معاينة Capitalism Of Finitude

رأسمالية المحدودية: التشاؤم ونزعة الحرب

  • مراجعة لكتاب الاقتصادي الفرنسي أرنو أوران «العالم المصادر» الذي يستكشف التحوّلات الدورية للرأسمالية عبر القرون الأربعة الماضية، ويسلّط الضوء على صعود الميركنتيلية التجارية كمذهب اقتصادي مهيمن. يرى أوران أن العالم ينتقل من التجارة الحرة إلى «التجارة المسلحة»، حيث تسيطر الدول على طرق التجارة، وتفضل الاحتكارات، وتتنازع على الأراضي. ويستعرض تاريخ الهيمنة البحرية، مستنداً إلى أفكار ألفريد ماهان، الذي يرى أن أي قوة صناعية تحتاج إلى التوسع البحري لحماية مصالحها. 

يسود اليوم رأيٌ شائعٌ بأنّ عصر العولمة النيوليبرالية قد أوشك على الأفول. (وقد سطرتُ في ذلك مقالاً). غير أنّ الغموض يكتنف طبيعة النظام الدولي والمحلي الذي سيخلُف النيوليبرالية. تتعدد البدائل المرشحة لهذه الخلافة، ذلك أنّ التنبؤ صعب والأصعب التنبؤ بالمستقبل حسبما أخبرنا يوجي بيرا. بيد أنّ لنا في التاريخ الاقتصادي عوناً في هذا المضمار. ويعيننا في هذا المقام الكتاب الجديد للاقتصادي الفرنسي أرنو أوران، إذ يتناول الطبيعة الدورية للرأسمالية العالمية عبر القرون الأربعة الماضية. فنحن، وفق رؤية أوران، نلجُ مرحلةً من مراحل إعادة تكيُّف الرأسمالية الدورية، انتقالاً من التجارة الحرة إلى «التجارة المسلَّحة» التي تُميِّز المذهب الميركنتيلي (التجاري). وفي قراءة أوران للرأسمالية، تنكشف لنا أنّ الهيمنة والانتشار في مسرح التاريخ كانت للمذهب الميركنتيلي مقارنةً بسياسة عدم التدخل والتجارة الحرة. ويرصد 3 فترات ميركنتيلية متعاقبة: الفتح الأوروبي للعالم (القرنان السابع عشر والثامن عشر)، والفترة الممتدة من 1880 إلى 1945، وأيامنا هذه.

نحن، وفق رؤية أوران، نلجُ مرحلةً من مراحل إعادة تكيُّف الرأسمالية الدورية، انتقالاً من التجارة الحرة إلى «التجارة المسلَّحة» التي تُميِّز المذهب الميركنتيلي

تتجلّى أبرز خصائص المذهب الميركنتيلي في أنّه يتصوّر التجارة، بل ورُبّما النشاط الاقتصادي بأكمله، مباراةً صفريّة، ويُنتج عالَماً لا هو في سِلمٍ تامّ ولا في حربٍ شاملة. فالحالة الطبيعيّة للميركنتيلية حالةٌ دائمة من الصراع، سواء أُديرَ هذا الصراع بالسلاح أم بشتّى وسائل الإكراه الأخرى (القرصنة والتطهير العِرقي والاستعباد وغيرها). ويقتضي المذهب الميركنتيلي (1) السيطرة على طُرق نقل البضائع، وتعني السيطرة، في الماضي كما في الحاضر، على المحيطات، و(2) تفضيل التكامل الرأسي للإنتاج والتجارة، ما يستلزم الاحتكارات واحتكارات الشراء، و(3) التنازُع على الأراضي إمّا باعتبارها مصدراً للمواد الخام والغذاء (خصوصاً عندما تسود الأيديولوجيات المالتوسية) أو باعتبارها موانئ ومستودعات تجارية تُكمِّل القوّة البحرية. وعلى هذا النحو، ينقسم الكتاب إلى 3 أقسام (يتألّف كلٌّ منها من فصلين) تستعرض على التوالي المنافسة البحرية والاحتكارات والاستيلاء على الأراضي في الحقبتين الميركنتيليتين السابقتين. إنّه الصراع على البحار والأراضي؛ ومن هنا جاء عنوان الكتاب العالم المُصادَر.

يُسند أحد الأدوار الأيديولوجية الرئيسة في هذا المضمار إلى الإستراتيجي البحري الأميركي، ألفريد ماهان الذي صاغ ما يُعرِّفه أوران بـ «القانونَيْن». يقضي الأول منهما بأنّ ثمة تطوراً طبيعياً للبلد من كونه مُنتِجاً كبيراً للسلع، كما هي الصين اليوم، إلى الحاجة لشحن هذه السلع إلى الخارج، ومن ثمَّ السيطرة على الطرق البحرية. فلا بُدَّ للبلد أن يغدو قوة بحرية، أو في أفضل الأحوال، مُهيمناً بحرياً. كما يحتاج إلى إنشاء مجموعة من المستودعات التجارية لدعم انتشاره البحري. أما القانون الثاني لماهان فيقضي بعدم وجود فرق واضح بين الأساطيل التجارية وأساطيل الحرب. فما دامت التجارة «مُسلَّحة»، فإنّ التمييز بين النوعين يكاد يتلاشى، ويقدِّم أوران أمثلة تاريخية عديدة حيث أدَّت الأساطيل الهولندية والإنكليزية والسويدية والدنماركية والفرنسية، سواء كانت تجارية أم حربية، كلا الدورين. وهذا يُرسي الأجواء العامة لحالة «لا حرب ولا سلم». فالحروب، إنْ جاز التعبير، «في جميع الاتجاهات» ولكن بلا عمق.

تتجلّى أبرز خصائص المذهب الميركنتيلي في أنّه يتصوّر التجارة، بل ورُبّما النشاط الاقتصادي بأكمله، مباراةً صفريّة، ويُنتج عالَماً لا هو في سِلمٍ تامّ ولا في حربٍ شاملة

تتجلَّى الميركنتيلية بوصفها رأسمالية «المحدوديات»، وهو مصطلح بديع استحدثه (أو ربما صكَّه؟) أوران ليُشير إلى إدراك محدودية الموارد الطبيعية أو إلى تصوُّر النشاط الاقتصادي كمباراة صفرية. (وسأعود إلى هذا في ختام المراجعة). وعلى النقيض من ذلك، فإنّ التجارة الحرة تتناغم – بدلالة ضمنية – مع تلك الحقب التي تتسع فيها رؤيتنا للعالم وتزداد رحابة وتفاؤلاً؛ إذ نميل إلى الاعتقاد بأنّ الموارد ستكون (في نهاية المطاف) كافية للجميع. أما الميركنتيلية فهي عالَم يُنبئ بأنّ «الموارد لن تكفي الجميع» - وتلك هي الجملة الختامية التي أسدل بها الكتاب ستائره.

يعرض أوران لوحة تاريخية بالغة الثراء، تتناول غزو الأوروبيين للأصقاع البعيدة وما دار بينهم من «حروب جزئية» في الأراضي الأجنبية في خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر. وكانت الشركات التجارية، كالهولندية والبريطانية والفرنسية في الهند الشرقية وغرب أفريقيا وسواها، الفاعلَ الرئيس في تلك الوقائع. ويبيّن أوران أنّ هذه الشركات قد تبوأت أدوار الدول، وأشهرها شركة الهند الشرقية، إذ استخلصت لنفسها «حقوق السيادة» من الحكومات الأم، وأرغمت بحدّ السيف حكومات البلاد المفتوحة على الرضوخ لسلطانها. إنّي وإنْ كنتُ على دراية عامة بمسالك التنافس البحري آنذاك، فقد وجدت في الفصلين الأولين من هذا الكتاب كثيراً مما لم يكن لي به علم، لا سيّما ما يتعلق بالغزو الفرنسي لغرب أفريقيا، مما لا يدركه أصحاب المعرفة العامة بالاستراتيجيات البحرية. واليوم، تُرى الصين وشركاتها المملوكة للدولة، وعلى رأسها «كوسكو للملاحة»، سائرةً على نهج الشركات الهولندية والإنكليزية والفرنسية في الهند الشرقية. وبحسب أوران، تتبع الصين «القانون» الأول لماهان، حيث ينبغي للقوة الصناعية البرية أن تمدّ نفوذها إلى البحار لتأمين سبل الشحن والتجارة. ويبرز الكتاب النمو العددي في أساطيل الصين وتزايد قدرتها على التكيّف بين الوظائف التجارية والحربية، في مقابل التراجع الملموس في الأساطيل الأميركية، إذ لم يبقَ من أحواض السفن الأميركية القادرة على تصنيع السفن الضخمة، بعد أن كانت 7 في تسعينيات القرن الماضي، سوى حوض واحد.

ثمة تطوراً طبيعياً للبلد من كونه مُنتِجاً كبيراً للسلع، كما هي الصين اليوم، إلى الحاجة لشحن هذه السلع إلى الخارج، ومن ثمَّ السيطرة على الطرق البحرية. فلا بُدَّ للبلد أن يغدو قوة بحرية، أو في أفضل الأحوال، مُهيمناً بحرياً

أود التركيز على مسألتين؛ أولهما انبثاق قراءة مغايرة تماماً لتاريخ الفكر الاقتصادي من النظر إلى الرأسمالية بوصفها نظاماً مركنتيلياً. في ضوء هذا الطرح، يغدو كتّاب ما قبل الفيزيوقراطيين من الفرنسيين، أمثال فوربونيه، ومُنظِّر القانون غروتيوس، المستشار القانوني لشركة الهند الشرقية الهولندية والمُسوِّغ للتجارة المسلحة بما فيها الاستيلاء على السفن الأجنبية، فضلاً عن غوستاف شمولر ومدرسة التاريخ الألمانية، من المراجع الجوهرية. أما من التراث الاقتصادي الأرثوذكسي، فلا يظل قائماً إلا سميث (حضوره برأيي محتوم، إذ تقف كتاباته عند الحد الفاصل زمنياً وأيديولوجياً بين التجارة الحرة والمركنتيلية) إلى جانب ماركس وشومبيتر. فيما تكاد تختفي أسماء أمثال ريكاردو ومارشال ووالراس ومنظري التوازن العام وكينز والقائمة تطول، أو لا يُشار إليهم البتة. وليس في هذا انتقاء اعتباطي من المؤلف، بل هو نتيجة حتمية لفهمه الرأسمالية على أنّها نظام إنتاج قسري وتجـارة مسلحة. وعلى هذا، يجد الاقتصادي المتشرّب بالتعليم التقليدي نفسه أمام عالم مغاير تماماً، كأنّه في قاعة مرايا مشوّهة؛ إذ تبدو له بعض الملامح مألوفة، لكنها تُعرض على نحو جديد، وأحياناً مشوّهة في الظاهر، بينما تظهر له ملامح أخرى لم يسبق له أن رآها من قبل.

اليوم، تُرى الصين وشركاتها المملوكة للدولة، وعلى رأسها «كوسكو للملاحة»، سائرةً على نهج الشركات الهولندية والإنكليزية والفرنسية في الهند الشرقية

مأخذي الوحيد، وليس بالمأخذ الهيّن، يتمحور حول تفسير أوران للتحول نحو «المحدودية» عند المركنتيلية، لا سيما في خاتمة الكتاب حيث يتناول مسألة السيطرة على الأرض، إذ يُرجِع ذلك إلى محدودية الموارد ونضوبها. أجد هذا الطرح غير مقنع، فانتقال العالم اليوم من التجارة الحرة إلى المركنتيلية والتجارة بوصفها لعبة صفرية، لا يعود إلى تغيّر ملحوظ في وفرة الموارد الطبيعية. لم يكتشف العالم فجأة، في السنوات الخمس أو السبع الأخيرة، أنّه لن يجد «ما يكفي للجميع» بالمعنى الفيزيائي المحض، بل اكتشف ذلك بالمعنى الأيديولوجي. لماذا؟ حجتي أنّ الانتقال إلى رأسمالية المحدوديات لم يكن بسبب إدراكنا ندرةً قادمة فعلية، بل بسبب صعود الصين، وآسيا عموماً. فظهور الصين كلاعب جديد ووازن على الساحة الدولية، بنظام سياسي مغاير للنموذج الغربي، يمثل تحدياً هيمنياً. وقد أدرك الغرب أنّ الاستمرار في العولمة النيوليبرالية يعني هيمنة صينية محتومة. ومن هنا، دفعه إدراكه لتراجعه المحتمل، إنْ ظلت الأمور على حالها، إلى تبنّي موقف أكثر جذرية وعدوانية، فقد بات يُنظر إلى العالم على أنّه محدود فعلاً، لأنّ «ما يزيد للصين ينقص لنا». والتحول الذي وصفه أوران بمهارة لا يُعزى إلى تغيّر مادي حقيقي في حجم الموارد، بل إلى التنافس الاستراتيجي القديم على الهيمنة. فالأسباب الكامنة وراء الانعطاف نحو المركنتيلية ليست «موضوعية» أو مادية، بل سياسية محضة.

أدرك الغرب أنّ الاستمرار في العولمة النيوليبرالية يعني هيمنة صينية محتومة. ومن هنا، دفعه إدراكه لتراجعه المحتمل، إنْ ظلت الأمور على حالها، إلى تبنّي موقف أكثر جذرية وعدوانية

أود أن ألفت النظر هنا بالمناسبة إلى أنّ النقطة الأخيرة قد أفردت لها كتابي المقبل الموسوم «The Great Global Transformation: National Market Liberalism in a Multi-polar World» المتوقع صدوره في تشرين الثاني/نوفمبر من العام الجاري عن دار بينغوين/ألين لاين.

نُشِرت هذه المراجعة في 20 آذار/مارس 2025 على مدوّنة الكاتب، وترجمت إلى العربية ونشرت في موقع «صفر» بموافقة مسبقة منه.