
من الرفاه إلى الحرب: الكينزية العسكرية
بلغت النزعة الحربية ذروتها في أوروبا. بدأ الأمر عندما قررت الولايات المتحدة في عهد ترامب أن تمويل «حماية» العواصم الأوروبية عسكرياً من الأعداء المحتملين لم يعد يستحق العناء. يسعى ترامب إلى إنهاء تحمّل الولايات المتحدة الجزء الأكبر من تمويل الناتو وتقديم قوتها العسكرية، كما يريد إنهاء الصراع بين أوكرانيا وروسيا للتركيز على الاستراتيجية الإمبريالية الأميركية في «النصف الغربي» والمحيط الهادئ، بهدف «احتواء» الصين وإضعاف صعودها الاقتصادي.
أثارت استراتيجية ترامب ذعر النخب الحاكمة في أوروبا، إذ باتت تخشى فجأة من هزيمة أوكرانيا أمام القوات الروسية، مما قد يؤدي إلى وصول بوتين قريباً إلى حدود ألمانيا، أو حتى إلى «شوارع بريطانيا»، كما يزعم رئيس الوزراء البريطاني ورئيس سابق لجهاز الأمن كير ستارمر.
بغض النظر عن مدى واقعية هذا التهديد المزعوم، فقد أُتيحت الفرصة للأجهزة العسكرية والاستخباراتية الأوروبية لتصعيد الموقف والمطالبة بإنهاء ما يُعرف بـ«ثمار السلام» الذي بدأ بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، والبدء مجدداً بعملية إعادة التسلح. وقد أوضحت كايا كالاس، رئيسة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، رؤيتها قائلة: «إذا لم نتمكن معاً من فرض ضغط كافٍ على موسكو، فكيف يمكننا الادعاء بأننا قادرون على هزيمة الصين؟»
تُطرح مبررات عدّة لإعادة تسليح الرأسمالية الأوروبية. افتتحت برونوين مادوكس، مديرة مركز «تشاثام هاوس» للأبحاث، مركز فكري في العلاقات الدولية يعبر أساساً عن وجهات نظر الدولة العسكرية البريطانية، النقاش بالتأكيد على أن الإنفاق على «الدفاع» هو «أعظم منفعة عامة على الإطلاق»، لأنه ضروري لحماية «الديمقراطية» من القوى السلطوية. لكنها أوضحت أن لهذا الدفاع ثمناً: «قد تضطر المملكة المتحدة إلى الاقتراض لتمويل الإنفاق الدفاعي الملح، وسيتعين على السياسيين تعويض ذلك عبر خفض إعانات المرض، والمعاشات التقاعدية، والرعاية الصحية». وأضافت: «كما استغرق بناء هذا الإنفاق عقوداً، فإن التراجع عنه قد يستغرق عقوداً أيضاً»، داعيةً إلى الإسراع في رفع الإنفاق العسكري إلى 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي، مع وجود دعوات لزيادته أكثر. وفي النهاية، سيتعين على السياسيين إقناع الناخبين بالتنازل عن بعض حقوقهم الاجتماعية لتمويل الدفاع.
بدأ مارتن وولف، خبير الاقتصاد الكينزي الليبرالي في صحيفة فاينانشال تايمز، في طرح الفكرة: «سوف يحتاج الإنفاق على الدفاع إلى الزيادة بشكل كبير. يجب ملاحظة أنه كان يشكل 5% من الناتج المحلي الإجمالي في المملكة المتحدة أو أكثر، في السبعينيات والثمانينيات. قد لا يحتاج إلى أن يكون عند تلك المستويات على المدى الطويل: فروسيا الحديثة ليست الاتحاد السوفياتي. ومع ذلك، قد يحتاج إلى أن يكون عند هذا المستوى في خلال مدة التحضير، خصوصاً في حال انسحاب الولايات المتحدة».
كيف يمكن دفع تكاليف هذا التوسع العسكري؟ يرى وولف أنه إذا كان من الضروري أن يظل الإنفاق الدفاعي مرتفعاً بشكل دائم، فلا بد من رفع الضرائب، إلا إذا تمكنت الحكومة من إيجاد تخفيضات كبيرة في مجالات أخرى من الإنفاق، وهو أمر يشكك في إمكانية حدوثه. لكنه يطمئن بأن الإنفاق على الدبابات والجنود والصواريخ ليس مجرد عبء مالي، بل إنه يعود بالفائدة على الاقتصاد. ويؤكد أن «بريطانيا يمكنها أن تتوقع عائدات اقتصادية من استثماراتها الدفاعية، لأن الحروب كانت دائماً مصدراً للابتكار». ويستشهد بتجربتين حديثتين: «بدأ اقتصاد الشركات الناشئة في إسرائيل داخل جيشها، وأحدث الأوكرانيون ثورة في حرب الطائرات المسيّرة». لكنه يتجاهل تماماً التكلفة البشرية المرتبطة بهذه «الابتكارات». ثم يوضح فكرته المركزية قائلاً: «النقطة الأساسية هي أن الحاجة إلى إنفاق عسكري أكبر يجب أن تُفهم على أنها ليست مجرد ضرورة، وليست مجرد تكلفة، رغم أنهما حقيقتان، بل هي أيضاً فرصة اقتصادية». وهكذا، تصبح الحرب وسيلة للخروج من الركود الاقتصادي وتحفيز النمو.
يصر وولف على ضرورة أن تبدأ بريطانيا التحرك بسرعة قائلاً: «إذا لم تعد الولايات المتحدة المدافع والمروج للديمقراطية الليبرالية، فإن القوة الوحيدة التي قد تكون قوية بما يكفي لسد الفراغ هي أوروبا». ويؤكد أن الأوروبيين إذا أرادوا النجاح في هذه المهمة الثقيلة، يجب أن يبدأوا بتأمين منازلهم. وقدرة أوروبا على ذلك ستعتمد بدورها على الموارد والوقت والإرادة والتماسك. ويضيف: «من المؤكد أن أوروبا يمكنها زيادة إنفاقها على الدفاع بشكل كبير». ويدافع وولف عن ضرورة الدفاع عن «القيم الأوروبية» التي تتمثل في الحرية الشخصية والديمقراطية الليبرالية، مشيراً إلى أن هذه الخطوة ستكون مكلفة اقتصادياً وقد تكون خطيرة، ولكنها ضرورية، لأن «أوروبا بها خلايا نائمة في كل مكان». ويختتم بالقول: «إذا لم تتحرك أوروبا بسرعة للدفاع عن نفسها، فإن الديمقراطية الليبرالية قد تنهار تماماً. اليوم يشبه إلى حد كبير ثلاثينيات القرن الماضي. هذه المرة، للأسف، تبدو الولايات المتحدة على الجانب الخطأ».
وضع جنان غانيش، كاتب في «فايننشال تايمز» والمحسوب على التيار «التقدمي المحافظ»، المسألة بوضوح: «يجب على أوروبا أن تقلّص دولتها الاجتماعية من أجل بناء دولة حرب. لا يمكن الدفاع عن القارة من دون خفض الإنفاق الاجتماعي». وأوضح أن المكاسب التي حققها العمال بعد الحرب العالمية الثانية، والتي جرى تقليصها تدريجياً على مدى الأربعين عاماً الماضية، يجب الآن الاستغناء عنها تماماً. وأضاف: «المهمة الآن هي الدفاع عن حياة الأوروبيين. كيف يمكن تمويل قارة مسلحة بشكل أفضل إن لم يكن من خلال دولة رفاه أصغر؟» فالعصر الذهبي لدولة الرفاه بعد الحرب لم يعد ممكناً. «قد يعتقد أي شخص تحت سن الثمانين عاش حياته في أوروبا أن دولة الرفاه العملاقة هي الوضع الطبيعي. لكنها في الحقيقة نتاج ظروف تاريخية استثنائية سادت في النصف الثاني من القرن العشرين ولم تعد قائمة اليوم».
صحيح أن المكاسب التي حصل عليها العمال في خلال العصر الذهبي كانت استثناءً عن القاعدة في ظل الرأسمالية («ظروف تاريخية غريبة»). لكن الآن، حتى قبل الصدمة الدفاعية الحالية، كانت التزامات المعاشات والرعاية الصحية تشكل عبئاً على الطبقة العاملة. لذا، يتعين على الحكومات أن تكون أكثر تقشفاً تجاه كبار السن، أو إذا كان ذلك غير ممكن بسبب ثقلهم الانتخابي، فسوف يقلص الإنفاق في مجالات أكثر إنتاجية. في كل الأحوال، لا بد أن تتراجع دولة الرفاه، ليس لدرجة أن تُلغى تماماً، بل بما يكفي لإحداث الألم. يرى غانيش، المحافظ الحقيقي، أن إعادة التسلح تشكل فرصة للرأسمال لتقليص الإنفاق الاجتماعي والخدمات العامة. وقال: «من الأسهل تسويق خفض الإنفاق لصالح الدفاع بدلاً من تبريره بالكفاءة العامة... ومع ذلك، فالغرض من الدفاع ليس مجرد خفض الإنفاق، بل البقاء». وهكذا، تحتاج الرأسمالية الليبرالية إلى البقاء، مما يعني تقليص مستوى معيشة الفقراء وإنفاق الأموال على الحرب، من دولة الرفاه إلى دولة الحرب.
رفع رئيس وزراء بولندا، دونالد تاسك، من حدة الدعوات للحرب، معلناً أن بولندا «يجب أن تسعى للحصول على أحدث الإمكانيات، بما في ذلك ما يتعلق بالأسلحة النووية والأسلحة غير التقليدية الحديثة». هل يمكن أن يُقصد بـ«غير التقليدية» الأسلحة الكيميائية؟ صرّح تاسك قائلاً: «أقول هذا بكل مسؤولية، لا يكفي شراء الأسلحة التقليدية الأكثر شيوعاً».
تتصاعد الدعوات في جميع أنحاء أوروبا تقريباً لزيادة الإنفاق العسكري وإعادة التسلح. اقترحت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، «خطة إعادة تسليح أوروبا» التي تهدف إلى تعبئة ما يصل إلى 800 مليار يورو لتعزيز الإنفاق الدفاعي. وصرّحت: «نحن في عصر إعادة التسلح، وأوروبا مستعدة لزيادة إنفاقها الدفاعي بشكل هائل، ليس فقط لمواجهة الحاجة الملحة لدعم أوكرانيا، ولكن أيضاً لتحمل مسؤولية أكبر تجاه أمننا الأوروبي على المدى الطويل».
بموجب «بند الهروب الطارئ»، ستدعو المفوضية الأوروبية إلى زيادة الإنفاق العسكري حتى لو تجاوز القواعد الضريبية الحالية. وستحول الأموال غير المستخدمة من جائحة كوفيد-19 (90 مليار يورو) إلى قروض بقيمة 150 مليار يورو لتمويل الاستثمارات الدفاعية المشتركة، بما في ذلك أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي، والمدفعية، والصواريخ والذخيرة، والطائرات المسيّرة، وأنظمة مكافحة الطائرات المسيّرة.
زعمت فون دير لاين أنه إذا زادت دول الاتحاد الأوروبي إنفاقها الدفاعي بنسبة 1.5٪ من الناتج المحلي الإجمالي في المتوسط، فسوف يمكن توفير 650 مليار يورو في خلال السنوات الأربع القادمة. لكن لن يكون هناك تمويل إضافي للاستثمار أو البنية التحتية أو الخدمات العامة، لأن أوروبا باتت تكرس مواردها للتحضير للحرب.
بحسب صحيفة فاينانشال تايمز، فإن الحكومة البريطانية «تتحول بسرعة من اللون الأخضر إلى الرمادي العسكري، حيث تضع الدفاع في صميم نهجها للتكنولوجيا والتصنيع». وأعلن كير ستارمر عن زيادة الإنفاق الدفاعي إلى 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول العام 2027، مع هدف للوصول إلى 3% في خلال ثلاثينيات القرن الحالي.
في الوقت نفسه، أعلنت وزيرة المالية راشيل ريفز، التي خفضت الإنفاق على إعانات الأطفال ومدفوعات الشتاء لكبار السن وإعانات الإعاقة، أنه سيُعاد توجيه الصندوق الوطني للثروة الذي أسسته حكومة العمال الجديدة للاستثمار في قطاع الدفاع.
شركات الأسلحة البريطانية مبتهجة بهذا التحول. قال أحد الرؤساء التنفيذيين: «بغض النظر عن الاعتبارات الأخلاقية لإنتاج الأسلحة، والتي تمنع بعض المستثمرين، هناك الكثير مما يجعل الدفاع استراتيجية صناعية جذابة».
في ألمانيا، دفع المستشار المنتخب حديثاً في الحكومة الائتلافية، فريدريش ميرتس، عبر البرلمان قانوناً ينهي ما يُعرف بـ «المكابح الضريبية»، التي كانت تمنع الحكومات الألمانية من تجاوز حدود صارمة في الاقتراض أو رفع مستوى الدين لتمويل الإنفاق العام.
لكن الآن، أصبح العجز العسكري أولوية مطلقة، وهو الميزانية الوحيدة التي لا تخضع لأي قيود. سيتجاوز الإنفاق الدفاعي بفارق كبير أي عجز مالي مخصص لمواجهة التغير المناخي أو تحديث البنية التحتية المتداعية.
سيفوق الإنفاق الحكومي السنوي الناتج عن الحزمة الضريبية الجديدة في ألمانيا الطفرة الاقتصادية التي رافقت خطة مارشال بعد الحرب العالمية الثانية، وكذلك الإنفاق الهائل الذي صاحب إعادة توحيد ألمانيا في أوائل التسعينيات.
يقودني هذا إلى المناقشات الاقتصادية حول الإنفاق العسكري. هل يمكن للإنفاق العسكري أن يعيد تنشيط اقتصاد غارق في الركود، كما هو حال معظم أوروبا منذ الأزمة المالية الكبرى في العام 2009؟ يعتقد بعض الكينزيين ذلك.
ترى شركة الأسلحة الألمانية راينميتال أن مصنع فولكسفاغن المهجور في أوسنابروك قد يكون مرشحاً مثالياً للتحول إلى الإنتاج العسكري. من جانبه، رحّب الاقتصادي الكينزي ماثيو كلاين، المشارك في تأليف حروب التجارة هي حروب طبقية مع مايكل بيتيس، بهذا التوجه قائلاً: «تبني ألمانيا الدبابات بالفعل، وأنا أشجعها على بناء المزيد منها».
تمتلك نظرية الكينزية العسكرية تاريخاً طويلاً. إحدى نسخها كانت فكرة الاقتصاد العسكري الدائم التي تبناها بعض الماركسيين لتفسير سبب عدم دخول الاقتصادات الكبرى في كساد بعد الحرب العالمية الثانية، بل على العكس، شهدت مرحلة ازدهار طويلة لم تتخللها سوى ركودات طفيفة، استمرت حتى الأزمة الدولية في العام 1974-1975.
وفقاً لهذا الطرح، فإن العصر الذهبي لم يكن ليحدث إلا بسبب الإنفاق العسكري المستمر، الذي حافظ على مستوى الطلب الكلي وساهم في تحقيق العمالة الكاملة.
لكن الأدلة لا تدعم هذه النظرية في تفسير الازدهار الاقتصادي بعد الحرب. فقد انخفض الإنفاق العسكري للحكومة البريطانية من أكثر من 12% من الناتج المحلي الإجمالي في العام 1952 إلى حوالي 7% في العام 1960، واستمر في التراجع في خلال الستينيات ليصل إلى نحو 5% بحلول نهاية العقد. ومع ذلك، كان أداء الاقتصاد البريطاني في خلال هذه المدة أفضل من أي وقت لاحق.
وفي جميع الاقتصادات الرأسمالية المتقدمة، تراجع الإنفاق الدفاعي كنسبة من الناتج الإجمالي بحلول أواخر الستينيات مقارنة بأوائل الخمسينيات. فبينما بلغ 10.2% من الناتج المحلي الإجمالي في العام 1952-1953 في ذروة الحرب الكورية، انخفض إلى 6.5% بحلول 1967. ورغم ذلك، استمر النمو الاقتصادي طوال الستينيات وأوائل السبعينيات.
لم يكن الازدهار الاقتصادي بعد الحرب نتيجة لإنفاق حكومي على التسلح بأسلوب كينزي، بل يعود إلى ارتفاع معدلات الربحية على رأس المال المستثمر في الاقتصادات الكبرى. وإذا كان هناك تأثير للإنفاق العسكري، فقد كان معكوساً: فقد سمح النمو السريع والربحية العالية للحكومات بتحمل تكاليف الإنفاق العسكري ضمن أهدافها الجيوسياسية في "الحرب الباردة"، التي كانت تهدف إلى إضعاف الاتحاد السوفياتي، عدو الإمبريالية الأول في ذلك الوقت.
الكينزية العسكرية تتعارض بشكل جوهري مع مصالح العمال والبشرية. هل يمكن أن نكون مؤيدين لإنتاج الأسلحة لقتل الناس من أجل توفير فرص عمل؟ هذه الحجة، التي يروج لها بعض قادة النقابات، تضع المال في المقام الأول على حساب الأرواح. كما قال كينز في الماضي: "يجب على الحكومة أن تدفع للناس لحفر حفرة في الأرض ثم ملؤها". حينها قد يرد الناس قائلين: "هذه فكرة غير منطقية، لماذا لا ندفع لهم لبناء الطرق والمدارس بدلاً من ذلك؟". فيرد كينز: «حسناً، ادفع لهم لبناء المدارس. الفكرة هي أن المهم هو أن الحكومة تخلق فرص العمل، سواء كان ما يتم فعله ذا قيمة أم لا».
كان كينز مخطئاً في ادعائه أن الأمر لا يهم. صحيح أن الكينزية تدافع عن فكرة حفر الحفر وملئها لخلق وظائف، لكن الكينزية العسكرية تدافع عن حفر القبور وملئها بالجثث من أجل خلق وظائف. إذا كانت الطريقة التي تخلق بها الوظائف لا تهم، فلماذا لا نضاعف إنتاج التبغ ونشجع على الإدمان عليه لخلق وظائف؟ يرفض معظم الناس في الوقت الحالي هذه الفكرة لأنها تضر مباشرة صحة الناس. تصنيع الأسلحة (سواء كانت تقليدية أو غير تقليدية) هو أيضاً ضار بشكل مباشر. وهناك الكثير من المنتجات والخدمات الاجتماعية المفيدة التي يمكن أن تخلق وظائف وأجوراً للعمال، مثل بناء المدارس والمنازل.
أصر وزير الدفاع البريطاني جون هيلي مؤخراً على أن زيادة ميزانية الأسلحة سوف تجعل صناعة الدفاع في المملكة المتحدة «محركاً للنمو الاقتصادي في البلاد». ولكن، للأسف، يشير اتحاد صناعة الأسلحة البريطاني (ADS) إلى أن المملكة المتحدة تضم حوالي 55,000 وظيفة في صادرات الأسلحة، بالإضافة إلى 115,000 موظف في وزارة الدفاع. حتى إذا شملنا هؤلاء، فإنهم يمثلون فقط 0.5% من إجمالي القوى العاملة في المملكة المتحدة (انظر تقرير CAAT حول «الأسلحة إلى الطاقة المتجددة» لمزيد من التفاصيل). حتى في الولايات المتحدة، النسبة مشابهة جداً. هل هذه النسبة الصغيرة من العاملين في مجال الدفاع يمكن أن تكون حقاً محركاً كبيراً للاقتصاد؟
تطرح النظرية الماركسية سؤالاً نظرياً حول ما إذا كانت صناعة الأسلحة تساهم في إنتاج القيمة في الاقتصاد الرأسمالي. الجواب هو أنها تفعل ذلك بالنسبة لشركات الأسلحة. فالمقاولون العسكريون يقدمون سلعاً (أسلحة) تدفع ثمنها الحكومة. وبالتالي، فإن العمل الذي تنتج من خلاله هذه الأسلحة يعتبر منتجاً للقيمة والقيمة الزائدة. ولكن على مستوى الاقتصاد ككل، فإن إنتاج الأسلحة لا يساهم في إنتاج قيمة مستقبلية، تماماً كما هو الحال مع «السلع الفاخرة» التي تستهلك فقط من قبل الرأسماليين. إنتاج الأسلحة والسلع الفاخرة لا يعيد الدخول إلى عملية الإنتاج التالية سواء كوسائل إنتاج أو كوسائل معيشة للطبقة العاملة. في حين أن إنتاج الأسلحة قد يكون منتجاً للقيمة الزائدة للرأسماليين في هذا المجال، إلا أن هذا الإنتاج لا يعيد إنتاج رأس المال وبالتالي يهدد إعادة إنتاج رأس المال بشكل عام.
تعتمد النتيجة على التأثير الذي يحدثه الإنفاق العسكري على ربحية رأس المال. بشكل عام، يتسم القطاع العسكري بتركيب عضوي لرأس المال أعلى من المعدل المتوسط في الاقتصاد، حيث يشمل تقنيات متطورة ومتقدمة. وبالتالي، فإن قطاع الأسلحة يميل إلى خفض معدل الربح المتوسط في الاقتصاد. من ناحية أخرى، إذا كانت الضرائب التي تجمعها الدولة (أو التخفيضات في الإنفاق المدني) لدفع تكاليف صناعة الأسلحة مرتفعة، فإن الثروة التي كان من الممكن أن تذهب إلى العمل يمكن توزيعها على رأس المال، وبالتالي قد تساهم في زيادة القيمة الزائدة المتاحة. لذلك، قد يكون للإنفاق العسكري تأثير إيجابي طفيف على معدلات الربح في الدول المصدرة للأسلحة، لكن ليس في الدول المستوردة، حيث يعتبر الإنفاق على القطاع العسكري خصماً من الأرباح المتاحة للاستثمار المنتج.
في السياق الأوسع، لا يمكن أن يكون الإنفاق على الأسلحة عاملاً حاسماً لصحة الاقتصاد الرأسمالي. من جهة أخرى، يمكن للحرب الشاملة أن تساعد الرأسمالية في الخروج من الكساد والركود. تشير أحد الحجج الرئيسة في الاقتصاد الماركسي (على الأقل في نسختي) إلى أن الاقتصادات الرأسمالية لا يمكنها التعافي بشكل مستدام إلا إذا ارتفعت ربحية القطاعات الإنتاجية بشكل كبير. ويتطلب ذلك تدميراً كافياً في قيمة «رأس المال الميت» (التراكم الماضي) الذي لم يعد من المربح توظيفه.
استمر الكساد الكبير في الولايات المتحدة في خلال ثلاثينيات القرن العشرين لمدة طويلة لأن الربحية لم تتعافَ طوال تلك العقدة. كانت نسبة الربح في العام 1938 في الشركات الأميركية أقل من نصف معدلها في العام 1929. ولم تبدأ الربحية في التحسن إلا بعد أن بدأ الاقتصاد الحربي في الانطلاق، بدءاً من العام 1940.
لم تكن «الكينزية العسكرية» ما أخرج الاقتصاد الأميركي من الكساد الكبير، كما يعتقد بعض الاقتصاديين الكينزيين. لم يبدأ التعافي الاقتصادي الأميركي من الكساد الكبير إلا عندما بدأت الحرب العالمية الثانية. بدأ الاستثمار في الارتفاع بشكل كبير فقط بعد الهجوم على بيرل هاربر في العام 1941، ليصل إلى أكثر من ضعف المستوى الذي كان عليه في العام 1940. لكن السبب في ذلك ليس زيادة استثمارات القطاع الخاص، بل الزيادة الهائلة في استثمارات ونفقات الحكومة، حيث تركزت الموارد على إنتاج الأسلحة وتدابير الأمن في اقتصاد حرب كامل.
هل يمكن اعتبار الزيادة في استثمارات ونفقات الحكومة شكلاً من أشكال التحفيز الكينزي؟ الجواب لا. يكمن الفرق في استمرار انهيار الاستهلاك. كان الاقتصاد الحربي يموّل من خلال تقييد الفرص أمام العمال لإنفاق دخلهم من وظائفهم الحربية. كان هناك ادخار قسري عبر شراء السندات الحربية، والتقنين، وزيادة الضرائب لتمويل الحرب. كانت الاستثمارات الحكومية تعني توجيه وتنظيم الإنتاج بمرسوم حكومي. لم يحفز الاقتصاد الحربي القطاع الخاص، بل حل محل «السوق الحرة» واستثمار رأس المال من أجل الربح. لم يعد الاستهلاك يعيد النمو الاقتصادي كما كان يتوقع الكينزيون، بل كان الاستثمار في الأسلحة، خصوصاً أسلحة الدمار الشامل.
أنهت الحرب الكساد الاقتصادي بشكل حاسم. انتعشت الصناعة الأميركية بفضل الحرب، حيث وُجهت العديد من القطاعات نحو إنتاج الدفاع (مثل الطيران والإلكترونيات) أو أصبحت تعتمد عليه بالكامل (مثل الطاقة الذرية). استمرت التغيرات العلمية والتكنولوجية السريعة التي حدثت في أثناء الحرب وأصبحت أكثر حدة، حيث ساهمت في تسريع الاتجاهات التي بدأت في خلال الكساد العظيم. ومع تدمير الحرب لكل الاقتصادات الكبرى في العالم باستثناء الولايات المتحدة، تمكنت الرأسمالية الأميركية من تحقيق الهيمنة الاقتصادية والسياسية بعد العام 1945.
كما شرح غويلغمو كارشيدي: «لماذا أحدثت الحرب قفزة كبيرة في ربحية الاقتصاد في المدة من 1940 إلى 1945؟ لم يرتفع المقام في المعدل بل انخفض، لأن الاستهلاك المادي لوسائل الإنتاج كان أكبر من الاستثمارات الجديدة. في الوقت نفسه، انعدمت البطالة عملياً. جعل انخفاض البطالة الأجور الأعلى ممكنة، ولكن الأجور الأعلى لم تؤثر على ربحية الشركات. في الواقع، تحويل الصناعات المدنية إلى عسكرية قلل من عرض السلع المدنية. كانت الأجور الأعلى والإنتاج المحدود للسلع الاستهلاكية تعني أن القوة الشرائية للعمال قد قُلصت بشكل كبير لتجنب التضخم. تحقق ذلك من خلال فرض أول ضريبة دخل عامة، وتشجيع الادخار الاستهلاكي، بشكل أساسي من خلال الاستثمار في سندات الحرب. وبالتالي، كان على العمال تأجيل إنفاق جزء كبير من أجورهم. في الوقت نفسه، زاد معدل استغلال العمال. في جوهره، كان جهد الحرب هو إنتاج هائل لوسائل التدمير بتمويل من العمال».
كما لخّص كينز: «يبدو أنه من المستحيل سياسياً على الديمقراطية الرأسمالية تنظيم الإنفاق على النطاق اللازم لإجراء التجارب الكبرى التي تثبت قضيتي — إلا في ظروف الحرب». رينشو، بي. «مقتبس من ذا نيو ريبابليك». مجلة التاريخ المعاصر، المجلد 34، العدد 3 (1999): 364-377.
نُشر هذا المقال في 22 آذار/مارس 2025 على مدوّنة الكاتب، وترجم إلى العربية ونشر في موقع صفر بموافقة مسبقة منه.