كيف جرى رهن مصر؟ ومن يدفع الثمن؟
السيادة المرهونة
لا تظهر أزمة السيادة المصرية في السنوات الأخيرة على شكل فقدان قانوني مباشر للملكية أو انتقال رسمي لسلطات الدولة إلى قوى خارجية. فلم تُرفع أعلام أجنبية فوق الموانئ، ولم تتخلَّ الدولة عن ملكية الأراضي التي دخلت في صفقات كبرى، ولم تنتقل قناة السويس إلى مستثمر أجنبي. ومع ذلك، حدث شيء أعمق وأقل وضوحاً: بدأت الدولة تستخدم جزءاً متزايداً من أصولها ووظائفها السيادية للحصول على السيولة، وقبلت، في المقابل، بأن ينتقل إلى مستثمرين أو ممولين آخرين جزء من قدرتها على تحديد كيفية استخدام الأصل وتوقيت استخدامه وتسعيره وإدارته.
هنا تكتسب عبارة «السيادة المرهونة» معناها. فلا يعني ذلك أن مصر فقدت سيادتها القانونية، ولا أن كل استثمار أجنبي ينتقص من السيادة. بل يشير إلى وضع تضطر فيه الدولة، تحت ضغط الحاجة إلى العملة الصعبة وخدمة الدين، إلى تحويل أصول ذات قيمة أو وظائف اقتصادية أساسية إلى أدوات للحصول على التمويل. يبقى الشكل القانوني للدولة قائماً، فيما تتراجع قدرتها العملية على التحكم في بعض الأصول والوظائف. وتزداد صعوبة استعادة السيطرة كلما طال أمد الاعتماد وتراكمت الالتزامات.
إذن، لا تكمن المشكلة الأساسية في وجود المستثمر الأجنبي، بل تبدأ عندما يتحول الاستثمار من وسيلة لإضافة رأس المال والخبرة إلى وسيلة لإعادة ترتيب السيطرة على أصول الدولة ووظائفها. وتشكل هذه النقطة جوهر الحالة المصرية بين عامي 2021 و2026.
في معنى «السيادة المرهونة»
تُعرّف السيادة، في معناها القانوني، بأنها السلطة العليا والمطلقة والنهائية التي تتمتع بها الدولة، ولا تخضع قانونياً لأي سلطة داخلية منافسة أو خارجية أعلى منها. وتقتضي السيادة، بهذا المعنى، أن تملك الدولة القدرة على اتخاذ القرار المتعلق بالموارد العامة: ماذا ننتج، ومن يشتري، وبأي سعر، ومتى نستثمر، ومن يحدّد الأولويات، وما الذي يبقى متاحاً للدولة عند وقوع أزمة.
لكن الدولة قد تحتفظ بالملكية القانونية وتفقد جزءاً من سيطرتها العملية. فقد تظل الأرض مصرية، فيما ينتقل حق تطويرها وإدارة مشروعها وتسعيره وتحديد شركائه إلى مستثمر آخر. وقد تظل الشركة مصرية ومدرجة في البورصة، فيما يرتبط جزء كبير من القرار الفعلي بمساهم مسيطر أو بمصدر خارجي للمدخلات. وقد يبقى تصنيع الدواء محلياً، فيما تعتمد الصناعة على مواد فعالة مستوردة بأكثر من 90%. وقد تحتفظ الدولة بالقرار الرسمي في استيراد الغذاء، فيما تنتقل الوظيفة التنفيذية إلى جهاز مختلف عن المؤسسة المدنية التي كانت تتولاها، وتظل على الرغم من ذلك رهينة تقلبات أوضاع الموردين.
قد تظل الأرض مصرية، فيما ينتقل حق تطويرها وإدارة مشروعها وتسعيره وتحديد شركائه إلى مستثمر آخر. وقد تظل الشركة مصرية ومدرجة في البورصة، فيما يرتبط جزء كبير من القرار الفعلي بمساهم مسيطر
لا يعني الرهن هنا بيع السيادة دفعة واحدة، بل يجري عبر عملية تراكمية تبدأ بأزمة سيولة، ثم تدفع الدولة إلى تحويل الأصول إلى مصدر للعملة الصعبة، قبل أن تدخل بعض هذه الأصول في ترتيبات طويلة الأجل تمنح المستثمر سيطرة اقتصادية أو تشغيلية. ومع كل صفقة، تضيق مساحة الخيارات المتاحة أمام الدولة في الأزمة التالية. لذلك، لا تكمن المشكلة في الصفقة المنفردة، بل في المسار الذي تنتجه مجموعة الصفقات.
تكشف الحالة المصرية أن الرهن يحدث عندما تجتمع ثلاثة عناصر: حاجة عاجلة إلى العملة الصعبة، وأصل يمكن تقسيمه وتقييمه وبيعه أو منح حقوق طويلة الأجل عليه، ومستثمر قادر على الدفع. وكلما أمكن فصل السيطرة التشغيلية عن السيادة على الأصل، أصبح الرهن أسهل. وتمثل الأرض مثالاً واضحاً: فقد تبقى مملوكة للدولة، فيما ينتقل تطويرها وتسعيرها وإدارتها إلى طرف آخر.
كيف جرى رهن مصر؟
لم يبدأ الرهن بصفقة واحدة، ولم ينتج من قرار منفرد، بل تشكّل تدريجياً من استراتيجية اقتصادية سبقت أزمة السيولة. ففي خلال سنوات 2016–2021، توسعت الدولة في المشروعات الكبرى الممولة بدرجة كبيرة بالاقتراض الخارجي. وأنتج ذلك أمرين في الوقت نفسه: راكمت الدولة التزامات بالعملة الصعبة، وفي المقابل راكمت أصولاً ومناطق عمرانية وأراضي ومرافق يمكن تحويلها لاحقاً إلى سيولة. وهكذا، أنتجت الاستراتيجية التي صنعت الحاجة إلى الدولار أيضاً جزءاً من البضاعة التي يمكن بيعها للحصول عليه.
عندما جاءت صدمات 2022 وما بعدها، مع خروج الاستثمارات الأجنبية قصيرة الأجل، وارتفاع كلفة التمويل، واضطراب أسواق الغذاء والطاقة، واجهت الدولة فجوة لم يعد من السهل سدّها من الإيرادات الجارية. عند هذه النقطة، تغيّرت وظيفة الأصول العامة. فلم تعد الدولة تنظر إلى الأرض أو الشركة أو المرفق باعتبارها أصولاً منتجة على المدى الطويل فحسب، بل بدأت تتعامل معها بوصفها مصادر سريعة للعملة الصعبة.
وهذا ما يجعل صفقة رأس الحكمة نقطة مركزية في فهم الرهن. لم تكن الصفقة مجرد استثمار عقاري، بل مثّلت انتقالاً من نمط الدعم المالي الذي عرفته مصر بعد 2013، حين جاءت التدفقات النفطية والودائع الخليجية إلى البنك المركزي، إلى نمط مختلف يصبح فيه الدائن أو المستثمر شريكاً في أصل حقيقي. ففي صفقة رأس الحكمة، تمثّل جزء مهم من الـ35 مليار دولار في تحويل ودائع قائمة إلى ملكية مرتبطة بالأصل؛ أي إن علاقة الدائن بالدولة لم تعد مؤقتة في انتظار السداد، بل تحولت إلى حصة في أصل ثابت.
تعالج الدولة حاجتها إلى السيولة عبر منح حق طويل الأجل في أصل قادر على إنتاج قيمة مستقبلية. فتحصل على الدولار الآن، لكنها تتنازل في المقابل عن جزء من القيمة المستقبلية للأصل
وتشكّل هذه النقلة جوهر الرهن المعاصر: تعالج الدولة حاجتها إلى السيولة عبر منح حق طويل الأجل في أصل قادر على إنتاج قيمة مستقبلية. فتحصل على الدولار الآن، لكنها تتنازل في المقابل عن جزء من القيمة المستقبلية للأصل، وعن جزء من قدرتها على تحديد مساره.
ولا ينبغي اختزال الأمر في رأس الحكمة وحدها. فقد سبقها استحواذ تحالف إماراتي على حصة كبيرة من «سوديك» عام 2021، وهي شركة من القطاع الخاص لكنها تحتل موقعاً مهماً في التطوير العقاري. ومع صفقة رأس الحكمة، أصبح المسار أكثر مباشرة: انتقل من شراء شركة تعمل في تطوير العقار إلى الدخول في تطوير مساحة ضخمة من أرض سيادية. ولا تمثل الأرض هنا مجرد مساحة فارغة، إذ رفعت الدولة نفسها قيمتها عبر شبكات الطرق والمرافق والاتصال والمدن الجديدة والاستثمارات العامة المحيطة بها.
وتساعد هذه النقطة على فهم طبيعة «البيع». فالأصول التي جرى تسييلها ليست بالضرورة عديمة الجدوى أو خاسرة. على العكس، يتمتع جزء كبير منها بقدرة ربحية أو بفرصة كبيرة لارتفاع قيمته. وتمثل الأرض الساحلية، والموانئ، والمناطق الاقتصادية، والشركات الصناعية، والمرافق التي ازدادت قيمتها بفعل الإنفاق العام، أمثلة على أصول يمكن أن تحقق عائداً مستقبلياً. لذلك، لا يصح وصف العملية ببساطة بأنها بيع لأصول فاشلة لسد عجز مالي. ففي معظم الحالات، تسيّل الدولة أصولاً ذات قيمة لأنها تحتاج إلى السيولة الآن أكثر مما تستطيع انتظار عائدها المستقبلي.
وهنا تظهر مفارقة جوهرية: قد يرفع الإنفاق على البنية الأساسية قيمة الأصل، ثم تتحول هذه الزيادة في القيمة إلى جزء من الحصيلة التي يحصل عليها المستثمر عند التسييل. فالطرق والمطارات والمرافق وشبكات الطاقة والاتصال لا ترفع كفاءة الاقتصاد فحسب، بل يمكن أن ترفع أيضاً القيمة السوقية للأراضي والموانئ والمناطق الجديدة. وبالتالي، لا يقتصر السؤال على حجم ما حصلت عليه الدولة من الصفقة، بل يمتد إلى سؤالين آخرين: من صنع القيمة التي بيعت؟ ومن يحصل على القيمة المستقبلية بعدما ارتفعت قيمة الأصل بفضل الاستثمار العام؟
الرهن عبر القطاعات
يظهر الرهن في قطاعي الطاقة والأسمدة بصورة أكثر تعقيداً من مجرد بيع الأسهم. فقد تحتفظ الشركات المصرية بملكيتها القانونية، وقد تدخل صناديق خليجية في حصص استثمارية، لكن الإنتاج نفسه يظل حساساً لمصدر خارجي للغاز. هنا تملك الدولة المصنع، لكنها لا تملك جميع المدخلات التي تضمن تشغيله. وقد كشفت انقطاعات الغاز الإسرائيلي المتكررة بين عامي 2024 و2026 هذه الهشاشة. فعندما انخفضت إمدادات الغاز إلى مصانع الأسمدة، اتضح أن ملكية المصنع وحدها لا تمنح السيطرة على الإنتاج، بل تتوقف هذه السيطرة أيضاً على القدرة على ضمان المدخل الحيوي الذي لا يستطيع المصنع الاستغناء عنه.
وفي الغذاء، اتخذ الرهن شكلاً مختلفاً. ففي كانون الأول/ديسمبر 2024، أُسند إلى جهاز «مستقبل مصر» دور أساسي في شراء السلع الغذائية واستيرادها. لم تبع الدولة هنا أصلاً، لكنها نقلت وظيفة سيادية من مؤسسة مدنية إلى جهاز عسكري. ومع ذلك، لم تختفِ التبعية الخارجية للغذاء، إذ ما زالت مصر تستورد سنوياً ما بين 50% و60% من إجمالي احتياجاتها من القمح. وما تغيّر أساساً هو الجهة التي تمارس الوظيفة وآلية المساءلة عنها.
ويوسّع ذلك معنى الرهن: فقد يطال أصلاً مادياً، وقد يطال وظيفة شكّلت جزءاً من قدرة الدولة على إدارة مورد حيوي.
وتكشف الأدوية طبقة أخرى من الرهن. تستطيع مصر إنتاج نسبة كبيرة من الأدوية تامة الصنع محلياً، لكن اعتمادها على المواد الفعالة المستوردة، خصوصاً من الصين والهند، يضع طبقة عميقة من الصناعة خارج السيطرة المصرية. وعندما تتداخل الملكية الأجنبية للشركات، كما ظهر في استحواذ مستثمر خليجي على أكبر شركات إنتاج الدواء، مع الاعتماد الخارجي على المدخلات، يصبح المنتج النهائي مصرياً في شكله، لكنه يعتمد على سلسلة قيمة لا تملك مصر السيطرة الكاملة عليها.
وفي قطاع الاتصالات والكابلات، تزداد الصورة تركيباً. تملك مصر موقعاً جغرافياً استثنائياً في شبكة الكابلات البحرية، لكن إنشاء مسارات بديلة تتجاوز الأراضي المصرية يمكن أن يقلل، بمرور الوقت، من قيمة هذه العقدة. هنا لا يحدث الرهن عبر البيع، بل عبر تراجع القدرة التفاوضية التي منحها الموقع الجغرافي لمصر.
أما الموانئ والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، فتقدمان مثالاً على الفصل بين الممر المائي نفسه والأنشطة الاقتصادية المحيطة به. فقد مُنحت امتيازات طويلة الأجل لمشغلين أجانب في الموانئ والمناطق الصناعية. ولا يعني ذلك أن قناة السويس نفسها أصبحت مملوكة لهم، لكنه يعني أن جزءاً من القيمة الاقتصادية المتولدة حول الممر بات يخضع لترتيبات تشغيلية واستثمارية طويلة الأجل مع مستثمرين خارجيين.
لماذا لم تُبع قناة السويس؟
يجب هنا تصحيح أي قراءة توحي بأن عدم بيع قناة السويس نتج فقط من حساب مالي أو من غياب مشترٍ. تحتل القناة مكانة مختلفة في التاريخ السياسي المصري. منذ حفرها، ارتبطت بالصراع على الاستقلال والسيطرة الأجنبية، ثم جعل تأميمها عام 1956 منها لحظة تأسيسية في الذاكرة الوطنية المصرية. ولم يُفهم التأميم في المخيلة المصرية باعتباره مجرد إجراء اقتصادي ينقل ملكية شركة إلى الدولة، بل باعتباره إعلاناً عن استعادة قرار وطني ارتبط مباشرة بمواجهة الاستعمار.
لهذا، لا تُعامل قناة السويس كأصل اقتصادي مماثل للأرض أو الشركة، بل كرمز سيادي تاريخي. وحتى في أشد أزمات السيولة، يبقى المساس بملكيتها أو تشغيلها محمّلاً بكلفة سياسية ووطنية تختلف جذرياً عن بيع أصل عقاري أو حصة في شركة.
لا تُعامل قناة السويس كأصل اقتصادي مماثل للأرض أو الشركة، بل كرمز سيادي تاريخي. وحتى في أشد أزمات السيولة، يبقى المساس بملكيتها أو تشغيلها محمّلاً بكلفة سياسية ووطنية
لكن البعد التاريخي لا يفسر وحده عدم البيع، إذ يوجد أيضاً سبب بنيوي. فالممر المائي نفسه لا يمكن بسهولة تجزئته أو فصل تشغيله عن الولاية السيادية. يمكن منح مستثمر حق تطوير ميناء أو منطقة صناعية، كما يمكن فصل التطوير العقاري عن ملكية الأرض. أما في ممر ملاحي دولي، فإن تحديد من يقرر المرور وكيفية إدارته يشكل في حد ذاته جزءاً من ممارسة الدولة لسيادتها على الممر.
يظهر الدليل الأقوى في أن قناة السويس تعرضت، خلال الفترة نفسها، لصدمة مالية شديدة. فقد انخفضت الإيرادات بعد ذروة 2022-2023، وتراجعت حركة السفن مع اضطراب البحر الأحمر. ومع ذلك، لم تتحول القناة إلى أصل مرشح للبيع. في المقابل، دخلت الأراضي والشركات والموانئ ووظائف اقتصادية أخرى في عمليات تسييل أو امتياز. وتكشف هذه المقارنة أن الحاجة إلى السيولة لا تحدد وحدها ما يُرهن وما لا يُرهن، بل تحدده أيضاً طبيعة الأصل ومكانته التاريخية، وإمكان فصل تشغيله عن السيادة عليه.
من يدفع ثمن الرهن؟
لا تكمن أهمية القصة فقط في معرفة من حصل على الأصول، بل أيضاً في معرفة من يتحمل كلفة إخراج الدولة من أزمتها. وهنا تظهر نتيجة أكثر قسوة. يمنح الرهن الدولة سيولة فورية، لكنه ينقل جزءاً من الكلفة إلى المستقبل وإلى فئات لا تملك قدرة كبيرة على التأثير في القرار.
وتبدأ الكلفة من خدمة الدين. ففي السنة المالية 2024-2025، بلغت مدفوعات الفوائد النقدية نحو 9.8% من الناتج المحلي، واستوعبت قرابة 78% من الإيرادات العامة، وفق بيانات صندوق النقد. وعندما تذهب حصة ضخمة من إيرادات الدولة إلى خدمة الدين، تضيق المساحة المتاحة للتعليم والصحة والأجور والاستثمار العام. فتخضع الموازنة أولاً لضرورة الوفاء بالالتزامات، قبل أن تتمكن من تمويل الاحتياجات الاجتماعية.
ثم تأتي الأسعار. فقد رفعت الدولة أسعار الوقود والكهرباء والخبز، ولا تنفصل هذه الزيادات عن البنية نفسها. ويمكن تفسير جزء منها بعوامل دولية أو بالحاجة إلى تصحيح اختلالات مالية، لكن الرهن يضيّق الهامش الذي تستطيع الدولة استخدامه لامتصاص الصدمات. فعندما تكون الأصول القابلة للتسييل قد جرى تسييلها، وتستهلك خدمة الدين معظم الإيرادات، يصبح تمرير جزء أكبر من الكلفة إلى المستهلك أكثر احتمالاً.
لذلك، يتحمل المستهلك جزءاً أساسياً من الكلفة. فارتفاع أسعار الطاقة ينتقل إلى النقل والغذاء والخدمات، ويتحمل المزارع كلفة ارتفاع المدخلات قبل أن ينتقل جزء منها إلى المستهلك. ويتحمل العامل بأجر ثابت التضخم عندما لا ترتفع أجوره بالسرعة نفسها. وحتى المصريون العاملون في الخارج يدخلون في هذه المعادلة بطريقة مختلفة، إذ تتحول تحويلاتهم إلى مصدر للعملة الصعبة يساعد الاقتصاد على تمويل احتياجاته.
لكن الأجيال المقبلة تدفع أيضاً. فعندما تستخدم الدولة أرضاً ذات قيمة مستقبلية أو أصلاً مربحاً للحصول على سيولة حالية، تحصل على منفعة فورية، لكنها تتخلى عن جزء من العائد المستقبلي الذي كان يمكن أن يدرّه الأصل. وإذا كان الأصل قادراً على تحقيق عوائد كبيرة مع مرور الزمن، فإن تحويله إلى سيولة اليوم يعني استبدال دخل مستقبلي بقدرة مالية حاضرة.
وهنا تظهر المفارقة. فقد تبدو الصفقة ناجحة وفق المؤشرات الكلية: يرتفع الاحتياطي، ويتحسن التصنيف الائتماني، وتمر مراجعات صندوق النقد، وتستقر الأسواق. لكن هذا التحسن لا يجيب عن السؤال الأهم: من أصبح يملك القدرة على اتخاذ القرار في الأصل بعد الصفقة؟ فقد تتحسن «الملاءة»، فيما تتراجع «السيطرة».
ويستحق الفارق بين «التخارج» و«الرهن» الانتباه. يفترض التخارج الاقتصادي الطبيعي أن تبيع الدولة أصلاً لأنها لم تعد تملك سبباً مقنعاً للاحتفاظ به، أو لأنها تستطيع توظيف حصيلة البيع في استثمار أكثر إنتاجية، أو لأنها تريد نقل النشاط إلى قطاع خاص أكثر كفاءة. ويأتي القرار، في هذه الحالة، ضمن سياسة ملكية واضحة. أما الرهن، فينشأ عندما تصبح الصفقة جزءاً من إدارة أزمة سيولة. عندئذ لا يصبح السؤال الأول: من هو المالك الأفضل لهذا الأصل على المدى الطويل؟ بل: من يستطيع توفير الدولار الآن؟ وهذا الاختلاف في ترتيب الأسئلة هو ما يغيّر معنى الصفقة.
تحصل على استقرار نسبي في العملة والاحتياطي والأسواق، فيما قد يتحمل المواطن لاحقاً ارتفاع أسعار الخدمات أو تقلص الخيارات المالية أو فقدان عوائد أصول كان يمكن أن تدر دخلاً عاماً
ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين قيمة الأصل وسعر الصفقة. فقد يكون السعر مرتفعاً، وقد تحقق الدولة حصيلة ضخمة، لكن ذلك لا يحسم ما إذا كانت قد حصلت على مقابل عادل للقيمة التي كان يمكن أن ينتجها الأصل مستقبلاً. فإذا أنفقت الدولة على طريق ومطار وشبكات مياه وطاقة واتصالات حول منطقة ما، فإنها لا تبيع الأرض وحدها عندما تدخل في صفقة، بل تبيع أيضاً جزءاً من القيمة التي صنعتها هذه الاستثمارات العامة. لذلك، ينبغي قياس أثر الرهن عبر دورة القيمة كاملة: من الإنفاق العام الذي رفع قيمة الأصل، إلى سعر التسييل، ثم إلى العائد الذي يذهب إلى المالك أو المطور بعد الصفقة.
ويغيّر ذلك أيضاً طريقة النظر إلى الموانئ. فالميناء ليس مجرد رصيف وحاويات، بل تعتمد قيمته على الطرق والسكك الحديدية والمناطق الصناعية والخدمات اللوجستية المحيطة به. وعندما ينتقل حق التشغيل أو التطوير إلى مستثمر طويل الأجل، لا يدخل المستثمر إلى منشأة قائمة فقط، بل إلى منظومة قيمة بنتها الدولة على مدى سنوات. وينطبق الأمر نفسه، بدرجات مختلفة، على أراضي الساحل الشمالي والمناطق الاقتصادية الجديدة. لذلك، لا ينبغي تقييم الصفقة انطلاقاً من مبلغ الدخول وحده، بل أيضاً من حجم القيمة التي يمكن أن تتولد لاحقاً، ونصيب الخزانة منها، وطبيعة الحقوق التي حصل عليها المستثمر ومدتها وشروط تجديدها أو تعديلها.
وبهذا المعنى، يتعلق الرهن أيضاً بتوزيع الزمن. تنقل الدولة منفعة إلى الحاضر مقابل التزام أو تنازل يمتد إلى المستقبل. فتحصل على استقرار نسبي في العملة والاحتياطي والأسواق، فيما قد يتحمل المواطن لاحقاً ارتفاع أسعار الخدمات أو تقلص الخيارات المالية أو فقدان عوائد أصول كان يمكن أن تدر دخلاً عاماً. وكلما غابت الشفافية عن العقود والتقييمات وشروط الاسترداد، وهي غائبة في معظمها، صَعُب على المجتمع معرفة ما إذا كان قد باع أصلاً بصورة مؤقتة أم تنازل عن جزء من قدرته المستقبلية.
تحول في وظيفة الدولة
لا تختصر القضية المصرية، إذن، في بيع الأصول، بل تكشف تحولاً تدريجياً في وظيفة الدولة الاقتصادية. ففي المرحلة الأولى، استخدمت الدولة الاقتراض والاستثمار العام لبناء أصول ومرافق ومناطق جديدة. ثم أدى تراكم الالتزامات والصدمات الخارجية إلى أزمة سيولة. وفي المرحلة الثانية، تحولت بعض الأصول التي بنتها الدولة أو رفعت قيمتها إلى أدوات للحصول على الدولار. ومع كل عملية تسييل، انتقل إلى المستثمر جزء من القيمة المستقبلية أو من القدرة التشغيلية، فيما بقي الغلاف القانوني للدولة قائماً.
وهذا هو جوهر «السيادة المرهونة»: لا تفقد الدولة سيادتها، لكنها تمارسها تحت قيد مالي متراكم. ولا يتعلق الأمر باستعمار مباشر، ولا بمجرد استثمار أجنبي، ولا حتى بالضرورة بمؤامرة أو إكراه خارجي. بل تنشأ هذه العلاقة عندما تصبح حاجة الدولة إلى السيولة أقوى من قدرتها على الانتظار، ويصبح المستثمر قادراً على دفع الثمن، وتكون الأصول قابلة للتجزئة والتقييم والتشغيل المنفصل.
وتمثل قناة السويس حداً واضحاً لما يمكن تسييله، ليس فقط بسبب أهميتها الاقتصادية، بل أيضاً بسبب معناها التاريخي المرتبط بالاستقلال والتأميم. في المقابل، تبدو الأراضي والموانئ والشركات وبعض الوظائف الاقتصادية أكثر قابلية للرهن، لأنها تسمح بفصل الملكية القانونية عن السيطرة التشغيلية.
لذلك، لا ينبغي أن يتركز السؤال في المرحلة المقبلة على عدد الدولارات التي دخلت إلى الخزانة من بيع أصل أو منح امتياز. الأهم هو: كم بقي داخل الدولة من القدرة على تحديد المستقبل الاقتصادي للأصل؟ وإذا كانت البنية الأساسية التي موّلتها الدولة قد رفعت قيمة الأراضي والموانئ والمناطق الجديدة، فمن حق المجتمع أن يعرف كيف توزعت هذه الزيادة في القيمة، ومن حصل على عائدها، خصوصاً أنه دفع أثماناً باهظة منها من مستوى معيشته.
قد يحل الرهن أزمة اليوم، لكنه لا يحل بالضرورة مشكلة الدولة التي أنتجت الأزمة. وإذا استمرت الدولة في استخدام الأصول المربحة للحصول على السيولة، فقد تجد نفسها، مع كل أزمة جديدة، أمام مخزون أصغر من الأصول القادرة على إنقاذها. عندها، لا يعود السؤال من يملك الأصل قانونياً، بل من يملك الخيارات عندما تأتي الأزمة التالية.
ولا يكمن الخطر الحقيقي على السيادة المصرية في الاستثمار الخليجي، أو في إدارة مستثمر أجنبي لميناء أو مشروع صناعي، بل في أن تتحول الحاجة المالية إلى قاعدة دائمة لصنع القرار، وأن يصبح بيع المستقبل شرطاً لتمويل الحاضر. عند هذه النقطة، لا تختفي السيادة، لكنها تصبح سيادة مرهونة.