Preview غرامشي والحركات الاجتماعية

دروسٌ من غرامشي للحركاتِ الاجتماعية الراهنة

  • أثناء محاكمته في العام 1928، صرَّح المدعي العام في قضيةِ غرامشي: «يتعيّن علينا أن نمنع هذا الدماغ من العمل لمدة عشرين عاماً!». وتُظهِر «دفاتر السجن» المُوسّعة السبب الذي جعل نظام موسوليني ينظر إلى هذا الُمَنظِّر باعتباره تهديداً.
  • لا يزال من الإنصافِ أن نتساءل وسط كل هذه الإشادة عمَّا إذا كان التَّعاطي مع فكرِ غرامشي لا يزال جديراً باهتمامِ الناشطين بعد انقضاءِ أكثر من ثمانيةِ عقود على وفاته. هل بات الاهتمام به أكاديمياً فحسب، أم أن هناك دروساً عملية يمكن للحركات الاجتماعية أن تستخلصها منه اليوم بصورةٍ خلاَّقة؟

 

وُصِفَ بأنّه أحد أكثر المفكرين السياسيين أصالة في القرن العشرين. وقال أحد المؤرخين أنه «إذا كانت الاستشهادات الأكاديمية وإحالات الإنترنت تُشكِّل دليلاً، فهو أشدّ تأثيراً من مكيافيلي». وقد وُصِف تأثيره على الطريقة التي نفكر بها في عمليات التغيير الاجتماعي بأنه «يكاد يكون مُكهرِباً».

وتُعدّ إنجازات أنطونيو غرامشي، المولود في إيطاليا عام 1891، إستثنائيةً بالقياسِ إلى حياتهِ التي كانت قصيرة وشاقَّة: كانت عائلته معدمة على عهدِ طفولته. وكان مريضاً في الشَّطْر الأكبر من حياته. وأفنى زهرة شبابه سجيناً لدى الفاشيست بزعامة بينيتو موسوليني بعد أن باءت محاولات حزبه لتحريكِ الثورة بالفشل. حُرم من الحصول على النصوصِ السياسية أثناء سجنه. وتوفي ولم يتجاوز بعد السادسة والأربعين من عمره. وقد أنتج على الرغم من ذلك مجموعة من النظريات التي قُوبِلَت بإعجابٍ واسع واعتُرِفَ بها كمصدرٍ لإلهامِ المنظِّمين عبر عددٍ من الأجيال وفي غير قارّةٍ.

ولا يزال من الإنصافِ أن نتساءل وسط كل هذه الإشادة عمَّا إذا كان التَّعاطي مع فكرِ غرامشي لا يزال جديراً باهتمامِ الناشطين بعد انقضاءِ أكثر من ثمانيةِ عقود على وفاته. هل بات الاهتمام به أكاديمياً فحسب، أم أن هناك دروساً عملية يمكن للحركات الاجتماعية أن تستخلصها منه اليوم بصورةٍ خلاَّقة؟

ثمة حجة قوية تدعم الفرضية الثانية. يمثل غرامشي أهمية كبرى بالنسبة للمنظمين الناشطين من الخط الاشتراكي، لأنه يقدم نسخةً من التحليل الماركسي تخلو إلى حدٍّ بعيد من الدوغمائية والأرثوذكسية الرجعية التي علقتْ للأسف بالتقاليد. وتتوفر لديه في الوقت نفسه رؤىً أساسية تمسّ السبب وراء الطابع الاستغلالي للرأسمالية، ولماذا يستلزم تغييرها حركاتٍ من الأسفل تنخرطُ في صراعٍ على السلطة، وذلك في معارضةِ الاعتقاد بقدرةِ الإصلاحيين التكنوقراط ذوي الأفكار السياسية الذكية على إصلاح النظام.

حتى بالنسبة لأولئك الذين لا يتعاطفون شخصياً مع التقاليد الاشتراكية، يسمح الوقوف على فكرِ غرامشي وورثته الفكريين بتقدير الكيفية التي تُمكِّن تلك الحركات المنتشرة حول العالم بتطوير استراتيجياتها. وقد جمع العمال غير المالكين للأراضي في البرازيل بين احتلال الأرض وبين تكوين شبكة نابضة من المدارس الريفية. وقد اتّبع الشعبويون اليساريون في إسبانيا تلك الاستراتيجيات الانتخابية الرامية إلى خلقِ "حسٍّ مشترك" جديد يتصل بإعادة التوزيع والتضامن الاجتماعي. وفي الولايات المتحدة، سوف يكون الوعي بغرامشيِ لازماً لفهم السبب وراء قيام المعلمين اليساريين في نيويورك بإدارة ورشة عمل تتعلق بـ"التحليل الظَّرفيِّ"، أو لفهم السبب الذي من أجله وَسمَ جوناثان ماثيو سموكر دليله التنظيمي بعنوانِ "كيفية الهيمنة".

ما هي المفاهيم التي اقتبستها الحركات من نظرياتِ غرامشي؟ وعلى أي نحوٍ أثَّرَت في طُرُقها التنظيمية؟

التاريخ لا يضطلع بالعمل المنوط بنا

من الفكر السياسي والاستراتيجي لغرامشيِ انبثقت مجموعة من الأفكار التي يمكن القول بأنها ذاعت مع مرورِ الوقت. ومنها الفكرة القائلة بأن التغيير الثوري لن يأتي حتماً بفضل قوانين التاريخ المُقَدَّرة. وأنه يتعيَّن على الحركات التقدمية التي تريد إحداث التغيير أن تَبثّ طريقة تفكيرها بشأن العالم في قطاعاتٍ واسعةٍ من الجمهور. ولا بد لهذا التنظيم أن ينشط على جبهاتٍ متعددة – ثقافية وسياسية واقتصادية – وهو ما يقتضي مشاركة العديد من مؤسسات المجتمع المختلفة.

عارض غرامشي الفكرة التي تذهب إلى أن «الأزمات الاقتصادية المباشرة تخلق بحد ذاتها الأحداث التاريخية الأساسية». وبدلاً من ذلك، ارتأى أنه «يمكنها فحسب أن تُهيئ التربة الملاءمة لنشرِ أنماط معينة من التفكير» وقيام أنواع معينة من التنظيم

على الرغم من وفاته في العام 1937، لم يحظ غرامشي بالشهرة الواسعة خارج إيطاليا، ولا سيما في العالم الناطق بالإنجليزية، حتى السبعينيات. وقد تحقق ذلك عندما غدت الترجمات المحررة لكتابه الشهير "دفاتر السجن"، الذي سطَّره في محبسه ثم جرى تهريبه خلسةً  إلى ما وراء حدود الفاشية، متاحاً على نطاقٍ واسعٍ. أثناء محاكمته في العام 1928، صرَّح المدعي العام في قضيةِ غرامشي: ”يتعين علينا أن نمنع هذا الدماغ عن العمل لمدة عشرين عاما!“. وتُظهِر "دفاتر السجن" المُوسّعة السبب الذي جعل نظام موسوليني يرى إلى هذا الُمَنظِّر باعتباره تهديداً.

وعلى الرغم من الكتابة الشَّذريِّة المجزأة لغرامشيِ، إلاّ أنه يغوص عميقاً في نطاقٍ عريضٍ من الحقول، يشمل الدين والاقتصاد والتاريخ والجغرافيا والثقافة والتعليم. هذا النطاق الذي قال عنه المؤرخ بيري أندرسون ”لا مثيل له في الأدبياتِ النظرية اليسارية“. وبالإضافةِ إلى مسائل الاستراتيجية السياسية، أثّرت أعمال غرامشي تأثيراً كبيراً على المجالات الأكاديمية المتعلقة بالدراسات الثقافية، وتاريخ التابعين، ودراسة "النُّظم العالمية" في ظل الرأسمالية.

وبالنظر إلى النطاق الواسع الذي غطّاهُ غرامشي، فبالإمكان استخلاص العديد من الدروس المتنوعة من عمله. وأكثر تلك الدروس أهمية بالنسبة إلى المُنظِمين يتمثل في رفض الُمنظِّر لعناصر تقاليده الفكرية.

بوصفه قياديّاً في الحزب الشيوعي الإيطالي، كان غرامشي شاهداً على سلسلةٍ جسورةٍ من عمليات احتلال المصانع، كتلك التي شهدتها مصانع سيارات فيات في تورينو في عامي 1919 و1920. بدت تلك الأحداث كمقدماتٍ لثورةٍ عمالية يمكن لها أن تندلع في أعقاب النصر البلشفي التاريخي في روسيا. ولكن بعد أن عاين صعود الفاشية وسُجِن في العام 1926، وجد نفسه مضطراً إلى إعادة النظر في رؤيته المتعلقة بتشكيل عالم أكثر عدلاً. وكما شرح الباحث البريطاني الجامايكي المولد ستيوارت هول في وقتٍ لاحقٍ، ”عمل غرامشي بصورةٍ عامة ضمن النموذج الماركسي“. بيد أنه قام بمراجعةِ وتجديد وتطوير العديد من جوانب ذلك الإطار النظري بصورةٍ شاملة مكيّفاً إيّاهُ للعلائق الاجتماعية المعاصرة. وكان الشعور التقليدي بالحتمية التاريخية أحد الجوانب الرئيسة التي نبذها.

كان من الشائع على عهدِ غرامشي أن يطرح "الاشتراكيون العلميون" رؤية حتمية مغالية عن التاريخ. ومن منظور هذه الرؤية، أماط ماركس اللثام عن اتجاهات التطور الاقتصادي التي تكاد تُشبه قوانين الطبيعة: حيث كُتِب على الرأسمالية أن تخلق الأزمات بموجب قوانيها الداخلية، وهذه الأزمات سوف تقود حتماً إلى صعود البروليتاريا المنتصرة على مُستغليِّها البرجوازيين.

وقد ارتأى غرامشي أنه يمكن لتلك القناعات التي تبناها السابقون والمعاصرون على حد سواء أن تُفضي إلى القدرية والسلبية والمواقف المغالية. لقد تنصّل أولئك الذين اعتقدوا بقدرةِ المسار المحتوم للتاريخ على حلّ المشاكل السياسية من مسؤولية الإضطلاع بوضعِ الخطط المدروسة التي تُوفِّق بين الأهداف المثالية والممارسة العملية. واكتفوا في المقابل على حد تعبير غرامشي ”بالرفض المبدئي للمساومات“ وبنشر الاعتقاد القائل بأنه "كلما ساءت الأمور، كلما أصبحت أفضل“. و”بما أن الظروف المواتية ستتشكل حتماً، وبما أن هذه الظروف -بطريقةٍ مُبهمةٍ- سوف تدفع بالثورة قُدُماً، فقد ارتأى هؤلاء الاشتراكيون أن المبادرات الرامية إلى التوعية الاستباقية بمثل هذا التغيير ”ليست عديمة الفائدة فحسب، وإنما هي ضارة كذلك“.

يمكن للمرء أن يجادل بأن هذه الحتمية التاريخية تمثل ثمرة للقراءة الخاطئة والاختزالية لماركس. بيد أنها انتشرت مع ذلك على نطاق واسع بين العديد من الراديكاليين في فتراتٍ مختلفة، وهيمنت بصفةٍ خاصة في عهدِ الأممية الثانية، اتحاد العمال والأحزاب الاشتراكية العالمية، التي اجتمعت بصورةٍ دوريةٍ بين عامي 1889 و 1916، وهي المرحلة التي  تزامنت مع فترة شباب غرامشي.

كان غرامشي مُخلصاً للفكرة القائلة بأن القوى الاقتصادية والعلائق الطبقية تشكل العامل الحاسم في خلقِ التدفق التاريخي. غير أنه كان يعتقد مع ذلك بإنه من خلال التنظيم الحازم والتطبيق الاستراتيجي للإرادة البشرية فحسب يمكن الارتقاء بالهياكل الأساسية للمجتمع. وقد عارض غرامشي الفكرة التي تذهب إلى أن «الأزمات الاقتصادية المباشرة تخلق بحد ذاتها الأحداث التاريخية الأساسية». وبدلاً من ذلك، ارتأى أنه ”يمكنها فحسب أن تُهيئ التربة الملاءمة لنشرِ أنماط معينة من التفكير“ وقيام أنواع معينة من التنظيم. إن الأزمات المتكررة في الرأسمالية تخلق الفرص، إلا أنه يتعين على الناس أن يتحدوا لممارسة "إرادتهم وفاعليتهم" من أجل الاستفادة من الفرص السانحة.

كان المفتاح بالنسبة لغرامشي يتمثل في تفادي الوقوع ضحية للنزعة الاقتصادوية، أي الغلوُّ في التركيز على العوامل المادية الكامنة وراء التطورات التاريخية، أو الوقوع ضحية الإيديولوجية، التي تبالغ في تقدير ما يمكن للنوايا الطيبة والقرارات الإرادوية أن تُنجزه. إن تحقيق التوازن المنشود بينهما يتطلب الملاحظة الدقيقة والتحليل التاريخي.

يرى غرامشي أن لا أحد يملك الحكم على الظروف التاريخية بأنها مواتية حقّاً سوى أولئك الذين يتمتعون «بالقدرة الملموسة على التدخل الفعّال في هذه الظروف»، وبعبارة أخرى، فإن القَدَر يميل إلى المنظَّمين

ينبغي على الحركات أن تدرس "علائق القوى" القائمة، أي توازن القوى الاجتماعية والسياسية والعسكرية فيما بين المجموعات المختلفة. كما يتعين عليها مراقبة التغيرات التي تجري في المجتمع، وأن تميز بين التغيرات العضوية الدّالة على التحولات العميقة للبنية الاقتصادية، وبين التغيُّرات الظَّرفية، أي الوقائع العابرة ”العرضية“ والمفتقرة إلى "الأهمية التاريخية بعيدة المدى“. عن طريق هذا التحضير الدقيق فحسب تستطيع أن تبتُّ في ”توافر الظروف الضرورية والكافية“ للتحولِ في مجتمعٍ معين، وما إذا كانت خطة العمل المعينة قابلة للتنفيذ.

تتجاوب أصداء تلك الأفكار في فكر عددٍ من الراديكاليين مثل الكاتبة والمنظمة والمرشدة الناشطة جريس لي بوجز المقيمة في ديترويت، التي نصحت واضعي استراتيجيات الحركات الاشتراكية الاجتماعية بأن يحددوا ”التوقيت على الساعة العالمية“ عند رسم خطط العمل. بينما تتوازى تلك الأفكار مع بعض المفاهيم الخاصة بالتقاليد التنظيمية الأخرى، مثل مجال المقاومة المدنية، الذي يؤكد على دورِ كلٍ من المهارات والظروف، أي كيف تلعب الظروف التاريخية والفاعلية البشرية دوراً في تحديد نجاح الحركة أو فشلها.

إحدى النتائج المهمة لفكرة غرامشي تتمثل في الفكرة القائلة بعدم وجود طريق موحَّد يتعين على جميع الأمم أن تمضي عبره صوب الاشتراكية. وبدلاً من ذلك، جادَل بأن عدم انسجام المشهد السياسي يُملي ضرورة الفحص المتروّي للتضاريسِ، وهو ما عبَّر عنه غرامشي بـ”التحري الدقيق لكل بلدٍ على حدة“.

ولقد تأكّد الطابع الملِهم لتلك الفكرة ولا سيما بالنسبة لناشطي الجنوب العالمي الذين اضطروا لاستحداث نسخٍ من النظرية الراديكالية تتجاوب مع التاريخ الفريد الخاص بمناطقهم. كتب الباحثان نيكولا ألين وهيرنان أوفينيا أن الاشتراكيين في أمريكا اللاتينية منذ عهد غرامشي قد أدرجوا أعماله ”في مشروعٍ فكري أكبر يسعى إلى تكييف النظرية الماركسية مع الواقع الاجتماعي لمنطقةٍ لا تأخذها الماركسية الأرثوذكسية في الاعتبار إلى حدٍّ كبير“. وقد شجّعتهم "دفاتر السجن" على ”التعاطي المباشر مع عددٍ من الحقائق المحلية“ التي تجاهلتها الأحزاب الشيوعية المحلية في السابق تنازلاً "لتفسير الأممية الشيوعية (الكومنترن) للتاريخ، والذي توانى في التأكيد على الخصوصيات التي تميز كل دولة بمفردها“.

بالقياسِ إلى غرامشيِ كان من المهم بلا جدال أن تسير دراسة الظروف في أيِّ بلد بالتزامن مع النشاط العملي. يتعين على المرء، ما لم يكن يرغب في "مجرد تسطير فصل عن التاريخ المنصرم"، أن يعي أن كل التحليلات السياسية ”لا يمكن ولا ينبغي لها أن تكون غايات في حد ذاتها“. وفي المقابل من ذلك كتب غرامشي يقول أن هذه التحليلات” لا تصبح مهمة إلا إذا خدمتْ كتبريرٍ لنشاطٍ عملي معين أو لإحدى مبادرات الإرادة“. إنها تسلط الضوء على نقاط الضعف التي يمكن توجيه قوة الإرادة نحوها بنجاح. فهي تقترح العمليات التكتيكية المباشرة» و«تشير إلى الطريقة المثلى لإطلاق حملات التحريض السياسي».

إن قيمة أفكار غرامشي لا تنحصر في تفنيد الماركسيين الأرثوذكس، وإلا لكانت اليوم بغير قيمة كبيرة. إن أهميتها تتعدى ذلك بكثير. فعلى الرغم من أن ذلك النمط من الإيمان بالمصير التاريخي للطبقة العاملة الذي ساد في زمن غرامشي قد لا يكون شائعاً الآن، إلا أنه لا يزال هناك العديد من الأشخاص - سواء كانوا من الأكاديميين المهيمنين، أو المعلقين السياسيين، الليبراليين أو الراديكاليين - ممن يعتقدون بالحتمية. ويعتقد هؤلاء الناس أن الحركات الاجتماعية تفتقر تماماً إلى القدرة على التأثير في التاريخ، وأن الانتفاضات الكبرى لا تنشأ إلا بسبب الظروف التاريخية الخارجة عن سيطرتنا، أو أن الابتكار التكنولوجي هو المحرك الحاسم الوحيد للتقدم والتغيير.

ويقدم التحليل الغرامشيِّ أدوات مفيدة لرفض مثل هذه التشاؤم، سواء كانت نابعة من اليأس أو الإنسحابية أو التركيز على الحلول التكنولوجية أو الخوف من التطلع الفعليِّ إلى السلطة. وهو يُشجّع الحركات بدلاً من ذلك على التصدي لمسؤولية تنظيم وتعليم وإعداد قاعدة من الناس يمكن أن تكون مستعدة للتصرف عندما تأتي اللحظة المناسبة. ويرى غرامشي أن لا أحد يملك الحكم على الظروف التاريخية بأنها مواتية حقّاً سوى أولئك الذين يتمتعون ”بالقدرة الملموسة على التدخل الفعّال في هذه الظروف“. وبعبارة أخرى، فإن القَدَر يميل إلى المنظَّمين.

الفوز بمعركة الأفكار

حقق غرامشي تقدماً إضافياً تمثل في الكشف عن أهمية العناصر الثقافية والسياسية والأيديولوجية التي تكوُّن في التقليد الماركسي “البنية الفوقية” للمجتمع.  وقد عمل في هذا السياق على تطوير نظرية جديدة تتصل بكيفية نجاح الحركات في ترسيخ رؤيتها لمجتمعٍ عادل بصورةٍ دائمة.

الهيمنة لا تنطوي على استخدام القوة والانضباط «القانوني» فحسب، بل تشمل الطرق التي تُعمَّم بها الأفكار السائدة عبر المجتمع، مما يضمن الشرعية والقبول بحكم المجموعة المهيمنة

عند تحليل أسباب انتصار الثورة في روسيا وفشلها في بلدان أخرى، بما فيها بلاده، اعتمد غرامشي على رؤية معمقة لطريقة احتفاظ المجموعات المهيمنة بالسلطة. وقال إنه لا يجوز اختزال الدولة الرأسمالية إلى مجرد مجموعة من المؤسسات الحكومية التي تحتفظ بالسلطة بواسطة الإكراه، المنظم من خلال محاكمها وقواتها العسكرية والشرطية. وبدلاً من ذلك، تمتد سلطة الدولة إلى أبعد من ذلك بكثير، حيث تتغلغل في مؤسسات المجتمع المدني كالمدارس ووسائل الإعلام والكنائس وغيرها من المؤسسات.

ولا يمكن لنظام الحكم أن يستمر إلا من خلال الاحتفاظ بالهيمنة. ويتلخص مفهوم غرامشي الأكثر انتشاراً  في أن الهيمنة لا تنطوي على استخدام القوة والانضباط "القانوني" فحسب، بل تشمل الطرق التي تُعمَّم بها الأفكار السائدة عبر المجتمع، مما يضمن الشرعية والقبول بحكم المجموعة المهيمنة.

مع أخذ هذه المفاهيم في الاعتبار، ميَّز غرامشي بين الظروف في روسيا وبلدان الغرب. وأوضح أن مؤسسات الدولة الرسمية كانت هي المهيمنة في روسيا، في حين كان «المجتمع المدني بدائياً وهلامياً». على حين أنه "في الغرب، كان هناك توافقاً بين الدولة والمجتمع المدني". وفي الحالة الأخيرة، حمى المجتمع المدني المجموعات الحاكمة من أن تُطاح بسهولة: «عندما ارتعدت الدولة» أوضح غرامشي، «تبدّت على الفور البنية القوية للمجتمع المدني». لم تكن الدولة سوى خندق متقدم ووراءها كان هنالك نظام قوي من القلاع والمتاريس: أكثر أو أقل عدداً من دولة إلى أخرى.

وإدراكاً لهذه الشروط، جادل غرامشي بأن "حرب المناورة"، وهي نوع من الاستيلاء على السلطة يعتمد الهجوم المباشر على غرار الثورة الروسية، ستُستبدل في البلدان الرأسمالية المتقدمة بنمطٍ مختلف من النضال. ففي الغرب، يتعين على التنظيم أن يركز على "حرب المواقع"، أي الدخول في معركةٍ طويلة الأمد من أجل الهيمنة، تُشنّ في العديد من مجالات الحياة الاجتماعية.

وهذا يعني في المقام الأول الفوز بمعركة الأفكار. كتب الناقد ريموند ويليامز أن الهيمنة تتألف من "نظامٍ مركزي من الممارسات والمعاني والقيم التي تتغلغل في وعي المجتمع على مستوى أعمق بكثير من مفاهيم الأيديولوجية العادية"، وهي شيء يحتاج إلى أن يجري باستمرار "تجديده وإعادة صوغه والدفاع عنه". ويؤكد الغرامشيين أن الناشطين الذين يطمحون إلى تغيير النظام القائم لا ينبغي لهم أن يهدفوا إلا إلى خلق "حسٍّ مشترك" جديد يستطيع الناس من خلاله فهم مكانهم في العالم.

وكما يوضح هارموني غولدبرغ، الناشط والمعلم في مشروع السياسة الشعبية، “جادل غرامشي بأنه لا سبيل إلى تحقيق الاشتراكية أو الحفاظ عليها إذا قامت على قاعدة ضيقة من الطبقة العاملة. وبدلاً من ذلك، يتعين على الطبقة العاملة أن ترى نفسها كقوةٍ قائدةٍ في تحالف واسع متعدد الطبقات (أطلق عليه غرامشي وصف “الكتلة التاريخية”)  يمتلك رؤية موحدة للتغيير ويناضل من أجل مصالح جميع أعضائه. ويعني خلق اصطفاف موحد الاعتراف بأن الناس لا يشكلون معتقداتهم بطريقة آلية على أساس وضعهم الاقتصادي في المجتمع.

وبدلاً من ذلك، يتأثر التكوين الأيديولوجي كذلك، كما كتب ستيوارت هول، بـ “الانقسامات والتناقضات الاجتماعية الناشئة المرتبطة بالعِرق والانتماء الإثني والجنسية والچندر”.  وأشار هول في مكان آخر إلى أن مصالح المجموعة الاجتماعية "ليست معطاة، وإنما يتعين بناؤها سياسياً وأيديولوجياً".

إن هذه الأفكار تحمل في طياتها مضامين على قدر عظيم من الأهمية: فلا ينبغي للفنون السياسية المتمثلة في الرسائل الشعبية وبناء التحالفات أن تُترَك لليبراليين المهيمنين، بل لابد أن تكون مجالاً لهؤلاء الذين يسعون إلى المزيد من التغيير النوعي“. فمن غير الممكن أن تكتفي الحركات الراغبة في الفوز بترويج الشعارات التي لا تجتذب إلا المجموعات المنعزلة من الناشطين ذوي التفكير المماثل ؛ بل يتعين عليها أن تهتم بالنفاذ إلى ما هو أبعد من قاعدتها الحالية وصياغة الرسائل التي قد تجتذب مجموعة أوسع من الحلفاء المحتملين.

من غير الممكن أن تكتفي الحركات الراغبة في الفوز بترويج الشعارات التي لا تجتذب إلا المجموعات المنعزلة من الناشطين ذوي التفكير المماثل؛ بل يتعين عليها أن تهتم بالنفاذ إلى ما هو أبعد من قاعدتها الحالية وصياغة الرسائل التي قد تجتذب مجموعة أوسع من الحلفاء المحتملين

ويتطلب بناء الحس المشترك الجديد مكافحة الأفكار التي تجعل الناس يشعرون بالرضا عن الذات. يلاحظ غولدبرغ أن الأيديولوجية الفردية والتفتيتية التي تنتهجها الجماعات المهيمنة حاليا يمكن أن تؤدي إلى تسريح عميق للحركة. كتب:

"يمكننا أن نصدق أن مصالحنا تتماشى مع نجاح الرأسمالية وليس مع تدميرها (على سبيل المثال المد العالي يرفع كل القوارب"). يمكننا أن نعتقد أنه لا توجد بدائل للنظام القائم؛ يمكننا التشبع بالشعور الزائف بالتفوق أو الدونية (مثل تفوق البيض الذي يشجع الفقراء البيض على هدهدة أنفسهم بامتياَزاتهم الاجتماعية)؛ وأكثر من ذلك ".

وإذا كان للحركات أن تستعيض عن هذه المعتقدات بهيمنتها هي، فيجب عليها أن تكتشف بديلاً مقنعاً. ولكن هذه ليست سوى خطوة أولى. حيث يتعين عليها كذلك أن تحدد أي المجموعات الاجتماعية يمكن أن تتحد لدعم هذا البديل، ثم تبني بعناية القوة السياسية اللازمة لذلك التحالف. يتلخص الهدف، كما يجادل الغراَمشيون المعاصرون، في خلق "نَحْنُ" كبيرة بالقدر الكافي، ليس فقط للفوز في الانتخابات العرضية، بل لتغيير الطريقة التي يفكر بها الناس في أنفسهم وفي علاقاتهم بالآخرين. إنه بالأحرى بناء الإرادة الجماعية من أجل الممارسة.

إشراك المؤسسات

يشجع الفكر الغرامشيِّ التنوع الاستراتيجي.  وبما أنه سيجري تطوير المناهج على أساسِ تحليل الظروف الفريدة لكل بلدٍ، فإن استراتيجيات الحركة تختلف باختلاف المناطق الجغرافية. وبما أن حرب المواقع تشكل جهداً طويل الأمد، تُشنّ على العديد من الجبهات المختلفة، فإن مجموعة واسعة من المساهمات يمكن أن تساعد في النضال من أجل العدالة الاجتماعية والاقتصادية.

في مقابلة أجريت مؤخرًا مع الباحث الغرامشيِّ مايكل دينينغ في برنامج "The Dig"، أشار مضيف البودكاست دانييل دينفير إلى أن تفكير غرامشي كان وسيلة لليسار للخروج من المناقشات التي لا معنى لها والتي ترى أن "الانتخابات"، والمساعدة المتبادلة، وتنظيم مكان العمل هي أمور متعارضة فيما بينها، وليست مناهج تـُكمل بعضها البعض. وأشار دينينغ ردّاً على ذلك، ”في استطاعتنا جميعاً كيساريين أن نشعر بالتعاطف مع بعضنا البعض تبعاً لما نتمتع به من مواهبٍ وقدراتٍ، بدلاً من تأنيب الناس على القيام بأمورٍ لا يملكون بالضرورة القدرة على الاضطلاع بها“. وتابع قائلاً: “أعتقد أن غرامشي يقود المرء إلى التشكك في أن موقعاً واحداً قادراً على أن يكون الموقع المركزي. يتعين على الناس الإنخراط في النضالات التي يشعرون حيالها بأنهم يمكن أن يكونوا أكثر فعالية وقوة وحيث توجد مواهبهم الخاصة“.

إن أفضل السبل لشن حرب المواقع هو أمر مطروح للنقاش. في أواخر الستينيات، جادل الناشط الطلابي الألماني رودي دوتشكي أن اليسار يحتاج إلى القيام "بزحفٍ طويل الأمد عبر المؤسسات". وهذا يعني التغلغل في الهيئات الاجتماعية القائمة -بما في ذلك المدارس والجامعات والأحزاب السياسية ووسائل الإعلام ومقدمي الرعاية الصحية والمنظمات المجتمعية والنقابات والمهن -بقصد إضفاء الطابع الراديكالي عليها وتغييرها. وقد اعتبر الكثيرون هذه المسيرة امتداداً للخطِّ الغرامشيِّ.

وتعدّ حركة العمال البرازيليين غير المالكين للأراضي (المعروفة بالبرتغالية باسم حركة Trabalhadores Rurais Sem Terra، أو MST) إحدى المجموعات التي تبنت هذا النهج. من بين أكبر الحركات الاجتماعية في أمريكا اللاتينية، قامت الحركة بإحتلال أماكن العمل في الريف مطالبةً بالأرض لما يزيد عن 350 ألف أسرة، في حين تفاعلت بعمقٍ مع الحكومة لبناء شبكة واسعة من المدارس والعيادات الصحية المجتمعية ومراكز تجهيز الأغذية.

وتصف الباحثة ريبيكا تاَرلاو هذه الجهود بأنها "حَوكمة مشتركة معقدة". وهنا، لا يغير المزارعون الناشطون طبيعة المؤسسات الرئيسية التي يدخلونها فحسب؛ بل أنهم يستخدمون هذه الهيئات لتوسيع شرعية حركتهم وقدراتها التنظيمية. تؤكد تاَرلاو أن "الأهم من ذلك هو أن حركة العمال الموحدة لا تجسد هذه الإستراتيجية الغرامشية فحسب، بل إن النشطاء يستندون بصورةٍ واضحة إلى نظرية غرامشي لتبرير مشاركتهم المستمرة مع الدولة البرازيلية".

يخبرنا غرامشي أن السلطة موجودة في كل مكان، وأن تولي المناصب لا يكون ذا قيمة إلا كجزء من استراتيجية حركة أكبر لحشد القلوب والعقول حول رؤية تقدمية حقيقية

من الأمور الحاسمة في هذا النهج فكرة أن المشاركين في الحركة يدخلون المؤسسات ليس كمصلحين - وهو موقف قد يجعلهم عرضة للاستقطاب - وإنما كجزء من جهد لبناء «القيادة الفكرية والأخلاقية» اللازمة لمشروع تقدمي يتصل بكسبِ الهيمنة. ويلعب "المثقفين العضويين"، على غرار معلمي القرى أو كهنة الأبرشيات في إيطاليا في زمن غرامشي، دوراً حيوياً في ترجمة الأفكار البديلة المتعلقة بخلق مجتمع أفضل إلى ممارسة واقعية.

وعلى خلاف العلماء التقليديين، نشر هؤلاء المشاركون في الحركة المحلية الأيديولوجية ليس من خلال التطوير الأكاديمي للنظرية، ولكن من خلال الممارسة الفعلية للقيادة في شؤون ومؤسسات المجتمع. توضح تَارلاو أنه من خلال أنشطتهم، فإن هؤلاء الأشخاص في الواقع «يحاولون باستمرار الحصول على تأييد المجتمع المدني لدعم أهدافهم السياسية والاقتصادية» وخلق «مبرر لأشكال جديدة من العلائق الاجتماعية».

في كثير من الأحيان، ترى المقاربات السائدة للسياسة أن كل السلطات تتركز في الحكومة، ولا سيما على المستوى الفيدرالي، وترى أن انتخاب الوسطيين القادرين على الفوز بالمناصب هو المفتاح لتعزيز التقدم. يخبرنا غرامشي أن السلطة موجودة في كل مكان، وأن تولي المناصب لا يكون ذا قيمة إلا كجزء من استراتيجية حركة أكبر لحشد القلوب والعقول حول رؤية تقدمية حقيقية. وعلى الطرف الآخر من الطيف، يسعى الكثير من الأشخاص العاملين خارج الحكومة إلى التغيير في مجال واحد ولا غير - على مستوى مكان عمل واحد، أو مدرسة، أو كنيسة، أو تعاونية غذائية، أو مبادرة حي - من دون ربط جهودهم بمشروع أكثر شمولاً للتغيير. يشجع غرامشي الحركات على متابعة المبادرات واسعة النطاق، على أن تُوَحَّد دائماً كجزءٍ من برنامجٍ مشترك لتحويل المجتمع.

كتب ستيوارت هول في ثمانينيات القرن العشرين: «اليوم، على وجه الخصوص، نعيش في عصر تنهار فيه الهويات السياسية القديمة». ويمكن قول الشيء نفسه عن عصرنا الحالي. إذا أرادت الحركات التي تنشد العدالة أن تفوز، فيتعين عليها أن تعمل على بناء هويات وتحالفات جديدة، يتم بناؤها من خلال التعامل مع المؤسسات المتنوعة ومواقع الصراع السياسي التي تشكل حياة الناس.

لا يقدم غرامشي إجابات مُبسَّطة للتحدياتِ التي نواجهها اليوم. بيد أنه، وعن طريقِ مفاهيمٍ مثل "الهيمنة" و"المثقفين العضويين"، و"حرب المواقع" و"الكتلة التاريخية"، و"التحليل الظرفي"، والمعركة في سبيل "الحسّ المشترك"، يزود الحركات الاجتماعية بمفاهيمٍ استراتيجية خصبة. ومن خلال تشديدهِ على رفض الحتمية والتعامل مع معتقدات المجتمع الأكثر عمقاً، يقدم نهجاً للسياسة الراديكالية يتّسم بالديناميكية إلى الحد الذي يضمن له الاستمرار خلال الأزمات والتحولات المستقبلية.

نشر هذا المقال في Waging NonViolence في الأول من آب/أغسطس 2023.