معاينة مشاريع الطاقة الإسرائيلية

مشاريع الطاقة الإسرائيلية: مؤامرات أم صراع على الموارد؟

  • مراجعة لكتاب عبدالله مصطفى المعلواني «مشاريع الطاقة الإسرائيلية في شرق المتوسط وتحديات الأمن القومي العربي» الذي يستعرض دور مشاريع الطاقة الإسرائيلية في شرق المتوسط، وعلاقتها بالتحولات السياسية والعسكرية في المنطقة. ويناقش كيف سعت إسرائيل، بدعم غربي، إلى تعزيز نفوذها الإقليمي عبر احتكار مصادر الطاقة وتوسيع شبكة تصدير الغاز، وتأثير هذه المشاريع على الدول المجاورة، مثل مصر والأردن، والتشابكات الجيوسياسية التي تحيط بها. 

قبل 7 تشرين الأول/أكتوبر وبعده، أُثيرت الكثير من الطروحات والتحليلات عن مصادر الطاقة في شرقي المتوسط، وخصوصاً تلك المتعلّقة بآبار الغاز الطبيعي وأماكن تواجده وسبل وآليات نقله والاستفادة منه، ما أنتج الكثير من المقاربات ذات الطابع المؤامراتي المتوجِّس التي تفترض أن كلّ ما يدور في المنطقة من أحداث سياسية وعسكرية يتعلّق بمنابع الطاقة وشبكات نقلها. قد تكون طروحات من هذا النوع مُبرّرة إلى حدّ كبير، كون المنطقة تحتضن كياناً استعمارياً توسعياً مدعوماً من الغرب ويستدعي استمرار وجوده كلّ هذا الدمار الذي نشاهده، بالتوازي مع التركيب والتفكيك المستمرّ للكثير من الأنظمة السياسية، والتشظي الاجتماعي على المستويات الجغرافية والسياسية والمعرفية.

وعليه، يفرض كلّ هذا جهلاً بالسياقات التاريخية لصالح الأخبار والتحليلات الخاطفة والمضلّلة إزاء المتغيّرات الجارية، ويعتبر ملف الطاقة جزءاً مهماً منها.

لذلك، من المهمّ توفّر مادة توثيقية توضح الخلفيات والمتغيّرات التاريخية المرتبطة بملف الطاقة في إسرائيل، والمنطقة ككلّ، من أجل البناء عليها وتتبع تفاعلاتها في خضم الأحداث الجارية إقليمياً ودولياً، لما يتيحه ذلك من إمكانية تشكيل تصوّر واضح ومنطقي تجاه المشهد الطاقوي الذي لا يمكن فهمه أو استشراف معالمه بعيداً من إسرائيل الكيان الاستعماري الذي نشأ في خضمّ سعي إمبريالي محموم للسيطرة على منابع الطاقة في المنطقة. ونجد مادة من هذا القبيل في كتاب «مشاريع الطاقة الإسرائيلية في شرق المتوسط وتحديات الأمن القومي العربي» الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية في تموز/يوليو الماضي، لمؤلفه الباحث في مجال أمن الطاقة عبدالله مصطفى المعلواني.1

في تأريخه لمراحل اكتشاف منابع الطاقة ونقلها في فلسطين المحتلّة، يرجع المعلواني إلى ما قبل النكبة، وتحديداً إلى العام 1934 عندما بدأت شركة نفط العراق2 ضخّ النفط عبر خطّ أنابيب كركوك – حيفا، مروراً بالأردن، إلى الأسواق الأوروبية. توقّف الخط عن العمل بعد النكبة، ما شكّل تحدياً كبيراً لأمن الطاقة الإسرائيلي، بترافقه مع القرار المصري بمنع الناقلات النفطية الإيرانية من عبور قناة السويس إلى ميناء حيفا. وعلى أثره تكثّف الضغط لإنشاء خطوط أنابيب لنقل النفط الإيراني من ميناء إيلات إلى عسقلان، عبر شركة تأسّست في العام 1968 مناصفة بين إسرائيل وإيران في عهد الشاه، فيما تسارعت في الوقت نفسه عمليات التنقيب عن النفط داخل الأراضي الفلسطينية المحتلّة. على سبيل المثال اكتشف حقل «حيليتس 1» في أيلول/سبتمبر 1955 في منطقة حليقات شمال شرق غزة، إلا أن إنتاج هذا الحقل وما لحقه من آبار صغيرة لم يلبِ الطلب المحلي على الطاقة.

جرى إشباع النهم الصهيوني للطاقة بعد العام 1967 الذي شهد توسّع الجغرافية الإسرائيلية في جميع الاتجاهات، إذ استغلّت آبار النفط المصرية في شبه جزيرة سيناء لمدة عقد من الزمان، وأُنتج منها 43 مليون برميل يومياً سدّت الاحتياجات المحلية الإسرائيلية بالكامل تقريباً، وبعد اتفاقية كامب ديفيد عادت إسرائيل للاستيراد من الأسواق العالمية. (ص. 22-23).

كانت مصر أول من نقّب عن الغاز شرقي المتوسط، إذ استكشفت حقل أبو قير في العام 1969. لكن مع مطلع الألفية، سبقتها إسرائيل إلى صدارة هذا المجال،3 واسكتشفت حقل «نوا 1» بواسط شركة «Yam Tethys» في حزيران/يونيو 1999، على بعد 40 كيلومتراً غرب مدينة عسقلان، وبعد أقل من عام اسكتشفت حقل «Mari-B» الذي كان يحتوي على 28 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي. وفي العام 2004، بدأ إنتاج الغاز لأغراض تجارية. في كانون الثاني/يناير 2009، اسكتشفت إسرائيل حقل «تمار 1» بسعة 280 مليار متر مكعب عبر شركة «نوبل إنيرجي» الأميركية4 وائتلاف من الشركات الإسرائيلية، على مسافة 90 كيلومتراً من ساحل حيفا. والجدير بالذكر أن حقل تمار يؤمّن 70% من حاجة إسرائيل لتوليد الكهرباء. وبعد ذلك بشهرين اسكتشفت حقل غاز «داليت 1» على مسافة 60 كيلومتراً مقابل ساحل حيفا. ومن شأن هذه الحقول توفير حاجات الاحتلال لعقود طويلة. لم تتوقّف الاسكتشافات، فمنذ كانون الأول/ديسمبر 2010، اسكتشف حقل «ليفياثان» (650 مليار متر مكعب) الواقع على مسافة 130 كيلومتراً غرب حيفا، وبدأ الإنتاج منه في كانون الأول/ديسمبر 2019، ما سمح لإسرائيل للمرّة الأولى في تاريخها بتصدير الغاز إلى الدول المجاورة، فضلاً عن حقل «تنين» (22 مليار متر مكعب) في العام 2012، وحقل «كاريش» (32 متر مكعب)  في العام 2013. (ص. 26)

تشير البيانات إلى أنّ الاستهلاك السنوي الإسرائيلي من الغاز الطبيعي سيزداد من 11.7 مليار متر مكعب في العام 2022 إلى 16.8 مليار متر مكعب في العام 2030 (ص. 44)، إلا أن ذلك لا يدفع إسرائيل إلى تخصيص كمّيات أكبر من استخراج الغاز للسوق المحلّية، ما يُظهر مدى اهتمامها بالغاز الطبيعي كمنفذ للتشابك الإقليمي. تعتبر إسرائيل أن قضية تصدير الغاز إلى دول الجوار تكتسب بعداً أمنياً، فإذا لم يتحقّق ذلك ستكون الدول المحيطة، ولا سيما مصر والأردن، مضطرة لتأمين احتياجاتها من مصادر أخرى على رأسها إيران. وفي حال لم يتوفر هذا البديل المرفوض إسرائيلياً، ستنشب القلاقل الاجتماعية لعدم القدرة على توليد الكهرباء ما سيمثل تهديداً للأمن الإسرائيلي، وعلى الرغم من أن هذه الذريعة شاعت على ألسنة المسؤولين الإسرائيليين في سياق الجدل السياسي الذي أثير في المجتمع الصهيوني عن احتكار شركات معيّنة لعملية الاستخراج والأسعار المرتفعة للطاقة وحصص الغاز المخصّصة للسوقين الداخلية والخارجية، فإنها تدلّل إلى العقلية الاستعمارية الهادفة إلى مدّ النفوذ إلى ما تعتبره تل أبيب محيطها الحيوي.

لكن سرعان ما سقطت هذه الذريعة المذكورة بمجرد اكتشاف شركة «إيني» الإيطالية حقل الغاز المصري «ظهر» في عام 2015 على بُعد 190 كيلومتر شمال شرق بورسعيد باحتياطي غاز طبيعي بلغ 845 مليار متر مكعب، وأنتجت مصر (113-201) مليون متر مكعب يومياً في خلال العام 2015، ووصلت إلى الاكتفاء الذاتي في أيلول/سبتمبر من العام 2018 (ص. 84).

مشاريع تحويل إسرائيل إلى محور إقليمي للطاقة

يشير المعلواني إلى عدد من المشاريع الاستراتيجية التي ترتبط بشكل أو بآخر بالمسعى الصهيوني لتحويل إسرائيل إلى محور إقليمي للطاقة، وقد بقي كثير من هذه المشاريع حبراً على ورق لعدم جدواها وانخفاض تنافسيتها الاقتصادية، مثل قناة بن غوريون المائية وهو مشروع يهدف إلى ربط البحر الأحمر بحوض المتوسط عبر قناة مائية تمتد على طول 257 كيلومتراً، ويجري الحديث غير الرسمي عن المشروع كبديل عن قناة السويس أو كأداة للضغط على مصر، ويبرز أيضاً مشروع خط سكك الحديد لنقل البضائع والمواد الخام بين البحر الأحمر من جهة ميناء إيلات والسواحل الإسرائيلية في أشدود وحيفا على المتوسط، إلا أن المشروع تعرّض للكثير من الانتقادات باعتبار أن الموانئ الإسرائيلية في الأوقات الاعتيادية تعمل بأقصى طاقتها ما يجعل السفن التجارية تصطف بطوابير طويلة لتفريغ حمولتها وهذا غير منطقي في ظل وجود قناة السويس.

أما المشاريع الأكثر معقولية فهي خط سكة الحديد (الخليج العربي – حيفا) المُراد منه نقل البضائع من موانئ الدول الخليجية إلى نظيرتها الإسرائيلية على المتوسط عبر الأردن. هذا المشروع الذي بدأ الحديث عنه للمرة الأولى في العام 2017 يبدو أنه أصبح جزءاً من مشروع الممرّ الهندي الذي تم الإعلان عنه في قمة مجموعة العشرين في أيلول/سبتمبر 2023 في نيودلهي، ويتضمّن نقل البضائع من الهند إلى ميناء الفجيرة الإماراتي، ومن هناك إلى ميناء حيفا بواسطة سكك حديدية عبر الأراضي السعودية والأردنية، إلا أن المشروع بحاجة إلى ترتيبات سياسية تتمثل بتطبيع العلاقات بين الرياض وتل أبيب من جهة، فضلاً عن ترتيبات أخرى أمنية متعلقة بتداعيات حرب الإبادة على الشعب الفلسطيني.

وعلى ذكر الترتيبات السياسية، فتحت اتفاقيات أبراهام، وخصوصاً تلك التي كشفت عن تطبيع العلاقات بين أبو ظبي وتل أبيب، باب الاستثمار في قطاع الطاقة الإسرائيلي. على سبيل المثال، في نيسان/أبريل 2021 وقعت شركة «مبادلة للبترول» الإماراتية على مذكرة تفاهم تستحوذ بموجبها على حصة شركة «ديليك» الإسرائيلية في حقل تمار والبالغة 22.5%.5 هذا إلى جانب استثمار صندوق أبو ظبي في الكثير من المجالات التقنية المتعلقة بالأمن السيبراني والتكنولوجيا المالية وتحلية المياه وغيرها (ص. 74).

وقبل ذلك في تشرين الأول/أكتوبر 2020، جرى التوقيع على مذكرة تفاهم بين شركة MED-RED Land Bridge المملوكة لإسرائيليين وإماراتيين، وشركة خط أنابيب أوروبا آسيا (EAPC) التي خلفت شركة إيلات – عسقلان،6 يقضي بقيام الإمارات بنقل وتخزين النفط بهدف نقله عبر خط أنابيب أوروبا آسيا إلى أوروبا، إلا أن المشروع لم يجد طريقه للتطبيق، لأسباب قيل أنها متعلقة بالحفاظ على البيئة.

إلا أن المشروع المهم الذي يبقى مصير تطبيقه محل خلاف هو خط أنابيب شرق المتوسط (East  Med)، الذي وُقّعت مذكرة التعاون الخاصة به في كانون الأول/ديسمبر 2017 بين  وزراء الطاقة الإسرائيلي والقبرصي واليوناني وسفير إيطاليا في نيقوسيا، ويهدف المشروع إلى نقل الغاز من حقلي غاز «ليفاثيان» الإسرائيلي و«أفروديت» القبرصي إلى إيطاليا واليونان عبر أنبوب يبلغ طوله 2000 كيلومتر. إلا أن المراجعات الأخيرة للمشروع تشكّك في جدواه الاقتصادية قياساً بتكلفته الكبيرة البالغة 6 مليارات يورو، فضلاً عن عن التوترات الأمنية التي تأتي في مقدمتها حرب الإبادة على الشعب الفلسطيني، والنزاعات الجيوسياسية بين تركيا من جهة وقبرص واليونان من جهة أخرى، والتي يشكل السباق للتنقيب على مكامن الغاز جزءاً معتبراً منها، وما يرتبط به من خلافات على ترسيم الحدود البحرية.

بالنسبة إلى حقل «غزة مارين» (39.6 مليار متر مكعب)، وضعت إسرائيل يدها عليه بعد حربها على غزة في كانون الأول/ديسمبر 2008. وقبل ذلك منعت إسرائيل استخراج الغاز من الحقل المسكتشف منذ العام 1999 بواسطة بريتش غاز British Gas، بحجّة سيطرة حماس على قطاع غزة في حزيران/يونيو 2007، كما أنها تشدّدت بالسماح بأعمال التنقيب منذ توقيع اتفاقية أوسلو، لمنع أي مصدر تمويل ذاتي من شأنه منح السلطة الفلسطينية درجة معينة من الاستقلال الاقتصادي (ص. 80). صحيح أن احتياطيات «غزة مارين» ضئيلة، لكن هذا لا يعني أن إسرائيل لا ترغب بالسيطرة عليها واستغلالها. وهذا لا يمكن تحقيقه إلا بتدمير قدرة المقاومة على استهداف بعض من منصّات الغاز. وقد شكّلت هذه القدرة إحدى عوامل عزوف بعض الشركات العالمية عن الاستثمار في قطاع الغاز الإسرائيلي، على سبيل المثال  توقفت إمدادات الغاز التي توفر ثلثي حاجات إسرائيل من الكهرباء في خلال العدوان الإسرائيلي على غزة في أيار/مايو 2019، وتم تعليق العمل بحقل «تمار» وانسحب العاملين منه في خلال العدوان على القطاع في أيار/مايو 2021 (ص. 52).

لكن هذا لا يعني أن الغرض من حرب الإبادة الجارية هو السيطرة على «غزة مارين». فهذا الأخير، إلى جانب تأمين حقول الغاز وشبكات نقل الطاقة الإسرائيلية بشكل عام، هو جزء من المكاسب السياسية والاقتصادية والديمغرافية وحتى الثقافية التي لطالما سعت إسرائيل، ومن خلفها الغرب المرؤوس أميركياً، لجنيها من وراء الحروب والاعتداءات التي أثارتها، وإن كانت الموجة الأخيرة من هذه الحروب هي الأكثر دماراً ودموية.

الغاز الطبيعي بصفته أداة لفرض الهيمنة

ينتقل المعلواني للإشارة إلى إشكالية لطالما أثيرت في السجالات عن مسببات الأزمة السورية، ألا وهي التنافس على مشاريع خطوط الغاز الطبيعي. ففي تموز/يوليو 2011، وقّع وزراء النفط في سوريا والعراق وإيران على مشروع «خط أنابيب الصداقة» الذي كان من المفترض أن يوصل النفط الإيراني إلى أسواق الاتحاد الأوروبي مروراً بالعراق وسوريا والشواطئ اللبنانية على المتوسط. أمّا المشروع الآخر فهو خط الغاز القطري-التركي لنقل الغاز القطري إلى تركيا عبر السعودية والأردن وسوريا، إلا أن بشّار الأسد رفض المشروع لحماية مصالح حليفه الروسي الذي كان يعتبر - قبل تفجير خطي غاز نورد ستريم - أكبر مُورّد للغاز الطبيعي إلى القارة الأوروبية، ويشار أن كِلا المشروعين استندا على فكرة استغلال حقل غاز الشمال – بارس الجنوبي المشترك بين قطر وإيران، وهو أكبر حقل للغاز الطبيعي في العالم (ص. 103 -108)

ولا بد من القول هنا إلى أن المعلواني يتّبع إحدى الروايات السائدة في مسألة رفض النظام السوري السابق لمشروع خط الغاز القطري التركي، باعتباره العامل الذي دفع بأنقرة والدوحة لدعم التيارات والفصائل المناوئة له، علماً أنه لا توجد حقائق ملموسة تسند هذا الطرح، أي أنه لا يوجد أي حدث أو خبر يثبت صحة رفض الأسد للمشروع المذكور لأنه بالأصل لم يُعرض عليه. عدا أنه كيف سيحافظ على مصالح حليفه الروسي مع موافقته على مشروع خط أنبوب الصداقة؟، هذا «الحليف» الذي يقول المعلواني أنه تدخل في سوريا للحؤول دون تنفيذ مشاريع أنابيب الغاز المتجهة إلى أوروبا، وإيجاد موطئ قدم جيوسياسي في المنطقة.7

إن اقتصار الأزمة السورية على كونها حرب لأنابيب الغاز هو تحليل يجانب الصواب بدرجة كبيرة لأنه يضع جانباً السياق التاريخي الاجتماعي والسياسي لسوريا والمنطقة من جهة، وطبيعة الهجوم الإمبريالي التاريخي على المنطقة ومفاعيل أدواته العسكرية والسياسية والاستخباراتية وأثرها على مسار الأحداث من جهة أخرى. ويشار إلى أن فكرة حرب أنابيب الغاز اكتسبت شعبية أوسع بعد مقال لروبرت كيندي جونير في صحيفة «بوليتكو» في مطلع العام 2016، والذي قام المعلواني بالاستشهاد ببعض من أفكاره. ويعتبر كيندي الذي يشغل حالياً منصب وزير الصحة في إدراة ترامب أحد أشهر المتعاطين بنظريات المؤامرة.

يعود المعلواني إلى مناقشة الغاز الطبيعي كمدخل لتعزيز المكانة الإقليمية لتل أبيب. وأولى عتبات هذا المدخل هي مصر والأردن والمناطق الخاضعة لسيطرة السلطة الفلسطينية، أي المحيط الجغرافي المباشر المطبّع مع الاحتلال. بالنسبة إلى الأردن فقد اشترى، في إطار صفقة ضغط الأميركيون باتجاه إنجازها، نحو 8.5% من حقل ليفياثان، أي 45 مليار متر مكعب من الغاز، مقابل 15 مليار دولار على مدار 15 عشر عاماً، وبدأ ضخّ الغاز في كانون الثاني/يناير 2020 تجريبياً. وتقتضي الاتفاقية دفع الأردن 7.5 دولار مقابل كل وحدة غاز (مليون وحدة حرارية بريطانية)8 علماً أن الأردن كان يدفع 2.5 دولار مقابل كل وحدة غاز مصري، الذي توقف عن استيراده بسبب الانقطاعات الناتجة عن الاستهدافات لخط الغاز العربي في منطقة العريش. ومن اللافت بحسب المعلواني أن الجانب الرسمي الأردني برّر الاتفاقية باستحالة عودة تدفقات الغاز المصري عند توقيعها في العام 2016، أي عندما بدأت مصر باستعادة استقرارها الأمني (ص. 131)

بدأت مصر بتصدير الغاز إلى إسرائيل في تموز/يوليو 2004، وفي شباط/فبراير 2008 وقّعت شركة الكهرباء الإسرائيلية عقداً مع شركة شرق المتوسط لتوريد الغاز (أنشأها رجل الأعمال الإسرائيلي يوسي ميمان ورجل الأعمال المصري حسين سالم). وبموجب العقد حصلت شركة الكهرباء الإسرائيلية 25 مليار متر مكعب على مدار 15 عاماً،9 إلا أن الاتفاق أُلغي في نيسان/أبريل 2012 على خلفية التفجيرات المتكرّرة التي تعرض لها خط الأنابيب في مدينة العريش.

وبعد اكتشاف حقل ظهر المصري، الأكبر في المتوسط الذي تفوق احتياطاته احتياطيات مجموع حقول الغاز الإسرائيلية، والذي بدأ تشغيله في نهاية 2017، وقعت شركة «ديليك» الإسرائيلية مالكة حقوق التنقيب في حقلي «تمار» و«ليفياثان» مع شركة «دولفينوس هولدينغ» المصرية في شباط/فبراير 2018 اتفاق لتوريد 64 مليار متر مكعب على مدار 10 سنوات وبقيمة 15 مليار دولار (ص. 134)، وبدأت استيراد الغاز الإسرائيلي للمرة الأولى مطلع العام 2020،10 وقد برّر الجانب الرسمي المصري بأنه يسعى أن تكون مصر مركزاً إقليمياً للطاقة من خلال تسييل الغاز الإسرائيلي ونقله إلى الأسواق الأوروبية عبر محطتي إسالة الغاز في إدكو ودمياط، لكن أصبح هذا الغاز يدخل في الخليط المحلي للطاقة لسد الحاجات الداخلية على حساب أولوية الإسالة والتصدير إلى أوروبا، وذلك بعد تراجع  إنتاج حقل ظهر في خلال العام 2023.

تطور التعاون المشترك في مجال استيراد وتصدير الغاز الطبيعي إلى حد تأسيس منتدى غاز شرق المتوسط للغاز في كانون الثاني/يناير 2019، الذي يضم كل من مصر وقبرص وإسرائيل والأردن والسلطة الفلسطينية واليونان وفرنسا وإيطاليا، وفي حين يمكن فهم مشاركة الدول الثلاث الأخيرة كأسوق لتصريف الغاز والدول الثلاث الأولى كمصدرين له، يصعب فهم سبب مشاركة الأردن المتورط في علاقة أحادية يستورد بموجبها الغاز الإسرائيلي الذي ينتج 70%  من كهربائه، ويستحيل تبرير مشاركة السلطة الفلسطينية في المنتدى الذي يضمّ الكيان الذي يحتل الأرض الفلسطينية وينهب مواردها وغازها.

أتى تأسيس المنتدى في سياق الاهتمام الأميركي المتزايد في الخريطة الطاقوية شرق المتوسط، وهذا ما تم التعبير عنه عبر قانون «شراكة الطاقة والأمن لشرق المتوسط» الذي أقره الكونغرس في منتصف 2019، ووصف منطقة شرقي المتوسط كمنطقة بالغة الأهمية للولايات المتحدة وأوروبا، ونظر إلى اكتشافات حقول الغاز في المنطقة كعامل يساعد الاتحاد الأوروبي على تنويع مصادر الطاقة، وأقر بوجوب حماية عمليات التنقيب من أنشطة من يصفها بالمجموعات الإرهابية، وأيضاً بالتنبه للنفوذ الروسي في المنطقة، وقبل كل ذلك التأكيد على إسرائيل كحليف ثابت للولايات المتحدة. (ص. 185-186)

يظهر من خلال كل ما ورد أعلاه، أن إسرائيل لا تمتلك احتياطيات غاز عظيمة مقارنة مع جيرانها شرقي المتوسط أو في الشرق الأوسط بشكل عام، لكنها قادرة على إدماج نفسها في المنطقة مستفيدة من الرعاية والهيمنة الأميركية والاتفاقيات البينية مع محيطها الجغرافي وتوظيف البنى التحتية فيه لصالحها، وبهذا تكتسب صفة القوة الاقتصادية الإقليمية في مجال الغاز على نحو قسري، وهو ما يمنح شركات الغاز الإسرائيلية درجة أعلى من الغرور واعتبار نفسها مركزية في هذه الصناعة، وقد ظهر ذلك على سبيل المثال في قيام شركة «ديليك» الإسرائيلية في شباط/فبراير 2022 بتغيير اسمها إلى NewMed Energy الذي ترافق مع تجديد استراتيجيتها، التي أصبحت تشمل إلى جانب الاستثمار في مجال الغاز الطبيعي شرقي المتوسط، التوجه إلى تطوير التقنيات والبنى التحتية للطاقة المتجددة، وتعميق وتمتين العلاقات الإقليمية في مجالات الطاقة.

تكمن فائدة كتاب المعلواني في توضيحه لمشاريع الطاقة وخصوصاً الإسرائيلية وما يرتبط بها، لا كعامل غامض يريد إعادة تشكيل المنطقة سراً، وإنما كعنصر تاريخي متغير ومتطور له معالمه ومحطاته الواضحة والبادية بجلاء لكل من يريد الاطلاع، عنصرٌ هو جزء من عناصر الهيمنة والابتزاز الممارس من قبل تل أبيب ومن خلفها واشنطن تجاه شعوب المنطقة القابعة تحت الحروب في فلسطين ولبنان وسوريا، أو المفتقرة لأدوات سياسية تتيح لها تقرير الآلية الأمثل لاستثمار مواردها وثرواتها.

  • 1

     استشهد والد المؤلف في حزيران/يونيو الماضي متأثراً بجراحه جراء القصف الصهيوني على مدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة.

  • 2

    وريث شركة نفط تركي. وشكّلت ائتلافاً احتكارياً ضمّ شركة النفط الأنغلو إيرانية ومجموعة رويال دتش- شل، وشركة النفط الفرنسية، وشركة ستاندرد أويل أوف نيوجيرسي.

  • 3

    في العام 2010، قدّرت هيئة المسح الجيولوجية الأميركية، وجود 3,455 مليار متر مكعب من الغاز القابل للاستخراج ونحو 1.7 مليار برميل نفط في حوض بلاد الشام، موزّعة بين قبرص ولبنان وسوريا وفلسطين المحتلة.

  • 4

    ي الربع الثاني من العام 2020، استحوذت شركة «شيفرون» الأميركية على أصول «نوبل إنيرجي» البالغة 4.1 مليار دولار، وبذلك أصبحت شريكة في 25% من حقل تمار و40% من حقل ليفياثان. (ص. 47)

  • 5

    في تموز/يوليو 2022، باعت شركة «مبادلة» الإماراتية، نصف حصتها في حقل «تمار» إلى رجل الأعمال الإسرائيلي آرون فرنكل لقاء 485 مليون دولار.

  • 6

    Europe Asia Pipeline CO. تدير الشركة المملوكة للحكومة الإسرائيلية حوالي 750 كيلومتراً من أنابيب نقل النفط موزّعة كالتالي: خط أنابيب إيلات عسقلان لنقل النفط الخام بطول 254 كيلومتراً، خط أنابيب عسقلان إيلات لنقل المشتقات النفطية بطول 260 كيلومتراً، خط أنابيب عسقلان حيفا لنقل النفط الخام بطول 197 كيلومتراً، خط أنابيب عسقلان أشدود لنقل النفط الخام بطول 36 كيلومتراً.

  • 7

    بعد سقوط نظام الأسد، عادت التساؤلات تحوم حول إمكانية وجدوى إنشاء خط الغاز القطري التركي، إلا أن الوقائع ترجح انعدام الإرادة لتنفيذ المشروع، أولاً لكلفته الكبيرة البالغة 10 مليارات دولار، وثانياً لتطور وتوسعة الأسطول القطري لنقل الغاز الطبيعي المسال والذي يتيح تأمين الطلبيات في أي مكان في العالم، من دون الحاجة إلى الاعتماد على أنبوب ثابت سيكون عرضة للتوترات الأمنية والسياسية سواء مع جيران الدوحة أو في جغرافيا بلاد الشام. أما بالنسبة إلى تركيا، فقد عزّزت موقعها كحلقة وصل إقليمية لأنابيب الغاز الطبيعي التي توفر جزءاً من الاحتياجات الداخلية التركية، حيث تم افتتاح خط غاز العابر للأناضول في حزيران/يونيو 2018 لنقل الغاز الأذري إلى أوروبا، وخط ترك ستريم في كانون الثاني/يناير 2020 لنقل الغاز الروسي إلى أوروبا، وبهذا انضم الخطان إلى خط الغاز الروسي التركي «Blue Stream» الذي دشن في العام 2005 بشراكة روسية تركية وإيطالية، وخط الغاز الإيراني التركي «تبريز – أنقرة»، الذي دخل حيز الخدمة في العام 2002، وهناك أيضاً خط غاز «باكو - تبيليسي - أرضروم» الذي يصل أذربيجان بتركيا عبر جورجيا، والذي بدأ في العمل في العام 2007. فضلا عن اكتشاف تركيا لحقل غاز «سكاريا» في نيسان/أبريل 2023 باحتياطي 311 متر مكعب. كل هذا إلى جانب التقدم في صناعة الغاز المسال ونقله حول العالم، يقلّل كثيراً من جاذبية مشروع خط الغاز القطري التركي.

  • 8

    المليون وحدة حرارية بريطانية  تعادل 28.26 متر مكعب من الغاز الطبيعي.

  • 9

    جرى ذلك بعد تسوية الدعاوى والأحكام القضائية المتعلقة بقرار محكمة التحكيم في غرفة التجارة الدولية، ضد الشركة المصرية القابضة للغازات والهيئة المصرية العامة للبترول، والقاضي بدفع تعويض 1.76 مليار دولار لشركة الكهرباء الاسرائيلية لما لحق بها من خسائر جراء انقطاع الغاز المصري.

  • 10

    أعلنت قبرص في تشرين الثاني/نوفمبر 2017 عن صفقة لاستغلال الغاز الطبيعي بقيمة 9.3 مليار دولار مع كونسورتيوم مكون من ديليك الإسرائيلية، شل، نوبل انيرجي، وهذه الأخيرة اكتشفت حقل أفروديت في 2011 باحتياطي 141 مليار متر مكعب.