استعادة المقاومة والتضامن المناهِضَيْن للاستعمار
الطريق الطويل والشاق إلى فلسطين مُحرَّرة
هذه نسخة محرَّرة ومختصرة من مدخل كتاب «نحو تحرّر فلسطيني: منظورات عالمية حول المقاومة والتضامن المناهِضَيْن للاستعمار»، الصادر عن درجة للنشر والمعهد العابر للقوميات (أيار/مايو 2026).
«إن كان لا بدّ أن أموت،
فعليك أن تعيش
لتحكي حكايتي
...
إن كان لا بدّ أن أموت،
فليجلب موتي الأمل،
وليكن حكاية تُروى!»— رفعت العرعير (1979–2023)
نودّ أن نبدأ هذا المقال بنبرة من الأمل والتفاؤل («تفاؤل الإرادة» بتعبير غرامشي)، مع إدراكنا أنّ مشاعر العجز و«تشاؤم العقل» تقف بثبات في مواجهة هذا التفاؤل، بعد ثلاث سنوات من الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة. ولتغذية هذا الأمل والتفاؤل ورعايتهما، نودّ أن نبيّن تعقيدات النضال التحرّري وضرورة النظر إليه من منظور الأجل الطويل، بوصفه معركة مديدة ضد أنظمة السيطرة والاضطهاد والاستغلال. في هذا النوع من النضالات، يبقى النصر ممكناً، لكنه ليس سهلاً ولا مضموناً. لماذا التركيز على الأجل الطويل؟ لأن النظر إلى الظواهر بوصفها حوادث منفردة تقع في زمان ومكان محدّدين قد ينتج صورة مغلوطة وتقييماً مشوّهاً. لذلك، ينبغي النظر إلى الحوادث والديناميات جميعها، مهما بلغت شناعتها، بوصفها تراكماً للخبرات والدروس والتناقضات التي قد تفضي إلى إسقاط أنظمة الاضطهاد، حين تتوافر الظروف المناسبة على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية.
لا يشكّل النضال الطويل من أجل التحرّر الفلسطيني استثناءً في هذا الصدد. ففي وقت تنكبّ فيه قوى الإمبراطورية ورأس المال، بكلّ ما تنطوي عليه من وحشية وانعدام للإنسانية، على تدمير الأمل والقضاء على فكرة المقاومة، لا يسعنا الاستسلام للانهزامية. وعلينا أن نستمدّ الأمل من الروابط التي نكتشفها عبر التاريخ والجغرافيا، فهي تكشف لنا إمكان قيام عالم أفضل، وتُظهر أنّ أجزاءً من هذا العالم موجودة بالفعل في تواريخ النضال والتضامن والاهتمام وممارساتها اليومية، التي ما زالت حيّة في الذاكرة والممارسة. وهذه التواريخ والممارسات هي ما ينبغي إبرازه وتعزيزه.
لا يمكننا بناء العالم الأفضل الذي نطمح إلى العيش فيه، بما في ذلك في فلسطين، إلّا بتضافر جهودنا جميعاً وتنسيقها، عبر مواصلة التضامن والاهتمام وبناء أنظمة تقوم على هذين المبدأين. ويشمل هذا الجهد الجمعي التحليل والتشخيص وإعادة التأطير، ودحض الأساطير والأكاذيب والتصوّرات المغلوطة، فضلاً عن الكشف عن تواريخ المقاومة والتضامن المُغْفَلَة أو الضائعة، وإبراز الإرادة الراسخة للشعوب المظلومة والمضطهدة، التي ناضلت في أنحاء العالم لتغيير الوضع القائم وهزيمة أعداء بدت هزيمتهم مستحيلة.
تعرّي الإبادة الجماعية والاحتلال الوحشي والتطهير العرقي والتجويع الجماعي والدمار منقطع النظير الذي تشهده فلسطين اليوم الأسس العنيفة والبغيضة للنظام الرأسمالي الإمبريالي العالمي، وتكثّف تناقضاته القاتلة والمدمرة، وتكشف ميله إلى ممارسة عنف واسع النطاق، تبلغ قسوته حدّاً يصعب تصوّره. وما يحدث اليوم في غزة يتجاوز الإبادة الجماعية؛ فتراكم مشاهد الدمار والموت والصدمات والرعب ومحاولات المحو التي تعرّض لها الفلسطينيون على مدى السنوات الثلاث الماضية يكشف قصور مفرداتنا عن وصف الوضع الاستعماري الراهن في فلسطين. إذ تبدو مصطلحات مثل الاحتلال، والاستعمار الاستيطاني، والفصل العنصري (الأبارتايد)، وحتى الإبادة الجماعية والإبادة البيئية، غير كافية حين نستخدم كلاً منها بمعزل عن الآخر. لذلك، نحتاج إلى مفردات جديدة تساعدنا على وصف هذه الظواهر وفهمها. وقد اقترح بعضهم مصطلح «هولوسايد»، أي الإبادة الشاملة لنسيج الحياة الاجتماعي والبيئي بأكمله.
في مواجهة هذا كلّه، تبرز أحياناً ومضات من الأمل ولحظات من الإلهام، يرافقها إحساس بالتواضع، فتخفّف مشاعر الإحباط والغضب والحزن والتشاؤم واليأس التي تنتابنا، حين نشهد صمود الفلسطينيين ومقاومتهم المتواصلة. فعلى الرغم من هول المصاب والكارثة الشاملة التي تطاول كلّ جوانب حياتهم بلا هوادة، يواصل الفلسطينيون المقاومة والتشبّث بأرضهم. ونستمدّ الأمل والإلهام أيضاً من هذا الدفق العالمي الهائل من التضامن مع فلسطين، الذي يُؤكّد أنّ غزة قد أيقظت العالم، وأنّ فلسطين أصبحت قضية النضال الأبرز والأهمّ في زمننا.
الأصول الاستعمارية للصهيونية
لا يمكننا فهم الإبادة الجماعية في غزة من دون فهم الأصول الاستعمارية للصهيونية. فهذه الإبادة هي حصيلة الاستعمار الاستيطاني الصهيوني، الذي يقوم على استئصال الشعب الفلسطيني لإقامة موقع غربي متقدّم يخدم المصالح الاستعمارية والإمبريالية في منطقة شمال أفريقيا وغرب آسيا.
شكّلت النكبة عام 1948 لحظة حاسمة في التاريخ الفلسطيني، إذ هُجّر خلالها 750 ألف فلسطيني ودُمّرت أكثر من 500 بلدة وقرية فلسطينية. وفي خضمّ ما تعرّض له الشعب الفلسطيني من تطهير عرقي وتهجير جماعي عنيف وسلب، أُقيمت دولة إسرائيل الصهيونية.
لكن الاستعمار الصهيوني بدأ قبل ذلك بنحو 60 عاماً. فبين عامَي 1882 و1897، دعم ممولون يهود أثرياء استعمار فلسطين، في مشروع جمع بين العمل الخيري والاستعمار. وصُوّرت فلسطين على أنها «وطن خالٍ ينتظر أن يستعيده اليهود المنفيون»، وفق مقولة «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض». وفي عام 1897، عُقد المؤتمر الصهيوني العالمي الأول في بازل برئاسة تيودور هرتزل، وأقرّ «برنامج بازل» الذي سعى إلى «إنشاء وطن للشعب اليهودي في فلسطين». وأُنشئت لاحقاً مؤسسات لتنظيم الاستعمار الصهيوني لفلسطين وتيسيره، منها الصندوق الاستعماري اليهودي عام 1898 والصندوق القومي اليهودي عام 1901.
تولّت الولايات المتحدة دور الداعم الرئيسي لإسرائيل، بعدما رأت فيها موقعاً إمبريالياً متقدّماً ذا أهمية استراتيجية في منطقة شمال أفريقيا وغرب آسيا
عبّر هرتزل صراحةً عن الطابع الاستعماري والعنصري الأبيض للمشروع الصهيوني، إذ وصفه بأنه «جزء من سور أوروبا في وجه آسيا، وموقع متقدّم للحضارة في مواجهة البربرية»، وبأنّه «ممثل الحضارة الغربية وحامل النظافة». وتلاقت هذه التطلّعات الاستعمارية والعنصرية مع المصالح الإمبريالية البريطانية في منطقة شمال أفريقيا وغرب آسيا. فقد سعت بريطانيا إلى السيطرة على فلسطين لحماية بوابات الهند البريطانية، ورعت المشروع الصهيوني في ظلّ الانتداب البريطاني على فلسطين (1920–1948)، عبر تسهيل الاستحواذ على الأراضي وسلب الفلسطينيين وإنشاء اقتصادات حصرية لليهود.
والأهمّ أنّ بريطانيا سحقت المقاومة الفلسطينية للاستعمار الصهيوني. فبعد إخفاق الطعون القانونية في وقف الاستعمار، أطلق الفلسطينيون الثورة العربية الكبرى (1936–1939)، ونظّموا الإضرابات والمظاهرات ونفّذوا عمليات فدائية ضد البريطانيين والمستوطنين الصهاينة. وردّت بريطانيا بالعنف والقمع، فقتلت أكثر من 5,000 فلسطيني، وجرحت 15,000 آخرين، ونفت بعض من قادة الحركة الفلسطينية وأعدمت آخرين. وخلال هذه الفترة، شُكّلت فرق موت بريطانية-صهيونية مشتركة لمهاجمة القرى الفلسطينية. وهكذا، أدّى العنف الإمبريالي البريطاني دوراً أساسياً في شلّ المقاومة الفلسطينية للاستعمار الصهيوني.
اعتمد ترسيخ الاستعمار الصهيوني في فلسطين، إلى حدّ كبير، على الدعم البريطاني. واستمرّ هذا النمط من الرعاية الإمبريالية بعد قيام إسرائيل، إذ كانت بريطانيا وفرنسا من أبرز داعمي الدولة الجديدة. لكن بعد انتصار إسرائيل في حرب حزيران/يونيو 1967، تولّت الولايات المتحدة دور الداعم الرئيسي، بعدما رأت في إسرائيل موقعاً إمبريالياً متقدّماً ذا أهمية استراتيجية في منطقة شمال أفريقيا وغرب آسيا. وسرعان ما أصبحت المورّد الرئيسي للأسلحة والمساعدات المالية.
فلسطين والأممية العالمثالثية
شكّلت هزيمة القوات العربية في حرب حزيران/ يونيو 1967 (النكسة) ضربة قاسية للناصرية والأحلام القومية العربية. وفي ظلّ هذه الهزيمة، برزت المقاومة الفلسطينية المسلّحة، وفي طليعتها منظمة التحرير الفلسطينية، بوصفها قوة جديدة أعادت إحياء الأمل، ولا سيما بعد انتصارها في معركة الكرامة عام 1968. فقد أعاد هذا الانتصار، بعد صدمة النكبة، الأمل إلى الفلسطينيين وشعوب المنطقة في نضالهم ضد الصهيونية والإمبريالية الأميركية. وسرعان ما أصبح الثوريون الفلسطينيون، ولا سيما منظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها، ومنها حركة فتح والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين،، فاعلين أساسيين في حقبة الأممية العالمثالثية وتفكيك الاستعمار.
شهدت هذه الحقبة، التي امتدّت من خمسينيات القرن العشرين حتى أواخر ثمانينياته، نشوء مشروع سياسي عالمي متميز، سعى إلى تحقيق التحرّر الوطني وإقامة نظام عالمي أكثر مساواة. وتجسّدت هذه التطلّعات في مشروع النظام الاقتصادي الدولي الجديد (NIEO)، الذي دعا إلى تعزيز السيادة السياسية والاقتصادية والتعاون المتجذّر في سياسات العالم الثالث. واحتلّ النضال الفلسطيني موقعاً محورياً في هذه الأممية المناهضة للاستعمار. ولم يكن مصادفة أن تعترف الأمم المتّحدة بمنظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الممثّل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، وتمنحها صفة مراقب عام 1974، وهو العام نفسه الذي أقرّت فيه الجمعية العامة للأمم المتحدة إعلان إقامة نظام اقتصادي دولي جديد.
وبعد عام، أعلن قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3379 أنّ الصهيونية شكل من أشكال العنصرية والتمييز العنصري، في تأكيد لأوجه التشابه والتضامن بين الفلسطينيين والسود في جنوب أفريقيا، وبين العرب والأفارقة عموماً، في نضالهم المشترك ضد «التحالف الآثم»، بحسب نص القرار، بين «النظام العنصري الحاكم في فلسطين المحتلة والنظامين العنصريين الحاكمين في زيمبابوي وجنوب أفريقيا»، وهي أنظمة «ترجع إلى أصل استعماري مشترك». في المقابل، اعتبرت إسرائيل والولايات المتّحدة وأنصار الصهيونية القرار 3379 تعبيراً من استيلاء العالم الثالث على الأمم المتّحدة.
على الرغم من تراجع الإمكانات الجذرية وتبدّد الآمال التي أتاحتها الأمم المتّحدة وغيرها من المؤسسات، تُظهر هذه التجربة أنّ التضامن العابر للقوميات بين الشعوب المضطهدة والمستعمَرة شكّل قوة دافعة لتغيير العالم. وما نحتاجه اليوم هو تجديد هذا التضامن، عبر إعادة وضع فلسطين في سياق التاريخ العالمي المناهض للاستعمار، وجعلها «مثلاً أعلى لنضالات اليوم الرامية إلى تفكيك الاستعمار تفكيكاً فعلياً»، والدفع نحو نظام عالمي أكثر مساواة.
النكبة المستمرة
مع أنّ حقبتنا الحالية تختلف نوعياً عن فترة الأممية العالمثالثية، يبقى مصير فلسطين اليوم مرتبطاً بمصير منطقة شمال أفريقيا وغرب آسيا والعالم. وكما في الحقب السابقة التي شهدت عنفاً استعمارياً وإمبريالياً هائلاً، نشهد اليوم مجدداً مدى استعداد المستعمرين والقوى الإمبريالية للمضي في الحفاظ على سيطرتهم وتوسيعها.
قتلت إسرائيل ما لا يقلّ عن 72 ألف فلسطيني في قطاع غزة، وفقاً للأعداد المسجَّلة، فيما تتجاوز بعض التقديرات 280 ألفاً. ودمرت أو ألحقت أضراراً بنحو 81% من مجمل البنية التحتية في القطاع، بما في ذلك مستشفياته الـ36، وما لا يقلّ عن 92% من مبانيه السكنية، و97% من مدارسه. وفي إطار تدميرها الممنهج للقطاع الصحي، قتلت إسرائيل ما لا يقلّ عن 1,722 عاملاً في مجال الرعاية الصحية. وعلى مدى ما يقرب من 3 أعوام، فرضت حصاراً على المساعدات لإحداث مجاعة. ومن خلال هذه الأفعال المتعمّدة، قوّضت مقوّمات إعادة إنتاج الحياة في غزة، فحرمت الجرحى من التعافي، والرضّع والأطفال من النمو، والأمهات من القدرة على إطعام أطفالهن، والمسنّين من الرعاية، وعرّضت السكان للتجويع. ولمنع العالم من رؤية ما يحدث، قتلت إسرائيل ما لا يقلّ عن 234 صحافياً وعاملاً فلسطينياً في مجال الإعلام. وشهد معظم سكان غزة، إن لم يكن جميعهم، مقتل أفراد من عائلاتهم أو إصابتهم. أمّا 902 عائلة على الأقلّ، فلم ينجُ منها أحد من أيّ جيل، ولم يعد لها أفراد أحياء مسجّلون في السجل المدني في غزة. وكان القادة الإسرائيليون قد أعلنوا منذ البداية أنّ «غزة لن تعود إلى ما كانت عليه من قبل. سوف نقضي على كلّ شيء». وقد تحقّق ذلك بالفعل، إذ أدّى تدمير أحياء بأكملها، بل مدن بأكملها مثل رفح، إلى محو معالم الأماكن التي كان أكثر من مليوني فلسطيني يسمّونها وطناً، حتى بات من المتعذّر التعرّف إليها، أو لم يعد لها وجود أصلاً.
تشكّل الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في غزة جزءاً من مشروع التوسّع الاستعماري الصهيوني، وتخدم طموحها القديم إلى اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم، إما بالإبادة أو بالتهجير القسري. ففي الضفة الغربية والقدس، يتصاعد عنف المستوطنين والشرطة والجيش الإسرائيلي ضد المجتمعات الفلسطينية، لإجبار سكانها على الرحيل وإقامة المزيد من المستوطنات الإسرائيلية. وفي الوقت نفسه، يواجه فلسطينيو 1948، أي الفلسطينيون الذين بقوا في أراضيهم بعد النكبة، تصاعداً في المراقبة وعنف الدولة وجرائم القتل. وعلى امتداد فلسطين التاريخية، تسجن إسرائيل الفلسطينيين وتعرّضهم للتعذيب، سعياً إلى إخضاع السكان وبثّ الخوف في نفوسهم. وتبدو الاستراتيجية واضحة: ممارسة أقصى قدر من الضغط المباشر وغير المباشر على المجتمعات والعائلات الفلسطينية لإجبارها على الرحيل.
تستغل إسرائيل هذه الفرصة أيضاً لإعادة رسم خريطة المنطقة بأكملها وتوسيع سيطرتها الإقليمية، سعياً إلى تحقيق مشروع «إسرائيل الكبرى». ففي لبنان، شمل العدوان الإسرائيلي تفجير أجهزة البيجر عام 2024، ما أسفر عن مقتل 42 شخصاً وإصابة 4,000 آخرين، واغتيال الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، وتدمير قرى بأكملها في جنوب البلاد والكثير من الأبراج في بيروت، ما أسفر عن مقتل الآلاف، معظمهم من المدنيين. ويشير تشييد بنية تحتية عسكرية داخل الأراضي اللبنانية إلى نيّة إسرائيل تكريس احتلال دائم لأجزاء من البلاد.
على الرغم من تراجع الإمكانات الجذرية وتبدّد الآمال التي أتاحتها الأمم المتّحدة، تُظهر التجربة أنّ التضامن العابر للقوميات بين الشعوب المضطهدة والمستعمَرة شكّل قوة دافعة لتغيير العالم
وتتجلّى نيّة مماثلة في سوريا، على الرغم من اصطفاف حكّامها الجُدد مع الخطط الأميركية للمنطقة. فبعد السقوط السريع لنظام الأسد عام 2024، انتهزت إسرائيل الفرصة لقصف البنية التحتية العسكرية ومصانع الأسلحة ومستودعاتها، ودمّرت سلاحَي الجو والبحرية السوريين خلال 24 ساعة. كما وسّعت احتلالها لمرتفعات الجولان السورية، وأنشأت مواقع عسكرية جديدة على جبل الشيخ وفي مناطق أخرى من المنطقة العازلة. وهكذا، تحدّد المسار: لن يُسمح لسوريا ذات سيادة، لا تخضع لهيمنة إسرائيل والولايات المتحدة، بأن ترى النور.
وامتدّ العدوان العسكري الإسرائيلي إلى ما وراء الدول المجاورة مباشرة. ففي محاولة لإنهاء حصار الحوثيين للبحر الأحمر، الذي فرضوه ردّاً على الإبادة الجماعية في غزة، قصفت إسرائيل اليمن مرّات عدّة، وقتلت رئيس الوزراء الحوثي ومعظم أعضاء حكومته في صنعاء، وسط صمت شبه تام من وسائل الإعلام الدولية. كما انتهكت المجال الجوي العراقي، وهاجمت أسطول الصمود العالمي في المياه التونسية والمالطية والدولية، وقصفت قطر أيضاً في محاولة لاغتيال مفاوضي حركة حماس.
لكنّ حرب إسرائيل على إيران تقدّم أوضح دليل على نزعتها التوسّعية وطموحها إلى السيطرة على المنطقة بأكملها. فلم تكن حرب الأيام الاثني عشر في حزيران/ يونيو 2025 حاسمة، حين اقتصرت مشاركة الولايات المتّحدة فيها على قصف المواقع النووية الإيرانية. ودفع ذلك كثيراً من المعلّقين إلى اعتبار استئناف إسرائيل هجماتها على إيران مسألة وقت، مع ترجيح مشاركة أميركية أوسع. وفي 28 شباط/ فبراير 2026، صحّت توقّعاتهم. ففي ذلك اليوم، اغتيل المرشد الأعلى لإيران، آية الله علي خامنئي، وعدد من المسؤولين الحكوميين والعسكريين، وقُتلت أكثر من 160 تلميذة في القصف الأميركي لمدرسة في ميناب. ولم يكن الهدف أقلّ من فرض السيطرة الإسرائيلية الكاملة على منطقة شمال أفريقيا وغرب آسيا.
ردّت إيران على العدوان الأميركي–الإسرائيلي باستهداف القواعد العسكرية الأميركية، إلى جانب البنية التحتية للنقل والمياه والطاقة في المنطقة، ولا سيما في الإمارات العربية المتّحدة والبحرين والكويت وقطر والسعودية. وسلّط هذا الردّ الضوء على دور الملكيات الخليجية في تسهيل الإمبريالية الأميركية والتوسّع الصهيوني في المنطقة، وهزّ الاقتصاد الرأسمالي العالمي. ما أدّى إغلاق إيران مضيق هرمز إلى تعطيل تدفّقات النفط والغاز، فضلاً عن مسارات تجارية وملاحية حيوية أخرى.
وفيما لا تزال نهاية الحرب الإقليمية الدائرة غير واضحة، تكشف الخطط الإسرائيلية والأميركية لغزة عن رؤيتهما للمنطقة بأكملها. وهي رؤية تتضافر فيها الإمبريالية الأميركية والغربية، والتواطؤ الخليجي، والتعاون الهندي، لسحق استقلال فلسطين والمنطقة وحقّ شعوبها في تقرير المصير. وفي أيار/ مايو 2024، أصدر مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خطة «غزة 2035»، التي تهدف إلى تسوية غزة بالأرض، ثمّ إعادة إعمارها وربطها بشرايين رأس المال الإمبريالي. وتطوّرت هذه الخطّة إلى ما سُمّي «ريفييرا غزة»، التي روّج لها الرئيس الأميركي دونالد ترامب وصهره جاريد كوشنر.
وترتبط هذه الخطّة بمشروع ممرّ الهند-الشرق الأوسط (IMEC)، وهو مبادرة أميركية-أوروبية وخليجية لإنشاء خطوط سكك حديدية وموانئ رئيسية تربط آسيا والخليج بأوروبا، وتمنح إسرائيل دور محور الربط الرئيسي بينها. وفي المستقبل الذي تتصوّره هذه الخطة، يُطهّر الفلسطينيون عرقياً أو يُحاصرون في جيوب صغيرة، فيما تزداد إسرائيل اندماجاً في المنطقة. وتقدّمت هذه الرؤية الكابوسية خطوة إضافية في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، حين صوّت مجلس الأمن التابع للأمم المتّحدة، بصورة مخزية، لصالح «خطة ترامب للسلام في غزة»، التي تقضي بوضع القطاع تحت سيطرة «مجلس السلام» التابع لترامب، في إنكار صريح لسيادة الفلسطينيين وحقّهم في تقرير المصير على أرضهم.
وبينما تواصل إسرائيل انتهاك القانون الدولي سعياً إلى التوسّع الاستعماري الاستيطاني والسيطرة الإقليمية، يبدو العالم الغربي مستعدّاً لهدم النظام الذي بناه بعد الحرب العالمية الثانية لحماية إسرائيل. ويعكس ذلك دورها بوصفها موقعاً متقدّماً للإمبريالية الغربية في المنطقة، وهو الدور الذي أكده الرئيس الأميركي الأسبق جو بايدن عام 1986 حين قال: «لو لم تكن هناك إسرائيل، لكان على الولايات المتحدة الأميركية أن تخلق إسرائيل لحماية مصالحها في المنطقة».
تكشف الحوادث المؤلمة التي شهدتها السنوات الثلاث الماضية، واتساعها اليوم إلى حرب إقليمية، أنّ النضال الفلسطيني بات أكثر مركزية من أيّ وقت مضى في التطوّرات الإقليمية والعالمية. ففلسطين جزء لا يتجزّأ من تاريخ منطقة شمال أفريقيا وغرب آسيا وحاضرها ومستقبلها، وكذلك من تاريخ الجنوب العالمي والعالم بأسره. وتعني هذه المركزية أنّ النضال من أجل تحرير فلسطين يؤدّي دوراً محورياً في مواجهة المخطّطات الإمبراطورية وإعادة بناء مشروع سياسي عالمي تقدّمي ومناهض للاستعمار.
انبعاث حركة عالمية للتضامن مع فلسطين
في مواجهة تصاعد العنف الصهيوني، ولا سيما الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل، شهد العالم انبعاث حركة عالمية واسعة للتضامن مع فلسطين. ويشكّل التضامن بين دول الجنوب عنصراً أساسياً في هذه الحركة، ويتجلّى في التزامها بالقضية الفلسطينية ومساعيها لعزل إسرائيل،في استعادة لحقبة التضامن العالمثالثي.
تبرز الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية، بتهمة انتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، مثالاً على هذه الجهود. وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة بالنظر إلى التاريخ المشترك لنضال جنوب أفريقيا ضد نظام الفصل العنصري والنضال الفلسطيني من أجل التحرّر. فقد أظهرت الدعوى كيف يمكن استخدام القانون الدولي لفضح تناقضات العالم الليبرالي وتعميقها، في وقت يسمح فيه هذا العالم بالإبادة الجماعية ويشارك فيها. ويمثّل ذلك تطوّراً تاريخياً، إذ يواجه أفارقة وأفريقيات، إلى جانب حلفائهم، التفوّق الأبيض والاستعمار. ففي لاهاي عام 2024، وقف ممثّلو شعب عانى نظام الفصل العنصري وقاومه دفاعاً عن أبسط معاني الكرامة الإنسانية والعدالة والتضامن. وبهذا الموقف، يُخلّد ورثة مانديلا ذكراه ويؤكدون صدق كلماته: «نعلم جيّداً أنّ حريتنا ناقصة من دون حرية الفلسطينيين». وكما قالت المقرّرة الخاصة للأمم المتّحدة فرانشيسكا ألبانيزي: «إن مشاهدتهم وهم يخوضون هذه المعركة ستظلّ واحدة من الصور التي سيتعرّف بها عصرنا. وستصنع التاريخ مهما حدث».
قطعت بلدان عدّة من الجنوب العالمي علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل، منها البرازيل وبوليفيا ونيكاراغوا، أو أوقفت تجارتها معها، مثل كولومبيا وتركيا، أو حظرت استخدام موانئها لنقل البضائع إليها، ولاسيما المعدّات العسكرية، مثل ماليزيا وإسبانيا وناميبيا. في المقابل، واصلت القوى الغربية ومنها الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا وألمانيا، دعم إسرائيل. وفي هذا السياق، يبرز توبيخ ناميبيا لألمانيا، القوة الاستعمارية السابقة التي احتلّتها، بسبب دعمها إسرائيل. فقد أشارت ناميبيا إلى إخفاق ألمانيا في استخلاص العبر من تاريخها الدموي، الذي شهد ارتكاب إبادتين جماعيتين في القرن العشرين: إبادة الهيريرو والناما في ناميبيا، والهولوكوست في أوروبا. وغالباً ما يدفع الضغط الشعبي الدول إلى اتخاذ مثل هذه الإجراءات، كما حدث حين حظرت كولومبيا تصدير الفحم إلى إسرائيل، وألغت البرازيل خطّتها لشراء معدات عسكرية إسرائيلية.
لكنّ التضامن الذي تقوده الدول يبقى محكوماً بقيود وتناقضات، حتى حين يحظى بدعم شعبي. ومن أبرز الأمثلة استمرار جنوب أفريقيا في تصدير الفحم إلى إسرائيل، بما يساهم في تمكين الإبادة الجماعية، على الرغم من اتهامها إسرائيل بارتكاب هذه الجريمة أمام محكمة العدل الدولية. وينطبق الأمر أيضاً على تركيا، التي يمرّ عبر أراضيها جزء من خطّ أنابيب قادم من أذربيجان، وصل عبره إلى إسرائيل 28% من نفطها خلال الإبادة الجماعية. وكذلك الصين، التي اكتفت بردّ فعل خافت على الإبادة، وواصلت التجارة والاستثمار مع إسرائيل، وإندونيسيا التي شاركت في مجلس السلام الذي شكّله ترامب. ومع ذلك، تكشف هذه التحوّلات، على الرغم من قيودها وتناقضاتها، عن بوادر انتقال نحو عالم متعدّد الأقطاب، يعزّز فيه الجنوب العالمي حضوره السياسي والاقتصادي. صحيح أنّنا لم نبلغ بعد مرحلة باندونغ جديدة، لكننا نستطيع، بقوتنا الجماعية، العمل معاً على تسريع انهيار الإمبراطورية التي تقودها الولايات المتحدة.
غير أنّ التضامن الشعبي مع فلسطين كان أكثر مظاهر هذه الحركة وضوحاً. فمن كوريا إلى المكسيك، ومن شعب الإنويت في جزيرة السلحفاة (كندا) إلى الكينيين في نيروبي، خرج الملايين في مسيرات تضامن غير مسبوقة. وأصدرت النقابات العمّالية بيانات دعماً لفلسطين، وعطّلت شحنات متّجهة إلى إسرائيل، وحشدت العمّال في أنحاء العالم. وربطت الشعوب الأصلية في مختلف أنحاء الأميركيتين نضالاتها بنضال الفلسطينيين، فيما دفعت الحملات الشعبية وحملات المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات حكومات محلية إلى مقاطعة إسرائيل وسحب استثماراتها منها. وألحقت هذه الحملات أضراراً بشركات متواطئة، مثل ماكدونالدز وكارفور وشيفرون وبوما وإنتل وغيرها.
بينما تواصل إسرائيل انتهاك القانون الدولي سعياً إلى التوسّع الاستعماري الاستيطاني والسيطرة الإقليمية، يبدو العالم الغربي مستعدّاً لهدم النظام الذي بناه بعد الحرب العالمية الثانية لحماية إسرائيل
جسّد أسطول الصمود العالمي وقافلة الصمود الطابع المميّز لهذا التضامن الشعبي. ففي الأسطول، خاطر مئات النشطاء والأطباء والصحافيين والشخصيات البارزة، من أكثر من 40 دولة، بحياتهم حين أبحروا نحو غزة لكسر الحصار وإيصال المساعدات المنقذة للحياة. وكان انخراط أبناء شمال أفريقيا في القافلة مؤثّراً على نحو خاص، إذ انطلق نحو 2,000 تونسي وجزائري وليبي وموريتاني ومغربي براً من تونس، قبل أن يُجبروا على التوقّف في سرت. وكان المشاركون يدركون احتمال اعتراضهم قبل الوصول إلى غزة وتعرّضهم للأذى الجسدي، ومع ذلك اختاروا الانضمام إلى الأسطول والقافلة. وجسّدت أفعالهم روح التضامن العالمي، وكشفت تواطؤ الدول التي تيسّر الإبادة الجماعية الإسرائيلية وتمنع وصول المساعدات الأساسية إلى سكان يتضوّرون جوعاً. وهكذا، في الوقت الذي يواجه فيه الفلسطينيون أكبر تهديد لوجودهم على أرضهم منذ النكبة، يبلغ التضامن الشعبي مع نضالهم من أجل التحرّر مستوى غير مسبوق من الانتشار والكثافة، ويمتدّ إلى جميع قارات العالم.
ضد البربرية الإمبريالية، ومن أجل المقاومة الثورية والأممية
«نعم، لن نموت، ولكننا…
سنقتلع الموت من أرضنا
نعم، لن نموت، نعم، سوف نحيا
ولو أكلَ القيدُ من عظمِنا
ولو مزّقتنا سياطُ الطغاة
ولو أشعلوا النارَ في جسمِنا
نعم، لن نموت، ولكننا
سنقتلع الموت من أرضنا».— معين بسيسو
في وقت كتابة هذه السطور، في آذار/مارس 2026، تهطل الأمطار الحمضية السامة على طهران، ويلوث الهواء السام رئات سكانها البالغ عددهم 10 ملايين نسمة، بعدما قصفت إسرائيل، بمساعدة أميركية، منشآت تخزين النفط الإيرانية. وقد تحوّل العدوان الإسرائيلي-الأميركي على إيران إلى حرب إقليمية تهدّد بإحداث انهيار اقتصادي عالمي. وتأتي هذه الحرب الجديدة بعد نحو 3 سنوات من الإبادة الجماعية في غزة، لتؤكّد أننا نقف عند لحظة حاسمة في التاريخ الفلسطيني وتاريخ النضال العالمي المناهض للاستعمار، تتّسم بتصاعد العنف الاستعماري والإمبريالي، والانهيار الكامل للواجهة الليبرالية للقانون الدولي وحقوق الإنسان.
وقد عبّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني بوضوح عن هذا الانهيار في خطابه أمام منتدى دافوس في كانون الثاني/ يناير 2026، حين قال:
«كنا نعلم أنّ الرواية المتعلّقة بالنظام القائم على القواعد كانت زائفة جزئياً... وكنا نعلم أنّ القانون الدولي يُطبَّق بدرجات متفاوتة من الصرامة تبعاً لهوية المتهم والضحية. كان هذا الوهم مفيداً... لم تعد هذه الصفقة صالحة. لأكن واضحاً. نحن في خضمّ قطيعة، لا مرحلة انتقالية».
لم تكن أكذوبة «النظام القائم على القواعد» خافية على من أراد رؤيتها. فعلى مدى 3 سنوات تقريباً، قدّم القادة الغربيون، ومن بينهم كارني، دعماً نشطاً للإبادة الجماعية في غزة، عبر التسليح والتمويل وتوفير الغطاء السياسي، فيما كانوا يشدّدون على أهمّية الدفاع عن حقوق الإنسان والسيادة في أوكرانيا. ولم يكترثوا لمحو غزة من على وجه الأرض، بل هلّلوا للقصف المتواصل الذي تعرّض له اللبنانيون والإيرانيون واليمنيون والسوريون، ولم يذرفوا دمعة حين اختطفت الولايات المتّحدة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في عمل إجرامي سافر. وما دفع كارني إلى إلقاء خطابه، الذي حظي بإشادة واسعة، هو بدء دونالد ترامب تطبيق المعيار نفسه، «القوة هي الحق»، على حلفاء غربيين مثل كندا والدنمارك. فبعدما أظهروا أنّ تطبيق القانون يتوقّف على هوية المعتدي والضحية، بدأ كارني وغيره من القادة الغربيين يدركون أخيراً أنّ «النظام القائم على القواعد» ليس سوى وهم. وقد تحطّم هذا الوهم أمام أعينهم، فيما كانوا يشاهدون زعيم القوة الإمبريالية الأولى، دونالد ترامب، يعاقبهم برسوم جمركية خانقة، ويمارس سطوته عليهم بخطابات مهينة وأوامر زجرية.
يعيد هذا الفصل برمّته إلى الأذهان ملاحظة إيمي سيزير أنّ «ما لا يستطيع [الأوروبيون] أن يغفروه لهتلر [هو]... أنه طبّق على أوروبا أساليب استعمارية كانت حتى ذلك الحين حكراً على عرب الجزائر، وعمّال الهند المهاجرين، وسود أفريقيا». وأوضح سيزير أنّ الأوروبيين، قبل أن يصبحوا ضحايا للنازية، «كانوا شركاء لها... غضّوا بصرهم عنها، وأضفوا عليها الشرعية، لأنها كانت حتى ذلك الحين لا تُطبَّق إلا على الشعوب غير الأوروبية وحدها».
تؤكّد لنا 3 سنوات من الإبادة الجماعية في غزة أننا نقف عند لحظة حاسمة في التاريخ الفلسطيني وتاريخ النضال العالمي المناهض للاستعمار، تتّسم بتصاعد العنف الإمبريالي، والانهيار الكامل للواجهة الليبرالية للقانون الدولي
لقد أتاح تجريد «الشعوب غير الأوروبية» من إنسانيتها للأوروبيين ممارسة الأساليب نفسها التي استخدمها النازيون، ومهّد لكلّ جريمة إمبريالية واستعمارية في التاريخ، من إبادة سكان جزيرة السلحفاة إلى الإبادة الجماعية في غزة. وكما أوضحت لينا منذر في مقال نشرته في تشرين الأول/أكتوبر 2024، فإنّ أكثر ما يؤلم العرب في السنوات الثلاث الماضية هو أنّهم «اكتشفوا إلى أي مدى جُرّدوا من إنسانيتهم، إلى حدّ يجعل من المستحيل الاستمرار في العيش في العالم بالطريقة نفسها».
وبات واضحاً، للفلسطينيين والعرب وللأغلبية المضطهدة في العالم، أنّهم لم يعودوا قادرين على العيش في ظلّ النظام العالمي القائم، الذي يجرّد البشر من إنسانيتهم، ويكرّس الاستغلال المفرط، ويُخضع الطبيعة والبشرية، ويُولّد تفاوتاً هائلاً وفقراً مدقعاً، ويُعيد إنتاج الحروب والعسكرة بلا نهاية، ويتسبّب بدمار بيئي وفوضى مناخية.
حين يصبح العيش في هذا العالم مستحيلاً، لا يبقى أمامنا سوى تغييره. ولهذا نشهد ثورات وانتفاضات ضد الرأسمالية والاستعمار والإمبريالية والنظام الأبوي والتفوّق الأبيض في مختلف القارات والمناطق. وتشمل هذه النضالات الانتفاضات العربية والأفريقية والآسيوية واللاتينية، وحركة «حياة السود مهمة»، وانتفاضات جيل زد، ومقاومة المجتمعات الأصلية، والحركة العمّالية العالمية، وحركات العدالة المناخية والسيادة الغذائية وحقوق المهاجرين والسلام، فضلاً عن الاعتصامات الطالبية المؤيدة لفلسطين، وبالطبع المقاومة الفلسطينية واللبنانية والإيرانية.
لكنّ هذه التمرّدات غالباً ما تبقى متقطعة ومحدودة جغرافياً. ولكي تنجح في مواجهة القوى الهائلة التي تتصدّى لها، عليها أن تتجاوز حدودها المحلية إلى المستوى العالمي، وأن تبني تحالفات متينة. وهذا الهدف ممكن وضروري في آن واحد، لأنّ التضامن والتحالفات العابرة للقومياتيؤدّيان دوراً حاسماً في النضال العالمي من أجل انعتاق معذّبي الأرض.
من هنا، تبرز حاجتنا إلى استلهام الماضي، وتحديداً حقبة نضالات التحرّر من الاستعمار، وباندونغ، والعالمثالثية، وتحالف القارات الثلاث، والتجارب الأممية المشابهة. وعلينا أن نتعمّق في تاريخ هذه المشاريع الثورية والتقدّمية، التي تعرّض بعضها للتجاهل، فيما جرى التعتيم على بعضها الآخر لإخفاء حقبة ملهمة من الروابط الثورية العابرة للقارات. ومن الضروري استعادة هذه التواريخ، واستخلاص العبر منها، وتوظيف ما نتعلّمه لخلق تقاربات بين النضالات الدائرة اليوم.
علينا، مثلاً، أن نتذكّر كيف أصبحت الجزائر المستقلّة، بفضل سياستها الخارجية الجريئة في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، رمزاً للثورة ونموذجاً لنضالات التحرّر في أنحاء العالم. وهذا ما دفع أميلكار كابرال، الزعيم الثوري لغينيا بيساو، إلى القول في أول مهرجان أفريقي: «يحجّ المسلّمون إلى مكّة، والمسيحيون إلى الفاتيكان، وحركات التحرّر الوطني إلى الجزائر!». وبالمثل، ينبغي أن نتذكّر كيف تحوّل نضال فيتنام ضد الإمبريالية الأميركية في ستينيات القرن العشرين إلى قضية حشدت الحركات التقدّمية، وأثّرت في الثورة الاجتماعية العالمية التي أفضت إلى احتجاجات عام 1968.
وفوق كل شيء، علينا أن نعتزّ بتراثنا الثوري الأممي، من العالم العربي إلى أفريقيا، ومن آسيا إلى أمريكا اللاتينية.وأن نحيي المشاريع الطموحة التي سعت في تلك الحقبة إلى التحرّر من النظام الرأسمالي-الإمبريالي. ويكتسب البناء على هذا التراث الثوري، والاستلهام من أمله المتمرّد، وتطبيق منظوره الأممي على واقعنا الراهن، أهمّية قصوى لفلسطين ولسائر النضالات التحرّرية في العالم. وكما كتب فرانز فانون مرّة: «على كل جيل، بعيداً من الغموض النسبي، أن يكتشف مهمّته، ويحقّقها، أو يخونها».
وعلى جيلنا اليوم أن يواصل مهام تفكيك الاستعمار وفكّ الارتباط مع النظام الرأسمالي الإمبريالي، من أجل استعادة إنسانيتنا المنهوبة. ومن مقاومة المنطق الاستعماري والرأسمالي القائم على الاستيلاء والاستخراج، لا بدّ أن تولد تصوّرات جديدة وبدائل مضادة للهيمنة.
وكما هتف الثوّار في مهرجان عموم أفريقيا في عام 1969:
«تسقط الإمبريالية، يسقط الاستعمار!»
« حرب على الاستعمار، حتى النصر! حرب على الإمبريالية حتى النصر!»
ويمكننا أن نضيف إلى ذلك:
« فلسطين حرة، من النهر إلى البحر!»