في مجابهة الكارثة. تتجلى آثار الهيمنة النيوليبرالية واضحةً في البلاد، في أشكال كارثية. كان الموت، صيف 2021، في كل بيت. والسخط الشعبي في أعلى ذروته، والنخبة النيوليبرالية – الإسلامية والليبرالية – عاجزةً عن فعل الكثير. لقد برز قيس سعيّد ليلة 25 تموز/يوليو 2021، منقذاً تسنده البيروقراطية العسكرية والأمنية والإدارية، التي أصبحت طبقة قائدة بعد ما كانت مجرّد أداةٍ.

في هذا السياق ولدت ما يسميه إرنستو لاكلاو بـ «اللحظة الشعبوية». تعتقد شانتال موف، رفيقة لاكلاو، أن هذه اللحظة هي «عودة السياسة» بعد سنوات من «ما بعد السياسة»، بافتراض أن الشعبوية ستكون ذات روح يسارية، تعيد الكلمة إلى المبادرة الشعبية بعد سنوات من احتكارها من طرف النخبة الأوليغارشية النيوليبرالية. إلا أن ما حدث في تونس هو تشكّل نظام شعبوي يميني يحتكر مجسّداً في شخصية قائده السياسة. مكتفياً بنفسه عن غيره.

  • 1مصطلح من المعجم التروتسكي، نسبة إلى أحداث 9 تيرميدور من العام 2 الجمهوري (وتيرميدور هو الشهر الحادي عشر من العام الجمهوري ويقابل من 20 تموز/يوليو، حتى 18 آب/ أغسطس من العام الميلادي). ففي هذا اليوم الموافق 27 تموز/يوليو 1794 سقط حكم روبسبيير في فرنسا على يد الردة البرجوازية. ويقصد بهذا التعبير كل ردة رجعية في سياق ثورة. أنظر: ليون تروتسكي، الثورة المغدورة، نقد التجربة الستالينية (1936)، الطبعة الثالثة 1991 دار الالتزام للطباعة والنشر بيروت.  https ://www.marxists.org/arabic/archive/trotsky/1936-rb/index.htm
  • 2 Ernesto Laclau - La Raison Populiste, FCE, Buenos Aires, 2005
  • 3  Cas Mudde et Cristóbal Rovira Kaltwasser, Populism : A Very Short Introduction, Oxford / Brève introduction au populisme, Éditions de l’Aube
  • 4مقابلة مع المرشح الرئاسي قيس سعيّد، جريدة الشارع المغاربي، 12 حزيران/يونيو 2019 https://acharaa.com/%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A%D8%A9/%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%A7%D8%B1%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%A7%D8%B1%D8%A8%D9%8A-%D8%AA%D9%86%D8%B4%D8%B1-%D8%AD%D9%88%D8%A7%D8%B1-%D9%82%D9%8A%D8%B3-%D8%B3%D8%B9%D9%8A%D8%AF-%D9%83%D8%A7%D9%85/
  • 5   Discours de haine et de radicalisation: Les notions clés-Edited by Nolwenn Lorenzi Bailly، Claudine Moïse – ENS Édition – 2023
  • 6 أحمد نظيف، إعادة «اختراع» الشرعية: عن آليات «إنتاج الولاء» في «دولة قيس سعيد»، الهامش، 9 تشرين الثاني/نوفمبر 2022. https://al-hamish.net/13686/
  • 7- Truan, Naomi. (2019) Talking about, for, and to the People : Populism and Representation in Parliamentary Debates on Europe. Zeitschrift für Anglistik und Amerikanistik.
  • 8 أحمد نظيف، الحركة الإسلامية التونسية وتحولاتها الطبقية، حبر 23 آذار/مارس 2022 https://www.7iber.com/politics-economics/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D9%83%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%AA%D8%AD%D9%88%D9%84%D8%A7%D8%AA%D9%87%D8%A7/
  • 9 Chantal Mouffe, L’illusion du consensus, Paris, Albin Michel, 2016.