tunisia wall protest

الحركة الطالبية التونسية في زمن الفردانية
أفول التنظيم أم تحوّل السياسة؟

مع توسّع التعليم العالي وتآكل وعود التشغيل والصعود الاجتماعي، تغيّرت علاقة الطلبة بالسياسة وبالانتماء التنظيمي، فيما عجزت الأطر التقليدية عن تجاوز انقساماتها واستيعاب التحوّلات الاجتماعية الجديدة. فهل تعيش الجامعة التونسية أفول العمل السياسي، أم أزمة التنظيمات التي احتكرت تمثيله تاريخياً؟

شكّلت الجامعة التونسية، على امتداد عقود، أحد أبرز الفضاءات التي تبلورت فيها المعارضة السياسية، وتكوّنت داخلها أجيال من المناضلين والنخب الفكرية والحزبية. فمنذ تأسيس الاتحاد العام لطلبة تونس سنة 1953، مروراً بصعود اليسار الطالبي واحتجاجات الستينيات والسبعينيات، وصولاً إلى المواجهات مع نظام بن علي، أدّت الحركة الطالبية دوراً تجاوز الدفاع عن المطالب الجامعية إلى تنظيم الصراع مع السلطة وتحويل التجارب الفردية إلى قضايا سياسية جماعية.

بدأت هذه الوظيفة التاريخية تتغيّر مع التحوّلات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها تونس منذ الثمانينيات. فقد ترافق توسّع التعليم العالي مع تراجع قدرة الشهادة الجامعية على ضمان العمل والصعود الاجتماعي، ودفعت البطالة واشتداد المنافسة قطاعات من الطلبة إلى تكريس مزيد من الوقت والموارد لتدبير مستقبلها الفردي. وفي موازاة ذلك، واجهت التنظيمات الطالبية، ولا سيما اليسارية منها، صعوبة في تجديد خطابها وأشكال عملها وتجاوز الانقسامات الحزبية والصراعات الموروثة. 

مع ذلك، تواصل الجامعات التونسية احتضان أشكال من الاحتجاج والتضامن تتجاوز أحياناً الأطر التنظيمية التقليدية، كما أظهرت التعبئات الطالبية المرتبطة بالقضية الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة. ويطرح هذا التباين بين أزمة التنظيمات واستمرار التعبئة أسئلة عن التحولات التي أصابت علاقة الطلبة بالسياسة، وشروط الانتماء والعمل الجماعي. فهل يعكس تراجع اليسار الطالبي انحساراً للعمل السياسي داخل الجامعة، أم يكشف عن عجز التنظيمات التقليدية عن استيعاب التجارب الاجتماعية الجديدة للطلبة؟ وكيف أعادت السياسات الاقتصادية وتراجع الوعود المرتبطة بالتعليم العالي تشكيل شروط المشاركة السياسية وأشكالها؟

الجامعة بوصفها مصنعاً للسياسة

شكّلت الجامعة التونسية، منذ نشأتها في سياق بناء الدولة الوطنية، أحد الفضاءات التي تكثّفت فيها التناقضات الاجتماعية والسياسية لمشروع التحديث البورقيبي. فقد سعت الدولة، منذ الاستقلال، إلى توظيف التعليم في إعادة تشكيل المجتمع وإعداد الكفاءات العلمية والإدارية القادرة على إدارة مؤسساتها. غير أن هذا المشروع انطوى على تناقض لم تستطع الدولة التحكّم في نتائجه، إذ تحوّلت المؤسسة التي أُنشئت لتكوين إطاراتها تدريجياً إلى فضاء لإنتاج معارضيها.

ارتبط هذا التحوّل بانتشار الأفكار اليسارية وتأثير الحركات الطالبية العالمية، وبطبيعة العلاقة التي أقامتها الدولة الوطنية مع المجتمع. ففي حين احتكرت السلطة تعريف الشرعية السياسية، أتاح التعليم الجامعي لأجيال جديدة اكتساب موارد ثقافية ورمزية مكّنتها من مساءلة هذه الشرعية. وهكذا ساهمت الجامعة في إنتاج شروط الاعتراض على النظام الذي تولّى تنظيمها وتمويلها وتحديد وظائفها الاجتماعية.

ولفهم هذا التناقض، ينبغي النظر إلى الجامعة بوصفها حقلاً اجتماعياً تتقاطع فيه علاقات السلطة والتفاوت الطبقي والصراع على احتكار المعرفة المشروعة. فقد انتمى الطلبة الذين التحقوا بالتعليم العالي خلال العقود الأولى للاستقلال إلى فئات اجتماعية رأت في الشهادة الجامعية فرصة للصعود الاجتماعي والمشاركة في إدارة الشأن العام. وأتاحت لهم الجامعة، إلى جانب المعارف الأكاديمية، تجربة اجتماعية جديدة، احتكّوا خلالها بأفراد من أوساط مختلفة، وانخرطوا في النقاشات الفكرية، واكتشفوا التناقض بين الخطاب الرسمي حول التحرّر الوطني والممارسات الفعلية للسلطة.

من هذه التجربة نشأت السياسة داخل الجامعة بوصفها إحدى النتائج غير المقصودة لعملية التحديث نفسها. فكلما توسّعت الدولة في تعليم أجيال جديدة، اتسعت إمكانات إنتاج خطاب نقدي يسائل احتكارها تعريف المصلحة الوطنية.

جسّدت تجربة اليسار الطالبي، ولا سيما حركة «آفاق» خلال الستينيات، إحدى أبرز لحظات هذا التحوّل. فقد عبّرت احتجاجات آذار/مارس 1968، ثم الصراعات المرتبطة باستقلالية الاتحاد العام لطلبة تونس وصولاً إلى أحداث شباط/فبراير 1972، عن مطالب متصلة بالمنح وظروف الدراسة وحرية النشاط النقابي، وعن صراع أعمق حول موقع الطلبة في المشروع الوطني وحدود المشاركة السياسية.  وتحوّلت المسألة الطالبية إلى مدخل للاعتراض على التصوّر البورقيبي للتحديث، الذي ربط بناء الدولة بتركيز السلطة السياسية وتأطير المجتمع من الأعلى. وفي المقابل، سعت قطاعات من الحركة الطالبية إلى إعادة تعريف الاستقلال بوصفه عملية تحرّر اجتماعي وسياسي تستمرّ بعد انتهاء الاستعمار. وارتبطت هذه التعبئة بشبكات فكرية ونضالية عابرة للحدود، جعلت الجامعة التونسية جزءاً من فضاء أوسع للاحتجاج خلال ستينيات القرن العشرين.

واكتسبت الحركة الطالبية أهميتها السوسيولوجية من مضمون خطابها السياسي، وكذلك من قدرتها على تكوين الفاعلين الحاملين لهذا الخطاب. فقد شكّل التنظيم الطالبي مؤسسة للتنشئة السياسية، تعلّم فيها الطلبة لغة الصراع وتقنيات التعبئة وآليات التفاوض والانضباط الجماعي وبناء التحالفات. ومن خلال الاجتماعات العامة والحلقات الفكرية والمنشورات الحائطية والإضرابات، اكتسبوا خبرة سياسية عملية ساعدتهم على الانتقال من حمل مطالب متفرّقة إلى تبنّي تصوّر للعالم والانخراط في هوية جماعية. وبذلك راكم الطلبة رأسمالاً سياسياً يتجاوز ما تمنحهم إياه الشهادة الأكاديمية. غير أن فرص اكتساب هذا الرأسمال النضالي تفاوتت بحسب الأصل الاجتماعي والجندر والموارد الثقافية وشبكات العلاقات. كما أعادت التنظيمات التي قاومت احتكار الدولة للتمثيل إنتاج أشكال من احتكار الكلام والشرعية داخل صفوفها أحياناً. وهكذا أتاحت الجامعة تعلّم الديمقراطية والصراع عليها، فيما ظلّت بعض ممارساتها بعيدة عن المبادئ الديمقراطية التي رفعتها التنظيمات الطالبية نفسها.

بدأت هذه العلاقة التاريخية بين الجامعة والعمل السياسي تتغيّر مع التحوّلات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها تونس منذ الثمانينيات، ولا سيما إعادة هيكلة الاقتصاد وتنامي حضور منطق السوق في السياسات العمومية. فقد طاول التحوّل النيوليبرالي أساليب تمويل التعليم العالي وتنظيم الاختصاصات، وامتدّ إلى التصوّر الاجتماعي لوظيفة الجامعة نفسها. وتدريجياً، أخذت السياسات العمومية تقيس أداء الجامعة بقدرتها على توفير كفاءات قابلة للتشغيل والاستجابة لحاجات المؤسسات الاقتصادية، وتراجعت في المقابل أهمية أدوارها المرتبطة بإنتاج المعرفة وتكوين المواطن والمشاركة في بناء المجال العام.

تعمّق هذا التوجّه مع توسّع التعليم العالي، واعتماد نظام الإجازة والماجستير والدكتوراه، وتنامي سياسات الجودة والتقييم والحوكمة والتشغيلية. وعلى الرغم من اختلاف طبيعة هذه الإصلاحات، ومحدودية إمكان تصنيفها جميعاً ضمن السياسات النيوليبرالية، فقد ساهمت في إطار توجّه أوسع في ترسيخ معايير المردودية والنجاعة والملاءمة مع سوق الشغل داخل الجامعة. واتخذ هذا التحوّل في تونس طابعاً متناقضاً. فقد أتاح التوسّع الجامعي لفئات اجتماعية أوسع الوصول إلى التعليم العالي، وفتح أمامها إمكانات نسبية للحراك الاجتماعي. لكنه تزامن مع محدودية قدرة الاقتصاد على استيعاب الخرّيجين، فتراجعت القيمة الاجتماعية للشهادة بوصفها ضمانة للاندماج المهني. وتكشف معطيات البنك الدولي ارتفاع بطالة حاملي الشهادات العليا من 3.8% عام 1994 إلى 10.4% عام 2004، قبل أن تتجاوز 30% في نهاية عام 2012.

نشأت السياسة داخل الجامعة بوصفها إحدى النتائج غير المقصودة لعملية التحديث نفسها. فكلما توسّعت الدولة في تعليم أجيال جديدة، اتسعت إمكانات إنتاج خطاب نقدي يسائل احتكارها تعريف المصلحة الوطنية

ومع تراجع فرص الصعود الاجتماعي، باتت قطاعات واسعة من الطلبة تواجه الانتظار والإحباط وعدم اليقين. وتغيّرت تبعاً لذلك تجربتهم الجامعية؛ فبعدما كانت الشهادة تمنح الطالب موقعاً اجتماعياً يؤهّله للمشاركة في تحديد مستقبل المجتمع، أصبح مطالباً بإثبات قابليته الفردية للتشغيل داخل سوق لا يتحكّم في شروطه.

ساهمت الإصلاحات الاقتصادية في تغيير الشروط الاجتماعية للممارسة السياسية داخل الجامعة. فمع ارتباط النجاح الأكاديمي بتراكم المهارات والشهادات والتربّصات وإتقان اللغات والاستعداد للهجرة، تغيّرت علاقة الطالب بالزمن والجماعة والمستقبل. وفرضت المنافسة عليه الاستثمار المتواصل في ذاته، فيما أصبح بعض الطلبة يقيسون المشاركة التنظيمية بكلفتها الزمنية ومردوديتها الشخصية.

وفي ظلّ هذه التحوّلات، باتت التناقضات البنيوية المرتبطة بالبطالة والتفاوت الاجتماعي تظهر في صورة اختبارات فردية يُطلب من كل طالب تدبيرها بموارده الخاصة. ومع ذلك، قد تتحوّل التجارب المشتركة للهشاشة إلى مطالب جماعية جديدة، حتى عندما تعجز الأطر التنظيمية التقليدية عن التعبير عنها. فالفردنة لا تؤدّي بالضرورة إلى اللامبالاة السياسية، وإنما تغيّر الشروط التي تتشكّل فيها المطالب الجماعية.

وتبرز المفارقة في استمرار الجامعة في إنتاج الشروط الاجتماعية للاحتجاج على النموذج الذي يطالبها بإعداد الأفراد للتشغيل. فالطالب الذي يُدعى إلى تحمّل مسؤولية مستقبله المهني يكتشف أن هذا المستقبل يتحدّد أيضاً بسياسات التشغيل والاستثمار والتوزيع الجغرافي للفرص والتفاوتات الموروثة. ومن هنا، تتغيّر موضوعات السياسة ومواقعها ولغتها، فيما يستمرّ التوتّر بين الوظيفة الاقتصادية للجامعة وأدوارها الاجتماعية الأوسع. ويظهر هذا التوتّر أيضاً في البرامج الحديثة لتحسين التشغيلية، بما فيها المشاريع القائمة على التمويل التنافسي وربط التكوين بالمؤسسات الاقتصادية.

وبذلك انتقلت الجامعة من فضاء استطاعت فيه التنظيمات، نسبياً، تحويل التجربة الطالبية إلى هوية جماعية مستقرة، إلى فضاء تتعدّد فيه التجارب الفردية وتتعقّد شروط تحويلها إلى فعل جماعي. فما زالت التناقضات الاجتماعية تولّد إمكانات للاحتجاج، لكن أشكال التعبير عنها تغيّرت، وباتت التنظيمات الطالبية الموروثة تفتقر أحياناً إلى اللغة والوسائل القادرة على تمثيلها. ومن هنا تطرح أزمة الحركة الطالبية سؤالاً أوسع عن تحوّلات الجامعة والمجتمع، يتجاوز تراجع التنظيمات وأفول اليسار. 

التحوّلات الاجتماعية وأزمة اليسار الطالبي

ترتبط أزمة اليسار الطالبي في تونس بتراجع جاذبية الأيديولوجيا الماركسية وتحوّل القيم السياسية لدى الأجيال الجديدة، لكنها تكشف أيضاً عن اختلالات نشأت داخل التنظيمات اليسارية نفسها، وفي طبيعة علاقاتها بالأحزاب السياسية، وعجزها عن تحويل رأسمالها النضالي المتراكم إلى قدرة متجدّدة على تمثيل عالم طلابي تغيّرت تركيبته الاجتماعية وتطلّعاته. فقد حافظت الأطر التي احتكرت تاريخياً تعريف السياسة داخل الجامعة، في حالات عديدة، على تصوّرات تنظيمية تشكّلت في ظروف لم تعد قائمة، فيما استمرّ الطلبة في التعبير عن اهتماماتهم ومطالبهم السياسية بأشكال مختلفة. وهكذا وجد اليسار، الذي ساهم في تحويل الجامعة إلى فضاء لإنتاج المعارضة، صعوبة متزايدة في صياغة مشروع سياسي يستند إلى تجربته التاريخية ويستجيب لتحوّلات الحاضر.

نشأ اليسار الطالبي التونسي ضمن علاقة معقّدة جمعت بين الاستقلال النقابي والارتباط السياسي. فقد شكّل الاتحاد العام لطلبة تونس مجالاً للتعبئة حول القضايا الجامعية والاجتماعية، وأصبح في الوقت نفسه فضاءً تتنافس فيه تيارات سياسية تسعى إلى اكتساب الشرعية وتكوين الكوادر وتوسيع نفوذها. ويعكس هذا التداخل وظيفة الوساطة التي تؤدّيها التنظيمات الطالبية عادة بين الجامعة والحقل السياسي. غير أن هذه الوساطة قد تتحوّل إلى تبعية عندما تصبح التنظيمات الطالبية مطالبة بإعادة إنتاج التوازنات والانقسامات الحزبية، وتتراجع قدرتها على تحديد أولوياتها انطلاقاً من التجربة الاجتماعية للطلبة. وعندئذ تفقد الجامعة جزءاً من استقلاليتها النسبية في إنتاج السياسة، وتصبح ساحة لصراعات لا يمتلك الطلبة دائماً القدرة على تحديد موضوعاتها أو التحكّم في نتائجها.

تجلّى هذا التناقض في تاريخ اليسار الطالبي من خلال التعدّد التنظيمي والصراعات حول الشرعية والتمثيل والقيادة. فقد تجاوز التنافس بين التيارات الماركسية والقومية وغيرها من المكوّنات حدود الاختلاف الفكري حول المجتمع والدولة، واتخذ أحياناً شكل صراع للسيطرة على الهياكل النقابية ومواقع القرار واحتكار التحدّث باسم الطلبة. وانتقلت الانقسامات الحزبية إلى الجامعة محمّلة بذاكرتها وخلافاتها وتحالفاتها، وأعادت إخضاع القضايا النقابية لمنطق الاصطفاف السياسي. وهكذا تحوّل الخلاف حول إدارة مؤسسة جامعية أو صياغة مطلب طلابي، في بعض الحالات، إلى مناسبة لاختبار موازين القوى بين التنظيمات.

في ظلّ هذه المنافسة، اكتسبت الأيديولوجيا وظيفة تنظيمية تجاوزت دورها في فهم الواقع الاجتماعي وتغييره، إذ أصبحت أحياناً مورداً لإثبات الشرعية وتعزيز المواقع داخل الحركة الطالبية. وساهم ذلك في إنتاج نوع من الانغلاق التنظيمي، حين باتت شرعية المناضل تُقاس بمدى وفائه للتيار الذي ينتمي إليه أكثر من قدرته على تمثيل المصالح الطالبية. وأصبحت الجامعة، في بعض التجارب، مجالاً لإعادة إنتاج القيادات الحزبية وتلقين الأجيال الجديدة حدود الاختلاف المقبول داخل التنظيم، بعدما كانت تتيح تكوين فاعلين سياسيين مستقلّين نسبياً.

امتدّ هذا الصراع إلى الذاكرة النضالية التي تحوّلت إلى رأسمال رمزي تتنافس الأطراف على امتلاكه. فقد استُحضرت المحطّات الكبرى للحركة الطالبية لإثبات الأسبقية والمشروعية، فيما تراجعت فرص مراجعة التجربة ونقد حدودها. ومع تحوّل التاريخ إلى مصدر للشرعية التنظيمية، اكتسب الحفاظ على الهوية الموروثة أولوية على تجديد الممارسة السياسية. وساهمت الحركة الطالبية نفسها في تكريس هذه الاختلالات، بعدما عجزت في محطّات مختلفة عن بناء استقلالية مؤسسية تتيح لها إدارة خلافاتها بعيداً عن موازين القوى الحزبية. فالاستقلال النقابي يحتاج إلى قواعد ديمقراطية مستقرة، وآليات لتداول القيادة، وضمانات تحمي القرار النقابي من تدخّلات التنظيمات السياسية المتنافسة. وقد كشفت الصراعات المتكرّرة حول المؤتمرات والهياكل والتمثيل صعوبة تحويل التعدّدية الأيديولوجية إلى تعدّدية تنظيمية قابلة للإدارة. وفي ظلّ غياب المؤسسات القادرة على تنظيم الاختلاف، تحوّلت بعض مصادر القوة التاريخية للحركة الطالبية، مثل كثافة الانتماء السياسي والالتزام الحزبي، إلى عوامل أعاقت قدرتها على بناء إرادة جماعية مشتركة.

اكتسبت هذه الأزمة بُعداً جديداً بعد سقوط نظام بن علي عام 2011. فخلال الحكم السلطوي، وفّرت مواجهة القمع أرضية مشتركة للتيارات اليسارية المختلفة، رغم الصراعات القائمة بينها. أما بعد الثورة، فقد واجهت هذه التنظيمات تحدّي الانتقال من شرعية المقاومة إلى شرعية الاقتراح والتمثيل. ووجدت التيارات التي تشكّلت ثقافتها السياسية في مواجهة السلطة نفسها مطالبة بتطوير تصوّرات جديدة حول الجامعة والشغل والعدالة الاجتماعية.

وزاد انخراط بعض الفاعلين الطالبيين السابقين في المنافسات الحزبية الوطنية من التداخل بين الحسابات السياسية خارج الجامعة والصراعات النقابية داخلها. وكشف اتساع مجال العمل السياسي بعد الثورة حدود قدرة الحركة الطالبية على تجديد ممارساتها وتجاوز الثنائية القديمة بين السلطة والمعارضة.

وظهر أحد أبرز مظاهر هذا العجز في ضعف القدرة على تجديد اللغة السياسية. فقد واصلت قطاعات من اليسار الطالبي استخدام مفردات الصراع الطبقي والإمبريالية والرجعية والتقدّمية، وهي مفاهيم تحتفظ بقيمتها التحليلية حين تُستخدم لفهم علاقات اجتماعية محدّدة، لكنها تفقد قدرتها التفسيرية عندما تتحوّل إلى تصنيفات جاهزة للفاعلين والأحداث. ومع اتساع المسافة بين الخطاب والتجارب اليومية للطلبة، تراجعت قدرة هذه المفاهيم على التعبئة والتمثيل، بصرف النظر عن راديكاليتها.

المطالب المتعلّقة بتحسين ظروف الدراسة ومواجهة البطالة والحدّ من التفاوت بين المؤسسات والجهات تحتاج إلى عمل سياسي يربط المصالح المباشرة بالبنى الاجتماعية التي تنتجها، حتى تندرج ضمن مشروع يساري متماسك

فالمطالب المتعلّقة بتحسين ظروف الدراسة ومواجهة البطالة والحدّ من التفاوت بين المؤسسات والجهات تحتاج إلى عمل سياسي يربط المصالح المباشرة بالبنى الاجتماعية التي تنتجها، حتى تندرج ضمن مشروع يساري متماسك. ويتطلّب بناء هذا الربط جهداً تنظيمياً ومعرفياً مستمراً يتجاوز إطلاق الشعارات واستحضار الذاكرة النضالية.

وفي هذا السياق، غلب الطابع التفاعلي تدريجياً على جانب من نشاط الحركة الطالبية، مع تركّز الفعل النقابي على الاستجابة للقرارات الإدارية والأزمات الظرفية، وتراجع القدرة على صياغة أجندة مستقلة ومستدامة. فالاحتجاج يحتفظ بأهميته بوصفه شكلاً من أشكال الممارسة السياسية، لكن فعاليته تصبح محدودة عندما تتحوّل الإضرابات والاعتصامات والبيانات إلى غايات تنظيمية قائمة بذاتها، وتنفصل عن استراتيجية أوسع للتفاوض والتأثير وإحداث التغيير المؤسسي. ومع تراجع دور التنظيم في التأطير والتكوين وإنتاج المعرفة بالواقع الجامعي، أصبحت قدرته على التعبئة تتأثّر بحدّة الأزمات الآنية أكثر من استنادها إلى مشروع جماعي متماسك.

ويختلف حضور هذه الاختلالات بين التنظيمات والفترات، فيما تواصل الحركة الطالبية أداء بعض وظائفها السياسية. غير أن استمرار الاحتجاجات يترافق مع صعوبة تحويلها إلى تراكم تنظيمي ومعرفي ومؤسسي. وتكشف هذه الفجوة عن أزمة في الوساطة السياسية بين التجربة الاجتماعية للطلبة وإمكان تمثيل مصالحهم جماعياً، تتجاوز تراجع القاعدة الطالبية للتنظيمات اليسارية.

وتتجلّى إحدى أبرز مفارقات هذه الأزمة في دور الأحزاب السياسية نفسها. فقد اعتبرت هذه الأحزاب الجامعة تاريخياً مجالاً لتجديد كوادرها، لكنها ساهمت، عبر نقل انقساماتها إليها، في إضعاف قدرتها على تكوين فاعلين مستقلّين عنها. وهكذا أصبحت إحدى الآليات التاريخية لإنتاج السياسة داخل الجامعة عاملاً في أزمة الحركة الطالبية، بما يعقّد قدرتها على تجديد نفسها وتجاوز حدود تجربتها الموروثة.

ما بعد التنظيم

شهدت الحركة الطالبية التونسية خلال العقود الأخيرة تحوّلاً عميقاً في العلاقة بين الفرد والجماعة داخل العمل السياسي، تجاوز مسألة تراجع قدرتها على الاحتجاج. فقد قامت التنظيمات الطالبية التقليدية على انتماء مستقر، وقبول بسلطة التنظيم، واستعداد لإخضاع الاختيارات الفردية لمقتضيات القضية المشتركة. أما اليوم، فيستطيع الطالب المشاركة في احتجاج، أو مساندة قضية سياسية، أو الانخراط في حملة تضامنية، من دون أن يقترن ذلك بعضوية تنظيمية دائمة. ويعكس هذا التحوّل تغيّر الشروط الاجتماعية التي تتشكّل في ظلّها علاقة الأفراد بالسياسة، بدل أن يشير بالضرورة إلى تنامي الأنانية أو انحسار الوعي السياسي. فقد أصبح الانتماء إلى الجماعة علاقة قابلة للتفاوض والمراجعة وإعادة التعريف، بعدما كان يُنظر إليه بوصفه التزاماً مستقراً وطويل الأمد.

تأسّست الثقافة النضالية التقليدية على تصوّر للفاعل السياسي يكتسب هويته من الجماعة التي ينتمي إليها، ويتعلّم داخلها التفكير والتعبير والتصرّف وفق قواعد مشتركة. وامتدّت هذه التنشئة إلى تنظيم الزمن والعلاقات اليومية والسلوك الشخصي. فقد ساهمت الاجتماعات المطوّلة والحضور المستمر والالتزام بالقرارات واحترام التسلسل التنظيمي والقبول بالتضحيات الشخصية في تكوين مناضلين قادرين على الاستمرار في العمل الجماعي. وفي الوقت نفسه، أنتجت هذه الممارسات علاقات سلطة أتاحت للتنظيم التدخّل في تعريف السلوك السياسي المشروع، حتى أصبح الاختلاف مع القيادة قابلاً للتفسير بوصفه ضعفاً في الالتزام، والابتعاد عن النشاط التنظيمي علامة محتملة على التخلّي عن القضية. وهكذا جمعت التنظيمات بين إنتاج التضامن وممارسة الضبط على أعضائها وتحديد حدود استقلاليتهم.

تراجعت اليوم مشروعية هذه السلطة الأخلاقية والتنظيمية بصيغتها التقليدية. فقد يشارك الطالب في تحرّك احتجاجي ويرفض في الوقت نفسه الانضباط لتوجيهات لم يساهم في صياغتها، أو يتضامن مع قضية تتبنّاها مجموعة سياسية من دون أن ينضمّ إليها. ويكشف هذا السلوك عن تحوّل في معنى الالتزام، إذ باتت المشاركة ترتبط بطبيعة الفعل السياسي ومعناه ونتائجه أكثر من ارتباطها بالولاء الدائم للجماعة. ومع أن العلاقات السلطوية لا تزال حاضرة، فإن بعض أشكالها الموروثة فقدت جزءاً من مشروعيتها. وقد تقبل الأجيال الجديدة التنسيق والقيادة المؤقتة، لكنها تتحفّظ على تحويل القيادة إلى امتياز دائم، أو اشتراط الطاعة للاعتراف بالصفة النضالية. وبذلك امتدّ الصراع على السلطة من مواجهة المؤسسات السياسية خارج الجامعة إلى مساءلة علاقات السلطة داخل التنظيمات الطالبية نفسها.

يرتبط هذا التحوّل بصعود الفردانية بوصفها ظاهرة اجتماعية نتجت عن تغيّر المؤسسات وأنماط العيش. فقد أصبح الفرد مطالباً ببناء مساره الشخصي وتحمّل مسؤولية اختياراته، في وقت تتزايد فيه القيود البنيوية التي تحدّد إمكاناته الفعلية. وتنعكس هذه المفارقة على التجربة الطالبية التونسية، حيث يواجه الطالب مسؤولية تدبير مستقبله المهني وعلاقاته الاجتماعية وتطلّعاته الفردية في ظلّ أفق يتّسم بعدم اليقين. وفي هذه الظروف، يتداخل الاقتناع السياسي مع حسابات الوقت والمخاطر والموارد عند اتخاذ قرار المشاركة. وقد يعكس تراجع العضوية التنظيمية المستمرة تغيّراً في شروط الالتزام وتكاليفه، مع استمرار الاستعداد للمشاركة الجماعية. فالطالب الذي يعجز عن تخصيص جزء كبير من حياته للنشاط النقابي قد ينخرط في تحرّك محدّد حين يجد فيه تعبيراً عن قضية يعتبرها عادلة.

أتاح هذا التحوّل ظهور أشكال من التعبئة تجمع مسارات فردية مختلفة حول قضايا مشتركة، من دون اشتراط الانصهار في هوية أيديولوجية موحّدة. فقد يلتقي طلبة تختلف مرجعياتهم السياسية والاجتماعية حول مطلب أو موقف محدّد، رغم تباين تصوّراتهم للمجتمع وانتماءاتهم الحزبية. وساهمت الشبكات الرقمية في تسريع هذه التعبئة عبر تداول المعلومات والصور والنداءات، وخفض كلفة الاتصال والتنسيق. وتؤدّي التكنولوجيا هنا دوراً في تسهيل ممارسات سياسية نشأت ضمن تحوّلات اجتماعية أوسع طاولت العلاقة بين الأفراد والمؤسسات. فقد أتاحت الشبكات إنجاز بعض وظائف التنظيم، وخاصة الاتصال والحشد ونشر الخطاب، خارج هياكله التقليدية، مع استمرار الحاجة إلى أشكال من التنسيق والعمل الجماعي.

غير أن هذه الأشكال الجديدة من المشاركة تنطوي على مفارقات عدّة. تظهر الأولى في اتساع إمكانات التعبئة مقابل صعوبة ضمان استمراريتها. فالحركات التي لا تشترط انتماءً تنظيمياً تستطيع استقطاب أفراد يتحفّظون على الالتزام الطويل، لكنها قد تواجه صعوبة في الحفاظ على تماسكها بعد انتهاء الحدث الذي جمع المشاركين.

وتتعلّق المفارقة الثانية بعلاقات السلطة والقيادة. فقد يترافق رفض التراتبية التنظيمية مع نشوء قيادات غير معلنة، يكتسب أصحابها نفوذاً بفضل شبكات علاقاتهم الواسعة، أو قدرتهم على التحكّم في تداول المعلومات، أو حضورهم المكثّف على المنصات الرقمية. وهكذا قد تنتقل السلطة من الهياكل الرسمية إلى مواقع أقلّ وضوحاً وأضعف خضوعاً للمساءلة.

أما المفارقة الثالثة، فتظهر في التوتّر بين استقلالية الأفراد والقدرة على اتخاذ قرارات مشتركة. فكلما توسّعت مساحة الاختيار الفردي داخل الجماعة، ازدادت الحاجة إلى التوفيق بين حساسيات المشاركين وتوقّعاتهم المختلفة لصياغة موقف موحّد. وقد يجعل ذلك بناء القرار الجماعي أكثر تعقيداً، حتى عندما يتّفق المشاركون على القضية الأساسية.

تتيح التعبئات الطالبية المرتبطة بالقضية الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة مساءلة هذه التحوّلات داخل الجامعة التونسية. فقد أظهرت إمكان تشكّل تضامن سياسي يتجاوز الانقسامات التنظيمية الموروثة، مع استمرار أدوار النقابات والأحزاب في التأطير والتنسيق. وتكشف هذه التجارب عن ظهور أشكال هجينة من العمل الجماعي، تتداخل فيها المبادرات الفردية والتنسيقيات المؤقتة والهياكل النقابية القائمة. فقد يجتمع المشاركون حول قضية واحدة، بينما يختلفون حول أساليب التعبئة وحدود التمثيل وموقع التنظيمات السياسية منها. وتعكس هذه الاختلافات، في بعض الحالات، انتقال الصراع إلى مستوى جديد يتعلّق بحق الأفراد في تحديد شروط مشاركتهم داخل الجماعة، بما يتجاوز اعتبار التباين في المواقف دليلاً على ضعف التعبئة.

تواجه الحركة الطالبية تحدّي ابتكار صيغ جديدة للالتزام تجمع بين الاستقلالية والاستمرارية، وبين التعدّدية والقدرة على اتخاذ القرار. ويتطلّب ذلك تجاوز نموذج المناضل الذي يخضع اختياراته لسلطة التنظيم، وكذلك حدود المشاركة الظرفية التي تبدأ مع الاحتجاج وتنتهي بانتهائه

يطرح تراجع النزعات الانضباطية سؤالاً يتجاوز أزمة التنظيمات الطالبية: كيف يمكن بناء فعل جماعي يحفظ استقلالية الأفراد ويمنع في الوقت نفسه تشتّت المبادرات وتفكّكها؟ فالديمقراطية الداخلية تحتاج إلى تنظيم قادر على إدارة الاختلاف واتخاذ القرار، فيما تتطلّب الاستقلالية الفردية إطاراً مشتركاً يحوّل المشاركة إلى قدرة جماعية على التأثير.

من هنا، تواجه الحركة الطالبية تحدّي ابتكار صيغ جديدة للالتزام تجمع بين الاستقلالية والاستمرارية، وبين التعدّدية والقدرة على اتخاذ القرار. ويتطلّب ذلك تجاوز نموذج المناضل الذي يخضع اختياراته لسلطة التنظيم، وكذلك حدود المشاركة الظرفية التي تبدأ مع الاحتجاج وتنتهي بانتهائه. فقد أصبحت الجماعة مطالبة بإثبات قدرتها على جمع استقلاليات متعدّدة وتحويلها إلى قوة سياسية مشتركة، بعدما استند الاعتراف بالانتماء تاريخياً إلى استعداد الفرد للتضحية بجزء من استقلاليته.

وفي هذا السياق، تكشف الفردانية عن أزمة الشكل التنظيمي الذي انتظم داخله الفعل السياسي الطالبية تاريخياً، وتفتح إمكان التفكير في جماعة تستمدّ وحدتها من قدرتها المستمرة على إنتاج المشترك، وتحافظ في الوقت نفسه على استقلالية أعضائها وتعدّد تجاربهم.

من ينظّم المشترك؟

تكشف تحولات الحركة الطالبية التونسية عن أزمة تتجاوز تراجع التنظيمات النقابية والسياسية، وتمسّ قدرة الجامعة على تحويل التجارب الاجتماعية المتفرقة إلى مصالح ومطالب جماعية. فقد وسّع التعليم العالي قاعدة الملتحقين به، لكنه فقد تدريجياً جزءاً من قدرته على ضمان الصعود الاجتماعي. وأصبح الطلبة يواجهون البطالة والهشاشة وتفاوت الفرص بوصفها تحديات فردية، رغم ارتباطها بسياسات اقتصادية واجتماعية تحدّد إمكاناتهم ومستقبلهم. وتولّد هذه الشروط أسباباً مشتركة للاحتجاج، لكنها تحتاج إلى مؤسسات ووسائط سياسية قادرة على تحويلها إلى تضامن مستمر.

وتواجه التنظيمات الطالبية تحدياً مضاعفاً في هذا السياق. فهي مطالبة بتجديد قدرتها على تمثيل المصالح المتغيّرة للطلبة، وتجاوز الانقسامات الحزبية وأنماط القيادة التي قيّدت استقلاليتها، فيما تواجه المبادرات الجديدة صعوبات في تحويل الحشد المؤقت إلى قوة جماعية قادرة على الاستمرار والتفاوض والتأثير. وتزداد هذه التحديات تعقيداً في ظل التحولات السياسية التي تشهدها تونس منذ 25 تموز/يوليو 2021، وما تطرحه من أسئلة حول السلطة والتمثيل واستقلالية المؤسسات الوسيطة.

يتطلّب تجدد الحركة الطالبية إعادة بناء العلاقة بين التنظيمات والطلبة انطلاقاً من تجاربهم الفعلية في الدراسة والعمل والبطالة والهجرة، وتطوير آليات ديمقراطية تجمع بين الاستقلالية الفردية والقدرة على اتخاذ القرارات المشتركة. فقد ساهمت الجامعة التونسية تاريخياً في تكوين أجيال من المعارضين للسلطة، لكنها تواجه اليوم تحدياً يتجاوز استعادة نفوذ التنظيمات القديمة، ويتمثل في تحويل القلق الفردي إزاء المستقبل إلى قوة سياسية جماعية، من دون إعادة إنتاج علاقات الوصاية والانضباط التي ساهمت في إضعاف تلك التنظيمات. وربما يرتبط مستقبل السياسة داخل الجامعة بقدرة الطلبة على ابتكار أشكال جديدة للتنظيم تمنحهم الوسائل اللازمة للعمل المشترك، وتحفظ لهم حق المشاركة في تحديد أهدافه وطرق تحقيقها.

الإحالات: 

Hendrickson, Burleigh (2022). Decolonizing 1968: Transnational Student Activism in Tunis, Paris, and Dakar. Cornell University Press.

Sadiki, Larbi & Saleh, Layla (2024). Revolution and Democracy in Tunisia : A Century of Protestscapes. Oxford University Press.

Camau, Michel & Geisser, Vincent (2003). Le Syndrome autoritaire : Politique en Tunisie de Bourguiba à Ben Ali. Presses de Sciences Po.

Hibou, Béatrice (2006). La Force de l’obéissance : Économie politique de la répression en Tunisie. La Découverte.

Bourdieu, Pierre (1984). Homo academicus. Les Éditions de Minuit.

Bourdieu, Pierre & Passeron, Jean-Claude (1964). Les Héritiers : Les étudiants et la culture. Les Éditions de Minuit.

Fillieule, Olivier (dir.) (2005). Le Désengagement militant. Belin.

Gaxie, Daniel (1977). « Économie des partis et rétributions du militantisme ». Revue française de science politique, 27(1), 123–154.

Ion, Jacques (2012). S’engager dans une société d’individus. Armand Colin.

Melucci, Alberto (1996). Challenging Codes : Collective Action in the Information Age. Cambridge University Press.

Bayat, Asef (2010). Life as Politics : How Ordinary People Change the Middle East. Stanford University Press.

Bennett, W. Lance & Segerberg, Alexandra (2012). “The Logic of Connective Action: Digital Media and the Personalization of Contentious Politics.” Information, Communication & Society, 15(5), 739–768.

Diani, Mario (2015). The Cement of Civil Society: Studying Networks in Localities. Cambridge University Press.

Tufekci, Zeynep (2017). Twitter and Tear Gas: The Power and Fragility of Networked Protest. Yale University Press.

Della Porta, Donatella (2015). Social Movements in Times of Austerity : Bringing Capitalism Back into Protest Analysis. Polity Press.

    فؤاد غربالي

    أستاذ علم الاجتماع ، تونس