معاينة التغير المناخي

COP-Out 29: التهرّب من مواجهة أزمة المناخ

  • ماذا لو لم يتحقّق الهدف المناخي؟ لماذا التمويل اللازم غير متوافر؟ المشكلة ليست في تكلفة مصادر الطاقة المتجدّدة، فقد انخفضت أسعارها بشكل كبير في السنوات الأخيرة، بل تكمن المشكلة في أن الحكومات تصرّ على أن يقود الاستثمار الخاص التحوّل إلى الطاقة المتجدّدة. لكن الاستثمار الخاص لا يحدث إلا إذا كان الاستثمار فيه مربح.

  • لا توجد سوقاً مفقودة فقط للتخفيف من تغيّر المناخ الحالي حيث لا يتم تسعير انبعاثات الكربون، ولكن أيضاً هناك أسواق مفقودة للتخفيف المستقبلي، وهو ما يؤثر على العوائد الخاصة للاستثمار في تكنولوجيا التخفيف من تغيّر المناخ المستقبلية، والبنية التحتية، ورأس المال. بمعنى آخر، لا يعود القيام بأي شيء مهم أمراً مربحاً.

اختُتم مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ التاسع والعشرون (COP29)، الذي انعقد في باكو بأذربيجان، بنتائج مخيّبة. تركّزت المسألة الرئيسة حول مقدار التمويل الذي سوف تقدّمه الدول الغنية للدول الفقيرة لمواجهة التحدّيات المرتبطة بالتخفيف من الاحتباس الحراري ومعالجة الأضرار الناتجة عن تزايد انبعاثات «الغازات الدفيئة». على الرغم من تحديد الهدف المالي بنحو 1.3 تريليون دولار سنوياً حتى العام 2035،  لم يتضمّن الاتفاق النهائي الالتزام سوى بنحو 300 مليار دولار فقط في صورة مِنح وقروض بفوائد منخفضة من الدول المتقدّمة. تُرك تمويل الجزء المتبقي ليأتي من مستثمرين في القطاع الخاص، مع احتمال فرض رسوم إضافية على الوقود الأحفوري والمسافرين الدائمين، إلا أن التفاصيل المتعلقة بهذه الخيارات بقيت غير واضحة.

يعتمد العرض المقدّم من الدول «المتقدّمة»، المموّل من ميزانياتها الوطنية ومساعداتها الدولية، على ما يسمّى «التمويل متعدد الطبقات». تمثل الطبقة الأولى التمويل الأساسي من الموازنات الوطنية، تليها طبقة وسطى تشمل ضرائب جديدة على الوقود الأحفوري والأنشطة ذات الانبعاثات الكربونية العالية، بالإضافة إلى تجارة الكربون وأشكال التمويل «المُبتكرة». تعتمد الطبقة الخارجية على استثمارات القطاع الخاص في مشاريع مثل مزارع الرياح والطاقة الشمسية. ولكن هذا النموذج وُصف بأنه «تهرّب» من الالتزام بتحويلات مالية مباشرة.

صرّح محمد عدو، مدير مركز أبحاث «تحوّل الطاقة في أفريقيا»، ان «هذه [القمة] كانت كارثة للعالم النامي. إنها خيانة لكل من الإنسان والكوكب من قبل الدول الغنية التي تزعم أنها جادة بشأن تغيّر المناخ. بدلاً من تقديم الأموال الآن، وعدت الدول الغنية بـ«جمع» بعضها في المستقبل. الشيك قيد الإرسال، لكن الأرواح وسبل العيش تُفقد في الدول الضعيفة في هذه اللحظة».

بدلاً من تقديم الأموال الآن، وعدت الدول الغنية بـ«جمع» بعضها في المستقبل. الشيك قيد الإرسال، لكن الأرواح وسبل العيش تُفقد في الدول الضعيفة في هذه اللحظة

وقال خوان كارلوس مونتيري غوميز، المبعوث البنمي لقضايا المناخ، إن «هذا غير كافٍ على الإطلاق. نحن بحاجة إلى ما لا يقل عن 5 تريليون دولار سنوياً، لكن ما طالبنا به هو فقط 1.3 تريليون دولار، وهو ما يعادل 1% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. لا يُفترض أن يكون هذا مبلغاً كبيراً عندما يتعلّق الأمر بإنقاذ الكوكب الذي نعيش عليه جميعاً». وأضاف أن «الاتفاق النهائي لا يقدم شيئاً ذا قيمة عند تقسيمه. نواجه فواتير بمليارات الدولارات بسبب الجفاف والفيضانات. هذا لن يضعنا على مسار 1.5 درجة مئوية، بل أقرب إلى 3 درجات مئوية».

بلغ عدد المسجّلين لحضور المؤتمر أكثر من 60,000 شخص، في وقت شهدت فيه أسعار الفنادق قفزة بنسبة 500%. إذ ارتفعت تكلفة الغرفة العادية في فندق هوليداي إن في باكو إلى 700 جنيه إسترليني في الليلة في خلال فترة المؤتمر، مقارنة بالسعر الطبيعي البالغ 90 جنيهاً إسترلينياً. كما أفادت منصة FlightRadar24 لتتبع الرحلات الجوية أن 65 طائرة خاصّة هبطت في باكو في خلال الأسبوع الأول من الحدث، وهو ضعف العدد المعتاد.

علّق إيدي راما، رئيس وزراء ألبانيا قائلاً: «هنا، يأكل الناس ويشربون ويلتقطون الصور معاً، بينما تستمرّ صور القادة الصامتين في العرض بالخلفية بلا نهاية». وأضاف: «يعكس هذا المشهد ما يحدث يومياً في عالمنا؛ الحياة تمضي بعاداتها القديمة، وأحاديثنا التي تفيض بالكلمات الجميلة عن مواجهة تغير المناخ لا تغيّر شيئاً. فما الذي ينتظرنا في المستقبل إذا ظل أكبر الملوثين على حالهم؟»، ثم تساءل: «لماذا نجتمع مراراً وتكراراً إذا لم تكن هناك إرادة سياسية مشتركة تتجاوز الكلمات وتُترجم إلى أفعال حقيقية؟».

لم يكن هناك أي ذكر لـ«الانتقال من حرق الوقود الأحفوري» في المؤتمر، على الرغم من أن العالم تعهّد بذلك قبل عام واحد فقط، مع توقّع أن يحمل العام 2024 رقماً قياسياً جديداً في الانبعاثات الكربونية.

التغير المناخي

تشير البيانات الحديثة إلى زيادة بنسبة 0.8% في الانبعاثات الناتجة عن الفحم والنفط والغاز في العام 2024، ما يتعارض بشدة مع الهدف الضروري بخفض الانبعاثات بنسبة 43% بحلول العام 2030 للحفاظ على فرصة تحقيق هدف الـ 1.5 درجة مئوية لاتفاقية مؤتمر باريس. يبدو أن هذا الهدف قد أصبح شيئاً من الماضي، فيما يتّجه الكوكب بسرعة نحو ارتفاع يتجاوز 2.0 درجة مئوية مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية.

التغير المناخي

تُظهر السياسات الحالية أن العالم يتّجه فعلياً نحو ارتفاع في درجات الحرارة بمقدار 2.7 درجة مئوية. ولم يتغيّر المستوى المتوقع للاحتباس الحراري بحلول نهاية القرن منذ العام 2021، إذ أحرز «تقدم طفيف» فقط هذا العام، وفقاً لتقرير مشروع متتبع العمل المناخي (the Climate Action Tracker project). وأكّد الائتلاف أن تقديراته ظلت ثابتة منذ قمة المناخ COP26 في غلاسكو قبل ثلاثة سنوات. قالت صوفيا غونزاليس زونيجا، من تحليلات المناخ: «من الواضح أننا فشلنا في ثني المنحنى». المستوى المتوقع للاحترار أقل قليلاً عند تضمين التعهدات والأهداف الحكومية، على 2.1 درجة مئوية، لكن هذا لم يتغير أيضاً منذ العام 2021. ووجد التقرير أن الاحترار في السيناريو الأكثر تفاؤلاً ارتفع قليلاً من 1.8 درجة مئوية العام الماضي إلى 1.9 درجة هذا العام. «نحن نتسبّب في الاحتباس الحراري أسرع 100 مرة من التغيرات الطبيعية السابقة». وقال مارك ماسلين: «نحن نتجاوز الحدود الطبيعية لمناخ الأرض، إذ لم نشهد هذه المستويات من ثاني أكسيد الكربون ودرجات الحرارة منذ 3 ملايين سنة».

قد تؤدي التغيرات الطفيفة في درجات الحرارة العالمية إلى معاناة بشرية ضخمة. في الشهر الماضي، أظهرت دراسة أن نصف حالات الوفاة بسبب الحرارة في أوروبا في العام 2022، والتي بلغ عددها 68,000، كانت نتيجة للارتفاع العالمي الذي بلغ 1.3 درجة مئوية حتى الآن. ومع التوقعات بزيادة درجات الحرارة في نهاية القرن، من المتوقع أن يتصاعد خطر الكوارث المناخية التي قد تكون غير قابلة للتراجع. وقالت غونزاليس-زونيغا: «هناك احتمال بنسبة 33% أن يكون ارتفاع الحرارة 3 درجات مئوية أو أكثر، واحتمال بنسبة 10% أن يتجاوز 3.6 درجات مئوية». وأضافت أن هذا الاحتمال الأخير سيكون «كارثياً تماماً».

لا يقتصر الأمر على انبعاثات الكربون فقط. فصناعة الوقود الأحفوري تُسهم بكميات كبيرة من انبعاثات الميثان، أحد الغازات الأكثر ضرراً في ظاهرة الاحتباس الحراري. وعلى الرغم من أن الميثان لا يبقى في الغلاف الجوي المدة نفسها لثاني أكسيد الكربون، لكنه يمتلك قدرة أكبر على احتجاز الحرارة، حيث يكون أكثر فعالية بـ80 مرة خلال فترة زمنية تمتد لعشرين سنة. وتُقدّر الدراسات أن الميثان كان مسؤولاً عن حوالي 30% من الاحترار العالمي منذ بداية الثورة الصناعية.

تشهد انبعاثات الميثان زيادة غير مسبوقة، وفقاً لدراسة نُشرت في أيلول/سبتمبر في مجلة EarthSystem Science Data. ارتفعت الانبعاثات في العقدين الماضيين بنحو 20%. وترتفع تركيزات الغاز في الغلاف الجوي حالياً إلى أكثر من 2.6 مرة مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية، وهي أعلى مستوى لها في آخر 800,000 سنة. يدخل الميثان البيئة من خلال طرق عدة، منها تسريبه إلى الغلاف الجوي من حقول النفط والغاز لأسباب تتعلق بالسلامة أو في حالات الطوارئ، أو من خلال «الاحتراق» في الأنابيب أو المداخن، ما يحوّله بشكل أساسي إلى دخان وثاني أكسيد الكربون. في حال كان الاحتراق غير فعال، يُطلق الميثان النقي أيضاً.

تُقدّر الدراسات أن الميثان كان مسؤولاً عن حوالي 30% من الاحترار العالمي منذ بداية الثورة الصناعية

تشير البيانات العالمية إلى أن تلوث الهواء الناتج عن احتراق الوقود الأحفوري مسؤول عن حوالي 1 من كل 5 وفيات - ما يعادل تقريباً سكان مدينة نيويورك. في الولايات المتحدة، يُنسب إلى تلوث الوقود الأحفوري حوالي 350,000 وفاة مبكرة. في العام 2012، كانت الجسيمات الدقيقة الناتجة عن الوقود الأحفوري مسؤولة عن 21.5% من إجمالي الوفيات، ولكن هذه النسبة انخفضت إلى 18% في العام 2018 نتيجة لتحسين معايير جودة الهواء في الصين. في المقابل، تسبّب تلوّث الوقود الأحفوري في الهند في وفاة نحو 2.5 مليون شخص (أعمارهم فوق 14 عاماً) في العام 2018، وهو ما يمثّل أكثر من 30% من الوفيات بين الأشخاص في هذه الفئة العمرية. يموت آلاف الأطفال دون سن الخامسة سنوياً بسبب التهابات الجهاز التنفّسي الناجمة عن تلوّث الوقود الأحفوري.

فشلت الأنماط الاقتصادية السائدة في الاعتراف بحجم وتأثير انبعاثات الغازات الدفيئة على الاقتصاد العالمي. حصل ويليام نوردهاوس على جائزة نوبل (جائزة البنك المركزي السويدي) في الاقتصاد للعام 2018 تقديراً لعمله في نمذجة التكاليف والفوائد المترتبة على التصدي لتغيّر المناخ من خلال الحد من الانبعاثات. لقد كان نوردهوس رائداً في التحليل الاقتصادي السائد المرتبط بتغيّر المناخ. تمثّلت مساهمته في تطوير نموذج يُفترض أن يقيس الأثر المُحتمل لتغيّر المناخ على الاقتصادات.

أنشأ نوردهاوس ما يسمّى بنماذج التقييم المتكاملة (IAMs) لتقدير التكلفة الاجتماعية للكربون (SCC) وتقييم سياسات التخفيف البديلة. تُستخدم نماذج التقييم المتكاملة لحساب التكلفة الاجتماعية للكربون. تسعى هذه النماذج إلى محاكاة التغيرات التدريجية أو الأضرار التي يتعرّض لها الناتج الاقتصادي العالمي نتيجة لانبعاث 1 طن من ثاني أكسيد الكربون الناتج عن الأنشطة البشرية أو ما يعادله. يستخدم صانعو السياسات تقديرات التكلفة الاجتماعية للكربون في تحليلات التكلفة والفوائد لسياسات التخفيف من تغير المناخ. نظراً لاستثناء نماذج التقييم المتكاملة الكثير من المخاطر الكبرى، فإن تقديرات التكلفة الاجتماعية للكربون تكون في كثير من الأحيان منخفضة بشكل غير دقيق. تعتمد هذه القيم بشكل أساسي على «الخصم» الذي يُستخدم لتحويل التكاليف المستقبلية إلى قيم حالية.

تعد معدلات الخصم هذه ذات أهمية مركزية في أي نقاش. تفترض النماذج الحالية لتأثيرات تغيُّر المناخ فرضيتين خاطئتين: أن الأفراد سيكونون أكثر ثراءً في المستقبل، وأن الأرواح في المستقبل أقل أهمية من الأرواح في الحاضر. تتجاهل الفرضية الأولى المخاطر المحتملة من الأضرار الجسيمة والاضطرابات في سبل العيش نتيجة تغيُّر المناخ. الافتراض الأخير، وهو «التمييز بحلول تاريخ الميلاد»، إنه حكم قيمي نادراً ما يُفحص، ويصعب الدفاع عنه ويتعارض مع معظم القوانين الأخلاقيّة.

يعتمد معدل الخصم المستخدم لحساب الأضرار المالية المحتملة للاقتصادات تقديرات تعسفية. فإذا استخدمنا معدل خصم بنسبة 3%، فهذا يعني أن الزيادة الحالية في ظاهرة الاحترار العالمي ستؤدي إلى أضرار اقتصادية تصل إلى 5 تريليون دولار (خسارة في الناتج المحلي الإجمالي)، ولكن تكلفة الاحترار العالمي بالنقد الحالي لن تتجاوز 400 مليار دولار، وهو المبلغ نفسه الذي تنفقه الصين على السكك الحديدية عالية السرعة. ووفقاً لهذا المعدل، فإن الاحترار العالمي يسبب أضراراً اقتصادية محدودة وبالتالي فإن التكلفة الاجتماعية للكربون تقتصر على حوالي 10 دولارات للطن، ويمكن تقليص إجراءات التخفيف. هذا هو ما اعتمده نوردهاوس في نموذجه.

فشلت الأنماط الاقتصادية السائدة في الاعتراف بحجم وتأثير انبعاثات الغازات الدفيئة على الاقتصاد العالمي

ولكن لماذا 3%؟ في العام 2018، أخذ نيكولاس سترن، في مراجعته الشهيرة بشأن تغيُّر المناخ، بيانات نوردهاوس وطبق معدل خصم 1.4%. وبذلك، ارتفعت التكلفة الاجتماعية للكربون إلى 85 دولاراً للطن، مما يعني أن الاقتصادات تتحمل تكاليف قدرها 85 دولاراً عن كل طن من ثاني أكسيد الكربون، أي ما يعادل تقريباً 3 تريليون دولار. في الآونة الأخيرة، ومع استخدام أساليب أكثر تعقيداً وافتراضات أكثر دقة، ارتفعت تقديرات التكلفة الاجتماعية للكربون إلى 180-300 دولار للطن.

تحتوي نماذج تقييم التكامل الخاصة بنوردهاوس على عيوب تجعلها قريبة من أن تكون عديمة الفائدة كأدوات لتحليل السياسات. تجد هذه النماذج صعوبة في تضمين حجم المخاطر العلمية، مثل ذوبان التربة الصقيعية، وإطلاق الميثان، والنقاط الحاسمة الأخرى التي قد تحدث. علاوة على ذلك، يتم إغفال الكثير من الآثار المحتملة الكبرى، مثل النزاعات الشاملة الناجمة عن الهجرة الجماعية للسكان من المناطق المتضررة. لا تتضمن نماذج التقييم المتكاملة المخاطر وعدم اليقين. هذه النماذج تقيّم الأضرار سنوياً بناءً على ضرب عامل ضرر x في T2 لذلك العام، مما يجعل وظيفة الضرر خطاً صاعداً بشكل تدريجي.

التغير المناخي

اختلف الاقتصادي المناخي مارتن ويتزمان، المتوفي حديثا، الذي كان زميلاً لنوردهاوس، مع هذا النهج في «تخفيض» قيمة المستقبل. أشار ويتزمان إلى أن هناك درجة عالية من عدم اليقين في التنبؤات المتعلقة بتأثيرات المناخ، بما في ذلك النقاط الحاسمة، هوامش الخطأ الكبيرة، و«المجهولات غير المعروفة». وباللغة الاقتصادية، وصف هذا بوجود «مخاطر سلبية» هائلة، بما في ذلك احتمال صغير ولكنه غير معروف أساساً للانقراض البشري التام.

جادل ويتزمان بأن المتوسطات لا تقدم الصورة الكاملة. في الواقع، يُظهر توزيع احتمالية باريتو للتوقعات الحالية «ذيولًا سمينة»، ما يعني أن هناك احتمالاً بنسبة 1% لزيادة في درجة الحرارة تصل إلى 12 درجة مئوية. قال ويتزمان: «الخاصية الأكثر بروزاً في اقتصاديات تغيّر المناخ هي أن مخاطره السلبية القصوى غير قابلة للإغفال. هناك عدم يقين بنيوي عميق بشأن المجهولات غير المعروفة فيما يخص السيناريوهات الكارثية، بالإضافة إلى مسؤولية لا حصر لها عن الأضرار المحتملة للكوكب». من المحتمل أن تكون حياة الإنسان غير قابلة للاستمرار مع هذا الارتفاع في درجات الحرارة. المشكلة هي أنه لا أحد يعيش في «أرض المتوسطات العالمية»! العاصفة التي تتبع الجفاف، والتي ترمي موسماً من الأمطار في يوم واحد، من المحتمل أن يكون لها تداعيات على المخاطر المالية، لكنها لا تُلتقط في مقاييس هطول الأمطار السنوي المتوسط في المنطقة. تتجاهل النماذج الاقتصادية هذه التفاصيل الدقيقة في المناخ. النموذج المستخدم من قبل العديد من البنوك المركزية في العالم، على سبيل المثال، يعتمد على دالة الأضرار التي تربط بين الإنتاجية الاقتصادية والإنتاجية العمالية السنوية ودرجات الحرارة والأمطار.

يجادل ستيف كين بأن نماذج التقييم المتكاملة (IAMs) تعاني من خلل أساسي في افتراضها أنه يمكن استقراء العلاقات الإمبيريّة المستخلصة من البيانات المتعلقة بتغيرات الحرارة والناتج المحلي الإجمالي بين عامي 1960 و2014 حتى العام 2100. هذا النهج يفترض أن الزيادة الإضافية في درجة الحرارة بمقدار 3.2 درجة مئوية لن تغير المناخ بشكل كبير. كما تفترض نماذج التقييم المتكاملة أن النقاط الحرجة في النظام المناخي، مثل انهيار الأغطية الجليدية في غرينلاند والقطب الجنوبي الغربي، وغابة الأمازون، ودورة دوران الأطلسي المتوسطة التي تحافظ على دفء أوروبا، يمكن الوصول إليها من دون أن تتسبّب في أضرار إضافية كبيرة للناتج المحلي الإجمالي العالمي.

لا تتجاهل الحسابات الاقتصادية القياسية المبنية على السلوك السابق النقاط الحرجة مثل انبعاثات الميثان الناتجة عن ذوبان التربة الصقيعية وحسب، بل أيضاً النقاط التي يمكن ملاحظتها بسهولة، مثل جفاف البحيرة المالحة الكبرى (Great Salt Lake). المجتمعات أيضاً لديها نقاط تحول؛ البنية التحتية لها حدود قصوى؛ والنظم البيئية لها عتبات حاسمة. بعد مستوى معين من ارتفاع درجات الحرارة، لا تفقد المحاصيل إنتاجها، بل ببساطة تموت. الأمر ذاته ينطبق على البشر.

على الرغم من العيوب الكبيرة التي تحتوي عليها نماذج التقييم المتكاملة، فإن لها تأثيراً كبيراً على السياسات، خصوصاً في دعم «حلول السوق» للتغير المناخي التي لا تتطلب استثماراً عاماً في التحكم في المناخ أو تملك الدولة لصناعة الوقود الأحفوري. على سبيل المثال، تمت دعوة نوردهاوس من قبل البنك المركزي الأوروبي ومجموعة العشرين لتقديم المشورة حول التدابير الواجب اتخاذها لمواجهة الاحتباس الحراري، وكان جوابه هو أسواق تسعير الكربون.

بعد مستوى معيّن من ارتفاع درجات الحرارة، لا تفقد المحاصيل إنتاجها، بل ببساطة تموت. الأمر ذاته ينطبق على البشر

تستند نماذج التقييم المتكاملة  الخاصة بنوردهاوس إلى فرضية أن الاقتصاد العالمي سيحقق ناتجاً محلياً إجمالياً أكبر بكثير في غضون 50 عاماً، بحيث إذا ارتفعت انبعاثات الكربون كما هو متوقع، يمكن للحكومات تأجيل تكلفة التخفيف إلى المستقبل. في المقابل، إذا طُبّقت تدابير قاسية للحد من الكربون، مثل إيقاف إنتاج الفحم كلّه، فقد يؤدي ذلك إلى تراجع معدلات النمو والدخل، مما يجعل من الصعب التخفيف في المستقبل. ومع ذلك، وفقاً لنوردهاوس، من خلال تسعير الكربون والضرائب، يمكننا تقليص الانبعاثات دون تقليص إنتاج واستهلاك الوقود الأحفوري من المصدر.

هذه هي الفكرة نفسها لتسعير وفرض الضرائب على التبغ/السجائر. فكلما زادت الضريبة أو السعر، انخفض الاستهلاك، دون المساس بصناعة التبغ. بغض النظر عن مسألة ما إذا كان التدخين قد تم القضاء عليه عالمياً من خلال تعديل الأسعار، هل يمكن فعلاً حل مشكلة الاحتباس الحراري بواسطة تسعير السوق؟ تعتمد الحلول السوقية لتغير المناخ على محاولة تصحيح «فشل السوق» عبر إدخال تأثيرات انبعاثات الكربون السلبية من خلال نظام ضريبي أو نظام حصص. والقول هنا هو أن نظرية الاقتصاد السائدة لا تتضمن التكاليف الاجتماعية للكربون في الأسعار، وبالتالي يجب «تصحيح» آلية الأسعار من خلال فرض ضريبة أو إنشاء سوق جديد.

اتفقت الدول في مؤتمر COP29 على قواعد لسوق عالمي لشراء وبيع اعتمادات الكربون، التي يرى المؤيدون أنها ستساعد في تعبئة مليارات الدولارات لصالح مشاريع جديدة لمكافحة الاحترار العالمي. لكن ثبت أن اعتمادات الكربون مزورة. ففي العام الماضي، كشفت تحقيقات بلومبيرغ أن حوالي 40% من التعويضات التي تم شراؤها في 2021 كانت من مشاريع للطاقة المتجددة لم تمنع فعلاً الانبعاثات.

هذه المقاربة غير كافية تماماً وغير قابلة للتنفيذ. لا تزال خطط الطاقة النظيفة العالمية (التي هي مجرد خطط) تفتقر إلى ما يقارب ثلث ما هو مطلوب للوصول إلى الرقم المحدد. ولتحقيق المستوى المطلوب من الاستثمار، سوف يحتاج تمويل المناخ إلى زيادة ترفعه إلى حوالي 9 تريليونات دولار سنوياً بحلول عام 2030، مقارنةً بحوالي 1.3 تريليون دولار في 2021-22، حسبما أفادت مبادرة سياسة المناخ. هدف الـ 1.3 تريليون دولار الذي تحدّد في COP29 (والذي لم يٌتوصل إليه في أي حال) بعيد جداً عن المطلوب.

التغير المناخي

قالت كريستالينا جورجييفا رئيسة صندوق النقد الدولي في المؤتمر إن «98% من تمويل التكيف يأتي من مصادر عامة. وهذا غير مستدام. نحن بحاجة إلى إطلاق العنان للقطاع الخاص في التكيف وكذلك التخفيف. يمكن أن يتم ذلك!». وأضافت كريستين لاغارد، رئيسة البنك المركزي الأوروبي: «نحن بحاجة ماسة إلى فتح جميع مصادر رأس المال الممكنة، بسرعة وبالقدر المناسب». لكن التمويل الخاص للمناخ ضعيف جداً، اذ بلغ 21.9 مليار دولار فقط في 2022، وفقاً لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وكثير من التمويل العام حتى الآن تم اقتطاعه من ميزانيات المساعدات الخارجية الحالية. فقط 21-24.5 مليار دولار من الـ83 مليار دولار تبقى كتمويل مناخي نقي دون شروط، وفقاً لتقرير أكسفام الظل للتمويل المناخي 2023.

لماذا لم يتحقق الهدف المناخي؟ لماذا التمويل اللازم غير متوافر؟ المشكلة ليست في تكلفة مصادر الطاقة المتجددة، فقد انخفضت أسعار الطاقة المتجددة بشكل كبير في السنوات الأخيرة. المشكلة تكمن في أن الحكومات تصر على أن يقود الاستثمار الخاص التحول إلى الطاقة المتجددة. لكن الاستثمار الخاص لا يحدث إلا إذا كان الاستثمار فيه مربح.

المشكلة هي الربحية. أدت الربحية المتدنية على الصعيد العالمي إلى تباطؤ نمو الاستثمار في معظم المجالات. ومن الغريب أن انخفاض أسعار الطاقة المتجددة يسهم في تقليص ربحية الاستثمارات. تواجه صناعة الألواح الشمسية ضغوطاً كبيرة على هوامش الأرباح، بالإضافة إلى مشغلي مزارع الطاقة الشمسية. هذا يكشف عن التناقض العميق في الاستثمار الرأسمالي بين تقليص التكاليف من خلال زيادة الإنتاجية وبين تباطؤ الاستثمارات نتيجة لتراجع الربحية.

هذه هي الرسالة الأساسية من كتاب آخر ممتاز للكاتب بريت كريستوفرز، «السعر خاطئ - لماذا لن تنقذ الرأسمالية كوكب الأرض». يجادل كريستوفرز بأن العائق أمام تحقيق أهداف الاستثمار لتحديد ظاهرة الاحترار العالمي ليس في سعر الطاقة المتجددة مقابل طاقة الوقود الأحفوري، بل في ربحية الطاقة المتجددة مقارنة بإنتاج الوقود الأحفوري.

لن تنجح الحلول السوقية لأن الشركات الرأسمالية ببساطة لا تجد ربحية في الاستثمار في التخفيف من تغيّر المناخ. كما صرّح صندوق النقد الدولي نفسه:«يواجه الاستثمار الخاص في رأس المال المنتج والبنية التحتية تكاليف أولية مرتفعة وشكوك كبيرة يصعب تحديدها دائماً. كما أن الاستثمارات في الانتقال إلى اقتصاد منخفض الكربون معرضة أيضاً لمخاطر سياسية مهمة، وقلة السيولة، وعوائد غير مؤكدة، وذلك اعتماداً على السياسات المتّبعة للتخفيف من تغيّر المناخ بالإضافة إلى التقدم التكنولوجي غير المتوقع».

بغض النظر عن مسألة ما إذا كان التدخين قد تم القضاء عليه عالمياً من خلال تعديل الأسعار، هل يمكن فعلاً حل مشكلة الاحتباس الحراري بواسطة تسعير السوق؟

في الواقع، من المرجح أن تستمر الفجوة الكبيرة بين العوائد الخاصة والاجتماعية على الاستثمارات منخفضة الكربون في المستقبل، حيث أن الطرق المستقبلية لفرض الضرائب على الكربون وتسعيره غير مؤكدة للغاية، وخصوصاً للأسباب المتعلقة بالاقتصاد السياسي. هذا يعني أنه لا يوجد سوق مفقودة فقط للتخفيف من تغيّر المناخ الحالي حيث لا يتم تسعير انبعاثات الكربون، ولكن أيضاً هناك أسواق مفقودة للتخفيف المستقبلي، وهو ما يؤثر على العوائد الخاصة للاستثمار في تكنولوجيا التخفيف من تغيّر المناخ المستقبلية، والبنية التحتية، ورأس المال. بمعنى آخر، لا يعد القيام بأي شيء مهمّ أمراً مربحاً.

يمكن لخطة عالمية أن توجه الاستثمارات إلى احتياجات المجتمع مثل الطاقة المتجددة، والزراعة العضوية، والنقل العام، وأنظمة المياه العامة، والتصحيح البيئي، والصحة العامة، والمدارس الجيدة، وغيرها من الاحتياجات التي لم تُلبَّ بعد. وبإمكانها أيضًا موازنة التنمية في جميع أنحاء العالم من خلال نقل الموارد من الإنتاج الضار وغير المفيد في الشمال إلى تطوير الجنوب، وبناء البنية التحتية الأساسية، وأنظمة الصرف الصحي، والمدارس العامة، والرعاية الصحية. في الوقت نفسه، يمكن أن تهدف الخطة العالمية إلى توفير وظائف معادلة للعمال الذين يتعرضون للفصل بسبب تقليص أو إغلاق الصناعات غير الضرورية أو الضارة. التخطيط وليس التسعير.

لم يقدم مؤتمر COP 29 شيئاً كهذا.

نُشِر هذا المقال على مدوّنة الكاتب، مايكل روبرتس، في 24 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، وتُرجِم إلى العربية ونُُشِر في موقع «صفر» بموافقة مسبقة من الكاتب.