
العقوبات: أداة لإعادة تشكيل المشهد السوري
في كانون الثاني/يناير، ظهرت تقارير عن عزم قطر على مساعدة السلطة الجديدة في سوريا مالياً لزيادة الرواتب الحكومية. وقد ترافق ذلك مع وعود سورية بزيادة في الرواتب بنسبة 400%، بيد أنّ العقوبات الأميركية، على الرغم من الاستثناءات في حينها، حالت دون وصول الأموال القطرية ريثما تستجلي قطر الموقف الأميركي.
وهكذا، لا تزال العقوبات على سوريا تقف في وجه أي تحرّك اقتصادي سريع من الخارج، على الرغم من تعليق بعض العقوبات في أوروبا واستثناء تطبيق بعضها في الولايات المتحدة، وهي خطوات إيجابية ضمن الحدّ الأدنى. لكن ما دام نظام الأسد قد سقط، لماذا يظل الاقتصاد السوري تحت العقوبات؟ وما السبيل إلى إلغائها؟
عقوبات على مَن؟
تعاني المؤسّسات الحكومية السورية من عقوبات أميركية وأوروبية طالت جميع قطاعاتها، مع استثناءات تتعلّق بالمساعدات الإنسانية. وإلى جانب هذه العقوبات على الكيانات، توجد عقوبات على أفراد من النظام السابق ومن المتعاملين معه. وتتراوح هذه العقوبات بين حظر التعامل وتجميد الأصول ومنع الحصول على تأشيرات السفر. والجدير بالذكر أنّ العقوبات على النظام السوري سبقت العام 2011.
ما دام نظام الأسد قد سقط، لماذا يظل الاقتصاد السوري تحت العقوبات؟ وما السبيل إلى إلغائها؟
لكن إلى جانب هذه العقوبات على النظام السابق والكيانات والأفراد المرتبطَين به، توجد عقوبات على هيئة تحرير الشام وبعض أفرادها. فالولايات المتحدة أدرجتها في العام 2018 ضمن قائمة «المنظمات الإرهابية الأجنبية»، وأدرجت زعيمها أبو محمد الجولاني ضمن قائمة «الإرهابيين العالميين المصنّفين بشكل خاص». أما الأمم المتحدة فصنفتها منظمة إرهابية في العام 2017، وكذلك صنّفت أبو محمد الجولاني وأبو أحمد حدود (أنس خطاب مدير المخابرات الآن).
العقوبات الأممية المفروضة على هيئة تحرير الشام، بموجب قرارات مجلس الأمن، تختلف من حيث نطاقها وطريقة تطبيقها عن العقوبات الأميركية. فمن حيث المبدأ، تُلزم العقوبات الأممية جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بتجميد الأصول المالية وحظر السفر ومنع توريد الأسلحة، لكن آليات تنفيذها تظل رهينة التزام الدول.
في المقابل، العقوبات الأميركية أكثر صرامة وذات امتداد عالمي بفضل هيمنة واشنطن على النظام المالي الدولي. والأهم أن الولايات المتحدة لا تلتزم تلقائياً بقرارات الأمم المتحدة فيما يتعلق برفع العقوبات. حتى لو قررت الأمم المتحدة إزالة اسم هيئة تحرير الشام من قوائمها، فإنّ واشنطن ستظل قادرة على الإبقاء على عقوباتها بذرائع سياسية أو أمنية.
إدراج هيئة تحرير الشام وقادتها في هذه القوائم لا يقتصر على تجميد أصولها المالية، بل يجعل أي تعامل معها، سواءً بالدعم المالي أو اللوجستي أو حتى بعض أشكال الاتصال، جريمة يعاقب عليها القانون الأميركي بأحكام تصل إلى عقود من السجن. وفي المقابل، أزالت واشنطن المكافأة عن الجولاني، والتقت به مساعدة وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى باربرا ليف.
هذا التعدد في مصادر العقوبات وطبيعتها والجهات المختلفة الضالعة بإقرارها وتعقد المشهد السوري نفسه، وتعدّد الأطراف المعاقبة في سوريا من كيانات وأفراد، يعقّد المشهد السوري ويؤخر التعافي الاقتصادي ويمدّد حالة التوجس عند أصحاب الأعمال من العودة إلى سوريا، والأهم من ذلك أنّها تمثّل أداة ضغط على أي سلطة في البلاد لضمان تحقيق أهداف ومصالح غربية.
أداة العقوبات
بالمبدأ، لا يتطلّب رفع العقوبات أكثر من مجرد تقديم أدلة على «تغيّر الظروف» ومن ثم المضي بالإجراءات المقرّرة للإزالة من القائمة أو إلغاء التصنيف. بيد أنّ الواقع ليس بهذه البساطة، وتجربة جماعة الحوثي في اليمن مثال صارخ على ذلك. فبعدما أدرجتها إدارة ترامب، سارعت إدارة بايدن إلى إلغاء التصنيف بحجة تخفيف الأزمة الإنسانية. لكن القراءة السياسية تُظهر أنّ القرار جاء في سياق تفاوضي مرتبط بمحادثات إقليمية، لا باعتبارات قانونية أو إنسانية بحتة.
رفع العقوبات عن هيئة تحرير الشام لن يكون مجرد مسألة إدارية، بل جزءاً من صفقة سياسية أكبر. وستطالب واشنطن بمقابل ملموس
رفع العقوبات عن هيئة تحرير الشام لن يكون مجرد مسألة إدارية، بل جزءاً من صفقة سياسية أكبر. وستطالب واشنطن بمقابل ملموس، سواء من حيث تغيّر سلوك الجماعة تجاه الملفات الإقليمية، أو تقديم ضمانات بعدم تهديد مصالحها وحلفائها. وهذا ما يبدو أنّ الجماعة تفعله بتجاهل الاعتداءات الإسرائيلية، في حين تشتبك على الحدود اللبنانية مع ما تقول إنّهم عناصر من حزب الله.
وفي السياق نفسه، تأتي المسارعة إلى إنهاء ملف مخزونات سوريا من الأسلحة الكيميائية التي كانت تراها إسرائيل خطراً لا بد من إزالته. وظهر التوجه السوري نحو التخلص من هذه الأسلحة في كلمة وزير الخارجية في حكومة تصريف الأعمال السورية أسعد الشيباني في الدورة 108 للمجلس التنفيذي لمنظّمة حظر الأسلحة الكيميائية والزيارة اللاحقة لفريق المنظمة إلى سوريا.
ومن الاعتبارات الهامة للولايات المتحدة ألّا تتحول سوريا إلى منطلق لعمليات إرهابية في الخارج. وهذه النقطة مثار قلق في الأوساط الغربية لأنّ المؤشرات متباينة، فالهيئة حاربت داعش وفكّت لاحقاً ارتباطها مع القاعدة وقاتلت بعدها تنظيمات تتبع للقاعدة، وبالمقابل يظل الماضي القاعدي للهيئة وأبو محمد الجولاني محل إشكال والأهم من ذلك أنّ مزاج القاعدة الشعبية للهيئة ليس بمأمن من العودة إلى نهج القاعدة وداعش وظهر ذلك بوضوح في حملة التطهير الطائفي على الساحل السوري.
ما وراء تعليق العقوبات والاستثناء المؤقت منها
أقرّ الاتحاد الأوروبي في شباط/فبراير 2025 سلسلة إعفاءات من العقوبات المفروضة على سوريا، تضمّنت تخفيف القيود على قطاعي الطاقة والنقل، وإزالة 4 بنوك من قائمة تجميد الأصول، والسماح بتوفير الأموال والموارد الاقتصادية للمصرف المركزي السوري مع الإبقاء على إدراجه في قائمة العقوبات، إلى جانب إجازة بعض المعاملات المصرفية المحدودة لأغراض الطاقة والنقل والمساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار، مع السماح للذاهبين إلى سوريا باصطحاب السلع الفارهة بغرض الاستخدام الشخصي.
ستظل المؤسسات المالية متحفظة على التعامل مع الاقتصاد السوري خشية مخاطر الامتثال، والعقوبات الأميركية، فضلاً عن استمرار تصنيف سوريا ضمن القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي
وعلى الرغم من أن هذه الإجراءات قد توفر بعض التخفيف الاقتصادي قصير الأمد وتساهم في إعادة تأهيل البنية التحتية، تظل تأثيراتها في إعادة دمج سوريا في الأسواق المالية العالمية محدودة. إذ ستظل المؤسسات المالية متحفظة على التعامل مع الاقتصاد السوري خشية مخاطر الامتثال، والعقوبات الأميركية، فضلاً عن استمرار تصنيف سوريا ضمن القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي.
تغلب على أوروبا المصالح الاقتصادية في التعامل مع سوريا. إذ يمثل تحقيق الاستقرار في سوريا أولوية للأوروبيين، ليس بدافع إنساني فحسب، بل لأنّ حكوماتهم، التي تواجه ضغوطاً انتخابية، تسعى إلى تسريع عملية إعادة اللاجئين السوريين. وضمان عدم ضياع مساعيها لتشكيل خريطة الطاقة العالمية بما يخدم مصالحها الاستراتيجية. إلى جانب ذلك، امتلكت الشركات الأوروبية حضوراً مهماً في سوريا زمن النظام السابق وتسارع اليوم إلى العودة لتستفيد من إعادة الإعمار.
أما الولايات المتحدة، فيغلب عليها المصالح الجيوسياسية. لذلك، تتعامل بروية مع المسألة السورية بحسابات مختلفة عن الحسابات الأوروبية. كما أنّ واشنطن تحضر عسكرياً على الأرض ولديها ترتيبات أمنية على مستوى المنطقة وتريد في السلطة في سوريا جماعة تتناسب مع هذه الترتيبات ولا تعطّلها أو تهدّدها الآن أو في المستقبل.
لا توجد إرادة واحدة في سوريا، بل إرادات متصارعة. والعقوبات وإنْ كانت أداة فعّالة بيد الغرب إلا أنّها قد تأتي بنتائج عكسية عليه أهمها إعادة التقارب مع روسيا والصين
يطرح مايكل سينغ في شهادته الأخيرة أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي معالم مقترحة للاستراتيجية الأميركية تجاه سوريا ويمكن قراءة بعضها على أنّها معايير لتقييم أداء السلطة القائمة في دمشق الآن وشروط في آن معاً. تقوم هذه الرؤية على 6 محاور رئيسة، لكل منها دلالاته الجيوسياسية وأدواته التنفيذية، وهي:
الحيلولة دون أن تصبح سوريا مجدداً جسراً للمشروع الإيراني في المنطقة، ولو تطلّب ذلك التعاون مع الحكومة السورية لتحقيق هذا الهدف.
الحدّ من العلاقة الأمنية والدفاعية بين دمشق وكلّ من موسكو وبكين، مع الاعتراف بأنّ هذه العلاقات ستظل قائمة ولكن ضمن حدود يمكن قبولها أميركياً.
التنسيق مع الشركاء العرب لوضع معايير موحّدة لتخفيف العقوبات والشراكة الاقتصادية والأمنية، تمهيداً لإدماج سوريا في المنظومات الأمنية الإقليمية.
ضمان احترام تركيا للسيادة السورية، وعدم استغلال المرحلة الانتقالية لتعزيز نفوذها بطرق تضرّ باستقرار سوريا [اقرأ إسرائيل] أو المصالح الأميركية [منها قسد].
التوسّط في تفاهمات لعدم الاعتداء بين سوريا وإسرائيل، تمهيداً لإمكانية إحلال السلام والتطبيع مستقبلاً، والعمل على تحسين العلاقات بين تل أبيب وأنقرة لمنع تفاقم التوتر بين حليفين أميركيين.
التنسيق الوثيق مع الحلفاء الأوروبيين، خصوصاً فرنسا، لضمان موقف غربي موحّد حيال المرحلة الانتقالية في سوريا
لكن لا توجد إرادة واحدة في سوريا، بل إرادات متصارعة. والعقوبات وإنْ كانت أداة فعّالة بيد الغرب إلا أنّها قد تأتي بنتائج عكسية عليه أهمها إعادة التقارب مع روسيا والصين وانفلات الوضع الأمني جراء التدهور الاقتصادي في دولة من دول الطوق، وما يخلقه ذلك من تهديدات للمصالح الأميركية وإسرائيل بطبيعة الحال. يظل الخاسر الأكبر في كل هذه اللعبة الجيوسياسية هو الشعب الذي خرج يطالب بالحرية ولم ينتزعها إلى الآن.