التكيّف المناخي على كوكب يغلي
أرضٌ محروقة
أفضت موجات الحرّ في خلال هذا الصيف إلى مستويات غير مسبوقة من المعاناة. ففي أنحاء أوروبا، سجّلت دول عدّة، من بينها ألمانيا والمجر وفرنسا وبريطانيا وبولندا وإسبانيا والدنمارك، أشدّ أيام حزيران/يونيو حرارةً على الإطلاق. ومع اقتراب درجات الحرارة من 40 درجة مئوية، أُغلقت طرق سريعة، وعُلّقت خدمات القطارات، وأُخرجت محطات نووية من الخدمة. وأدّت درجات الحرارة اللاهبة وجفاف التربة إلى اندلاع حرائق غابات في جنوب أوروبا، فيما يُتوقّع اندلاع المزيد منها مع استمرار الصيف. في 29 حزيران/يونيو، بلغت سويسرا «يوم فقدان الكتلة الجليدية» (Glacier Loss Day)، حين يذوب كامل الثلج المتساقط في خلال العام وتبدأ الحرارة في التهام الجليد المتراكم. وقد حلّت هذه اللحظة قبل أشهر من موعدها المعتاد، في ثاني أبكر توقيت مسجّل تاريخياً.
وفي أميركا الشمالية أيضاً، ارتفعت درجات الحرارة بشدّة، وأصدرت هيئة الأرصاد الجوية الوطنية الأميركية، في وقت سابق من هذا الشهر، تحذيراً من الحرّ الشديد شمل 130 مليون شخص. ومع بدء شبكة الكهرباء في التعرّض للضغط، ارتفعت أسعار الكهرباء الفورية في سوق الجملة بأكثر من 50% في الغرب الأوسط، وتضاعفت في مدينة نيويورك، وقفزت بنسبة 240% في نيو إنغلاند.
تجذب موجات الحرّ اهتماماً أقلّ من الكوارث المناخية التي تستأثر بالأنظار، مثل الفيضانات والعواصف وحرائق الغابات، ويعود ذلك جزئياً إلى أنها تُلحق أضراراً أقلّ بالممتلكات، فتبدو كلفتها المالية أقلّ وضوحاً؛ لكنها تزداد فتكاً، فيما يصعب تحديد عدد الوفيات الناجمة عنها. فقد يستغرق الموت نتيجة التعرّض للحرّ بضعة أيام، ولذلك تُنسب الوفاة غالباً إلى فشل أحد الأعضاء أو إلى قصور في الجهاز التنفسي، عوضاً عن نسبتها إلى الحرّ مباشرةً. وتعتمد أفضل طرائق تقدير الوفيات المرتبطة بالحرّ، كما في الجوائح وغيرها من الظواهر المتطرفة، على فحص «الوفيات الزائدة» في خلال الأيام الأشدّ حرارة. وعادةً ما تكشف هذه التقديرات أعداداً تفوق الحالات المسجّلة بمئات المرّات.
وبعد احتساب «الوفيات الزائدة»، يقدّر العلماء أن موجة الحرّ التي ضربت أوروبا في الأسبوع الأخير من حزيران/يونيو تسبّبت بوفاة 5,000 شخص في ألمانيا و2,700 شخص في فرنسا. وقدّر تقييم أولي آخر عدد الوفيات في القارة بأكملها بنحو 20 ألفاً في خلال ذلك الأسبوع وحده، فيما يُتوقّع ارتفاع الحصيلة مع استمرار الصيف. ومع تكرار هذه الموجات وارتفاع أعداد ضحاياها، بات الصيف يُعدّ موسماً قاتلاً. إذ يُعتقد أن موجات الحرّ في عام 2023 تسبّبت بنحو 48 ألف وفاة بين أيار/مايو وأيلول/سبتمبر، فيما قُدّرت وفيات العام السابق بأكثر من 60 ألفاً.
قد يصعب استيعاب التداعيات الكاملة لاحترار المناخ. فكيف يمكن لتغيّر يبدو ضئيلاً في المتوسط السنوي لدرجة حرارة العالم أن يكون حاسماً إلى هذا الحدّ؟ حين يُحتسب هذا التغيّر على امتداد الكوكب بأكمله وعلى مدار عام كامل، يصبح أقرب إلى تغيّر في درجة حرارة جسم الإنسان الداخلية، حيث يمكن لأجزاء قليلة من الدرجة أن تكون كارثية. وتظلّ البنية التحتية قادرةً على العمل حتى حدّ معيّن، قبل أن تتجاوز عتبات تبدأ عندها خطوط السكك الحديدية في الالتواء والطرق في الذوبان.
يمكن للحرّ أن يقتل بطرق خفيّة، من بينها ارتفاع درجات الحرارة الدنيا في خلال الليل. فعندما لا تنخفض الحرارة بما يكفي ليلاً، قد يصبح عجز الجسم عن التبرّد بعد يوم حارّ قاتلاً. ويُعدّ الرضّع وكبار السنّ الأكثر عرضةً للخطر. كما يمكن أن تكون آثار الحرّ على الصحة تراكمية، ولذلك تؤدّي مدة موجة الحرّ دوراً حاسماً. وقد قدّر علماء في كلية كينغز لندن أن ارتفاع الحرارة بمقدار درجتين مئويتين سيجعل ثلث مساحة اليابسة على الأرض غير صالح فعلياً لإقامة الأشخاص الذين تزيد أعمارهم على 60 عاماً. كذلك قدّر تقرير حديث لمنظمة العمل الدولية أن الحرّ الشديد يتسبّب بأكثر من 20 مليون إصابة سنوياً.
لا تقتصر الكوارث المناخية التي تهدّد العالم على موجات الحرّ. فقد أودت الفيضانات بحياة عشرات الأشخاص في دول غرب أفريقيا، بينها ساحل العاج وتوغو وبنين وغانا ونيجيريا في خلال الشهر الماضي، فيما أدّى ضعف الرياح الموسمية وتأخّرها في الهند إلى تأخّر مواعيد الزراعة وتهديد إمدادات المياه. وقد تتفاقم هذه الاضطرابات مع تشكّل ظاهرة «النينيو فائقة» في خلال الأشهر المقبلة، إذ لا تزيد النينيو من شدّة الحرّ فحسب، وإنما تفاقم الفيضانات والجفاف أيضاً. وكانت الظاهرة السابقة، قبل أكثر من عقد بقليل، قد دفعت عشرات الملايين في شرق أفريقيا وجنوبها إلى انعدام الأمن الغذائي. لذلك دفعت مخاطر عودتها هذا العام منظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الأغذية العالمي إلى إنشاء أول برنامج استباقي مشترك لتوفير محاصيل أكثر قدرةً على الصمود وتحسين الريّ.
التخفيف والتكيّف
كيف يستجيب العالم لهذه الطوارئ فيما تتزايد آثار تغيّر المناخ، وفي حالات كثيرة بسرعة تفوق ما توقّعته النماذج العلمية؟ يشكّل خفض الانبعاثات، عبر وقف حرق الوقود الأحفوري ووقف إزالة الغطاء الطبيعي للأراضي، حجر الأساس في جهود التخفيف.
وقد أُحرز بعض التقدّم في هذا المجال، إذ استُبدل النهج القديم القائم على تسعير الكربون، أو جرى استكماله على الأقلّ، بإجراءات أكثر شمولاً، مثل السياسة الصناعية الخضراء، إلى جانب تحسين إمكان الوصول إلى الطاقة النظيفة وتخزينها وخفض كلفتها، ويرجع ذلك بدرجة كبيرة إلى التصنيع الأخضر الصيني. وقد قدّر أحدث تقرير للأمم المتحدة عن فجوة الانبعاثات أننا قد نكون الآن على مسار يفضي إلى احترار يتراوح بين 2.3 و2.5 درجة مئوية، مقارنةً بتقدير العام الماضي الذي تراوح بين 2.6 و2.8 درجة. ويمثّل ذلك تحسّناً، وإن ظلّ بعيداً عن مستوى التحدّي.
أما التكيّف، فيسعى إلى بناء القدرة على الصمود في مواجهة تغيّر مناخ الأرض وأنماط الطقس. فبعد موجات الحرّ المدمّرة في عام 2003، التي أودت بحياة أكثر من 70 ألف شخص، أدخلت فرنسا مجموعة واسعة من تدابير التكيّف، شملت أنظمة الإنذار المبكر والاتصال بالفئات الهشّة والاطمئنان عليها، وساعدت هذه الإجراءات على خفض الوفيات بدرجة كبيرة. وتشير بعض التقديرات إلى أن عدد الوفيات كان سيزيد بنسبة 80% في غياب هذه السياسات في خلال ذلك الصيف اللاهب.
وفي أماكن أخرى، وضعت جزيرة دومينيكا الصغيرة، شديدة التعرّض لتغيّرات درجات الحرارة، هدفاً يتمثّل في أن تصبح رائدةً في القدرة على الصمود في مواجهة الأعاصير والزلازل، عبر تحسين مراقبة الطقس والبنية التحتية للمياه وحماية الغابات. وبعد إعصار بولا الكارثي في عام 1970، الذي أودى بحياة 300 ألف شخص، بنت بنغلادش ملاجئ مخصّصة للأعاصير، ما أدّى إلى خفض عدد الوفيات بدرجة كبيرة في العواصف اللاحقة.
تُعدّ هذه التدابير الأساسية للتكيّف ضرورية بوضوح. مع ذلك، رافقت المراحل الأولى من المفاوضات الدولية بشأن المناخ مخاوف من أن يؤدّي التشديد على التكيّف إلى صرف الانتباه والطاقة عن المهمة العاجلة المتمثّلة في خفض الانبعاثات. ويشدّد العلماء على أن التكيّف لا يمكن أن يتقدّم على التخفيف، لأن استمرار الاحترار سيمنع الوصول إلى نقطة استقرار يمكن بناء جهود التكيّف حولها.
ولا تفتقر المخاوف من توظيف التكيّف سياسياً إلى ما يبرّرها. فقد عارض حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرّف الطاقة المتجدّدة طوال سنوات، لكنه جعل أخيراً من أجهزة تكييف الهواء محوراً أساسياً في حملته. وأعلن أحد المتحدثين باسمه أن الحزب يريد وقف «التضحية بالناس على مذبح» تصنيفات كفاءة الطاقة. وعلى نحو مماثل، أصبح حزب «التجمّع الوطني» بزعامة مارين لوبن، الذي سعى إلى عرقلة توربينات الرياح والألواح الشمسية، من أبرز المتحمّسين لتكييف الهواء.
تُعدّ تدابير التكيّف عاجلة، لكن تنفيذها على نطاق واسع قد يكون صعباً. فالمشكلة لا تقتصر على ارتفاع درجات الحرارة، وإنما تشمل أيضاً الفيضانات وحرائق الغابات وارتفاع مستوى سطح البحر والجفاف وغيرها. ولا يضمن الاستعداد لخطر واحد، أو لبعض هذه الأخطار، الاستعداد لمواجهة الأخطار الأخرى، وقد يزيد الهشاشة أمامها فعلياً. فالمنازل المعزولة جيداً قد تكون مفيدة من حيث كفاءة الطاقة، وقد تساعد على الحماية من دخان حرائق الغابات، لكنها قد تصبح قاتلة في خلال موجة حرّ.
امتياز الحماية
تجري مناقشة سياسات التخفيف وتنفيذها عادةً على المستوى الوطني أو الدولي، فيما يتّخذ التكيّف طابعاً أكثر تفرّقاً ومحلية. ويعود ذلك جزئياً إلى أن آثار تغيّر المناخ غالباً ما تكون شديدة الارتباط بالمكان. ويظهر ذلك في «سياسة الظلّ»، إذ تكون الأحياء الكثيفة الأشجار عادةً أبرد من الأحياء الفقيرة التي يطغى عليها الإسفلت. وقد تكون ضواحٍ متجاورة، وحتى مبانٍ متجاورة، أكثر أو أقلّ عرضةً للفيضانات من غيرها. كما يمكن للاختلافات في التضاريس أن تجعل مناطق معيّنة أكثر قابليةً لاحتجاز الحرارة أو أكثر قدرةً على استقبال نسمات الهواء. وتُطرح أيضاً أسئلة عن المدارس التي تحصل على أجهزة التكييف، والبلدات التي تتلقّى الدعم لبناء منشآت لإدارة الفيضانات أو تدعيم الأسقف لمقاومة الأعاصير، والطرق التي تحظى بالأولوية في أعمال الإصلاح. وفي المناطق الهشّة، مَن سيتمكّن من الحصول على تأمين منزلي، ومَن سيُترك لمواجهة الأخطار وحده؟
يميل التكيّف، بقدر ما يُعرّف رسمياً، إلى أن يبقى من اختصاص الحكومات البلدية والمخطّطين والمهندسين المدنيين. وفي تقرير يقع في 110 صفحات، قدّر الاتحاد الأوروبي أخيراً حاجاته الاستثمارية في مجال التكيّف بنحو 70 مليار يورو سنوياً، يذهب معظمها إلى البنية التحتية، مثل النقل والمياه، بقيمة 30 مليار يورو، وإدارة تآكل السواحل وحرائق الغابات، بقيمة 21 ملياراً، وتحسين الأمن الغذائي، بقيمة 12 ملياراً.
وقال التقرير إن تحديد حجم الأموال التي تُستثمر حالياً في مواجهة آثار تغيّر المناخ يكاد يكون مستحيلاً. فالاستثمارات العامة إما أن تكون مدمجةً ضمن مشروعات أخرى، مثل تحسين البنية التحتية، أو ألا تُصنّف بطريقة متّسقة. ويصعب تتبّع تدابير أخرى بدرجة أكبر. يُعدّ الجدار البحري مثالاً تقليدياً على البنية التحتية المخصّصة للتكيّف، لكن ماذا عن تحسين العزل في المدارس أو دعم فرق الإطفاء المتطوّعة؟
يمثّل التكيّف، إلى حدّ بعيد، منفعةً عامة. وعلى خلاف توليد الكهرباء أو بيع السيارات الكهربائية، لا ينسجم التكيّف مع أهداف التمويل الخاص، ولذلك يبقى رهيناً بالكامل بقيود المالية العامة، ولا سيما القيود التي يفرضها النظام المالي الدولي. وسيظلّ الوصول إلى الأموال اللازمة للتعامل مع عواقب تغيّر المناخ محكوماً بأوجه اللامساواة التي يقوم عليها النظام العالمي.
ويعني ذلك أن كثيراً من الفئات الأكثر هشاشةً في العالم ستظلّ الأكثر تعرّضاً لآثار تغيّر المناخ. فعلى المستوى العالمي، ثمة ارتباط موثّق جيداً بين التبعية المالية والقابلية للتعرّض لتداعيات تغيّر المناخ. كما يشكّل الدعم المالي الدولي المخصّص للتكيّف أحد أكثر القضايا إثارةً للخلاف في المفاوضات المناخية العالمية. وتظهر داخل البلدان أيضاً تفاوتات واضحة بين القادرين، ولو جزئياً، على حماية أنفسهم من الحرّ والفيضانات والأعاصير، وبين العاجزين عن ذلك. وفي المرحلة المقبلة، يُتوقّع أن تضع القرارات المتعلقة بمَن وما الذي ينبغي حمايته ضغوطاً على هياكل الحوكمة، وأن تتحدّى عملية صنع القرار الديمقراطي، خصوصاً لأن التنبّؤ الدقيق بما يلزم سيكون صعباً. وفيما يمضي العالم في مهمته العاجلة لإزالة الكربون، سيحتدم الصراع على مَن يمتلك القدرة على الصمود أمام هذا الغليان العالمي، وعلى ألّا تبقى النجاة حكراً على سكان شمال الأطلسي.
نُشر هذا المقال في 10 تموز/يوليو 2026 من Phenomenal World، وتُرجم إلى العربية ونُشر في «صفر» بموجب اتفاق مع الجهة الناشرة.