فرنسا التي تتمرّد على جمهوريتها
غضب المحتقَرين

تواجه الجمهورية الفرنسية تناقضاً يتعمّق بين المساواة التي تقوم عليها شرعيتها، واللامساواة التي يعيشها مواطنوها. ففي بلد جعل من الحرية والمساواة أساساً لهويته السياسية، تتسع الفجوة بين الحقوق التي تكفلها المواطنة قانونياً، والقدرة الفعلية على الوصول إلى العمل والتعليم والخدمات والحماية الاجتماعية. وتكشف الاحتجاجات التي تشهدها فرنسا منذ مطلع تشرين الأول/أكتوبر 2026 عن أزمة تتجاوز تدهور الظروف المعيشية، لتطال علاقة المواطنين بالدولة ومؤسّساتها، وقدرتها على ضمان الكرامة والاعتراف والمشاركة في تقرير المصير الجماعي.

يتخذ الغضب الاجتماعي أشكالاً متعدّدة، من احتجاجات التلاميذ والطلبة إلى تحرّكات الأجراء وسكّان المناطق المهمّشة والطبقات الوسطى المهدّدة بالتراجع. وعلى اختلاف مطالب هذه الفئات ومواقعها الاجتماعية، يجمع بينها تآكل الثقة في المؤسسات التي يفترض أن توفّر الحماية وتضمن تكافؤ الفرص، خصوصاً مع تعمّق السياسات النيوليبرالية، التي دفعت الأفراد إلى تحمّل مسؤولية التكيّف مع أزمات تتجاوز قدرتهم على التحكّم بها، فيما تتراجع قدرة الدولة على معالجة أسباب التفاوت الاجتماعي.

تطرح هذه التحوّلات سؤالاً يتجاوز مستقبل الاحتجاجات الراهنة: كيف أصبحت الجمهورية، التي تأسّست على الثورة ضدّ الامتيازات، موضع غضب مواطنين يشعرون بالإقصاء والاحتقار؟ وهل يكشف تمرّدهم عن فقدان الثقة بوعدها بالمساواة، أم عن تمسّكهم بهذا الوعد في مواجهة السياسات والمؤسسات التي تقوّض شروط تحقيقه؟

فرنسا التي ترفض رؤية نفسها

خرج مئات الآلاف إلى الشوارع الفرنسية في 17 تشرين الأول/أكتوبر 2026، في تعبئة التقت فيها احتجاجات التلاميذ والطلبة مع مطالب النقابات وقطاعات من الطبقات الشعبية المتضرّرة من ارتفاع تكاليف المعيشة. لم يشكّل هذا الالتقاء حركة اجتماعية موحّدة، لكنه كشف عن تقاطع أزمات تتراكم داخل مؤسسات التعليم والعمل والحماية الاجتماعية، وعن اتّساع الغضب إلى فئات ومناطق مختلفة، بما فيها شرائح من الطبقات الوسطى التي أخذت تفقد ثقتها بمستقبلها.

تعود جذور هذه الأزمة إلى تحوّلات طاولت النموذج الاجتماعي الفرنسي على مدى عقود. فقد قامت الجمهورية على دور مركزي للدولة في توحيد المجال الوطني، وعلى المدرسة بوصفها أداة لصناعة المواطن، والعمل مصدراً للاندماج الاجتماعي، والحماية الاجتماعية وسيلة للحدّ من التفاوت الطبقي. غير أن هذه المؤسسات لم توفّر الفرص والحماية لجميع الفرنسيين بالتساوي. فقد تعايشت المساواة القانونية مع امتيازات اجتماعية وثقافية موروثة، واستمرّت الفوارق بين المناطق والفئات، فيما عجزت المدرسة عن تجاوز آليات إعادة الإنتاج الطبقي.

تعايشت المساواة القانونية مع امتيازات اجتماعية وثقافية موروثة، واستمرّت الفوارق بين المناطق والفئات، فيما عجزت المدرسة عن تجاوز آليات إعادة الإنتاج الطبقي

ومع التحوّلات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها فرنسا منذ ثمانينيات القرن الماضي، تراجعت قدرة هذه المؤسسات على احتواء التناقضات التي رافقت نشأتها. فقد أدّت إزالة التصنيع وإعادة هيكلة المؤسسات الإنتاجية وتوسّع الأنشطة الخدمية والمالية إلى إعادة تشكيل الجغرافيا الاجتماعية للبلاد. وتجاوزت آثار تراجع الصناعات التقليدية خسارة الوظائف، إذ طاولت البنى الاجتماعية التي تشكّلت حول المصانع، من الهويات المهنية والتضامنات النقابية إلى الثقافات السياسية المحلية. وكانت هذه البنى تمنح قطاعات من الطبقات الشعبية مكانة اجتماعية وقدرة على التنظيم والتأثير، وتتيح لها تصوّر مستقبل مهني ومعيشي مستقر. ومع تفكّكها، أصبحت العلاقات المهنية أكثر فردانية، وتراجعت بعض الأطر الجماعية التي كانت تحوّل المطالب الاجتماعية إلى قوّة سياسية منظّمة. وهكذا، ترافق فقدان الاستقرار المهني لدى قطاعات من العمّال مع تراجع قدرتها على التعبير الجماعي عن مصالحها والدفاع عنها.

تزامن ذلك مع إعادة توزيع غير متكافئة للاستثمارات والوظائف والخدمات بين المناطق الفرنسية. فقد استفادت بعض المدن الكبرى من تمركز الأنشطة الاقتصادية ذات القيمة المضافة المرتفعة والوظائف المؤهّلة، فيما شهدت مناطق صناعية سابقة ومجالات ريفية وشبه حضرية تراجعاً متفاوتاً في فرص العمل والخدمات. واتّسعت الفجوات في الوصول إلى التعليم والصحّة والنقل والموارد الثقافية، لتصبح المسافة بين المركز والأطراف اجتماعية واقتصادية أيضاً.

لكن التفاوت لا يقتصر على العلاقة بين المدن والأطراف. ففي الضواحي الشعبية للمدن الكبرى، تتداخل الهشاشة الاقتصادية مع التمييز والعزل الجغرافي والتوتّر مع المؤسسات الأمنية. ويختبر بعض السكّان حضوراً غير متكافئ للدولة، التي تبدو بعيدة حين يتعلّق الأمر بالخدمات والحماية الاجتماعية، وأكثر حضوراً عبر أجهزة المراقبة والضبط. 

كشفت انتفاضات الضواحي سنة 2005 عن عمق هذه التناقضات، حين تحوّل الغضب المتراكم لدى قطاعات من الشباب إلى مواجهات مع مؤسسات الدولة. وجاءت الاحتجاجات التي أعقبت مقتل نائل في نانتير سنة 2023 لتعيد إظهار استمرار التمييز والإقصاء والتوتّر مع الأجهزة الأمنية. وفي الحالتين، برز التناقض بين الاعتراف القانوني بالمواطنة والتجربة اليومية لفئات لا تشعر بأنها تتمتّع بالمكانة والاعتبار نفسيهما اللذين يتمتّع بهما سائر المواطنين.  أما حركة السترات الصفراء سنة 2018، فقد كشفت عن وجه آخر لهذه الأزمة. فقد تحوّلت الدوارات المرورية إلى مساحات احتجاجية عبّرت عن ظروف معيشية قلّما حظيت بالاهتمام في النقاش السياسي. وكانت ضريبة الوقود الشرارة التي أطلقت مساءلة أوسع لتوزيع الأعباء الضريبية والاقتصادية، وللمسافة بين مراكز القرار وحياة فئات تعتمد على السيارة للوصول إلى العمل والخدمات.

تعود هذه المسألة إلى الواجهة اليوم مع ارتفاع تكاليف الطاقة والمعيشة، لكنها تتقاطع مع احتجاجات شبابية تنطلق من أزمة المدرسة. وتكتسب هذه الأزمة أهمية خاصة في فرنسا، حيث ارتبطت شرعية التعليم الجمهوري بوعد تحرير الأفراد من محدّداتهم الطبقية والعائلية، وإتاحة الترقّي الاجتماعي بالاعتماد على المعرفة والجهد والاستحقاق. غير أن التوسّع في التعليم لم يلغِ التفاوت في شروط النجاح، ولم يضمن تحوّل الشهادات إلى وظائف مستقرّة. فما زالت الموارد الاقتصادية والثقافية للأسر، والفوارق بين المؤسسات التعليمية والمناطق، تؤثّر في المسارات الدراسية والمهنية. وتكتسب هذه اللامساواة طابعاً أكثر قسوة حين يُنسب الإخفاق إلى قدرات الطالب وجهده، من دون الاعتراف بالشروط الاجتماعية التي تحدّد فرص نجاحه. وهكذا، قد تتحوّل المدرسة، التي تعد بتجاوز الامتيازات الموروثة، إلى مؤسسة تمنح نتائج تلك الامتيازات مشروعية باسم المنافسة والاستحقاق.

في هذا السياق، تكتسب التعبئات التلاميذية التي بدأت في أيلول/سبتمبر 2026 دلالتها الاجتماعية. فالمطالب المتعلّقة بنقص المدرّسين والاكتظاظ وتدهور ظروف الدراسة تطرح مسألة الموارد التي تخصّصها الدولة لتعليم الأجيال الجديدة، ومدى قدرتها على ضمان فرص متكافئة لها. وتزداد حدّة هذه التناقضات حين تواجه الأسر تراجعاً في قدرتها الشرائية، وتصبح مطالبة بتحمّل أعباء إضافية لتعليم أبنائها، فيما يدخل الشباب سوق عمل تتفاوت فيه الفرص والاستقرار المهني. وفي ظلّ هذه الظروف، يتراجع اليقين بأن التعليم والعمل والجهد الفردي تكفي لضمان مستقبل أفضل. ويصبح المستقبل نفسه امتيازاً تتفاوت القدرة على الوصول إليه بحسب الموقع الاجتماعي.

تُظهر هذه التحوّلات أن اللامساواة لا تُختبر من خلال الدخل وفرص العمل والخدمات وحدها، وإنما أيضاً عبر الشعور بانعدام التقدير والاعتراف. فالعامل الذي فقد استقراره المهني، والطالب الذي يخشى انسداد مستقبله، وسكّان المناطق المهمّشة الذين يشعرون بتجاهل مطالبهم، يواجهون أشكالاً مختلفة من فقدان السيطرة على شروط حياتهم. ومع تراجع قدرة الأحزاب والنقابات على تنظيم هذه التجارب في مطالب جماعية، يتّخذ الاستياء أشكالاً متفرّقة من الغضب والارتياب في النخب والمؤسسات.

يكشف ذلك عن حدود المقاربة الإدارية للأزمة. فالدولة الفرنسية تمتلك أجهزة واسعة لإنتاج المعلومات والمؤشّرات وقياس البطالة والتضخّم والفقر، لكنها تواجه صعوبة في تحويل هذه المعرفة إلى استجابة سياسية للتجارب الاجتماعية التي تختبئ خلف الأرقام. وفي المسافة بين المؤشّرات الاقتصادية والحياة الفعلية للمواطنين، تتعمّق أزمة التمثيل، ويترسّخ الشعور بأن المؤسسات تتحدّث عن الناس وتحدّد أولوياتهم من دون أن تصغي إليهم.

لا يعني ذلك أن الدولة الاجتماعية الفرنسية اختفت، أو أن التحوّلات الاقتصادية ألغت جميع المكاسب التي تحقّقت خلال العقود الماضية. فما زالت مؤسسات الحماية وإعادة التوزيع تؤدّي أدواراً واسعة، كما أتاح التوسّع التعليمي والمهني فرصاً جديدة لفئات عديدة. لكن استمرار هذه المكاسب لا يمنع تراجع الثقة في قدرتها على توفير الأمان والعدالة مستقبلاً.

وتكمن الأزمة في اتّساع الفجوة بين قدرة الدولة على إدارة المجتمع وقدرتها على الاستجابة لتناقضاته. فالمؤسسات التي قامت عليها شرعية الجمهورية لا تزال قائمة، لكنها أصبحت عاجزة، بالنسبة إلى قطاعات من المواطنين، عن الوفاء بالوعود الاجتماعية التي منحتها تلك الشرعية.

ماذا فعل ماكرون في فرنسا؟

جاء إيمانويل ماكرون إلى السلطة سنة 2017 في ظلّ أزمة أصابت الأحزاب الفرنسية التقليدية وأضعفت قدرتها على تقديم بدائل سياسية مقنعة. وقدّم نفسه بوصفه ممثّلاً للتجديد والحداثة والكفاءة، ووعد بتجاوز الانقسامات الأيديولوجية وإطلاق قدرات الاقتصاد الفرنسي. لكن مشروعه السياسي حمل تصوّراً يجعل التنافسية والاستثمار والمرونة الاقتصادية معايير أساسية لتحديد أولويات الدولة، ويمنح الخبرة الإدارية والاقتصادية موقعاً متقدّماً في صناعة القرار.

وقد مثّل صعوده أيضاً تقدّم جيل من النخب التي تشكّلت مساراتها بين مؤسسات التعليم النخبوي والإدارة العليا والمصارف الاستثمارية ومراكز السلطة. وينتمي ماكرون إلى هذا الوسط الذي يُطلق على بعض أفراده وصف «الفتيان الذهبيين»، حيث تتحوّل الشهادات والعلاقات المهنية والخبرة المالية إلى موارد للصعود السياسي.

يمكن فهم وصف الماكرونية بأنها «مرض للجمهورية» كنقد للتحوّل في آليات الحكم والشرعية. فالمؤسسات الديمقراطية ما زالت قائمة، لكن قدرتها على إصدار القرارات وتنفيذها لا تقابلها قدرة مماثلة على بناء قبول اجتماعي بها

لا تتعلّق المسألة بسيرة رئيس عمل سابقاً في مصرف روتشيلد، وإنما بنمط اجتماعي تتداخل فيه شبكات السلطة الاقتصادية والإدارية والسياسية. ففي هذا النمط، تُقدَّم الخبرة الاقتصادية بوصفها مؤهّلاً لتحديد المصلحة العامة، فيما تتحوّل الامتيازات التي تنتجها المؤسسات التعليمية والعلاقات الاجتماعية ورأس المال الاقتصادي إلى دليل على الاستحقاق الفردي. وتزداد بذلك صعوبة مساءلة الشروط الطبقية التي أتاحت للنخب الوصول إلى مواقع القرار.

لم تصنع الماكرونية تمركز الثروة والنفوذ الاقتصادي في فرنسا، فقد سبقها تشابك طويل بين النخب الإدارية والمالية والسياسية. لكنها أعادت تنظيم العلاقة بين هذه القوى، ومنحت بعض مصالحها موقعاً متقدّماً في السياسات الاقتصادية.

وقد تجلّى ذلك في الإصلاحات الضريبية لسنة 2018، وخصوصاً تحويل الضريبة التضامنية على الثروة إلى ضريبة تتركّز على الثروة العقارية، واعتماد ضريبة موحّدة على عائدات رأس المال. وقد دافعت الحكومة عن هذه الإجراءات باعتبارها وسيلة لتشجيع الاستثمار وزيادة جاذبية فرنسا لرؤوس الأموال. غير أن دراسة للمعهد الوطني للإحصاء أظهرت تركّز المكاسب المباشرة لهذه الإصلاحات لدى الأسر الموجودة في أعلى سلّم توزيع الدخل.

تكشف هذه النتائج عن التوزيع غير المتكافئ لمنافع سياسات قُدّمت بوصفها ضرورية لازدهار الاقتصاد بأكمله. وهي تطرح سؤالاً يتجاوز فعالية الإجراءات في جذب الاستثمار، ليتعلّق بالجهات التي تستفيد من الموارد والإعفاءات التي تمنحها الدولة، وبموقع المصالح الاجتماعية المختلفة في تحديد أولوياتها. وتعبّر هذه الخيارات عن تحوّل أوسع في وظيفة الدولة، من الحدّ من اختلالات السوق وحماية المجتمع من آثارها إلى تكييف المؤسسات والعلاقات الاجتماعية مع متطلّبات المنافسة الاقتصادية. وقد ظهرت هذه المقاربة في إصلاحات قانون العمل، والتأمين ضدّ البطالة، والتقاعد، وفي الخطاب الذي يربط الاندماج الاجتماعي بالقدرة الفردية على المبادرة والتكيّف.

يقوم هذا التصوّر على افتراض أن توسيع المرونة وتحفيز المبادرة الفردية يسمحان بتحسين الأداء الاقتصادي وخلق فرص جديدة. لكنه يتعامل مع أفراد وفئات يملكون موارد متفاوتة، ولا يتحمّلون المخاطر الاقتصادية بالقدرة نفسها. فالعامل الذي يعتمد على أجره لتأمين معيشته لا يمتلك الموقع التفاوضي نفسه الذي يتمتّع به صاحب رأس المال، كما أن فقدان الوظيفة أو تراجع الدخل يحملان آثاراً مختلفة بحسب مستوى الثروة والحماية المتاحة.

ومع تراجع بعض الضمانات الجماعية، تتفاوت القدرة على الاستفادة من الحرية الاقتصادية. فهي تتيح فرصاً أوسع للفئات التي تمتلك رأس المال والموارد، فيما تفرض على فئات أخرى تحمّل مزيد من المخاطر واللايقين. ويترافق ذلك مع تصوّر يجعل الأفراد مسؤولين عن نجاحاتهم وإخفاقاتهم، بصرف النظر عن الشروط البنيوية التي تحدّد فرصهم.

ويتحوّل العامل الذي فقد استقراره المهني إلى شخص مطالب بإعادة تأهيل نفسه، والموظّف الذي تراجعت قدرته الشرائية إلى فرد مطالب بالتكيّف، والشاب الذي تعثّر مساره الدراسي إلى مسؤول عن إخفاقه. وبهذه الطريقة، تنتقل مسؤولية الاختلالات الاجتماعية بصورة متزايدة من السياسات والمؤسسات إلى الأفراد، ويتحوّل التفاوت في الموارد والفرص إلى تفاوت يُفسَّر بالجهد والقدرة على التكيّف.

لا يمكن فصل هذه السياسات عن البناء الاقتصادي الأوروبي، الذي جعل المنافسة والانضباط المالي جزءاً من شروط ممارسة السيادة الوطنية. فالحكومات الأوروبية تواجه ضغوط الأسواق المالية والميزانيات العامة وقواعد الاتحاد الأوروبي، وتُطالَب بالتوفيق بينها وبين التزاماتها الاجتماعية. لكن هذه القيود لا تلغي الاختيارات السياسية المتاحة. فالحاجة إلى معالجة العجز المالي أو تعديل أنظمة الحماية لا تحدّد مسبقاً الفئات التي يجب أن تتحمّل الكلفة أو الطريقة التي ينبغي أن تتوزّع بها الأعباء. وتبقى هذه المسائل موضع صراع بين المصالح الاجتماعية، حتى حين تُقدَّم الإجراءات بوصفها ضرورات تقنية لا بديل منها.

وقد كشفت الماكرونية عن هذا التناقض عبر منح الخبرة الاقتصادية موقعاً مركزياً في تبرير القرارات، وتصوير بعض الاعتراضات الشعبية كما لو أنها مواجهة بين عقلانية الإصلاح وانفعالية الشارع. وتكمن مشكلة هذه المقاربة في إخراج الخيارات المتعلّقة بتوزيع الموارد والحقوق والمخاطر من نطاق النقاش السياسي، والتعامل معها بوصفها حلولاً تحدّدها الخبرة وحدها. 

كان إصلاح التقاعد سنة 2023 من أبرز الأمثلة على ذلك. فقد دافعت الحكومة عن رفع السنّ القانونية للتقاعد باعتباره استجابة للتحدّيات الديمغرافية والمالية، فيما اعترضت النقابات وقطاعات اجتماعية على تجاهل التفاوت في شروط العمل والمشقّة والمسارات المهنية. وتجاوز الخلاف مسألة عدد سنوات العمل، ليطرح سؤالاً عن عدالة توزيع الزمن الاجتماعي. فتمديد سنوات العمل لا يحمل الكلفة نفسها لعامل أمضى حياته في مهنة شاقّة، ولموظّف إداري يتمتّع بظروف عمل وحماية صحّية أفضل. وحين استُخدمت الآليات الدستورية لإقرار الإصلاح في مواجهة اعتراضات واسعة، برز التباعد بين شرعية القرار القانونية ومدى قبوله اجتماعياً.

وكانت السترات الصفراء قد طرحت مسألة مشابهة سنة 2018، حين اصطدمت الزيادة في الضرائب على الوقود، المقدّمة في إطار السياسة البيئية، بظروف حياة فئات تعتمد على السيارات للوصول إلى العمل والخدمات. فقد كشفت الاحتجاجات عن تفاوت القدرة على تحمّل كلفة التحوّل البيئي، وعن محدودية السياسات التي تتجاهل اختلاف الموارد والظروف المعيشية بين المناطق والطبقات.

تشير هاتان التجربتان إلى نمط متكرّر في إدارة السياسات الاقتصادية: تُقدَّم الإجراءات باسم أهداف عامة، كالتوازن المالي والتنافسية والتحوّل البيئي، فيما تصبح آثارها غير المتكافئة على الفئات الاجتماعية مصدراً للنزاع. وقد عمّقت الماكرونية هذا التوتّر في ظلّ تراجع دور الأحزاب والوسائط التقليدية، واتّساع مركزية السلطة التنفيذية في اتخاذ القرارات. وأصبحت الرئاسة مركزاً للاعتراضات الاجتماعية، فيما تحوّلت الاحتجاجات المتكرّرة إلى وسيلة لمساءلة السياسات والآليات التي تُتّخذ بها، والجهات التي تمتلك القدرة على تعريف المصلحة العامة.

من هنا يمكن فهم وصف الماكرونية بأنها «مرض للجمهورية» بوصفه نقداً للتحوّل في آليات الحكم والشرعية. فالمؤسسات الديمقراطية ما زالت قائمة، لكن قدرتها على إصدار القرارات وتنفيذها لا تقابلها دائماً قدرة مماثلة على بناء قبول اجتماعي بها. وفي الوقت نفسه، يتفاوت نفوذ الفئات الاجتماعية في الوصول إلى مراكز السلطة والتأثير في أولوياتها، ما يفتح المجال أمام تقدّم مصالح اقتصادية خاصة تحت عنوان المنفعة العامة.

لقد وعد ماكرون بتحرير الاقتصاد الفرنسي من الجمود، لكن تجربته تكشف عن حدود مشروع يجعل التنافسية والمرونة محور الإصلاح، من دون معالجة التفاوت في الموارد والقوة بين الفئات الاجتماعية. وتصبح المسألة المطروحة على الجمهورية مرتبطة بمن يمتلك حق تحديد شروط التقدّم الاقتصادي، وكيف تتوزّع ثماره وأعباؤه، ومدى خضوع هذه الخيارات للنقاش والمساءلة الديمقراطيين.

في قلب الدولة العقابية

تكشف المواجهات المتكرّرة بين المحتجّين وقوات الأمن في فرنسا عن تحوّل في إدارة النزاع الاجتماعي، تتقدّم فيه المقاربة الأمنية حين تتراجع قدرة المؤسسات السياسية على احتواء الاعتراضات وتسويتها. فمن السترات الصفراء، مروراً بالاحتجاجات ضدّ إصلاح التقاعد، وصولاً إلى التعبئات التلاميذية والاجتماعية في تشرين الأول/أكتوبر 2026، أثار الانتشار الأمني الكثيف والتوقيفات واستخدام وسائل القوة جدلاً متواصلاً حول حدود التدخّل الأمني والتناسب والمساءلة.

تمتلك الدولة احتكاراً قانونياً لوسائل الإكراه المشروع، وتتحمّل مسؤولية حماية الأشخاص والممتلكات وضمان النظام العام. لكن الإشكالية تظهر حين تصبح الأدوات الأمنية وسيلة متقدّمة لإدارة نزاعات تعود أسبابها إلى شروط العمل والتعليم والحماية الاجتماعية. ففي ظلّ تراجع قدرة السلطة على إقناع المواطنين بعدالة قراراتها، تتزايد أهمية فرض الامتثال لهذه القرارات، ويصبح النزاع حول شرعيتها موضوعاً للتدخّل الأمني.

امتلاك أجهزة أمنية فعّالة لا يضمن الاستقرار الاجتماعي، وقد تتحوّل القدرة على فرض النظام إلى وسيلة لتأجيل معالجة الأزمات التي تعيد إنتاج الاحتجاج

جمعت الدولة الفرنسية الحديثة تاريخياً بين مؤسسات الحماية الاجتماعية وأجهزة الضبط والإكراه. وارتبط تطوّر دولة الرفاه بتوسّع قدرة الإدارة على تنظيم الحياة الاجتماعية وتصنيف السكّان ومراقبة سلوكهم. ومع التحوّلات النيوليبرالية، أُعيد ترتيب العلاقة بين هاتين الوظيفتين، في ظلّ ضغوط متزايدة على الخدمات العامة، وإعادة تنظيم بعض برامج الحماية وفق معايير الاستحقاق والمسؤولية الفردية.

وفي هذا السياق، يساعد مفهوم «الدولة العقابية» على تفسير اتّساع دور المراقبة والعقاب في التعامل مع الفئات المتضرّرة من الهشاشة واللامساواة. ولا يفترض هذا المفهوم اختفاء دولة الرفاه، أو حلول الشرطة محلّ المؤسسات الاجتماعية، وإنما يشير إلى توجّه يجعل الانضباط والامتثال والرقابة أدوات أساسية لتنظيم آثار التفاوت الاجتماعي. 

ظهرت بعض ملامح هذا التوجّه خلال احتجاجات السترات الصفراء سنة 2018. فقد انطلقت الحركة خارج الأطر النقابية والحزبية التقليدية، ما صعّب التفاوض معها عبر الوسائط المعتادة. ومع انتقال الاحتجاجات إلى مراكز المدن وتصاعد المواجهات وأعمال التخريب، توسّع استخدام وسائل حفظ النظام المثيرة للجدل، وخصوصاً قاذفات الكرات الدفاعية والقنابل المستخدمة لتفريق الحشود. ووثّقت منظمات حقوقية وصحافيون وباحثون إصابات خطيرة بين المحتجّين، فيما سجّلت السلطات اعتداءات وإصابات في صفوف قوات الأمن. وتكشف هذه التجربة عن حدود إدارة الاحتجاج حين تتقدّم المواجهة المباشرة على الوساطة السياسية، وتصبح العلاقة بين السلطة والمحتجّين محكومة بصورة متزايدة بمنطق الردع.

لا يمكن تفسير العنف الشرطي بالقرارات الفردية للعناصر الأمنية وحدها، أو اعتباره نتيجة مباشرة للأوامر السياسية. فهو يتشكّل أيضاً داخل العقائد المهنية وأساليب التدريب وسلاسل القيادة والتصوّرات المسبقة عن الحشود والمخاطر، فضلاً عن التفاعلات الميدانية التي قد تؤدّي إلى التصعيد أو التهدئة. وقد أظهرت أبحاث مقارنة أن النموذج الفرنسي لحفظ النظام ظلّ أكثر ميلاً إلى المواجهة من نماذج أوروبية منحت مساحة أكبر للتواصل والتدرّج في استخدام القوة. ويطرح ذلك مسألة تتعلّق بكيفية تحديد أهداف التدخّل الأمني ومعايير نجاحه: هل تكمن الأولوية في إنهاء الاضطراب سريعاً، أم في حماية الحقّ في التظاهر والحدّ من العنف والأضرار؟

تكتسب هذه المسألة أهمية إضافية مع التعبئات التلاميذية في خريف 2026. فقد أفادت تقارير صحافية بأن الفترة بين 28 أيلول/سبتمبر و5 تشرين الأول/أكتوبر شهدت أكثر من 6,000 توقيف، تحوّل قسم كبير منها إلى إجراءات حراسة نظر، وكان القاصرون يشكّلون غالبية المعنيين بها. كما وردت تقارير عن إصابات جسيمة تعرّض لها تلاميذ خلال تدخّلات أمنية، وفُتحت تحقيقات في بعض هذه الوقائع.

تثير هذه المعطيات أسئلة عن التناسب في استخدام القوة، وعن الكيفية التي تحوّلت بها احتجاجات انطلقت للمطالبة بتحسين التعليم والموارد المدرسية إلى موضوع لتعبئة أمنية واسعة. فمع انتقال مركز الاستجابة الحكومية من المؤسسات التعليمية إلى الأجهزة الأمنية، تتغيّر طبيعة القضية المطروحة في المجال العام. وتصبح المحافظة على انتظام الدراسة والنظام العام أولوية قد تتقدّم على معالجة الشروط التي دفعت التلاميذ إلى الاحتجاج.

وشهدت مظاهرات 17 تشرين الأول/أكتوبر مسيرات سلمية واسعة، إلى جانب أعمال نهب وحرق ومواجهات في مدن مختلفة، أُصيب خلالها متظاهرون وأفراد من قوات الأمن. وتستدعي الاعتداءات على الأشخاص والممتلكات تدخّلاً مشروعاً من السلطات، لكن وقوعها لا يبرّر التعامل مع الحركة الاحتجاجية بأكملها بوصفها تهديداً أمنياً. فالتوقيف لا يعني الإدانة، واستخدام القوة يبقى خاضعاً لمعايير الضرورة والتناسب والمساءلة. وحين تُختزل الاحتجاجات في أعداد التوقيفات وحجم الانتشار الأمني، تتراجع القضايا الاجتماعية التي أطلقتها، ويصبح قياس نجاح الدولة مرتبطاً بقدرتها على احتواء الشارع، بصرف النظر عن استمرار أسباب الغضب.

تتخذ هذه المقاربة أبعاداً إضافية في مجتمع يتفاوت فيه التعرّض للمراقبة والقوة الأمنية بحسب الموقع الاجتماعي والجغرافي. فلا يحضر جهاز الشرطة بالطريقة نفسها في حياة جميع المواطنين، إذ تختلف كثافة التفتيش والمراقبة والاحتكاك اليومي بين الأحياء والفئات. وتؤثّر التصنيفات المرتبطة بالعمر والأصل والمظهر ومكان السكن في بعض التجارب الشرطية. وقد أظهرت أبحاث الضواحي الفرنسية أن قطاعات من الشباب تعيش علاقة متوتّرة مع المؤسسات الأمنية، تتداخل فيها تجارب التمييز مع ضعف الثقة والشعور بالحرمان من الاعتراف. وبالتالي، فإن اتّساع التدخّلات الأمنية خلال الاحتجاجات يجري ضمن علاقات اجتماعية قائمة أصلاً على تفاوت في النفوذ والحماية وطبيعة التعامل مع مؤسسات الدولة.

يتجاوز مفهوم الدولة العقابية التعامل الأمني مع المتظاهرين، ليشمل الآليات التي تُعاد من خلالها صياغة المشكلات الاجتماعية بوصفها مسؤوليات فردية. فالفقير يصبح مطالباً بإثبات استحقاقه للمساعدة، والعاطل عن العمل بإظهار استعداده المستمر للتوظيف، والشاب المحتجّ بإثبات أنه لا يشكّل تهديداً للنظام العام. وفي هذه الحالات، تنتقل الأسئلة من أسباب الفقر والبطالة والإقصاء إلى سلوك الأفراد ومدى امتثالهم للشروط التي تفرضها المؤسسات. وتتجاور الحماية الاجتماعية مع أشكال متزايدة من التدقيق والاشتراط والمراقبة، فيما تتفاوت شدّة حضور الدولة بين الفئات. فهي تسعى إلى توسيع مرونة العلاقات الاقتصادية، لكنها قد تصبح أكثر صرامة تجاه الفئات الأضعف في مواجهة آثار هذه المرونة.

جعلت الماكرونية هذه التناقضات أكثر وضوحاً بفعل الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية التي أثارت اعتراضات واسعة، والمواجهات المتكرّرة التي رافقتها. فكلّما اتّسعت المسافة بين قدرة السلطة على تنفيذ السياسات وقدرتها على نيل قبول اجتماعي بها، ازداد الاعتماد على أدوات إدارة النظام العام لاحتواء نتائج النزاع. ولا يقتصر الخطر على احتمال الاستخدام المفرط للقوة، وإنما يمتدّ إلى تحوّل الاحتجاج نفسه إلى مشكلة أمنية. وعندئذ، يصبح الاعتراض على السياسات موضع اشتباه، وتضيق المساحة المتاحة للتعبير الجماعي عن المظالم.

يكشف ذلك عن تناقض جوهري في مفهوم قوة الدولة. فامتلاك أجهزة أمنية فعّالة لا يضمن الاستقرار الاجتماعي، وقد تتحوّل القدرة على فرض النظام إلى وسيلة لتأجيل معالجة الأزمات التي تعيد إنتاج الاحتجاج. وتتحدّد مشروعية الدولة الديمقراطية أيضاً بقدرتها على ضمان حقّ الاعتراض والمشاركة في القرار، ومنع تحوّل الخلاف الاجتماعي إلى مواجهة دائمة بين المواطنين والمؤسسات.

الهجرة بوصفها مرآة لأزمة الجمهورية وحدود الانتماء

تعود مسألة الهجرة إلى صدارة النقاش السياسي الفرنسي كلّما تصاعدت الأزمات الاجتماعية والاقتصادية. ففي الوقت الذي تحتجّ فيه فئات من التلاميذ والأجراء والمتضرّرين من ارتفاع تكاليف المعيشة، تتجدّد الخطابات التي تربط الاضطراب بالمهاجرين وأبناء المهاجرين، وتقدّمهم بوصفهم مصدراً للتهديد أو عبئاً على الموارد والخدمات.

يؤدّي هذا الخطاب وظيفة سياسية تتجاوز تفسير الأحداث. فهو ينقل النقاش من السياسات التي تحدّد توزيع الثروة والموارد والحقوق إلى مسألة الانتماء إلى الجماعة الوطنية، ويحوّل التناقضات الاجتماعية إلى مواجهة بين فئات يجري تعريفها على أساس الأصل والهوية. 

تعود جذور هذا التناقض إلى التاريخ الاقتصادي والاستعماري لفرنسا. فقد ارتبطت الهجرة الحديثة بالتوسّع الصناعي والحاجة إلى اليد العاملة، وأسهم المهاجرون في بناء قطاعات من الاقتصاد والمدن والمؤسسات. لكن المجتمعات التي اعتمدت على العمل المهاجر خلال مراحل النمو استطاعت أن تعيد تقديم المهاجرين، في فترات الأزمات، بوصفهم عبئاً على مواردها أو تهديداً لتماسكها.

ثمة قدرة للخطاب الهوياتي على إعادة تنظيم الغضب الاجتماعي. فحين يشعر العامل بالتهميش، والشاب بانسداد المستقبل، والمهاجر بانعدام الاستقرار، يمكن تحويل هذه التجارب إلى مطالب مشتركة بتحسين شروط العمل والحياة

تكشف هذه المفارقة عن التمييز بين الاعتراف بالمساهمة الاقتصادية والاعتراف بالانتماء الاجتماعي والسياسي. فقد يكون المهاجر ضرورياً لقطاعات من سوق العمل، ويؤدّي وظائف أساسية في المجتمع، لكنه يبقى عرضة للتمييز والاشتباه، ولا يتمتّع دائماً بحقوق أو بمكانة اجتماعية تعكس مساهمته الفعلية. وقد تناول عالم الاجتماع عبد المالك صياد هذا التناقض، موضحاً أن الهجرة لا تقتصر على انتقال الأفراد بين البلدان، وإنما تنطوي على علاقات هيمنة وتصنيفات قانونية وإدارية وأخلاقية تحدّد موقع المهاجر في مجتمع الإقامة. فالدولة لا تنظّم الدخول والإقامة فقط، وإنما تنتج فئات متفاوتة في الحقوق والاستقرار والاعتراف. ويجد المهاجر نفسه مطالباً بإثبات مشروعية وجوده بصورة متكرّرة، حتى حين تكون حياته المهنية والعائلية قد أصبحت جزءاً من المجتمع الفرنسي. وتصبح قدرته على الاستقرار والتمتّع بالحقوق مرتبطة بوضع قانوني وإداري قد يبقيه في حالة دائمة من الهشاشة.

تزداد هذه المفارقة وضوحاً لدى أبناء المهاجرين المولودين في فرنسا والحاملين جنسيتها. فهؤلاء مواطنون فرنسيون، ومع ذلك تستمرّ خطابات وممارسات تتعامل مع بعضهم بوصفهم امتداداً لهجرة سابقة، وكأن الأصل العائلي يحدّد درجة الانتماء الوطني عبر الأجيال.

هنا تظهر حدود المساواة القانونية حين لا تقترن بالمساواة الاجتماعية. فامتلاك الجنسية لا يمنع التمييز في السكن والعمل والتعليم والعلاقة بالمؤسسات الأمنية، كما لا يضمن أن يُنظر إلى جميع المواطنين باعتبارهم متساوين في الانتماء والحقوق. وحين يُطلب من بعض الفرنسيين إثبات فرنسيتهم أكثر من غيرهم، تصبح الهوية الوطنية معياراً اجتماعياً متفاوت التطبيق.

وفي سياق الاحتجاجات الراهنة، قد يؤدّي ربط الاضطرابات بالمهاجرين إلى تحميل جماعات محدّدة مسؤولية أزمات متعدّدة الأسباب. وحين تُنسب أعمال يرتكبها أفراد إلى جماعة كاملة على أساس الأصل أو الدين، يتحوّل الانتماء إلى قرينة اتهام، ويُستبدل البحث في أسباب الأحداث بتصنيفات جماعية لا تفسّرها.

لا يعني ذلك تجاهل الاعتداءات أو الجرائم أو إعفاء مرتكبيها من المسؤولية، وإنما التمييز بين الأفعال الفردية والمسؤولية الجماعية. فوجود أشخاص من أصول مهاجرة بين المشاركين في الاحتجاجات لا يثبت أن الهجرة هي التي أنتجت تلك الاحتجاجات، كما أن تفسير النزاعات الاجتماعية يتطلّب دراسة شروطها الاقتصادية والسياسية والمؤسساتية. وتتجاوز هذه المقاربة خطاب اليمين المتطرّف، إذ يساهم تبنّي بعض مفرداتها من جانب قوى الوسط الجمهوري في توسيع حضور التفسير الهوياتي للأزمات. وقد يصبح التشدد تجاه الأجانب وسيلة لإظهار الحزم السياسي، رغم محدودية صلته بأسباب تراجع الأجور أو أزمة التعليم والسكن والخدمات العامة.

في هذا السياق، تتقاطع سياسات الهجرة مع توسّع المقاربة العقابية. فالفئات التي تعاني هشاشة قانونية تكون أكثر عرضة للمراقبة والاحتجاز والترحيل، وتصبح الحدود والإقامة أدوات تمارس الدولة عبرها سلطة مباشرة على حياة الأفراد. لكن هذه الإجراءات لا تعالج بالضرورة المشكلات الاجتماعية والاقتصادية التي تُستدعى الهجرة لتفسيرها.

من منظور الاقتصاد السياسي، تكمن إحدى المفارقات في قدرة النظام الاقتصادي على الاستفادة من العمل المهاجر، ولا سيما في قطاعات تعتمد على الوظائف منخفضة الأجر وغير المستقرّة، بالتزامن مع تقديم المهاجر في الخطاب السياسي باعتباره منافساً للعامل الوطني.

بهذه الطريقة، قد تتحوّل التفاوتات بين الأجراء إلى خصومة بينهم، وتغيب عن النقاش علاقات العمل وشروط التوظيف وتوزيع الأرباح والحقوق. وتصبح المنافسة بين فئات العمّال محور السجال، فيما يتراجع الاهتمام بالسياسات التي تسمح باستمرار الأجور المنخفضة والهشاشة المهنية. ولا يعني ذلك أن للهجرة آثاراً اقتصادية متماثلة في جميع القطاعات والمناطق، أو أن المنافسة على الوظائف والخدمات لا تتأثّر بالتغيّرات السكانية. لكن هذه الآثار تتشكّل أيضاً عبر السياسات التي تحدّد شروط العمل والأجور وعرض السكن والخدمات العامة والحماية الاجتماعية، ولا يمكن تفسيرها بالاختلاف في الأصول وحده.

يكشف هذا التناقض عن قدرة الخطاب الهوياتي على إعادة تنظيم الغضب الاجتماعي. فحين يشعر العامل بالتهميش، والشاب بانسداد المستقبل، والمهاجر بانعدام الاستقرار، يمكن تحويل هذه التجارب إلى مطالب مشتركة بتحسين شروط العمل والحياة، أو إعادة توجيهها نحو صراعات بين فئات تتنافس على الموارد والاعتراف والانتماء.

هكذا تصبح الهجرة كاشفة لحدود النموذج الجمهوري نفسه. فالمسألة تتجاوز قدرة فرنسا على استيعاب المهاجرين، لتطرح سؤالاً عن طبيعة الجماعة السياسية التي تنتجها، وعن إمكان قيام المواطنة على حقوق اجتماعية وكرامة إنسانية لا تتحدّدان بالأصل والموقع الطبقي. وتكمن خطورة تحويل التفاوت الاجتماعي إلى صراع بين الهويات في أنه يعيد توجيه الغضب بعيداً عن علاقات القوة والسياسات التي تنتج الهشاشة، ويضع الفئات المتضرّرة في مواجهة بعضها بعضاً. وعندئذ، يصبح الاختلاف في الأصل والانتماء أداة لتبرير تفاوت الحقوق، وتضعف إمكانات التضامن الاجتماعي الضرورية لمواجهة أسباب الأزمة.

جمهورية قوية ومواطنون بلا سلطة

تكشف الأزمة الفرنسية عن حدود نموذج سياسي حافظ على مؤسساته الديمقراطية والاجتماعية، فيما تتراجع قدرة قطاعات من المواطنين على التأثير في القرارات التي تحدّد شروط حياتهم. وتكمن المفارقة في أن الدولة التي تمتلك أدوات واسعة لتنظيم المجتمع وإدارة الاقتصاد أصبحت تواجه صعوبة متزايدة في تحويل هذه القدرة إلى شرعية تقوم على العدالة والمشاركة والاعتراف.

لقد أعادت السياسات النيوليبرالية توزيع المسؤولية عن المخاطر الاقتصادية والاجتماعية، ووسّعت الفجوة بين الفئات القادرة على الاستفادة من التحوّلات الاقتصادية وتلك التي تتحمّل أعباءها. ومع تضاؤل مساحات الوساطة السياسية، تتزايد احتمالات إدارة الغضب عبر أدوات الضبط والأمن، أو إعادة توجيهه نحو صراعات هوياتية تُضعف التضامن بين المتضرّرين.

وتطرح هذه التحوّلات مسألة سياسية أساسية تتعلّق بمَن يملك سلطة تحديد المصلحة العامة، ومَن يتحمّل كلفة الخيارات الاقتصادية، ومَن يستطيع الاعتراض عليها والتأثير فيها. فالمساواة التي لا تنعكس في توزيع الموارد والفرص والقدرة على المشاركة تبقى عاجزة عن ضمان الشرعية الاجتماعية، مهما بلغت قوة المؤسسات التي تعلن التزامها بها.

من هنا، لا يتحدّد مستقبل الجمهورية الفرنسية بقدرتها على استعادة الهدوء أو تنفيذ الإصلاحات، وإنما بقدرتها على إخضاع الخيارات الاقتصادية والاجتماعية للمساءلة الديمقراطية، وضمان أن تكون الحقوق والحماية والمشاركة أساساً فعلياً للمواطنة. فالغضب الذي يعبّر عنه المحتقَرون يكشف عن حدود جمهورية تطالب مواطنيها بالثقة في مؤسساتها، بينما تتراجع قدرتهم على رؤية أنفسهم ومصالحهم ممثّلة فيها.

    فؤاد غربالي

    أستاذ علم الاجتماع ، تونس