معاينة lebanon damaged solar panels

أضرار واحتياجات قطاعي الطاقة والمياه بعد الحرب

لم يعُد خافياً أنّ الحرب الاسرائيليّة الأخيرة على لبنان هدفت إلى القضاء على أدنى مقوّمات الحياة ومنع عودة السكّان إلى قراهم الحدودية ومنازلهم في المدى القريب من خلال عمليّات القصف والجرف والتّدمير التي طالت البنى التّحتيّة الأساسيّة وتحديداً قطاعات الكهرباء والمياه والصرف الصحّي والريّ.

يشير تقرير «التقييم السريع للأضرار والحاجات في لبنان» الذي أعدّه البنك الدولي بطلب من الحكومة اللبنانية إلى أن الأضرار المباشرة على منشآت هذه القطاعات بلغت نحو 454 مليون دولار أميركي ما يشكلّ حوالي 6% من مجمل الأضرار المقدّرة ب 6,8 مليار دولار، في حين بلغت حاجات التعافي وإعادة الإعمار حوالي 655 مليون دولار من أصل مبلغ اجمالي ناهز 11 مليار دولار. أمّا من ناحية الخسائر التي تكبّدتها هذه القطاعات والتي نشأت عن الغياب المؤقت لهذه الخدمات سواء في فترة الحرب أو في الفترة التي يفترض أن تبدأ مرحلة الإعمار وحتى نهاية العام 2025، قتقدّر بحوالي 380 مليون دولار.

أضرار قطاعي الطاقة والمياه

قطاع الطاقة

تبلغ الأضرار التي تكبّدها قطاع الكهرباء نحو 98 مليون دولار وتشكّل 1% من مجمل الأضرار التي تكبّدتها 10 قطاعات خضعت لتقييم البنك الدولي. أما الخسائر، أي الإيرادات الفائتة نتيجة تعطيل هذه الخدمة فتبلغ نحو 209 مليون دولار (2% من مجمل الخسائر). وعليه يقدّر البنك كلفة إعادة إعمار الأصول المادية واستعادة الخدمات بنحو 147 مليون دولار (1% من مجمل كلفة إعادة الإعمار)

والواقع أنه لم يكن ينقص قطاع الطاقة مزيداً من الأضرار والمشكلات، وهو الذي كان أصلاً يعاني من جرّاء الأزمة الاقتصادية التي يعيشها لبنان منذ العام 2019 وصُنّف من البنك الدّولي نفسه على أنه أكبر عائق أمام اقتصاد لبنان وبيئته. لقد أثّرت الأزمة بشكلٍ كبير على القدرة الانتاجية لمؤسسة كهرباء لبنان بسبب عدم القدرة على التزوّد بالفيول، ولجأ المواطنون الى الاعتماد أكثر على مولّدات الأحياء وأنظمة الطاقة الشّمسية الموزّعة. صحيح أنه، وعلى عكس حرب تموز في العام 2006، لم تطل الاعتداءات الاسرائيلية محطّات الإنتاج الرئيسة أو أعمدة التوتّر العالي، الاّ أنها أدّت الى أضرار بحوالي 98 مليون دولار طال معظمها شبكتي النّقل والتوزيع على التوتّر المتوسّط والمنخفض. وتعد هذه الأخيرة الأكثر تضرّراً وانتشاراً، فهي التي توصل التيّار الكهربائي إلى المستهلكين النهائيين في المنازل والمحلات والمدارس.

انقسمت الأضرار بين 24 مليون دولار على شبكة النّقل و74 مليون دولار على شبكة التوزيع، وقد أدّى القصف الممنهج والتجريف إلى تدمير الأعمدة والكابلات والمحوّلات الرئيسة، بالإضافة إلى محطّات التحويل والتوزيع  والكابلات تحت الأرض في الضاحية الجنوبية لبيروت. تركّزت الأضرار في محافظة النبطية بحوالي 41 مليون دولار، تليها محافظتي جبل لبنان والجنوب بنحو 27 و20 مليون دولار على التوالي.

من جهة أخرى، تسبّبت الحرب بخسائر بقيمة 209 ملايين دولار، هي عبارة عن كلفة الفواتير غير المجباة من الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبيّة والتابعة للأبنية والمنازل المُهدّمة كليّاً. وتشمل هذه الأرقام الفترة بين آخر إصدار في تشرين الثاني/توفمبر 2023 وحتى كانون الأول/ديسمبر 2024، بالإضافة إلى كلفة السنة الأولى من التعافي بعد الحرب. وقد سجّلت محافظة الجنوب النسبة الأكبر بنحو 83 مليون دولار، ومن ثمّ جبل لبنان بنحو 59 مليون دولار وأخيراً النبطيّة بنحو 36 مليون دولار.

بحسب تقييم «البنك الدولي»، تُقدّر احتياجات التعافي وإعادة الإعمار في قطاع الطاقة بحوالي 147 مليون دولار، 127 مليون منها هي عبارة عن استثمارات لإعادة بناء البنية التحتية لشبكة الكهرباء، والتي تغطّي إعادة تأهيل وتحديث شبكات النقل والتوزيع، بالإضافة إلى 20 مليوناً لأعمال التصميم الاستشارية والهندسيّة واستعادة الخدمة التشغيلية. ويشير البنك الدولي إلى الحاجة إلى 66 مليون دولار من أصل المبلغ الاجمالي بشكلٍ فوري خلال العام  2025 لتأهيل 50% من شبكة التوزيع المتضرّرة، و30% من شبكة النقل، ومن ثمّ 79 مليون دولار بين عامي 2026 و2027 للأضرار المتبقّية.

اللافت أن تقييم الأضرار لم يشمل تلك التي لحقت بأنظمة الطاقة الشمسية الموزّعة على أسطح المباني والمنازل والمؤسّسات فضلاً عن مولّدات الأحياء والشبكات المرتبطة بها، والتي شكّلت المصدر الرئيس للطاقة بالنسبة إلى الكثير من المواطنين والمؤسسات في ظلّ غياب «كهرباء الدّولة» التي انخفضت تغطيتها إلى معدّل ساعة أو ساعتين في اليوم في العام 2022، قبل أن ترتفع بشكل طفيف إلى نحو 4 أو 5 ساعات يومياً في خلال العام 2023 وتستقرّ عند معدّل 5 إلى 6 ساعات في العام الماضي. وكما غاب الإحصاء الدقيق لكمية الكهرباء المنتجة من هذه الأنظمة في خلال سنوات الأزمة المستمرّة، لم يلحظ إحصاء الأضرار الكميّة التي فُقدت أيضاً بعد الحرب، ما يشكل عائقاً رئيساً ويمكن أن يزيد من كلفة الأضرار وإعادة الإعمار. ناهيك عن استمرار الاحتلال الإسرائيلي للكثير من القرى والمناطق الجنوبية التي لم يشملها المسح عند تاريخ صدور التقرير.

قطاعات المياه والصرف الصحي والريّ

تكبّدت قطاعات المياه والصّرف الصحي والرّيّ أضراراً تساوي حوالي ثلاث أضعاف تلك التي لحقت بقطاع الطّاقة من جّراء الحرب الاسرائيليّة، وهي قطاعات كانت تعاني أيضاً من من البنية التحتية القديمة وتأثيرات تغيّر المناخ، والتي تفاقمت بدورها بسبب العدوان والأزمات الاقتصادية. فقد قدّر البنك الدّولي أضرار الحرب المباشرة على هذه القطاعات بحوالي 356 مليون دولار أميركي (5% من مجمل الأضرار)، من ضمنها 341 مليون دولار لإمدادات المياه والصرف الصحي، و15 مليون دولار أميركي لشبكات الريّ خارج المزارع. وتشمل هذه الأضرار حوالي 64% من الخزّانات المجتمعيّة في القرى لتوزيع المياه، و46% من خزانات المياه، و58% من محطّات الضّخ و23% من محطّات معالجة المياه، والتي إمّا تضرّرت كليّاً أو جزئيّاً.

أمّا من حيث الصّرف الصحي، فقد تدمّرت 3 محطّات صرف صحي و3 محطات ضخّ لمياه الصرف الصحّي من جرّاء العدوان، ما يهدّد بزيادة نسب الأمراض المنقولة بالمياه والتلّوث في المسطحات المائية القريبة. بالاضافة الى ذلك، تضرّر حوالي 10% من شبكات الرّي أو ما يقارب 77 كيلومتراً من أصل 754 كيلومتر من الشبكات.

إلى ذلك، يقدّر تقييم «البنك الدولي» الخسائر في هذه القطاعات بحوالي 171 مليون دولار (2% من الإجمالي)، وهي تتضمّن الزيادات في الكلف التشغيليّة لمؤسّسات المياه الأربع نتيجة للأضرار التي لحقت بنظام الإمداد (24 مليون دولار)، والإيرادات المفقودة بسبب انقطاع التغذية عن الوحدات المتضررة (7 مليون دولار) واضطرار الأسر الاعتماد على مصادر أخرى كصهاريج المياه، والتي تبلغ كلفتها 10 أضعاف تلك الآتية من المؤسّسات (140 مليون دولار)، والتي سينخفض الطّلب عليها بحوالي 32%.

تحتاج هذه القطاعات الى حوالي 508 مليون دولار لإعادة الأصول المتضرّرة واستعادة الخدمات التي كانت تنتجها، وهو ما يشكّل 4% من مجمل كلفة إعادة الإعمار والتعافي التي قدّرها البنك الدولي بنحو 11 مليار دولار لعشرة قطاعات أساسية. وتتضمّن هذه الكلفة نحو 462 مليون دولار لإعادة إعمار البنى التحتيّة و46 مليون دولار لاستعادة تقديم الخدمات كما كانت عليه قبل الحرب. إلا أن ارتباط هذه الخدمات وتأثيرها على الصحّة العامة والاستدامة البيئيّة يتطلّب مقاربتها بأولويّة قصوى. لذلك، يوصي التقرير بتقديم احتياجات طارئة بقيمة 144 مليون دولار في العام 2025 من أجل اتخاذ تدابير لتوفير الطاقة لتشغيل مرافق المياه، واستعادة خدمات الإمداد ومراقبة الجودة، وإصلاح البنية التحتية للريّ للمساعدة في منع الأزمات الصحيّة. ويتبع ذلك 264 مليون دولار في 2026-2027 و100 مليون دولار بين 2028 و2030.

وسط كل ذلك، يبرز تحدًّ كبير يتعلّق بأن تقديرات الأضرار اعتمد على أدوات التقييم عن بعد (تحليل لصور الأقمار الصناعيّة، الذكاء الاصطناعي، إلخ) ولم يشمل كل شبكات المياه والصرف الصحي الموجودة تحت الأرض وتتطلّب تحققاً ميدانياً ما قد يرفع الكلف والخسائر في المستقبل. أضف إلى ذلك قيود مرتبطة بعدم كفاية البيانات المتعلقة بشبكات الري، وغياب خط الأساس للوضع ما قبل الحرب، كما تقدير للخسائر الاقتصادية الناجمة عن الاعتماد على صهاريج نقل المياه في المدى المنظور.