office windows

ما لا يريدك استطلاع ديلويت لعام 2026 أن تراه
الجيل المُسَيَّر؟

في كل عام، تنشر مؤسسة «ديلويت» (Deloitte) استطلاعها العالمي لجيلي زد (Gen Z) والألفية (Millennials) لبيان التحديات والحلول للقوى العاملة الشابة. بدورها تُعيد أقسام الموارد البشرية توجيه النتائج إلى الإدارة العليا، ويستخدمه مستشارو الإدارة لتقديم المشورة للعملاء بشأن «استراتيجيات الاحتفاظ بالمواهب». وفي كل عام، يختبئ داخل هذه البيانات المصاغة بشكل متفائل تصويرٌ لأزمة هيكلية جرى تجميلها لتبدو كأنها تفضيل لنمط حياة معيّن. ولا تختلف النسخة الخامسة عشرة، أي نسخة هذه السنة، عن سابقاتها. 

فمن خلال استطلاع آراء أكثر من 22,500 مستجيب في 44 دولة، قد يمثل هذا الاستطلاع مجموعة البيانات الأكثر شمولاً عن كيفية تجربة العمّال الشباب للرأسمالية في منتصف عشرينيات القرن الحالي. وإذا ما قُرئ النص «عكس الاتجاه السائد»، فإنه يروي قصة عجزت «ديلويت» مؤسساتياً عن سردها بنزاهة، وهي شركة تعتمد إيراداتها على النظام ذاته الذي تدرُسه.

أزمة هيكلية متنكرة في زي الخيار شخصي

يفتتح التقرير تحت عنوان أول وهو واقع الـ«ربما لاحقاً» (Maybe Later). للسنة الخامسة على التوالي، تتصدر تكلفة المعيشة قائمة المخاوف الرئيسة للمستجيبين من جيلي زد والألفية، إذ بلغت النسبة 38% و42% على التوالي وهو ما يتجاوز بكثير المخاوف المتعلقة بالجريمة أو البطالة أو عدم الاستقرار الجيوسياسي. وأفاد أكثر من نصف شباب جيل زد (55%) وجيل الألفية (52%) بتأجيل قرارات حياتية كبرى مثل الزواج وتأسيس عائلة ومتابعة التعليم العالي بسبب القيود المالية. كما أفاد نصفهم تقريباً (47% لكلتا المجموعتين) بأنهم يعيشون «paycheck to paycheck» (أو على الكفاف من دون القدرة على الادخار)، ويقول 51% من جيل زد إنهم لا يستطيعون تحمل تكاليف امتلاك منزل. 

ما لم يُقرّ به التقرير، أو ربما لا يستطيع التقرير قوله، هو أن هذه هي النتائج المتوقعة لأربعة عقود من كبت الأجور، وتضخم أسعار الأصول، والانتقال الممنهج للثروة إلى الأعلى

تؤطر «ديلويت» هذه الأرقام كدليل على «الضغط المالي»، معتبرة أن هذا الظرف قوة خارجية تضغط على طموح هؤلاء الأفراد. ما لم يُقرّ به التقرير، أو ربما لا يستطيع التقرير قوله، هو أن هذه هي النتائج المتوقعة لأربعة عقود من كبت الأجور، وتضخم أسعار الأصول، والانتقال الممنهج للثروة إلى الأعلى.

بالنسبة إلى ماركس، حسبما عالج في كتابه «رأس المال»، يتوجه رأس المال عادة إلى إعادة إنتاج نفسه من خلال إبقاء العمالة في حالة من عدم الأمان الدائم. إن جيش العمل الاحتياطي، أي أولئك العاطلون عن العمل أو الذين يعملون خارج اختصاصاتهم، ليس حدثاً عارضاً في السوق، بل يعمل كآلية لضبط الأجور وتطويعها. فعندما يصبح استبدال العمال إحتمالية دائمة، وعندما يكون السكن غير ميسّر التكلفة والتعليم مموّلاً بالديون، تتلاشى قوة العمّال التفاوضية. إن العمال الذين شملهم استطلاع «ديلويت» لا يمرون بضائقة مؤقتة في تكلفة المعيشة، بل يعيشون مرحلة نضوج نظام صُمّم هيكلياً لاستخراج أقصى قدر من العمل بأقل تكلفة ممكنة.

ويشير التقرير، بحذر، إلى أن التفاؤل لا يزال قائماً. إذ يتوقع  53% من جيل زد و45% من جيل الألفية أن يتحسن وضعهم المالي خلال العام 2027. ويمكن الاستدلال بذلك على أنه نوع من المرونة من جهة، إنما يمكن أن يقرأ أيضاً على أنه الوظيفة الأيديولوجية التي وصفها ماركس في «الأيديولوجية الألمانية» (1846)، ألا وهي قدرة الأفكار المهيمنة على إعادة إنتاج نفسها كأمر بديهي سليم، حتى بين أولئك الذين تؤذيهم. وهذا ينذر بشيئ من متلازمة ستوكهولم اقتصادية-اجتماعية جماعية. إن الأمل في التحسن الفردي داخل نظام معطل هيكلياً أمر بديهي، لكنه يستبدل الصراع الجماعي بالطموح الشخصي كما تحبذ «ديلويت».

ولكي نكون منصفين للمنطق المطروح في التقرير، فإنه يوصي صاحب العمل بالاستجابة عبر تقديم «أجور ومزايا تنافسية»، ودعم الإسكان، ومرونة مكان العمل. هذه التوصيات ليست عديمة القيمة، لكنها إصلاحات قُدّمت للحفاظ على النظام بأقل خسائر لمن قدّمت لهم. وعموماً، وفي حال الإصرار على هكذا طروحات فإنها لن تمرّ في ظل أنظمة عمل هشّة وشرذمة عمّالية صمّمت لإبعاد شبح المساءلة عن أصحاب العمل.

أما السؤال الذي يطرح نفسه والتي لم تجب عنه «ديلويت» هنا هو — لماذا يعيش نصف العمال المستطلعين تقريباً على الكفاف في أغنى فترة في تاريخ البشرية؟ 

الوظائف الجانبية وتفتيت العمالة 

يشير التقرير، عرضياً، إلى أن ما يقرب من 30% من جيل زد وحوالي 25% من جيل الألفية يشغلون وظائف جانبية جزئية أو كاملة بالإضافة إلى عملهم الأساسي. ومن بين هؤلاء، يعزو 44% من جيل زد و48% من جيل الألفية السبب الرئيس إلى الضرورة المالية. كما يشير التقرير إلى أن الوظائف الجانبية توفر تنمية المهارات، والمساهمة المجتمعية، والمنفذ الإبداعي - وهو تأطير يبدو غريباً بجانب الاعتراف الصريح بأن «الضغط المالي» هو معلق للطموح.

إن العمال الذين شملهم استطلاع «ديلويت» لا يمرون بضائقة مؤقتة في تكلفة المعيشة، بل يعيشون مرحلة نضوج نظام صُمّم هيكلياً لاستخراج أقصى قدر من العمل بأقل تكلفة ممكنة

إن المنطق الأيديولوجي الذي يجري اعتماده هنا فاضح. فمن خلال التأكيد على الأبعاد الإيجابية للعمل الجانبي (Side Hustle) مثل بناء المهارات، وممارسة الهوايات، وخدمة المجتمع، يقوم التقرير بتلميع ما يمثل استراتيجية بقاء لنصف من يمارسونه تقريباً، وتقليبه تجاه التعبير عن هوية ريادية. هذا ليس تحليلاً، بل هو إدارة لتطبيع ظاهرة «العمل الهش وغير المستقر» (Precarity) كأنه واقع لا مفر منه نتيجة تقدم المجتمعات. 

إن «الاغتراب» (Alienation) هي الحالة التي ينفصل فيها العمّال عن منتجات عملهم، وعن فعل العمل نفسه، وعن زملائهم العمال، وفي نهاية المطاف عن إمكاناتهم الإنسانية (راجع مخطوطات 1844 الفلسفية-الاقتصادية). ويمثل اقتصاد العمل الحر (أو ما يعرف بالـ gig economy) واقتصاد العمل الجانبي تفاقماً لهذا الاغتراب. فالعمال لا ينفصلون عن عملهم فحسب، بل يتم تفتيتهم إلى وحدات تسليع ذاتي، مسؤولين بشكل فردي عن تجديد طاقتهم، من دون أي ملاذ جماعي وبلا أي التزام من صاحب العمل تجاههم. 

يعترف التقرير بوجود درجة من الضائقة المالية التي تدفع نحو العمل الجانبي، لكنه يفتقر إلى الأدوات المفاهيمية - أو الإرادة المؤسساتية - لتحديد ما يصفه. إن القوى العاملة لا يمكنها البقاء على قيد الحياة بالأجور التي تحدّدها الرأسمالية، وبالتالي تؤدّي عملاً تنظيمياً إضافياً مُنهِك وغير مدفوع الأجر (كافتتاح المؤسسات المتناهية الصغر) من أجل سد الفجوة. إن فائض القيمة المستخرج من عامل الاقتصاد الحر ليس مجرد فارق الأجر، بل يشمل إلقاء جميع مخاطر العمل على عاتق العامل نفسه. 

ومع ذلك، سيكون من التبسيط والاختزال القول بأن كل العمل الجانبي هو بؤس قسري، إذ يصف بعض المستجيبين عملهم الثانوي بأنه مرضٍ حقاً ويتماشى مع اهتماماتهم الإبداعية أو المجتمعية. والنقد هنا لا يزعم أن العمال لا يمكنهم العثور على مغزى من عملهم، بل يوضح أن ضرورة العمل الجانبي كمكمل مالي يكشف عن سوق عمل أساسي يبخّس الأجور بشكل ممنهج، وأن احتفاء أدبيات المديرين بثقافة «العمل الجانبي» يخدم تطبيع هذا التبخيس بدلاً من تحدّيه.

غسل الغاية والمغزى للعمل

من بين جميع النتائج التي توصل إليها استطلاع عام 2026، ربما تكون النتيجة الأكثر وضوحاً من الناحية الأيديولوجية هي التالية:

يقول 96% من جيل زد و97% من جيل الألفية إن وجود شعور بالغاية في العمل أمر مهم لرضاهم الوظيفي ورفاهيتهم - وهو رقم ارتفع بمقدار 10 و8 نقاط مئوية على التوالي على مدى السنوات الثلاث الماضية. ويحتفي التقرير بهذا كدليل على وجود قوى عاملة تتحلى بالقيم وتطالب أصحاب العمل بالمزيد. وتنصح أصحاب المؤسسات ببناء «جاذبية الغاية»، ومواءمة القيم التنظيمية مع معتقدات الموظفين، وضمان أن يبدو العمل «ذا مغزى اجتماعي». 

العمال لا ينفصلون عن عملهم فحسب، بل يتم تفتيتهم إلى وحدات تسليع ذاتي، مسؤولين بشكل فردي عن تجديد طاقتهم، من دون أي ملاذ جماعي وبلا أي التزام من صاحب العمل تجاههم

وثمة ما يستدعي التوقف عنده هنا. إن الرغبة في العمل الهادف ليست زيفاً أو نوعاً من التلاعب، بل هي في الواقع دافع إنساني عميق. ما أسماه ماركس «كائن النوع» (Gattungswesen)، أو الجوهر الإنساني، يعني القدرة على العمل الواعي والإبداعي، الذي يميّز البشر عن الحيوانات الأخرى (راجع مخطوطات 1844 الفلسفية-الاقتصادية). وتكمن مأساة الرأسمالية، في طرح ماركس، ليس في أن العمال يريدون عملاً هادفاً، بل في أن النظام يحرم معظمهم منه هيكلياً بينما يبيع لهم الوعد بالمعنى كبديل للأمن المادي. 

وتدعم الأرقام قراءة أكثر تناقضاً مما يقدمه التقرير. فبينما يقول 68% من جيل زد و72% من جيل الألفية إن وظيفتهم الحالية تمكنهم من المساهمة الهادفة في المجتمع، فإن 54% و58% فقط على التوالي يقولون إن وظيفتهم «متوافقة تماماً أو إلى حد كبير» مع قيمهم الشخصية. بعبارة أخرى، هناك أقلية كبيرة تجد نفسها في عمل لا يبدو متناغماً ولا هادفاً، ما يتناقض مع الإطار المهيمن على التقرير وهو إطار «تحقيق الغاية» بدلاً من «انعدام الغاية». 

والأهم من ذلك، يوثّق التقرير أن حوالي 40% من المستجيبين في كل عام بين 2023 و 2026 قد رفضوا تكليفاً أو مشروعاً أو التعاقد مع صاحب عمل محتمل بسبب عدم التوافق مع أخلاقياتهم أو معتقداتهم الشخصية. ويُقدّم هذا كدليل على النشاط المحفّز بالقيم. بالمثل، يمكن قراءته كدليل على الأخلاقيات المسلّعة كأنه سوق للقيم يمارس فيه العمال الانتقائية الأخلاقية كشكل من أشكال استهلاك الهوية، بينما تظل الشروط الهيكلية للعمل (مستويات الأجور، الأمن الوظيفي، الحصول على السكن) من دون تغيير. منطقياً، إن الشركة التي تعتنق قيماً تقدمية بينما تدفع أجوراً من دون حدّ الكفاف لا تصبح طلائعية لمجرد أن موظفيها يشعرون بالرضا لرفضهم الأخلاقيات الأسوأ للمؤسسات المنافسة. 

ويعد مفهوم غرامشي (1971) عن الهيمنة مفيداً هنا. فالطبقات المهيمنة تحافظ على سلطتها ليس من خلال الإكراه فحسب بل عبر الرضا والقبول، وذلك من خلال دمج مصالحها في المنظور البديهي للذين تحكمهم. وثقافة الإدارة الموجهة بالغاية هي، وفقاً لهذه القراءة، مشروع  هيمنة يوجه بموجبه رغبة العمال الحقيقية في العمل الهادف نحو الولاء التنظيمي، والمواءمة مع العلامة التجارية، وتحمل العمل غير المستقر، دون زعزعة علاقات القوة الأساسية في عقد العمل. ولكي نكون واضحين، لا يتطلب هذا النقد التشكيك في دوافع العمال. فالرغبة في العمل الهادف حقيقية ومشروعة. لكن ما يستحق المساءلة هو الجهاز الإداري الذي يستولي على تلك الرغبة ويحولها إلى مكاسب مادية ومبيعات، مع ترك الأجور والشروط والظلم البنيوي على حاله.

لماذا يرفض عمّال الجيلين زد والالفية المناصب الإدارية؟ 

يخلص التقرير، إلى أن 6% فقط من جيل زد وجيل الألفية يحددون الوصول إلى منصب قيادي كهدف مهني رئيسي لهم. ومن بين أولئك الذين لا يضعون القيادة في أولوياتهم، فإن العقبات الأكثر ذكراً هي التوتر والاحتراق الوظيفي (50% لجيل زد، 49% لجيل الألفية)، والمسؤولية المفرطة (50% و48%)، وخلل التوازن بين العمل والحياة (41% و46%). ويعرب أصحاب العمل المقتبسة آراؤهم في التقرير عن حيرتهم أو قلقهم. ويُعامل السؤال الضمني الذي تفرضه البيانات بانعدام رغبة أحد في الإدارة كلغز يجب حلّه عبر تحسين تواصل أصحاب العمل.

 هذا ليس لغزاً، بل هو سلوك طبقي عقلاني. 

تكمن مأساة الرأسمالية ليس في أن العمال يريدون عملاً هادفاً، بل في أن النظام يحرم معظمهم منه هيكلياً بينما يبيع لهم الوعد بالمعنى كبديل للأمن المادي

تحتل الإدارة الوسطى في المنظمات الرأسمالية ما أسماه إريك أولين رايت  في كتابه «الطبقة والأزمة والدولة» بالموقع الطبقي المتناقض - وهو موقع يقع هيكلياً بين رأس المال والعمالة، مكلف باستخراج الإنتاجية من العمال من دون أن يتم تعويضه أو حمايته بشكل كافٍ للمشاركة بشكل هادف في عوائد رأس المال. وقد راقب موظفو جيل زد وجيل الألفية هذا الموقع عن كثب. ورأوا آباءهم وإخوتهم الأكبر سناً يتولون أدواراً قيادية دمرت صحتهم وعلاقاتهم وإحساسهم بذواتهم. وتؤكد بيانات الاستطلاع نفسه هذه الملاحظة. فالقيادة ترتبط، تجريبياً، بالاحتراق الوظيفي والمطالب غير المستدامة.

ويقدم التقرير وجهة نظر معارضة تستحق الذكر. إذ يجد أن أبناء جيل زد وجيل الألفية الذين يشغلون بالفعل مناصب قيادية عليا يبلغون إلى حد كبير عن صحة نفسية إيجابية وتوازن جيد بين العمل والحياة وهو أفضل، في الواقع، مقارنة مع أولئك الذين يشغلون أدواراً مبتدئة. وهذا يعقد السردية البسيطة التي تصوّر القيادة كبؤس مطلق. فقد يعكس ذلك فروقاً حقيقية في الاستقلالية والوصول إلى الموارد في المستويات العليا، أو قد يعكس تأثيرات الاختيار (Selection effects). فأولئك الذين يزدهرون تحت الضغط هم الأكثر عرضة للوصول إلى المراتب العليا. ويشير التقرير بذكاء إلى كلا الاحتمالين. 

إن الحصول على تعويضات أعلى (ذكرها 53% من جيل زد و57% من جيل الألفية)، وترتيبات عمل مرنة (42% و44%)، ومسارات أوضح للتقدم (36% و35%) هي أبرز الشروط التي تصبح بموجبها القيادة جذابة. هذه، في جوهرها، مطالب بعقود أفضل تشارك فيها المؤسسات مع مديريها المزيد من مكافآتها وتقلل من تكاليفها. وهذا على عكس زعم التقرير فهو ليس رفضاً أيديولوجياً للسلطة، بل هو تفاوض على الشروط. العمال لا يرفضون القيادة، بل يرفضون القيادة بشروط رأس المال. 

والجدير بالذكر أن 76% من جيل زد و67% من جيل الألفية يقولون إنهم مهتمون بالقيادة العليا على مدار حياتهم المهنية. الرغبة في القيادة موجودة، لكن ما انهار هو الثقة في الشروط الحالية التي خففت من إمتيازات القيادة. 

التكنولوجيا كأداة تطويع 

يتعلق القسم الأكثر أهمية من الناحية الهيكلية في استطلاع عام 2026 بالذكاء الاصطناعي. يستخدم 74% من جيل زد وجيل الألفية الذكاء الاصطناعي حالياً في عملهم اليومي وهذا ارتفاعاً ملحوظاً بعد أن كانت النسبة 57% و56% على التوالي قبل عام واحد فقط. ويؤطر التقرير هذا باعتباره ميزة إيجابية واضحة. فالذكاء الاصطناعي يحسن الإنتاج، ويوفر الوقت، ويخلق فرصاً جديدة.  

يوافق العمال على ذلك إلى حد كبير. إذ تفيد أغلبية كبيرة بوجود آثار إيجابية على عملهم وحياتهم الشخصية على حد سواء. لكن وراء هذا التفاؤل تكمن دينامية أكثر إثارة للقلق. إذ يعتقد ما يقرب من ثلث المستجيبين أن منظماتهم ليست مستعدة للتغييرات التي سيجلبها الذكاء الاصطناعي. ولا يثق حوالي الثلث بأدوات الذكاء الاصطناعي لإنتاج مخرجات دقيقة أو غير متحيزة (36% من جيل زد و34% من جيل الألفية). وتقول نسبة مماثلة إن صاحب العمل لا يوفر التدريب الكافي. والأهم من ذلك، يخلص بحث مصاحب لديلويت نفسها إلى أن 84% من الشركات لم تقم بإعادة تصميم الوظائف لتلائم قدرات الذكاء الاصطناعي، وأقل من نصفها يجري تعديلات ملموسة على استراتيجيات استقطاب المواهب. 

في حين يستبدل الذكاء الاصطناعي بوظائف المبتدئين، تتسع دائرة الأشخاص المتنافسين على الوظائف المتبقية وتبقى أجور الوظائف على حالها، ما يعني تقلّص القوة التفاوضية للعمال المتبقين

حتى الأن، لم تجسر المؤسسات فجوة الجهوزية للذكاء الاصطناعي. ولكن ما يشير إليه التقرير عن فجوة في الاستعداد التنظيمي، إنما هو نمط متوقع في كيفية استغلال رأس المال للتكنولوجيا. فالأولوية لرأس المال هي السرعة وزيادة الإنتاجية وتقليل تكاليف العمالة والتغاضي عن الاستثمار في العمّال الذين يجب عليهم التكيف مع التحولات التكنولوجية. فالابتكار التكنولوجي في ظل الرأسمالية يميل لا إلى تحرير العمال بل إلى تطويعهم وضبطهم. فالآلات، لا تلغي الحاجة إلى العمل بل تعيد تشكيله، وتكثف وتيرته، وتوسّع دائرة المتنافسين على الوظائف، ما يؤدي إلى تثبيط الأجور.

وتعد بيانات الاستطلاع حول تأثيرات الذكاء الاصطناعي على وظائف المبتدئين (Entry-level) مثيرة للاهتمام. فبينما يعتقد المستجيبون إلى حد كبير أن الذكاء الاصطناعي يساعد العمال المبتدئين على اكتساب الخبرة بشكل أسرع (%26-28%) والتركيز على المهام ذات القيمة الأعلى (25%)، تفيد أقلية كبيرة بأن مؤسساتهم تقوم بتعيين عدد أقل من المبتدئين (20% من جيل زد و17% من جيل الألفية) وتستبدل أدوار المبتدئين ببرامج تدريب داخلي أو تلمذة مهنية (19% و17%). هذا ليس أمراً عارضاً، بل هي آلية احتياطي جيش العمل في أوج نشاطها. في حين يستبدل الذكاء الاصطناعي بوظائف المبتدئين، تتسع دائرة الأشخاص المتنافسين على الوظائف المتبقية وتبقى أجور الوظائف على حالها، مما يعني تقلّص القوة التفاوضية للعمال المتبقين. 

في حين يقدم التقرير نصائح منطقية لإعادة تصميم العمل وتدريب المديرين، إلا أنه يتجاهل الواقع الاقتصادي الأكثر عمقاً. وبما أن التقرير لا يمكنه التشكيك في الجهة التي تمتلك تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، فإنه يعجز تلقائياً عن اقتراح فكرة أن العمال، وليس أرباح الشركات، هم من يجب أن يستفيدوا من الثروة التي يولدها الذكاء الاصطناعي إما عبر ساعات عمل أقلّ أو/ و أجور أعلى. لقد تجنب الاستطلاع تماماً طرح أسئلة حول من يملك هذه الأدوات ومن يجني أرباح كفاءتها. وهذا الإغفال ليس مصادفة. 

عدسة بديلة

إن استطلاعات «ديلويت» لجيلي زد والألفية وثائق قيمة خاصة لكونها لا تحاول أن تكون نقدية. صحيح. إن جديتها البالغة ورغبتها في تزويد أصحاب العمل ببيانات مفيدة يعني أنها توثق الظروف المعيشية للعمال الشباب تحت رزح الرأسمالية المعاصرة كحال العيش على فتات الأجور، وتأجيل تكوين العائلات وشراء المنازل، والإنهاك المضاعف عند القيادة، وانعدام اليقين بشأن الذكاء الاصطناعي، وتفريغ الأعمال من معانٍ أخلاقية وإجتماعية.

ما لا يستطيع الاستطلاع فعله هو ربط هذه الظروف بالنظام الذي ينتجها. يمكنه أن يوصي أصحاب العمل بتقديم دعم الإسكان، لكنه لا يمكنه التوصية بإعادة توزيع الثروة. يمكنه الإشارة إلى أن الوظائف الجانبية مدفوعة بالحاجة للمال، لكنه لا يمكنه تسمية العمل غير المستقر كسمة هيكلية. يمكنه لوم الذكاء الاصطناعي بإقصاء العمال، لكنه لا يمكنه التساؤل عمن يملك هذا الذكاء الاصطناعي.

إن قراءة التقرير من خلال منظور مختلف لا يعني رفض بياناته، بل الايعاز بطرح الأسئلة التي تثيرها البيانات والتي يرفض التقرير الاجابة عنها. لماذا؟ بعد عقود من النمو الاقتصادي، يعيش ما يقرب من نصف العمال الشباب في 44 دولة على الكفاف؟ لماذا أصبح العمل الهادف طموح الجميع تقريباً وحلم يحظى به القليل؟ لماذا يرفض العمال عن سابق تصور وتصميم أدواراً قيادية صُممت لاستخراج أقصى الإنتاج مقابل الهلاك النفسي؟ ولماذا يعد التحول التكنولوجي الأكثر دراماتيكية في جيل كامل بمكاسب إنتاجية، بحسب بيانات التقرير نفسه، أن المؤسسات تمتصها بدلاً من مشاركتها مع العمال؟ 

إن أجيال الـ «ربما لاحقاً» لا تؤجل حياتها لأنها تفتقر إلى الطموح أو الانضباط، بل لأن الشروط الهيكلية لرأسمالية القرن الحادي والعشرين كالإسكان المالي، والأجور المثبتة، والتوظيف غير المستقر، وإزاحة العمالة المتسارعة بفعل الذكاء الاصطناعي تجعل معالم الحياة الكريمة غير ميسورة بشكل متزايد.  

وهذه ليست مشكلة إدارة مواهب، بل هي مشكلة سياسية.

    داني يونس

    باحث في العلوم الاجتماعية، يركز على علاقات العمل والحركات الاجتماعية وقضايا التعليم.